خطبة الأسبوعخطبة الجمعةعاجل

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةُ :(( الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ والْحَسَنَةِ )) د. مُحَمَّدُ حَرْزٌ

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةُ :(( الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ والْحَسَنَةِ )) د. مُحَمَّدُ حَرْزٌ 18 شَعْبَانَ بِتَارِيخِ 1447ه ، الْمُوَافِقُ ، 6 مِن فِبْرَايرَ 2026م

 

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةُ WORD :(( الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ والْحَسَنَةِ )) د. مُحَمَّدُ حَرْزٌ

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةُ PDF :(( الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ والْحَسَنَةِ )) د. مُحَمَّدُ حَرْزٌ

 

الحَمْدُ لِلَّهِ القَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ :” وَمَن أَحسَنُ قَولاً مِمَّن دَعَا إِلى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّني مِنَ المُسلِمِينَ ” فصلت 33 وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، وحْده لا شريك له، وأشْهد أنَّ نبيَّنا محمدًا عبْده ورسوله، كريمٌ الأخْلاق، وطَيِّبُ الخصالِ، وخيْرُ منْ تقرَّب إلى الله بالإعْظام والإكْبار والإجْلال، القائلُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – : ” مَن دَعَا إِلى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجرِ مِثلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ ، لا يَنقُصُ ذَلِكَ مِن أُجُورِهِم شَيئًا ” رَوَاهُ مُسلِمٌ . فاللهم صلَّ وسلَّم عليْه وعلى آله وصحْبه خيْر صحْبٍ وآل، وعلى مَنْ تَبِعهم بإحْسانٍ ما تجدَّدت البُكور والآصال….أمَّا بعدُ …..فأوصيكُم ونفسِي أيُّها الأخيارُ بتقوى العزيزِ الغفارِ)): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( (آل عمران :102) عِبَادَ اللهِ : (( الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ والْحَسَنَةِ )) هُوَ عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

❖ ♦️أَوَّلًا: الدَّعْوَةُ بِالْحُسْنَى شَرَفٌ وأَيُّ شَرَفِ.

❖ ♦️ثَانِيًا: فَضَائِلُ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ.

❖ ♦️ثَالِثًا وَأَخِيرًا: الْمُغَالَاةُ فِي تَكاليفِ الزواجِ جَرِيمَةٌ لَا تَغْتَفِرُ فِي حَقِّ الشَّبَابِ.

أيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً مَا أحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ وَالْحَسَنَةِ وَخَاصَّةً والدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ كَرَامَةٌ وَأَيٌّ كَرَامَةٍ ،وَشَرَفٌ وَأَيٌّ شَرَفٍ وَعِزَّةٌ وَأَيٌّ عِزَّةٍ، تِلكُم الدَّعوَةُ إِلَى اللَّهِ هِيَ وظِيفَةُ الأَنبِيَاءِ وَسَبِيلُ المُرسِلِينَ ، وَمَن جَاءَ بَعدَهُم مِنَ العُلَمَاءِ وَالمُصلِحِينَ وَالنَّاصِحِينَ ” يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَرسَلنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا . وَدَاعِيًا إِلى اللهِ بِإِذنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا)) وَخَاصَّةً وَلَقَدْ ظَهَرَتِ الدَّعَوَاتُ الْمُتَشَدِّدَةُ الْمُنَفِّرَةُ لِلنَّاسِ مِنْ دِينِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَخَاصَّةً وأَدْعِيَاءُ السُّوءِ يَفْتَخِرُونَ بِدَعْوَتِهِمْ وَأَدْعِيَاءُ الْإِلْحَادِ لَا يَمَلُّونَ مِنْ دَعْوَتِهِمْ وَأَدْعِيَاءٌ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ لَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ دَعْوَتِهِمْ وَأَدْعِيَاءُ الْخَلِيعَةِ لَا يَمَلُّونَ مِنْ نَشْرِ مَقَاطِعِهِمْ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

❖ ♦️أَوَّلًا: الدَّعْوَةُ بِالْحُسْنَى شَرَفٌ وأَيُّ شَرَفِ.

أيُّهَا السَّادَةُ: الدعوةُ إلى اللهِ شَرَفٌ عَظيمٌ، ومَقامٌ رَفيعٌ، وَمَنهَجٌ كَرِيمٌ ، فَهِيَ وَظِيفَةُ الأنبياءِ، وطريقُ المُصلِحينَ، قالَ جلَّ وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحلِ: 125]. إنَّها ليست مُجرَّدَ كَلِمَاتٍ تُقالُ، بَلْ رِسالَةٌ تَحْمِلُ النورَ لِلقلوبِ، وتَبني الإيمانَ في النُفوسِ، وتُصلِحُ المُجتمَعاتِ. فالدعوةُ إِلَى اللهِ فَرِيضَةُ الفَرَائضِ، وسنامُ الواجباتِ، وهِيَ الرِّسالَةُ التي اصطفَى اللهُ لَها أنبياءَهُ، وهِيَ زادُ العُلماءِ، وتاجُ الصَّالحينَ، ودُرَّةُ العارِفينَ؛ هِيَ أَشْرَفُ الأَعْمالِ قَدْرًا، وأَعْلَى المَقَاماتِ شَأْنًا، بِهَا تَنْفَتِحُ القُلُوبُ لِمَعْرِفَةِ اللهِ، فَيَنْتَبِهُ الغافِلُ مِنْ غَفْلَتِهِ، وتَنْهَضُ الهِمَمُ الخاملَةُ مِنْ رُقادِهَا، وَيَتَعَلَّمُ الجاهِلُ سَبيلَ الحَقِّ، وتَسْمُو الأَخْلاقُ، ويَتَهَذَّبُ السُّلُوكُ، وَيَسْتَقِيمُ مِيزَانُ المُجتمعِ، ويُستَأصَلُ الفَسادُ مِنْ جُذُورِه.

الدَّعْوَةُ لَيْسَتْ كَلَامًا وَلَا فَلْسَفَاتٍ وَلَا خُطَبًا رَنَّانَةً ،الدَّعْوَةُ فِعْلٌ، الدَّعْوَةُ قَوْلٌ وعَملٌ، الدَّعْوَةُ تَطْبِيقٌ وامْتِثَالٌ، الدَّعْوَةُ حُبٌّ لَيْسَتْ وَظِيفَةً كَمَا يَعْتَقِدُ الْبَعْضُ.

الدَّعْوَةُ تَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ حَتَّى تَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَإِلَى حِكْمَةٍ حَتَّى تَصِلَ إِلَى الْقُلُوبِ، وَإِلَى إِخْلَاصٍ حَتَّى يَقْبَلَهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا ، الدَّعْوَةُ هِىَ الشِّعَارُ الأَوَّلُ لِلِاقْتِدَاءِ بِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالطَّرِيقُ الوَاضِحُ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَ سَبِيلَهُ قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]. هَذِهِ هِيَ سَبِيلُ مُحَمَّدٍ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ – وَتِلكَ هِيَ طَرِيقَتُهُ وَهَذِهِ هِيَ وَظِيفَتُهُ ، دَعوَةُ النَّاسِ إِلى اللهِ ، دَعوَةُ النَّاسِ إِلى الإِسلامِ ، تَعبِيدُهُم لِرَبِّهِم ، بِمَا نَزَلَ في كِتَابِهِ وَجَاءَ بِهِ رَسُولُهُ ، لا إِلى مَذَاهِبَ فِكرِيَّةٍ وَلا إِلى آرَاءٍ حِزبِيَّةٍ ، وَلا إِلى شُعُوبِيَّةٍ وَلا إِلى عُنصُرِيَّةٍ ، بل إِلى اللهِ وَحدَهُ ، وَعَلَى بَصِيرَةٍ مِن الأَمرِ وَهُدًى وَحَقٍّ وَيَقِينٍ وَبُرهَانٍ ؛ بِعِلمٍ وَحِكمَةٍ وَرِفقٍ ، وَنِيَّةٍ حَسَنَةٍ وَإرَادَةٍ خَيِّرَةٍ ” اُدْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ ” وَكَيْفَ لَا ؟وَالنَّبيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – هُوَ أَوَّلُ الدُّعَاةِ في هَذِهِ الأُمَّةِ وَإِمَامُهُم وَقَائِدُهُم وَكَيْفَ لَا ؟ ولَقَدْ عَرَفَ رَسُولُنَا صلى الله عليه وسلم عِظَمَ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْمُلْقَاةِ عَلَى عَاتِقِهِ؛ فَدَعَا إِلَى اللهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجِهَارًا، .. يَأْتِي أَنْدِيَةَ الْعَرَبِ وَأَسْوَاقَهُمْ، وَقَوَافِلَ الْحَجِيجِ وَمَنَازِلَهُمْ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ دَعْوَتَهُ، وَيُطَالِبُهُمْ بِأَنْ يَحْمُوهَا وَلَهُمُ الْجَنَّةُ..، فَمِنْ مُسْتَجِيبٍ..، وَمِنْ رَادٍّ..، وَمِنْ مُتَوَقِّفٍ. وَنَالَهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ قَوْمِهِ مَا نَالَهُ من الأذى الحسِّيِّ والمعنويِّ؛ فَقَالُوا عَنْهُ: كَذَّابٌ، وسَاحِرٌ، وشَاعِرٌ، ومَجْنُونٌ، ومُفْتَرٍ عَلَى اللهِ، وأُلقِيَ عَلَى ظَهْرِهِ سَلاَ الْجَزُورِ، وَوُضِعَ أَمَامَ بَيْتِهِ الشَّوْكُ وَالْقَذَرُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، كُلُّ هَمِّهِ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ يُخرجُ النَّاسَ مِنَ الضَّلاَلِ إِلَى الْهُدَى، وَمِنَ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَمِنَ النَّارِ إِلَى الْجَنَّةِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ»، لِذا وَرِثَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- هَمَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحِرْصَهُ عَلَى هِدَايَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَالْعَالَمِ أَجْمَعَ..، وَعَلِمُوا أَنَّ نَشْرَ الدِّينِ وَالْقِيَامَ بِشَأْنِهِ مَسْؤُولِيَّتُهُمْ؛ وَلِذَلِكَ جَابُوا الأَرْضَ شَرْقًا وَغَرْبًا، شَمَالًا وَجَنُوبًا، لِيُبَلِّغُوا هَذَا الدِّينَ الْعَظِيمَ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ بِلاَدَ فَارِسَ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَشَمَالَ الْمَغْرِبِ وَغَيْرَهَا مِنَ الأَمْصَارِ، وَفِي كُلِّ بَلَدٍ يَفْتَحُونَهُ يَنْشُرُونَ الدِّينَ، فَيَدْخُلُ النَّاسُ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا؛ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ سَمَاحَةِ الإِسْلاَمِ، وَجَمِيلِ أَخْلاَقِ الْمُسْلِمِينَ.

لقد كانَ الصَّحَابَةُ -رضي الله عنهم- يَسْتَطَيِعُونَ الْبَقَاءَ فِي مَكَّةَ حَيْثُ بَيْتُ اللهِ الْحَرَامُ، وَالصَّلاَةُ فِيهِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ، أَوْ يَبْقَوْنَ فِي الْمَدِينَةِ حَيْثُ مَرْكَزُ الْخِلاَفَةِ الرَّاشِدَةِ، وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالصَّلاَةُ فِيهِ بِأَلْفِ صَلاَةٍ، لَكِنَّهُمْ عَلِمُوا وَأَيْقَنُوا أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ، وَالْجِهَادَ فِي سَبِيلِهِ، وَإِعْلاَءَ كَلِمَتِهِ فِي الأَرْضِ: أَوْلَى وَأَفْضَلُ مِنَ الْبَقَاءِ فِي تِلْكَ الْبِقَاعِ الطَّاهِرَةِ. قَالَ رُسْتُمُ قَائِدُ الْفُرْسِ فِي مَعْرَكَةِ الْقَادِسِيَّةِ لِلصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ رِبْعِيِّ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه: مَا الَّذِي جَاءَ بِكُمْ؟ فَأَجَابَهُ رضي الله عنه بِكَلِماتٍ عليها نور، قال: (اللهُ جَاءَ بِنَا، وَاللهُ ابْتَعَثَنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الإِسْلاَمِ، فَأَرْسَلَنَا إِلَى خَلْقِهِ لِنَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ، فَمَنْ قَبِلَ مِنَّا ذَلِكَ؛ قَبِلْنَا ذَلِكَ مِنْهُ، وَرَجَعْنَا عَنْهُ، وَتَرَكْنَاهُ وَأَرْضَهُ يَلِيهَا دُونَنَا، وَمَنْ أَبَى؛ قَاتَلْنَاهُ أَبَدًا حَتَّى نُفْضِيَ إِلَى مَوْعُودِ اللهِ) [ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ]. وَكَيْفَ لَا ؟ وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ كَبُرَ أَوْ صَغُرَ مَسْئُولِيَّةُ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ وَالْبَلَاغِ عَنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْقَائِلُ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ « بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ).فَاتَّقُوا اللهَ – تَعَالى – وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ ، وَادعُوا إِلى سَبِيلِ رَبِّكُم بِقَدرِ مَا تَستَطِيعُونَ عَلَى عِلمٍ وَبَصِيرَةٍ ، اُدعُوا إِلى اللهِ في بُيُوتِكُم وَفي مَسَاجِدِكُم ، وَفي طُرُقَاتِكُم وَفي أَمَاكِنِ أَعمَالِكُم ، وَفي اجتِمَاعَاتِكُم وَمُنَاسَبَاتِكُم ، وَفي كُلِّ مَكَانٍ تَكُونُونَ فِيهِ ، لَيلاً وَنَهَارًا ، وَسِرًّا وَجِهَارًا ، اُدعُوا إِلى اللهِ بِأَلسِنَتِكُم وَبِأَقلامِكُم وَأَموَالِكُم ، وَبِأَخلاقِكُم وَتَعَامُلِكُم ، كُونُوا قُدوَةً حَسَنَةً لِمَن حَولَكُم ، اُدعُوا أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم وَأَقَارِبَكُم ، وَانصَحُوا لإِخوَانِكُمُ المُسلِمِينَ ، قَالَ – تَعَالى – : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ “وَقَالَ – سُبحَانَهُ – : ” وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ “. وَفَي صَحِيحِ مُسلِمٍ قَالَ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ – : ” الدِّينُ النَّصِيحَةُ ” قُلنَا لِمَن ؟! قَالَ : ” للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ ، وَلأَئِمَّةِ المُسلِمِينَ وَعَامَّتِهِم ” فَأَنتَ مَسْؤُولٌ عَنْ دَعْوَةِ زَوْجَتِكَ وَأَوْلَادِكَ ((كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وهي مَسْؤُولَةٌ عن رَعِيَّتِهَا، والخَادِمُ في مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ)) وفي حديث مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ  قال قَالَ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ما مِنْ عبدٍ يسترْعيه اللهُ رعيَّةً ، يموتُ يومَ يموتُ ، وهوَ غاشٌّ لرعِيَّتِهِ ، إلَّا حرّمَ اللهُ عليْهِ الجنَّةَ)) فَلْنَحْرِصْ جَمِيعًا عَلَى أَنْ نَكُونَ دُعَاةَ خَيْرٍ فِي بُيُوتِنَا، وَأَعْمَالِنَا، وَمَعَ جِيرَانِنَا، بِالْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَبِالْكَلِمَاتِ الرَّقِيقَةِ الرَّقْرَاقَةِ (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه: 132]. وَقَالَ – سُبحَانَهُ – : ” وَأْمُرْ أَهلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا لا نَسأَلُكَ رِزقًا نَحنُ نَرزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقوَى ” وَقَالَ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ – : ” مُرُوا أَولادَكُم بِالصَّلاةِ وَهُم أَبنَاءُ سَبعِ سِنِينَ ، وَاضرِبُوهُم عَلَيهَا وَهُم أَبنَاءُ عَشرٍ …” رَوَاهُ أَبُو دَاُودَ لكنْ

لا تنهَ عن خلُقٍ وتأتيَ مثلَه*****عارٌ عليك إذا فعلت عظيمٌ

❖ ♦️ثَانِيًا: فَضَائِلُ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ.

أيُّهَا السَّادَةُ: فَإِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- شَرَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَزِينَتُهَا بَيْنَ الْأُمَمِ, وَلِلدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ فَضَائِلَ كَثِيرَةً وَعَدِيدَةً مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ لَا الْحَصْرِ : أَنَّ الدَّعْوَةَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْخَيْرِيةِ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ قَالَ جَلَّ وَعَلَا (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران: 110]؛ قَالَ جَلَّ وَعَلَا (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة: 143].

وَمِنْ فَضَائِلِهَا :الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ طَرِيقُ الْجَنَّةِ وَأَمَانُ الْأُمَّةِ مِنَ الْهَلَاكِ: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «من دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن أُجُورِهِمْ شيئًا، ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ، كانَ عليه مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن آثامِهِمْ شيئًا» [رواه مسلم]. وعَنْ سيدنا سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لسيدنا علي بن أبي طالب “يوم خيبر”: «…، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» [متفق عليه].

وَمِنْ فَضَائِلِهَا : إِنَّهَا طَرِيقُ الْفَلَاحِ وَسِبيلُ النَّجَاةِ, قَالَ جَلَّ وَعَلَا (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران: 104], وَالْمُفْلِحُ هُوَ مَنْ فَازَ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَتَجَنَّبَ شُرُورَهُمَا. وَمِنْ فَضَائِلِهَا : إِنَّهَا طَرِيقٌ لِتَهْذِيبِ النُّفُوسِ وَتَزْكِيَتِهَا, قَالَ جَلَّ وَعَلَا (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [آل عمران: 164). وَمِنْ فَضَائِلِهَا : إِنَّهَا  سَبَبٌ لِلنَّجَاةِ وَالْبُعْدُ عَنِ الْخَسَارَةِ, قَالَ اللهُ -تَعَالَى)وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [سورة العصر: 1- 3). وَمِنْ فَضَائِلِهَا : إِنَّهَا سَبَبٌ لِلثَّبَاتِ عَلَى الدِّينِ , يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى-: (إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد: 7]، فَلْيَبْشِرْ كُلُّ مَنْ دَعَا إِلَى اللهِ أَنْ يَمْنَحَهُ اللهُ الثَّبَاتَ عَلَى الدِّينِ وَالْقُوَّةَ فِي التَّمَسُّكِ بِهِ جَزَاءً لِجُهُودِهِ, وَمُكَافَأَةً لَهُ عَلَى حُسْنِ صَنِيعِهِ وَعَمَلِهِ, وَهَذَا شَيْءٌ نَرَاهُ فِي وَاقِعِنَا لِلْعُلَمَاءِ الْكِبَارِ وَالدُّعَاةِ الذِينَ خَدَمُوا الدِّينَ , فَهُمْ أَقْوَى النَّاسِ ثَبَاتَاً عَلَى مَرِّ الْأَزْمَانِ وَتَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ. وَمِنْ فَضَائِلِهَا : إِنَّهَا بَابٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ وَطَرِيقٌ سَهْلٌ لاكْتِسَابِ الْأَجْرِ, يَبْقَى لَكَ ثَوَابُهُ بَعْدَ مَوْتِكَ, عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ” (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

وَمِنْ فَضَائِلِهَا : إِنَّهَا سَبَبٌ لِمَحَبَّةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-, عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ” (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ).وَمِنْ فَضَائِلِهَا :الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ مَاضِيَةٌ، وَعِلمٌ نَافِعٌ وَفَضلٌ مِنَ اللهِ وَاسِعٌ، وَالمُهتَدُونَ بِسَبَبِهَا أَبنَاءٌ صَالِحُونَ بَرَرَةٌ. فَإِنَّ لَهُ أُجُورًا أُخرَى وَبَرَكَاتٍ وَخَيرَاتٍ، تَشمَلُهُ وَتَنَالُهُ بِسَبَبِ تَعلِيمِهِ الخَيرَ وَدَعوَتِهِ إِلَيهِ، مِن صَلاةِ اللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَأَهلِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ عَلَيهِ، وَدُعَاءِ مُحَمَّدٍ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ – لَهُ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لأَنَّ مَا يُبَلِّغُهُ إِنَّمَا هُوَ العِلمُ المَورُوثُ مِن قَولِ اللهِ – تَعَالى – وَقَولِ رَسُولِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -: ” إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ حَتى النَّملَةَ في جُحرِهَا وَحَتى الحُوتَ لِيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيرَ ” رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَغَيرُهُ. ن سَامِعٍ ” رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ .

وَالْدَّاعِيَةُ الْحَقُّ هُوَ مَن يَقْتَدِي بِأَخْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَرِفُقُ بِالْمَدْعُوِّ، وَيَصْبِرُ عَلَى الْأَذَى، وَيَكُونُ قُدْوَةً فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ فَالدَّعْوَةُ تَكُونُ بِالرِّفْقِ وَلِينِ الْخِطَابِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا نَبِيَّهُ مُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ: أَنْ يَقُولَا لِفِرْعَوْنَ فِي حَالِ تَبْلِيغِ رِسَالَةِ اللَّهِ إِلَيْهِ «قَوْلًا لَيِّنًا» أَيْ: كَلَامًا لَطِيفًا سَهْلًا رَقِيقًا، لَيْسَ فِيهِ مَا يُغْضِبُ وَيُنَفِّرُ”. وَلما قَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَ سيدنا يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ هَذِهِ الآية: فقالا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، فَبَكَى يَحْيَى، وَقَالَ: إِلَهِي هَذَا رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ أَنَا الْإِلَهُ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ أَنْتَ الْإِلَهُ؟ [تفسير البغوي].

وَعَلَى الْدَّاعِيَةِ اخْتِيَارُ الْأَوْقَاتِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْدَّعْوَةِ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُ أَصْحَابَهُ بِالْمَوْعِظَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، مُراعِيًا في ذلك نَشَاطَهم؛ فعَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ؛ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ! قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا» [متفق عليه ) وَاجْعَلْ خِطَابَكَ لِلْمُخَالِفِينَ خِطَابَ رَحْمَةٍ لَا خِطَابَ عَذَابٍ لَا تَخْوِيفَ النَّاسِ أَوِ الْحُكْمَ عَلَى مُخَالِفِيهِ بِالنَّارِ، وَلَا التَّشَفِّي بِسُوءِ أَحْوَالِهِمْ، بَلْ الدَّاعِيَةُ طَبِيبٌ يَدَاوِي الْمَرْضَى، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ رَحِيمًا بِهِمْ، وَأَشْفِقْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَيَحْزُنُ لِضَلَالِ مَنْ ضَلَّ، وَمَعْصِيَةِ مَنْ عَصَى، وَيَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى لَهُمْ عَلَى الدَّوَامِ بِالْهِدَايَةِ، وَلَا يَدْعُو عَلَيْهِمْ قَطُّ، وَإِنْ أَسَاءُوا إِلَيْهِ، فَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَهْرًا فِي قُنُوتِهِ، فَعَنْ سَيْدِنَا ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ سيدَنا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الفَجْرِ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ العَنْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا وَفُلاَنًا، بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْء﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فكان صلى الله عليه وسلم بعدها يدعو للعصاةِ على الدوامِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرو إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا قَدْ هَلَكَتْ عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ» [صحيح البخاري].

ومهمةُ الداعيةِ أن يُبلِّغ ويُبيِّن، أن يزرعَ الكلمةَ الصادقةَ في القلوبِ، ثم يَكِل ثمرة دعوته إلى مشيئة الله وحكمته. فليس عليه أن يقسر النفوسِ، ولا أن يُسيطر على القلوبِ، فقد قال الله لنبيه الكريم: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر﴾ [الغاشية: ٢٢]، وقال: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩].

وَلا شَكَّ أَنَّ أَعْظَمَ النَّفْعِ لِلنَّاسِ هُوَ نَفْعُهُمْ فِي تَصْحِيحِ مُعْتَقَدِهِمْ وَدِينِهِمْ, وَتَزْكِيَةِ أْخَلاقِهِمْ وَسُلُوكِهِمْ  وَمُحَارَبَةِ الْبَاطِلِ وَالشَّهَوَاتِ التِي تَعْتَرِضُهُمْ. هَذَا غَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ وَقَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبِوِيَّةِ الْمُرَغِّبَةِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ وَالْحَاثَّةِ عَلَى تَعْلِيمِ النَّاسِ الْخَيْرَ وَدَعْوَتِهِمْ لَهُ, وَكُلُّ مُوَفَّقٍ يَسْتَطِيعُ تَقْدِيمَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى الْخَيْرِ بِحَسْبِ مَا عِنْدَهُ مِنْ عِلْمٍ, فَيَدْعُوَ أَهْلَهُ وَمَنْ حَوْلَهُ, وَيَأْمُرُ لِخَيْرٍ وَيَنْهَى عَنْ شَرٍّ, فَإِنَّنَا فِي حَاجَةٍ عَظِيمَةٍ لِلتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى, وَالتَّكَاتُفِ عَلَى الصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ. لكنْ تذكرْ

      يأيها الرجلُ المعلّمُ غيرَه*****هلاّ لنفسك كان ذا التعليمُ

ونراك تُصلح بالرشاد عقولنا****أبدًا وأنت من الرشاد عديمُ

ابدأ بنفسك فانهَها عن غَيِّها****فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يُقبل ما تقول ويُهتدَى***بالقول منك، وينفع التعليمُ

الْحَمْدُ للهِ الذَي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ, وَالصَّلاةُ عَلَى خَاتَمِ رُسُلِهِ وَأَفْضَلِ أَنْبِيَائِهِ, وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ لِقَائِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيراً. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَقُومُوا بِمَا أَوْجَبَ عَلَيْكُمْ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى دِينِهِ, كُلٌّ بِحَسْبِ قُدْرَتِهِ وَمَا عِنْدَهُ مِنْ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ بِالْخَيْرِ.

❖ ♦️ثَالِثًا وَأَخِيرًا: الْمُغَالَاةُ فِي تكاليفِ الزواجِ جَرِيمَةٌ لَا تَغْتَفِرُ فِي حَقِّ الشَّبَابِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: لَقَدْ حَدَّدَتْ وِزَارَةُ الأَوْقَافِ فِي ظِلِّ مُبَادَرَةِ صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ قَضِيَّةً مُهِمَّةً للَغَايَة أَلَّا وَهِيَ((الْمُغَالَاةُ فِي تكاليفِ الزواجِ)) شَدَّدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْنَا غَالِينَا فِي الْمَهُورِ فَارْتَفَعَ الذَّهَبُ ارْتِفَاعًا فَاحِشًا ، غَالِينَا فِي التَّجْهِيزَاتِ فَارْتَفَعَتْ التَّجْهِيزَاتُ ارْتِفَاعًا بَاهِظًا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، نَزَعَتِ الْبَرَكَةُ وَعَزَفَ الشَّبَابُ عَنْ الزَوَاجِ وَانْتَشَرَتِ الْعُنُوسَةُ وَانْتَشَرَتِ الْفَوَاحِشُ وَالْجَرَائِمُ وَالزِّنَا وَالْمَوَاقِعُ الْإِبَاحِيَّةُ جَذَبَتِ الْكَثِيرَ مِنَ الشَّبَابِ وَالشَّبَاتِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فالتيسيرَ التيسيرَ عبادَ الله عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلاَ تُنَفِّرُوا» [رواه البخاري]، الحذرَ الحذرَ منْ المغالاةِ والإسرافِ والتبذيرِ عبادَ الله ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] خَاصَّةَ والإِسْرَافُ فِي حَفَلاتِ الزَّواجِ، وَهُوَ مِنْ أَبْرَزِ مَظَاهِرِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَكَالِيفِ الزَّواجِ. لَذا رَغَّبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَخْفِيفِ الصَّدَاقِ، فَقالَ: ((خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ))وجَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَهَمَّ أَمْرٍ فِي قَبُولِ الشَّابِّ الخَاطِبِ: الخُلُقُ وَالدِّينُ، لَا المالُ وَالدُّنْيَا، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّـهِ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَن تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَزَوِّجُوهُ؛ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُن فِتْنَةً فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)) فِيَا سُبْحَانَ اللَّـهِ! كَم بَلَغَ الطَّمَعُ وَحُبُّ الدُّنْيَا بِبَعْضِ النَّاس! وَكَيْفَ تُعْرَضُ الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ سِلْعَةً لِلْبَيْعِ وَالْمُزَايَدَةِ وَهِيَ أَكْرَمُ مِنْ ذَٰلِكَ كُلِّهِ؟! لَقَدْ غَدَتْ كَثِيرَاتٌ مِنَ الْعَوَانِسِ حَبِيسَاتٍ فِي الْمَنَازِلِ؛ بِسَبَبِ ذَٰلِكَ التَّعَنُّتِ وَالتَّصَرُّفِ الْأَرْعَنِ وَمُجَارَاةِ بَعْضِ الْعَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ، فاَتَّقُوا اللهَ، وَسَاهِمُوا فِي بِنَاءِ مُجْتَمَعِكُمْ بِنَاءً صَحِيحًا، عَبْرَ تَشْجِيعِ الزَّوَاجِ فِيهِ وَدَعْمِهِ، وَتَخْفِيفِ عَبْئِهِ وَتَكَالِيفِهِ. وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى أَشْرَفِ نَبِيٍّ وَأَكْرَمِ هَادٍ، وَاذْكُرُوا اللهَ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعْمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

وحَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.

كَتَبَهُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ

د/ مُحَمَّدٌ حِرْزٌ إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَافِ

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى