خطبة الأسبوعخطبة الجمعةعاجل

خطبة الجمعة القادمة ( الوقت أنفاس لا تعود ) للشيخ ثروت سويف

خطبة الجمعة القادمة تحت عنوان ( الوقت أنفاس لا تعود ) قيمة الوقت في حياة الإنسان بتاريخ 13 من رجب 1447ه الموافق 2 يناير 2026م للشيخ ثروت سويف

خطبة الجمعة القادمة word ( الوقت أنفاس لا تعود ) للشيخ ثروت سويف

خطبة الجمعة القادمة pdf ( الوقت أنفاس لا تعود ) للشيخ ثروت سويف

اقرأ في هذه الخطبة

أولاً : الوقت في القرآن والسنة

ثانياً : وجوب اغتنام الأوقات فيما ينفع واهمية نعمة الوقت

ثالثاً : مسؤولية ابن آدم عن أوقاته.

رابعاً : قيمة الوقت عند الصحابة ومن بعدهم

خامساً: ( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ) خطورة الغش في الامتحانات

الخطبة الاولي

الحمد لله ذي الجلالِ والإكرام الحمد لله ذو الفضل والنعم ، بارئِ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِلِ القِسَم، مُبدِع البدائع، وشارِعِ الشرائِع، دينًا رضيًّا، ونورًا مُضِيًّا، أحمدُه وقد أسبَغَ البرَّ الجزيل، وأسبلَ السترَ الجميل، أحمدك ربي وأشكرك، وأتوب إليك وأستغفرك يا رحيم يا غفار

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملكُ القدوس السلام، شهادةَ عبدٍ آمنَ بربِّه، ورجا العفوَ والغُفرانَ للذنوب والآثام فسبحان خالق الوقت والازمان ومقلب الليل علي النهار

وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله المبعوثُ بأفضل الأحكام، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه الكِرام.

أما بعد

فإننا اليوم ندخل عاماً ميلاديا جديدا وهذا يذكرنا بنهاية العمر وكيف يمر سريعاً وقيمة الوقت في حياة الإنسان

يقول أحمد شوقي رحمه الله:

دَقَّـاتُ قلبِ المـرءِ قَائِلَةٌ لهُ إنَّ الحَيـَاةَ دَقَائقٌ وثَوَان

فارفعْ لِنَفْسِكَ بعدَ موتِكَ ذِكْرَهَا فالذِّكْرُ للإنسانِ عُمْرٌ ثَانِ

فاغْتَنِمْ رَحِمَكَ اللهُ حَيَاتَكَ النَّفِسْيَةَ واحْتَفِظْ بأَوْقَاتِكَ العَزِيْزَةِ واعْلَمْ أنَّ مُدَّةَ حَيَاتِكَ مَحْدُوْدَةٌ وأَنْفَاسَكَ مَعْدُوْدَةٌ فكُلُ نَفَسٍ يَنْقُصُ بِهِ جُزْءُ مِنْكَ والعُمْرُ كُلُّهُ قَصِيْرٌ والبَاقِي مِنْهُ هُوَ اليَسِيْرُ وَكُلُ جُزْءٌ مِنْهُ جَوَهَرَةٌ نَفِسْيَةٌ لَا عِدْلَ لَهَا والبَاقِي مِنْهُ هُوَ اليَسِيْرُ وَكُلُ جُزْءٌ مِنْهُ جَوَهَرَةٌ نَفِسْيَةٌ لا عِدْلَ لَهَا ولَا خَلفَ مِنْهَا فإِنَّ بِهَذِهِ الحَيَاةِ اليَسِيْرَةِ خُلُودُ الأَبَدِ فِي النَّعِيْمِ أَوْ الْعَذَابِ الأَلِيْمِ

أولاً : الوقت في القرآن والسنة النبوية

لقد ذكر الوقت في كتاب الله تعالى في ثلاث عشرة آية يذكر الله تعالى فيها قيمة الوقت، وذكر الوقت صراحة في سورة المرسلات: وَإِذَا الرُّسُلُ أُقّتَتْ لايّ يَوْمٍ أُجّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ [المرسلات:11-13]. أي أن الله تعالى جعل للرسول ميقاتاً يفصل بينهم وبين أممهم وقال تعالى في سورة الحجر حينما أعطى إبليس مهلة من الوقت فقال: قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر:37-38].

ولقد أقسم الجليل سبحانه وتعالى باجزاء من الوقت؛ فقال سبحانه: { {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} } [الفجر: 4- 1{وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} } [الضحى: 2- 1]

وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) الشمس

فأقسمَ عزَّ وجلَّ بالليلِ إذا سَرى وغشَّى وسجَى، وأدلهمَّتْ ظلْمَتُه فعمَّتِ الكونَ برُمَّتِه، وأقسمَ بفجره وآخِرِه إذا هبَّ الناس من سُبَاتهم، واستيقظوا من رُقَادِهم، وأقسمَ بأشرفِ الليالي وأفضَلِها، وهي ليالي العشر من رمضان أو عشر ذي الحجة. واقسم بالشمس وضحاها وأقسم بالنهارِ إذا تجلَّى للخلقِ بنورِه، وانتشرَ ضياؤه بالضحى فأعاد للناس الحياة، ثم أقسمَ الله بعد ذلك بالدهرِ أجمعَ، ليلِه ونهارِه، ظلامِه وضياءِه

وأقسمَ بالعصرِ الذي هو اسمٌ من أسماءِ الدهرِ ولا يقسمُ سبحانه إلا بأمرٍ عظيمٍ، لبيانِ شَرَفِه وأهميتِه، ولفتِ أنظارِ الناس إليه قال الله تعالى {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} } [العصر: 1 – 3] يقول الله تعالى في محكم آياته وهو أصدق القائلين : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران:190] ،وقال تعالى :(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ) (6) يونس ، وقال تعالى : (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ) (12) الاسراء

وروى الترمذي بسند حسن عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ : « بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْظُرُونَ إِلاَّ فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ».

فما هو الوقت؟

الوقت هو اسم لقليل الوقت وكثيره من لحظة الي دقيقة الي ساعة الي يوم الي اسبوع الي شهر الي عام الي دهر

وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عبدالله بن مسعود، أنه كان يقول: «إِنِّي لَأَمْقُتُ الرَّجُلَ أَنْ أَرَاهُ فَارِغًا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الدُّنْيَا وَلَا عَمَلِ الْآخِرَةِ

لقد أغدقَ اللهُ عزَّ وجلَّ علي عبادِة النِّعمَ بشتَّي صرُوفِها وأنواعِها، ومن أجلِّ هذه النعمِ وأعظَمِها نعمةُ الوقتِ، نعمةُ الليلِ والنهارِ، يزيد هذا ويطول ذاك، بحكمةٍ رشيدةٍ تيسِّرُ علي العبادِ أمرَ دُنْيَاهم. روى البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌نِعْمَتَانِ ‌مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) أي نعمتان يخسرهما كثير من الناس دل على أن المغتنمين لهما لهاتين قليل (الصحة والفراغ) والعلم والعمل لا يتأتى إلا بهما، فلا بد من فراغ ولا بد من صحة تعينك على الطلب.

ثانياً : وجوب اغتنام الأوقات فيما ينفع واهمية نعمة الوقت

أيها المسلمون الوقت هو الحياة، وأوْقاتنا هي رأس مالنا في هذه الدنيا، ومن فرّط في وقته وعمُره فقد فرّط في خير كبير، فأيّام الله تعالى تتسارع، والأزمنة تتلاحق ،وكل شيء من حولك يذكرك بقيمة الوقت والزمن الذي تعيشه، فطلوع الشمس وغروبها، والقمر الذي قدره الله منازل، كل يوم تراه أصغر أو أكبر من اليوم الذي قبله، وحركة الكون والكواكب، والسماوات والأرض، فكل هذه الأشياء تذكرك بقيمة الزمن الذي هو رأس مالك. فهل شعرنا بذلك، وهل عملنا لذلك.

وقد جاء في الأثر أنه ” لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ يَأْتِي عَلَى ابْنِ آدَمَ إِلا يُنَادَى فِيهِ: يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا ‌خَلْقٌ ‌جَدِيدٌ، وَأَنَا فِيمَا تَعْمَلُ فِيهِ عَلَيْكَ شَهِيدٌ، فَاعْمَلْ فِيَّ خَيْرًا أَشْهَدُ لَكَ بِهِ غَدًا، فَإِنِّي لَوْ قَدْ مَضَيْتُ لَمْ تَرَنِي أَبَدًا، قَالَ: وَيَقُولُ اللَّيْلُ مِثْلَ ذَلِكَ”.

وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: “يا ابن آدم إنما أنت أيام إذا ذهب يوم ذهب بعضك

وقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “ما ندمت على شيء، ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي”.

وضرورة اغتنام الوقت قبل فواته واجب ، روى الحاكم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: ” ‌اغْتَنِمْ ‌خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ

فاغتنمْ وقتَك قبلَ انقضاءِ أجلِك، وانتهاءِ عملِك، وفواتِ أملِك، وأفولِ شمسِك، فيحقَّ ندمُك، ويتوالى همُّك، ويدوم حزنُك، فتقدمُ يومَ المعادِ، وما لك مِنْ زادٍ.

ويقول ابن عمر كما عند البخاري في صحيحه : «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ».

روى مسلم عن حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فساعة للذكر وساعة للعمل وساعة للولد والزوجة وليس في ذلك اضاعة للوقت

كان الصحابة رضوان الله عليهم يحرصون على الجلوس للذكر ويسمونه إيماناً ، قال معاذ رضي الله عنه لرجل : ( اجلس بنا نؤمن ساعة ) إسناده صحيح

ان شعائرُ ديننِا تؤكدُ علي أهميَّةِ الوقت: فالصلواتُ الخمسُ لها أوقاتٌ معينةٌ لا تصحُّ قبلَها، وتحرمُ بعدَها إلا لعذرٍ شرعيٍ، { {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} } [النساء:103].وللحج اوقات (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ )

ثالثاً : مسؤولية ابن آدم عن أوقاته.

ماذا تقول أيها العبد المسكين، إذا سألك مولاك عن عمرك فيم أفنيته، سيسألك عن الساعات والدقائق من عمرك، أتراك تجيبه بأنك أفنيته بطاعة الله فتفوز بالنعيم المقيم أم تجيبه بأنك أفنيته بالسهر على ما حرّم الله.

أفنيته في مشاهدة مالا يحل لك في وسائل الشر والفساد وفي مجالس الغيبة والنميمة أم أفنيته في السهر على لعب الورق والملاهي وغيرها .

وقد أنب الله تعالى الكفار لما أعطاهم العمر المديد، فلم يستفيدوا منه، فقال عز وجل: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37] ومدح المؤمنين، لأنهم استفادوا من أعمارهم، واغتنموا أوقاتهم، فقال عز وجل: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24] فوبخ هؤلاء مع أنه عمرهم؛ لأنهم لم يستفيدوا من العمر، ومدح هؤلاء؛ لأنهم اغتنموا الأيام الخالية، اغتنموا العمر في طاعة الله تعالى، وهذا المبدأ مهمٌ للغاية- أيها المسلمون- أن يعلم الإنسان قيمة عمره

فالوقت درَّة ثمينة ، وجوهرة مصونة، وساعة ستفوت ، ونبتة قد تذبل ، وسعة قد تضيق ، فإن لم نحسن استغلاله فسيأتينا اليوم الذي نسأل فيه عن وقتنا وعمرنا فيم أفنيناه

روي الترمذي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ ‌عُمُرِهِ ‌فِيمَا ‌أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ

وعند الطبرانى عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” لَا تَزُولُ قَدِمَا عَبْدٍ يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ ‌حَتَّى ‌يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: عَنْ عُمُرُهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ عَلِمهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ؟ ” المعجم الكبير للطبراني

فجعلَ اثنين من الأسئلةِ التي يُسأل عنها العبدُ يومَ القيامةِ عن الوقت والعمرِ. هل تظنُّ أنَّ اللهَ وهبنا العمرَ لنُضِيَّعه في اللعب واللهو؟! هل منحنا ربَّنا شبابًا وفتوةً لنقضيَها في الاستمتاع والمرح وحسب؟! حثَّ النبيُّ صلى الله عليه على اغتنامِ الوقتِ: لقد حثَّنا نبيُّا صلى الله عليه و سلم علي اغتنام الوقت

وانتبه واعلم أن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة هي دار المقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تفضحوا أستاركم عند من يعلم أسراركم.

فيا من أنفاسه محفوظة وأعماله ملحوظة أينفق العمر النفيس في نيل الهوى الخسيس

جد الزمان وأنت تلعب … والعمر لا في شيء يذهب

كم كم تقول غدا أتوب … غدا غدا والموت أقرب

أما عمرك كل يوم ينتهب أما المعظم منه قد ذهب في أي شيء في جمع الذهب تبخل بالمال والعمر تهب يا من إذا خلا تفكر وحسب فأما نزول الموت فما حسب لك نوبة لا تشبه النوب بين يديك كربة لا كالكرب تطلب النجاة ولكن لا من باب الطلب تقف في الصلاة إن صلاتك عجب الجسم حاضر والقلب في شعب الجسد بالعراق والقلب في حلب الفهم أعجمي واللفظ لفظ العرب أنا أعلم بك منك حب الهوى قد غلب ومتى أسر الهوى قلبا لم يفلح وكتب

قال لقمان لولده: أي بني ! إنك من يوم أن نزلت إلى الدنيا استدبرت الدنيا واستقبلت الآخرة، فأنت إلى دار تقبل عليها أقرب من دار تبتعد عنها.

فإذا مدّ الله في العمر حتى الستين فقد بلغ العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم

وروى البخاري عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة))

إن العمر هو أعز شيء لديكم فلا تضيعوه ولا تفرطوا فيه، وباللهو تضيعوه فتندموا في الاخرة عليه روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن مجاهد قال: ما من يوم إلا يقول ابن آدم: قد دخلت عليك اليوم ولن أرجع إليك إلى يوم القيامة فانظر ماذا تعمل في، فإذا انقضى طواه ثم يختم عليه فلا يفك حتى يكون الله هو الذي يفك ذلك الخاتم يوم القيامة، ويقول اليوم حين ينقضي: الحمد لله الذي أروحني من الدنيا وأهلها. ولا ليلة تدخل على الناس إلا قالت كذلك

دَعْ عَنْكَ ما قَدْ فات في زَمَنِ الصِّبا واذكر ذنوبكَ وابكها يا مذنب

لم يَنْسَهُ المَلِكانِ حين نَسِيْتَه بَلْ أَثْبَتَاهُ وَأَنْتَ لاهٍ تَلْعَبُ

و الروح فيك وديعة أودعتها سنردّها بالرغم منك وتسلب

وَغُرورُ دُنْياكَ التي تَسْعَى لها دارٌ حَقِيقَتُها متاعٌ يَذْهَبُ

و الليل فاعلم والنهار كلاهما أَنْفَاسُنا فيها تُعَدُّ وَتُحْسَبُ

وقد كان عيسى عليه السلام يقول: “إن الليل والنهار خزانتان فانظروا ماذا تضعون فيهما” وكان عليه السلام يقول: “اعملوا الليل لما خلق له، واعملوا النهار لما خلق له”. فلا تضيع يا عبد الله الليل والنهار فيصبح العبد قاتلا لوقته بلا فائدة كما قال رسول الله ـ ونعوذ بالله أن نكون من هذا الصنف ـ: روي الامام البيهقي في السنن الكبرى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِىٍ جَوَّاظٍ صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ , جِيفَةٍ بِاللَّيْلِ , حِمَارٍ بِالنَّهَارِ , عَالِمٍ بِالدُّنْيَا , جَاهِلٍ بِالْآخِرَةِ ” فلا شغل له في الدُنيَا غير انه يركُضُ فِيهَا رَكضَ الوُحوش فِي البَريَّةَ ، ثُمَّ لاَ يَكُونُ لَه فِيهَا إِلا مَا قَسَمهُ الله له.

يقول الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه الدنيا ساعة فاجعلها طاعة.. والنفسُ طماعة عودها القناعة.. الدنيا إذا حلت أوحلت.. إذا كست أوكست، إذا جلت أوجلت..وإذا أينعت نعت.. وإذا أوجفت جفت..وكم من قبورٍ تُبنى وما تُبنا.. وكم من مريضٍ عُدنا وما عُدنا، وكم من ملكٍ رُفعَت له علامات فلما علا مات.

فالوقت هو الكَنزُ النَّفيسُ أنت اليومَ في دارِ العملِ، في صحةٍ وعافيةٍ، فسابقْ إلى الطاعاتِ، وتزوُّدْ من الخيراتِ، فسوف تجدُ عاقبةَ ذلك خيرًا بعد انقطاعِ أجلِك، وانقضاءِ عُمُرِك.

قال الوزير يحيى بن هُبَيرة البغدادي رحمه الله:

والوقْتُ أَنْفَسُ ما عَنِيتُ بِحِفْظِهِ وَأَرَاهُ أسهَلَ ما عليك يَضِيعُ

إنَّا لَنَفْرَحُ بالأيَّامِ نقطَعُهَا وكلُّ يومٍ مضَى جُزْءٌ من العُمْرِ

رابعاً : قيمة الوقت عند الصحابة ومن بعدهم

يقول الحسن البصري رحمه الله: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أحرص منكم على دنانيركم ودراهمكم.

يعني: أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا حريصين على الوقت حرصاً شديداً، فهم في كل لحظة في إنجاز وفي إنتاج.

وأعظم الحرص إنما يكون على رأس المال، ورأس مال الإنسان في الدنيا هو الوقت؛ لأن العمر هو الوقت، فإذا ضيع الإنسان رأس ماله، فسيغبن هناك

قال عمر بن عبد العزيز: يا ابن آدم إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما. ويقول آخر: من كان يومه كأمسه فهو مغبون

وكانت أم الإمام الشافعي تهيئه وهو ذاهب إلى مالك، وكانت توصيه وتضع له أرغفة، فكان يحاول بقدر المستطاع ألا يكون أكولاً حتى لا تأخذه هذه الأرغفة أطول وقت.

قال الإمام علي بن ابي طالب رضي الله عنه :الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك

فبادر أنت فاقطعه باستغلال الوقت بأن تعمر وقتك; بالطاعات: كقراءة القرآن، والذكر، والعبادة، إغاثة الملهوف في تفريج كربة مكروب قال إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل حيث يقول: يا بني! لقد أعطيت المجهود من نفسي الراحة للرجال غفلة، وأنفاس الدعاة وقف على الله عز وجل، وهمم الأحرار تحيي الرمم، ونفحة الأبرار تحيي الأمم.

وكان الإمام أحمد: يحمل المحبرة وعمره سبعين سنة؛ شَابَ، ودنا أجله، ورقَّ عظمه، قالوا: تحمل المحبرة وأنت في السبعين!! قال: من المحبرة إلى المقبرة واستغلال الوقت في الخير واجب كما قال الامام البخاري : أنام فأتذكر الحديث فأقوم خمس مرات وست مرات فأضيء السراج في الليل وأكتب شيئاً من الحديث وأنام، فيتذكر فيضيء السراج فيكتب، ويتذكر ويضيء السراج فيكتب.

وكان الامام البخاري -رحمه الله- كان يتمثل بهذين البيتين:

اغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ فعسى أن يكون موتك بغتة

كم صحيحٍ رأيت من غير سقمٍ ذهبت نفسه الصحيحة فلتة

وفعلاً فقد توفي البخاري رحمه الله بالسكتة وموت الفجأة مثلما كان يقول في هذين البيتين، ولكن: ماذا ترك محمد بن إسماعيل رحمة الله عليه؟ ترك هذا الكتاب العظيم الذي هو أصح كتابٍ بعد كتاب الله، ومنه ينهل الواردون، ويأتي المتعطشون للعلم، ويستدل بأحاديثه في الخطب والدروس والمواعظ، فكم جاء لـ أبي عبد الله في قبره من حسنة، والله يعلم شأن عباده.

استغلال الوقت واجب كـالخطيب البغدادي، يذهب إلى المسجد وكتابه في يده، ويعود من المسجد وكتابه في يده، لكن سواءً كتاب، أو تسبح في أصابعك، أو تقرأ شيئاً من القرآن، لكن ذرة ودقيقة واحدة لا تفوت من عمرك.

وكان مسلم بن يسار رجلاً من خيار السلف الصالح، وكان رجلاً إذا قام في صلاته لم يلتفت إلى شيءٍ ألبتة.

أُثر عنه رحمه الله أنه قام في مسجده فصلى في الضحى، وكان الناس يتبايعون في السوق، فسقط جانب المسجد ولم يعلم به مسلم رحمه الله، وجاء الناس سراعاً من السوق يخافون أنه هلك تحت تلك الأنقاض فوجدوه قائماً يصلي ما شعر بسقوطه إلا بعد السلام.

وروي انه وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين (عليه السلام) وهو ساجد فجعلوا يقولون له: يا بن رسول الله النار النار يا بن رسول الله، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ فقال: ألهتني عنها النار الأخرى

واعلم ان الايام خمسة: يوم مفقود ,ويوم مشهود , ويوم مورود , ويوم موعود , ويوم ممدود

فاليوم المفقود هو اليوم الذي مضى ولم يعد وقال بعض السلف الصالح ابكي علي ليلة نمتها عن الصلاة المكتوبة ويوم افطرته وساعة غفل فيها قلبي عن ذكر الله وكم من اوقات ضاعت منا في غير طاعة لله.

واليوم المشهود وهو اليوم الذي نحن فيه وقال الحسن البصرى ما من يوم ينشق فجره الا ينادي منادي يابن ادم هذا يوم جديد وعلي عملك شهيد فاغتنمني اني لا اعود الي يوم القيامة

واليوم الموعود وهو يوم ساعة الله يأتي اليك ملك الموت ويقول طوفت لك الدنيا مشرقاً ومغرباً لم اجد لك شربة ماء تشربها ولقمة عيش تأكلها وخطوة خطوها عن هذا المكان وقال تعالي”توفته رسلنا وهم لا يفرطون” . واليوم المورود وهو يوم القيامة يوم الحسرة والندامة ويوم العرض علي الله وسئل سيدنا علي عن الغني والفقر قال الامام علي يوم العرض علي الله وقفوهم انهم مسئولون وقال تعالي فوربك لنسألنهم اجمعين عما كانوا يعملون.

واليوم الممدود هو اما الي الجنة يطول نعيمها واما الي النار لا ينفذ عذابها والجنة ظلها ممدود لمن لايتعدي الحدود

إنَّ على كل مسلم أن يدرك: أن الوقت سريع الانقضاء، فهو يمر مر السحاب، ويجري جري الريح، سواء أكان زمن مسرة وفرح، أم كان زمن اكتئاب وتَرَح، ومهما طال عمر الإنسان في هذه الحياة الدنيا، ومهما عُمر فيها من سنوات وعقود، فهو قصير، ما دام الموت نهاية كل حي.

خامساً : نماذج ممن عرفوا فضائل الأوقات

استمعوا ـ أيها المؤمنون ـ لهذا الحوار الذي دار بين الفُضَيل بين عِياض وبين أحد الرجال:

إذ لقيه رجل فسأله الفضيل عن عمره.

فقال الرجل: عمري ستون سنة.

قال الفضيل: إذاً أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله يوشك أن تصل.

فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون! قال الفضيل: هل عرفت معناها؟ قال: نعم.

عرفت أني لله عبد وأني إلى الله راجع.

فقال الفضيل: يا أخي إن من عرف أنه لله عبد وأنه إلى الله راجع عرف أنه موقوف بين يديه، ومن عرف أنه موقوف عرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً.

فبكى الرجل وقال: يا فضيل وما الحيلة؟ قال الفضيل: يسيرة.

قال: ما هي يرحمك الله؟ قال: أن تتق الله فيما بقى يغفر الله لك ما قد مضى وما قد بقى.

وهذا الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص اراد ان يغتنم وقته؟ واغتنمه في أي شيء؟ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إن لي قوة- شاب عندي قوة- وذكر له الصوم، فقال عليه الصلاة والسلام: (صم من كل عشرة أيامٍ يوماً ولك أجر التسعة، فقال: إني أقوى من ذلك، قال: فصم من كل تسعة أيامٍ يوماً ولك أجر الثمانية، فقال: إني أقوى من ذلك.

قال: فصم من كل ثمانية أيامٍ يوماً ولك أجر تلك السبعة، قال: إني أقوى من ذلك، قال: فلم يزل به حتى قال: صم يوماً، وأفطر يوماً، فقال: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أفضل من ذلك) فكان ينتهز عمره وفرصة شبابه في الصيام.

وانظروا كيف تعود الأعمش رحمه الله على ألا تفوته تكبيرة الإحرام ستين عاماً؟ لقد كان العلماء يعرفون فضائل الأوقات.

وممَّا يُحكى في هذا أن حطاباً كان يجتهد في قطع شجرة في الغابة ولكن فأسه لم يكن حاداً لأنَّه لم يشحذه من قبل، وأثناء عمله مرَّ عليه شخص ما فرآه على تلك الحالة، وقال له: لماذا لا تشحذ فأسك؟ قال الحطاب وهو منهمك في عمله: ألا ترى أنني مشغول في عملي؟!

مع أنَّ ذلك الحطَّاب كان بإمكانه أن يشحذ فأسه، وأن يسنَّه جيداً لكي يعطي عمله عطاء أكثر وأكبر، ولكنَّ روح التكاسل وغياب تقويم العمل، جعله يقول لصاحبه بأنَّه مشغول، وهو في حقيقة أمره كما لو أنَّه يحرث في

فإياكم والحسرة على ضياع الأوقات عند الموت إذا نمت على فراش الموت ستتمنى من الله أن تعود إلى الدنيا ساعة واحدة؛ لتعمل فيها عملاً صالحاً لله جل وعلا. قال تعالي ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) المؤمنون

أيها الحبيب الكريم! اعرف قدر وقتك وشرف زمانك، وحقيقة عمرك، وحقيقة ساعات أيامك، فعد الليلة إلى الله، البدار البدار، قبل فوات الأعمار! واسمع إلى العزيز الغفار، وهو ينادي ويقول: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53].

اقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم

الخطبة الثانية

الحَمْدُ للهِ الذي أسْكَنَ عِبادَه هذه الدَّار، وجعلها لهم سَفَرًا من الأسْفَار، وجعل الدَّار الآخِرَة هي دَار القَرار، وجَعَلَ بين الدُّنيا والآخِرَة بَرْزَخاً يَدُلُّ على فَناء الدنيا باعْتِبَار، وهو في الحقيقة إما رَوْضَةٌ مِن رِيَاض الجَنَّة أو حُفْرَةٌ مِن حُفَر النَّار، أحْمَدُه على نِعَمِه حَمْدًا يَليق بِجَلاله وعَظيم سُلْطانه ما تعاقب الليل والنهار

وأشهد أن لا إله إلا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ له الواحِدُ القَهَّار سُبْحَانه يَخْلُق ما يَشاء ويَخْتَار وكل شيء عنده بمقدار، ويَرْفِق بِعِبَاده في جميعِ الأقطار، وسَبَقَت رَحْمَتُه بِعِبَاده غَضَبَه وهو الرَّحيم الغَفَّار.

وأشهد أن مُحَمَّدًا عَبْدُه ورَسُولُه النَّبي المُخْتَار، والرَّسُولُ المَبْعوثُ بالتَّبشيرِ والإنْذَار، وعلى آله وصَحْبِه الطيبين الاخيار.

أما بعد

فاتقوا الله ـ عباد الله فبتقوى الله تُنال الدرجات، وتزكو الأعمال، وأكثروا من ذكره وشكره، فبذكره تطمئن القلوب، وبشكره تحفظ النعم، وتزودوا الصالحات فخير الزاد التقوى وصصحوا مفاهيمكم حول المال الحلال .

خامساً: ( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا )

الغش في الامتحانات

اعْلَموا وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكم وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ أَنَّ مِمَّا يَتَأَكَّدُ اجْتِنَابُهُ وَالتَّحْذِيرِ عَنْهُ وَإِنْكَارُهُ، ‌الغِشُّ فالغش في كل صوره وجميع أشكاله حرام، ما أعظم هذا الوعيد في كل شيء!أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» مسلم

قال المناويّ: ‌الغشّ ما يخلط من الرّديء بالجيد

والغش الذي حرمه الإسلام هو الذي عرفه ابن حجر الهيثمي فقال : “الغش المحرم أن يعلم ذو السلعة من نحو بائع أو مشتر فيها شيئاً لو اطلع عليه مريد أخذها ما أخذ بذلك المقابل“.

وقال الكفوي “الغش سواد القلب، وعبوس الوجه، ولذا يطلق الغش على الغل والحقد

فحديثنا اليوم عن هذه الآفة التى تعصف بالمجتمع إنها افة الغش ومفهوم الغش ممفهوم واسع فهو ليس في البيع والشراء فقط بل أشمل بكثير فكل ما لم يصدق به المرء من من نية أو قول أو عمل فهو غش وهو من كبائر الذنوب والمعاصي وفضائح الخطايا يدل علي خبث النفس وظلمة وسواد القلب وقلة الدين لأن الدين المعاملة وسنوجز في هذه الخطبة القول في بعض أنواع الغش لنبين فداحة أمره ولنصحح المفاهيم المفاهيم الأساسية حول كسب المال الحلال وليس بالغش

لِأَنَّ الْغِشَّ مِنْ حَيِّزِ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] «وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا وَالْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ» أَيْ صَاحِبُهُمَا فِي النَّارِ.

وَفِي رِوَايَةٍ: «الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ وَالْخِيَانَةُ فِي النَّارِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خِبٌّ» أَيْ مَاكِرٌ. وَفِي أُخْرَى: «أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ النَّارِ رَجُلًا لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إلَّا وَهُوَ يُخَادِعُك فِي أَهْلِك وَمَالِكِ»

.الغش في الامتحانات.

عباد الله: إِذَا كَانَ الْغِشُّ – هُوَ تَقْدِيمُ الْبَاطِلِ فِي ثَوْبٍ مِنَ الْحَقِّ – يَكُونُ فِي الرَّأْيِ وَالْعَمَلِ، وَالْفَتْوَى وَالإِرْشَادِ، وَالتَّوْجِيهِ وَالْوَظِيفَةِ، فَإِنَّ غِشَّ الطَّعَامِ فِي الإِفْسَادِ أَقَلُّ بِدَرَجَاتٍ مِنْ الغِشِّ فِي هَذِهِ النَّوَاحِي

إن الإسلام يربي المسلم على الصدق والوضوح والصفاء، ولا يربيه على الكذب؛ لأن ‌الغش في الامتحان غايته أن يخرج للمجتمع جهلة يحملون شهادة زور وهم كذابين غير عارفين بالعلوم وإنما نقلوها في أوراق وتقيئوها على أوراق الإجابة، وبعدها ينافسون الشرفاء، ينافسون الفضلاء المجدين، الذين بذلوا جهدهم، وأسهروا لياليهم، وقطعوا أيامهم في طلب العلم، وبعدها يأتي ذلك الكذاب ملغم نفسه بأوراق غش، أنا رأيت طالباً كتب المقرر كله من رجله إلى فخذه، كتب النظريات كلها، ويكتب وقاعد ينقل ويقرأ من فخذه، ويأخذ شهادة، ما رأيكم هذا حرام أم حلال؟ لا شك أنه حرام ولا يجوز: (ومن غشنا فليس منا) ولا يجوز ولا كلمة واحدة

فالغش في الامتحانات الدراسية من أخطر الكوارث التربوية التي تتعرّض لها مسيرة التربية والتعليم، فتعرقل تقدّمها، وتخِلّ موازينها، حين يحصل الغشاش على شهادة لا يستحقها، فيخرُج بهذا الغِشّ جيلٌ جاهل خامل منحرف، ذو همة دنيئة وإرادة سافلة، يتولى القيادة من غير أن يكون مؤهلا لها، ويُسنَدُ إليه من الأمور ما لا يُجيده ولا يُتقنه ولا يَعرفه، فتتضرّرُ الأمة وتضيع الحقوق. وهذا ما حذر منه النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قال للأعرابي الذي سأله: متى الساعة؟ فقال: “إذا ضُيّعَتِ الأمانة فانتظر الساعة” قال: كيف إضاعتُها يا رسول الله؟ قال: “إذا أسْنِدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة“.

ثم صلُّوا وسلِّموا على أحمدَ الهادي شفيعِ الورَى؛ فمن صلَّى عليه صلاةً واحدة صلَّى الله عليه بها عشرًا.

للخلقِ أُرسِل رحمةً ورحيمًا صلُّوا عليه وسلِّموا تسليمًا

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وأنعِم على عبدك ورسولِك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة أصحاب السنَّة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر آله وصحابته أجمعين، والتابعين لهم وتابعِيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين.

اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وايتاء ذي القربى وينتهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون

وأقسم الصلاة

جمع وترتيب ثروت سويف

إمام وخطيب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى