خطبة الأسبوعخطبة الجمعةعاجل
خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ: (قِيمَةُ الاحْتِرَامِ) د. مُحَمَّدُ حِرْزٍ

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ: (قِيمَةُ الاحْتِرَامِ) د. مُحَمَّدُ حِرْزٍ بِتَارِيخِ 20 رجب 1447هـ – 9يناير 2025م
خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ word: (قِيمَةُ الاحْتِرَامِ) د. مُحَمَّدُ حِرْزٍ
خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ pdf : (قِيمَةُ الاحْتِرَامِ) د. مُحَمَّدُ حِرْزٍ
الْحَمْدُ للهِ القائلِ في مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83)، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وحَبِيبُهُ، القائلُ كَمَا في حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا) وَفِي رِوَايَةٍ: (وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَطْهَارِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.. أَمَّا بَعْدُ … فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] عِبَادَ اللَّهِ: ((قِيمَةُ الاحْتِرَامِ)) عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.
❖ أَوَّلًا: الاحْتِرَامٌ مِنْ هَدْيِ الإِسْلَامِ
❖ ثَانِيًا: مظاهِرُ وصُوَرُ الاحترامِ والتَّوقيرِ
❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ إِحْيَاءٌ لِلنَّفْسِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ قِيمَةُ الاحْتِرَامِ وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا سَآءَتْ فِيهِ الْأَخْلَاقُ وَقَلَّ فِيهِ احْتِرَامُ الْناسِ وَتَوْقِيرُهُم وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَخَاصَّةً وَدِينُنَا الْحَنِيفُ حَثَّنَا عَلَى احْتِرَامِ الْناسِ وَتَوْقِيرِهِم وَإكرَامِهِم وَإنزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، وَخَاصَّةً وَدِينُنَا يَحْتَرِمُ الأُميَّ وَالمُخْطِئَ، وَيُرَافِقُ بِهِ وَيُعَلِّمُهُ دُونَ أَنْ يَجْرَحَ مَشَاعِرَهُ، وَدِينُنَا وَيَحْتَرِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَيُرَاعِي حَالَهُ؛ فَيَتَعَامَلُ مَعَهُ بِمَا يَرْفَعُ عَنْهُ الْحَرَجَ فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَخَاصَّةً وَاحْتِرَامُ عَقَائِدِ النَّاسِ مِنْ صَمِيمِ الْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ، مَعَ الْحِرْصِ عَلَى دَعْوَتِهِمْ. وَخَاصَّةً وَالِاحْتِرَامُ لَيْسَ كَلِمَةً تُقَالُ، وَلَا مَظْهَرًا يُتَصَنَّعُ، بَلْ هُوَ خُلُقٌ عَظِيمٌ يَسْكُنُ الْقُلُوبَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ فِي السُّلُوكِ، وَخَاصَّةً وَالِاحْتِرَامُ يَكُونُ عَلَى أَسَاسِ الإِنْسَانِيَّةِ، ((أَلَيْسَتْ نَفْسًا))؛ جُمْلَةٌ يَحْتَاجُهَا كُلُّ فَرْدٍ فِي الْمُجْتَمَعِ ، وَخَاصَّةً وَالاحترامُ بُرْهَانٌ وَاضِحٌ لِلْمَبَادِئِ الَّتي نَشَأَ عَلَيْهَا المَرْءُ وَبِهَا يَعِيشُ، وَتَرْجَمَةٌ صَادِقَةٌ لِمَا يَتَحَلَّى بِهِ مِنْ أَخْلَاقٍ فَاضِلَةٍ، وَقِيِّمٍ ثَابِتَةٍ، فَبِالاحْتِرَامِ قَامَتِ الْمُجْتَمَعَاتُ، وَبِغِيَابِهِ تَفَكَّكَتْ، وَبِحُضُورِهِ تُصَانُ الْكَرَامَاتُ، وَتُحَفَظُ الْحُقُوقُ، وَتَسْمُو النُّفُوسُ، وَتَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ؛ فَهُوَ مِيزَانُ الرُّقِيِّ، وَدَلِيلُ الْإِيمَانِ، وَأَمَانُ الْمُجْتَمَعَاتِ مِنَ الْانْهِيَارِ.
إِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاَقُ مَا بَقِيَتْ ***فَإِنْ هُمْو ذَهَبَتْ أَخْلاَقُهُمْ ذَهَبُوا
❖ أَوَّلًا: الاحْتِرَامٌ مِنْ هَدْيِ الإِسْلَامِ.
أيُّها السَّادةُ: نَبِيُّنَا ﷺ eهو نَبِيُّ الأَخْلاقِ، ودِينُنَا هو دِينُ الأَخْلاقِ، وشَرِيعَتُنَا هي شَرِيعَةُ الأَخْلاقِ، وَقُرْآنُنَا هو قُرْآنُ الأَخْلاقِ، بَلِ الغَايَةُ الأسمَى مِن بَعْثَتِهِ e هِيَ الأَخْلاقُ فَقَالَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، فَالْمُؤْمِنُ بِلَا شَكٍّ يُرِيدُ أنْ يَكُونَ مَحْبُوبًا لَدَى الْخَالِقِ، ومَحْبُوبًا لَدَى الْخَلْقِ، يُرِيدُ أن يَكُونَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَوَجِيهًا فِي الْآخِرَةِ، يُرِيدُ أن يُؤتَى فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً. وَلَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا بِفَضْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثُمَّ بِحُسْنِ خُلُقٍ، يُرْزِقُهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْعَبْدَ إِيَّاهُ، لِذَا كَانَ أَعْلَى النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَنَبِيُّ الأَخْلاقِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْ أَعْظَمِ الأَخْلاقِ الَّتِي يُنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا الْمُسْلِمُ فِي حَيَاتِهِ: الَاحْتِرَامُ، وَكَيْفَ لَا؟ وَالاحْتِرَامُ خُلُقٌ عَظِيمٌ مِنْ أَخْلَاقِ الدِّينِ، وَمَبْدَأٌ كَرِيمٌ مِنْ مَبَادِئِ الْإِسْلامِ، وَشِيمَةٌ مِنْ شِيَمِ الأَبْرَارِ الأَخْيَارِ، وَصْفَةٌ مِّن صِفَاتِ المُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ ، أَمَرَنَا بِهَا الدِّينُ ، وَتَخَلَّقَ بِهَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تَدُلُّ عَلَى سُمُوِّ النَّفْسِ ، وَعَظَمَةِ الْقَلْبِ ، وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ ، وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ ، وَوَعْيِ الرُّوحِ ، وَنَبَلِ الْإنْسَانِيَّةِ وَأَصَالَةِ الْمَعْدِنِ وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- خَلَقَ الإِنْسَانَ مُكَرَّمًا مُحْتَرَمًا، كَمَا قَالَ رَبُّنَا: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين: 4)، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء: 70 وَثَقَافَةُ الاِحْتِرَامِ أَسَاسُ التَّوَاصُلِ وَالتَّعَامُلِ بَيْنَ النَّاسِ، فَكُلُّهُمْ مُكَرَّمُونَ، وَالاِحْتِرَامُ يَدُلُّ عَلَى الرُّقِيِّ وَالتَّحَضُّرِ، وَهُوَ ثَقَافَةٌ تَتَرَبَّى عَلَيْهَا الشُّعُوبُ، فَكَمْ مِنْ حَضَارَةٍ أَوْ بَلَدٍ تَمَيَّزَ بِاحْتِرَامِهِ بَيْنَ أَفْرَادِهِ، وَاحْتِرَامِهِ لِلآخَرِينَ، وَبِهَا عُرِفَ، وإنَّ المرءَ بِأَخْلَاقِهِ وَدِينِهِ يَسَعُ النَّاسَ وَلَا يَسْعَهُم بِمَالِهِ وَأَمْلَاكِهِ، فَالْاحْتِرَامُ صِفَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ حَمِيدَةٌ، وَحَاجَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ نَبِيلَةٌ، وَهِيَ قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ فِي بِنَاءِ الْعَلَاقَاتِ الْعَامَّةِ، وَكَسْبِ وُدِّ الآخَرِينَ وَمَحَبَّتِهِم، وَالِاسْتِزَادَةِ مِنَ الْأَصْدِقَاءِ وَالْمَعَارِفِ.
وَلَوْ نَظَرْنَا إِلَى الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَتَأَمَّلْنَا مَا فِيهِ لَوَجَدْنَاهُ يَأْمُرُنَا بِالِاحْتِرَامِ وَالْأَدَبِ وَالتَّخَلُّقِ مَعَ النَّاسِ بِأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ وَكَيْفَ لَا ؟ وَاللَّهُ أَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالِاحْتِرَامِ وَبِالْأَدَبِ وَبِالْلِّينِ وَبِالْرِّفْقِ مَعَ أَصْحَابِهِ بَلْ وَمَعَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ فَقَالَ مُخَاطِبًا إِيَّاهُ: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) الْحَجَر: 88، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَا نَفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) آل عِمْرَان: 159. وَكَيْفَ لَا ؟ وَلَقَدْ جَاءَ الْاحْتِرَامُ فِي الْإِسْلَامِ فِي الْمُخَاطَبَةِ وَالْحَدِيثِ مَعَ النَّاسِ فَقَالَ تَعَالَى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) الْبَقَرَة: 83، أَيَ تَخَيَّرُوا مِنَ الْكَلِمَاتِ أَحْسَنَهَا وَمِنَ الْعِبَارَاتِ أَدَقَّهَا وَمِنَ الْأَلْفَاظِ أَجْمَلَهَا جَبْرًا لِخَوَاطِرِ النَّاسِ وَمُرَاعَاةً لِمَشَاعِرِهِمْ وَاحْتِرَامًا لَهُمْ، وَفِيمَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسِهِمْ أَمَرَهُمْ بِالِاحْتِرَامِ وَالْأَدَبِ وَالْأَخْلَاقِ فَقَالَ تَعَالَى: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الْإِسْرَاء: 53، أَوْ فِي دَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى وَهُمْ كُفَّارٌ مُلْحِدُونَ أَمَرَنَا بِالْحِكْمَةِ وَالِاحْتِرَامِ وَالْأَدَبِ وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ تَعَالَى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل: 125، وقال جلَّ وعلا: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) العنكبوت: 46، وَقَالَ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عِندَمَا أَمَرَهُمَا بِالذَّهَابِ إِلَى فِرْعَوْنَ فَقَالَ رَبُّنَا: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى, فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) طـه:43 ،44، يَا اللَّه، لِفِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، فَبِمَا بَالَكُم بِمَنْ قَالَ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى)؟، حَتَّى فِي الْخَصُومَةِ مَعَ الْآخَرِينَ أَمَرْنَا بِالْاحْتِرَامِ وَبِعَدَمِ الْإِهَانَةِ وَتَحْقِيرِ النَّاسِ قَالَ رَبُّنَا: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فُصِّلَتْ: 34، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هُونًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هُونًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَكَيْفَ لَا؟ وَاحْتِرَامُ النَّاسِ مِنْ هَدْيِ الْأَنْبِيَاءِ الْكِرَامِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُمْ، فَهذا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُعَامِلُ أَبَاهُ بِأَدَبٍ وَاحْتِرَامٍ وَتَوْقِيرٍ مَعَ كُفْرِهِ وَعِنَادِهِ فَيَقُولُ لَهُ كَمَا حَكَى الْقُرْآنُ ((إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا ..)) مريم: 42 – 48] وَهَذَا مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- يُحْسِنُ إِلَى صَاحِبِ مَدْيَنَ، وَيَسْقِي لِابْنَتَيْهِ دُونَ مَقَابِلَ حِينَ عَلِمَ بِشَيْبَتِهِ وَكِبَرِ سِنِّه (( وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ))، وَيُوَفِّي لَهُ فِي رَعْيِ الْغَنَمِ عَشَرَ سَنَوَاتٍ كَامِلَةً لِحَاجَتِهِ لِذَٰلِكَ. وهذا نَبِيِّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَ الاحْتِرَامُ وَالتَّقْدِيرُ مِنْهُ ظَاهِرًا فِي حَيَاتِهِ لذا قال اللهُ مخاطبًا إياهُ: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم ) سورة القلمِ :4، بل لمَّا سُئلتْ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ـ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَتْ: (كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ) رواه أحمد، ويقولُ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:( خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ وَلَا لِمَ صَنَعْتَ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ ) رواه البخاري، اللهُ أكبرُ إنّهُ الاحترامُ يا سادةٌ الذي تجسدَ في شخصيةِ المصطفى ﷺ.
وَكَيْفَ لَا؟ وَالْاحْتِرَامُ دَلِيلٌ عَلَى احْتِرَامِ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ أولًا؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالَدَيْهِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالَدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ))؛ [صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» [رواه الترمذي].
وَكَيْفَ لَا ؟ وَالِاحْتِرَامُ لَا يَعْنِي فَقَطْ تَجَنُّبَ الْكَلَامِ الْجَارِحِ لِلْمَشَاعِرِ؛ بَلْ وَالْحِرْصُ عَلَى الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ))، وَلَا عَجَبَ، فَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ((الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ صَدَقَةً)). فَلَا لِلْكَلَامِ الْجَارِحِ، حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ صَاحِبُهُ؛ وَحَتَّى إِنْ لَمْ تَقْصِدْ إِهَانَةَ الشَّخْصِ، فَلَا يَصِحُّ التَّكَلُّمُ بِكَلَامٍ يُنْقِصُ مِنْ قَدْرِهِ؛ فَعَنْ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا، كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ مَزَحْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مُزِجَتْ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ)).
وَكَيْفَ لَا؟ الْاحْتِرَامُ يَعْنِي تَجَنُّبَ نَظَرَاتِ الْاحْتِقَارِ وَعَدَمَ الْهَمْزِ وَالْلَّمْزِ: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ [الْهَمَزَةِ: 1]؛ قَالَ مُجَاهِدٌ: “الْهَمْزَةُ بِالْيَدَيْنِ وَالْعَيْنِ، وَالْلَّمْزَةُ بِاللِّسَانِ” وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: “الْهُمَزَةُ: يَهْمِزُهُ فِي وَجْهِهِ، وَاللَّمْزَةُ: مِنْ خَلْفِهِ”.. فَالْاحْتِرَامُ أَنْ تَرَاعِي كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى النَّظَرَاتِ، وَهُوَ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ: ((إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ))؛ [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ]. فَلْتَكُنْ حَرِيصًا عَلَى نَظَرَاتِ التَّوْقِيرِ؛ وَلْنَتَعَلَّمْ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنْهُمْ سَيِّدُنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِذْ يَقُولُ: ((وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)). وَكَيْفَ لَا ؟ وَإهَانَةُ الناسِ خِزْيٌ وَعَارٌ عَلَى صَاحِبِهَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ” فلقد َنَفَى عَنْهُ النَّبِيُّ المُخْتَارُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “كَمَالَ الإِيمَانِ” رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ شَيْخٌ يُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبْطَأَ القَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا»؛ فِي رِوَايةِ عَمْرُو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: ((وَيَعْرِفُ شَرَفَ كَبِيرِنَا))، وَهَذَا زَجْرٌ مِن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ((لَيْسَ مِنَّا)) أَيْ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ سُنَّتِنَا وَهَدْيِنَا وَطَرِيقَتِنَا مَن لَمْ يُوَقِّرِ الكَبِيرَ.
إِهَانَةُ النَّاسِ إِفْلَاسُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَt أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ eقَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) إِهَانَةُ الناسِ دَلِيلٌ عَلَى سُوءِ الأَدَبِ وَسُوءِ التَّرْبِيَةِ فَاجْعَلْ مَنْ يَرَاكَ يَدْعُو لِمَنْ رَبَّاكَ لَا يَدْعُو عَلَيْهِمْ بِالْوَيْلِ وَالْهَلاَكِ ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)) [التحريم: 6]، قَالَ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: عَلِّمُوا أَهْلِيكُمْ الخَيْرَ. وَمِنَ الْخَيْرِ احْتِرَامُ الْكَبِيرِ وَعَدَمُ إِهَانَتِهِ .
فَالْاحْتِرَامُ هُوَ أَسَاسُ الْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْأَلْفَةِ وَالتَّعَاوُنِ بَيْنَ النَّاسِ، وَهُوَ أَسَاسُ نَجَاحِ الْعَلَاقَاتِ مَعَ الْآخَرِينَ، وَالْوَاقِعُ خَيْرُ شَاهِدٍ عَلَى مَا أَقُولُ، فَالْمُحْتَرَمُ يُحِبُّهُ النَّاسُ وَيُوَقِّرُهُ النَّاسُ وَيُعَظِّمُهُ النَّاسُ، وَالسَّيِّئُ وَالْبَذِيءُ يَكْرَهُهُ النَّاسُ وَيَحْتَقِرُهُ النَّاسُ وَيُقَلِّلُ النَّاسُ مِنْ شَأْنِهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
يَخَاطِبُنِي السَّفِيهُ بِكُلِّ قُبْحٍ *** وَأَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ لَهُ مُجِيبًا
يَزِيدُ سَفَاهَةً وَأَزِيدُ حِلْمًا
*** كَعُودٍ زَادَهُ الْإِحْرَاقُ طِيبًا
❖ ثَانِيًا: مظاهِرُ وصُوَرُ الاحترامِ والتَّوقيرِ
أيُّهَا السَّادَةُ: صُورٌ وَمَظَاهِرُ الْاحْتِرَامِ كَثِيرَةٌ وَعَدِيدَةٌ لَا يَتَّسِعُ الْوَقْتُ لِذِكْرِهَا مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ لَا الْحَصْرِ بَلْ وَأَهَمُّهَا: توقيرُ المُسلِمِ لرَبِّه سُبحانَه وتعظيمُه بما يليقُ به، وهذا التَّوقيرُ للهِ سُبحانَه ينتُجُ عنه احترامُ أوامِرِه ونواهيه، وتعظيمُ دينِه وشَرعِه، وحِرصُ المُسلِمِ على التَّحلِّي بجميلِ الصِّفاتِ التي أَمَر بها سُبحانَه، فهذا التَّوقيرُ يُثمِرُ الخيرَ للعبدِ في الدُّنيا والآخرةِ، ويُثمِرُ التَّخلُّقَ بالأخلاقِ التي يعودُ أثَرُها ونَفعُها على النَّاسِ في معاشرتِهم والتَّعامُلِ معهم. قال اللَّه تعالى حكايةً عن نبيِّه نوحٍ عليه السَّلامُ أنَّه قال لقومِه عندما كفَروا به وبرسالتِه: مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح: 13] ، أي: ما لكم لا ترون للهِ عَظَمةً، وقيل: ولا تُعَظِّمون اللَّهَ حَقَّ عَظمتِه ، فاستخدمَ لَفظَ الوَقارِ في معنى التَّوقيرِ والتَّعظيمِ للهِ تعالى بما يليقُ به سُبحانَه من كمالِ التَّعظيمِ والتَّبجيلِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: (إِنَّ الْعَبْدَ عَلَى قَدْرِ حُبِّه لَمَوْلَاهُ يُحَبِّبُه إِلَى خَلْقِه، وَعَلَى قَدْرِ تَوْقِيرِه لِأَمْرِه يُوَقِّرُه خَلْقُه …).
وَمِنْ صُوَرِ الْاحْتِرَامِ: احْتِرَامُ الْوَالِدَيْنِ: احترامُ وتوقيرُ المُسلِمِ لرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتعظيمِ أمرِه ونهيِه، واتِّباعِ آثارِه، والسَّيرِ على طريقتِه، وألَّا يُقدِّمَ شيئًا على ما جاء به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ قال اللَّه تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفتح: 8 – 9] . قال ابنُ كثيرٍ: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ، قال ابنُ عبَّاسٍ وغيرُ واحِدٍ: يُعَظِّموه. وَتُوَقِّرُوهُ من التَّوقيرِ، وهو الاحترامُ والإجلالُ والإعظامُ)وقال اللَّهُ تعالى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: 63] في تلك الآيةِ يَظهَرُ الأمرُ بتوقيرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واحترامِه؛ فقد نهى اللَّهُ سُبحانَه المُسلِمين أن ينادوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِثلَ مُناداتِهم بعضِهم بعضًا، وقد التَزم الصَّحابةُ رَضِيَ اللَّهُ عنهم الأدَبَ في مناداتِه، فكانوا ينادونه: يا رسولَ اللَّهِ، ويا نبيَّ اللَّهِ، أو يا أيُّها النَّبيُّ، ويا أيُّها الرَّسولُ .
وَمِنْ صُوَرِ الْاحْتِرَامِ: احترامُ أُولي الأمرِ وتوقيرُهم، ومن مظاهِرِ احترامِهم السَّمعُ والطَّاعةُ لهم في غيرِ معصيةٍ، وتركُ التَّشغيبِ عليهم، وعَدَمُ سَبِّهم أو إهانتِهم، وما ذلك إلَّا لِما قد يترَتَّبُ على مخالفةِ هذه الأوامِرِ من إحداثِ الفِتنةِ بَيْنَ النَّاسِ، وما قد يُفضي إلى الشُّرورِ. قال تعالى(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59] وَعَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: (مِن السُّنَّةِ أَنْ يُوَقَّرَ أَرْبَعَةٌ: العَالِمُ، وَذُو الشَّيْبَةِ، وَالسُّلطَانُ، وَالْوَالِدُ) . وَقَالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: (لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرِ مَا عَظَّمُوا السُّلطَانَ وَالْعُلَمَاءَ، فَإِذَا عَظَّمُوا هَذَيْنِ أَصْلَحَ اللَّهُ دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَإِذَا اسْتَخَفُّوا بِهَذَيْنِ أَفْسَدُوا دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ)
وَمِنْ صُوَرِ الْاحْتِرَامِ: احْتِرَامُ الْوَالِدَيْنِ: فَهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَدَبِ وَالِاحْتِرَامِ فَالسَّعِيدُ مَنْ وُفِّقَ لِاحْتِرَامِ وَالِدَيْهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَیۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، قيلَ: مَنْ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ -أحَدَهُما أوْ كِلَيْهِما- فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ) أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ وَمَعَهُ شَيْخٌ، فَقالَ لَهُ: يَا فُلَانُ، مَن هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: أَبِي، قَالَ: فَلَا تَمْشِ أَمَامَهُ، وَلَا تَجْلِسْ قَبْلَهُ، وَلَا تَدَعْهُ بِاسْمِهِ، وَلَا تَسْتَسِبَّ لَهُ))؛ [مَجْمَعُ الزَّوَائِد، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَط].
وَمِنْ صُوَرِ الْاحْتِرَامِ: احْتِرَامُ الْعُقُولِ، وَنَبِيُّنَا الَّذِي عَلَّمَ الدُّنْيَا الأَخْلَاقَ وَالاِحْتِرَامَ يَنْهَاكَ عَنْ الاِسْتِخْفَافِ بِعُقُولِ الآخَرِينَ، فَيُعَلِّمُنَا كَيْفِيَّةَ احْتِرَامِ عُقُولِ النَّاسِ، فَيُخَاطِبُ عُقُولَهُمْ حَتَّى يَصِلُوا إِلَى الْحَقِّ؛ كَمَا فِي قِصَّةِ الشَّابِّ الَّذِي أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللّهِ، ائذن لي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهُ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللّهِ، جَعَلَنِي اللّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ، جَعَلَنِي اللّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللّهِ، جَعَلَنِي اللّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللّهِ، جَعَلَنِي اللّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللّهِ، جَعَلَنِي اللّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَاحْصُنْ فَرْجَهُ، فَلَمْ يَكُن بَعْد – ذَلِكَ الْفَتَى – يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ؛ [رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ]. وَمِنَ الاحترامِ لِعُقُولِ النَّاسِ مُرَاعَاةُ الفُرُوقِ الفَرْدِيَّةِ فِي الفَهْمِ حَتَّى بَيْنَ أوْلَادِكَ فِي التَّعْلِيمِ فَلَا تَحْمِلْهُمْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ قَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ: ((حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ؛ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟))؛ [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
وَمِنْ صُوَرِ الْاحْتِرَامِ: الاِحْتِرَامُ لِلْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الْقُرْآنِ: وَكَيْفَ لَا ؟ وَلَقَدْ رَفَعَ الْإِسْلَامُ قَدْرَهُمْ، وَأَمَرَ باحْتِرَامِهِمْ وَتَقْدِيرِهِمْ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿یَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰاتࣲۚ﴾ [المجادلة: ١١]. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ تَعَالَى: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))؛ [حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا))؛ [رَوَاهُ أَحْمَد].
وَمِنْ صُورِ الاحْتِرَامِ احْتِرَامُ الأُمِّي وَالْمُخْطِئِ: وَكَيْفَ لَا؟ وَدِينُنَا يَحْتَرِمُ الأُمِّيَّ وَالْمُخْطِئَ، وَيُرَفِّقُ بِهِ وَيُعَلِّمُهُ دُونَ أَنْ يُجْرِحَ مَشَاعِرَهُ: فَهَا هُوَ سَيْدُنَا مُعَاوِيَةُ السُّلَمِي – وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالإِسْلَامِ – يَقُولُ: ((بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي القَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ)).
وَمِنْ صُوَرِ الْاحْتِرَامِ: احترامُ خُصُوصِيَّاتِ الجِيرَانِ فَجِيرَانُ اليَوْمِ لَا يَعْرِفُونَ حَقًّا وَلَا يَغْفِرُونَ ذَنْبًا وَلَا يَسْتُرُونَ عَوْرَةً انْتَشَرَتْ بَيْنَهُمُ الأَحْقَادُ وَالضَّغِينَةُ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ جِيرَانُ اليَوْمِ إِذَا رَأَى لِجَارِهِ خَيْرًا كَتَمَهُ وَإِذَا رَأَى لِجَارِهِ شَرًّا أَذَاعَهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ رَوَى ابْنُ مَاجَةَ عَنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَاوِرْ مَنْ جَاوَرْتَ بِإِحْسَانٍ تَكُنْ مُسْلِمًا، …». وَعَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: كَيْفَ أَعْلَمُ أَنِّي مُحْسِنٌ؟ قَالَ: «إِذَا قَالَ جِيرَانُكَ: إِنَّكَ مُحْسِنٌ فَأَنْتَ مُحْسِنٌ، وَإِذَا قَالَ جِيرَانُكَ: إِنَّكَ مُسِيءٌ فَإِنَّكَ مُسِيءٌ» [مُسْنَدُ البَزَّارِ].
وَمِنْ صُوَرِ الْاحْتِرَامِ: الاحترامُ والتَّوقيرُ بَيْنَ الزَّوجينِ، وأساسُ هذا الاحترامِ أن يَسكُنَ كُلُّ طَرَفٍ إلى شريكِه، ويُعَظِّمَ حَسَناتِه، ويتغاضى عن سيِّئاتِه ما أمكَن، وأن يكونَ أساسُ تعامُلِهما بالمعروفِ والإحسانِ، ويُغَلِّبا جانِبَ المودَّةِ والرَّحمةِ فيما بَيْنَهما على ما يقعُ من خلافاتٍ قلَّما يخلو منها بيتٌ.((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: 21] فينبغي أن يُعلَمَ (أنَّ الزَّواجَ هو أهَمُّ مُقَوِّماتِ الحياةِ، والمتمِّمُ للوظائِفِ الحيويَّةِ، والحافِظُ للجامعةِ البَشَريَّةِ من الانقراضِ والزَّوالِ بإذنِ اللَّهِ، وأساسٌ لتقديرِ المرءِ في الهيئةِ الاجتماعيَّةِ، وقِوامُه وجودُ الألفةِ والتَّحابُبِ والاحترامِ والتَّوقيرِ بَيْنَ الزَّوجينِ، وبه يحصُلُ التَّعاوُنُ والتَّعاضُدُ والتَّآلفُ والتَّآزُرُ بَيْنَ الأُسَرِ المتناسِبةِ؛ بسَبَبِ ما تمَّ بينها من المصاهرةِ المقَرِّبةِ للبعيدِ، والمحَبِّبةِ للقريبِ، والمُدْنيةِ للأجنَبيِّ) .
وَمِنْ صُوَرِ الْاحْتِرَامِ: احْتِرَامُ خُصُوصِيَّاتِ النَّاسِ: لِذَا نَهَانَا الإِسْلَامُ عَنْ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ النَّاسِ وَالتَّجَسُّسِ عَلَيْهِمْ وَالْبَحْثِ عَنْ أَخْبَارِهِمْ؛ وَدَعَانَا إِلَى الاِنْشِغَالِ بِعُيُوبِ النَّفْسِ أَوَّلًا، وَالْعَمَلِ عَلَى إِصْلَاحِهَا وَتَهْذِيبِهَا، فَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ].
لِسَانُكَ لَا تَذْكُرْ بِهِ عَوْرَةَ امْرِئٍ *** فَكُلُّكَ عَوْرَاتٌ وَلِلنَّاسِ أَلْسُنُ
وَعَيْنُكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيْكَ مَعَايِبًا *** فَصُنْهَا وَقُلْ: يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْيُنُ
أقولُ قولِي هذا واستغفرُ اللهَ العظيمَ لِي ولكُم ….الخطبةُ الثانيةُ
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَأشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ….وبعد
❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ إِحْيَاءٌ لِلنَّفْسِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ : التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ عَمَلٌ يَسِيرٌ يَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْقُرُبِ وَأَفْضَلِ الصَّلَاتِ وَأَجَلِّ الْقُرُبَاتِ ، هُوَ مِنْ أَهَمِّ الْمُبَادَرَاتِ الَّتِي تُعَزِّزُ الْقِيمَ الْإِنْسَانِيَّةَ، هُوَ وَاجِبٌ إِنْسَانِيٌّ وَوَطَنِيٌّ وَدِينِيٌّ ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الصَّدَقَاتِ، وَأَشْكَالٌ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ، وَأَجْرُ الْإِحْسَانِ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَثَوَابُهُ كَبِيرٌ وَجَسِيمٌ، يَكْفِي أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الصَّدَقَةَ بُرْهَانٌ، وَأَنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ. وَإِذَا كَانَ لِلصَّدَقَةِ بِالْمَالِ مَنْزِلَتُهَا فِي الدِّينِ، وَثَوَابُهَا عِندَ اللَّهِ، حَتَّى إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، وَيُضَاعِفُهَا أَضْعَافًا كَثِيرَةً إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ؛ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ بِالدَّمِ أَعْلَى مَنْزِلَةً وَأَعْظَمَ أَجْرًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْحَيَاةِ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَالْإِنْسَانُ أَغْلَى مِنَ الْمَالِ، وَكَأَنَّ الْمُتَبَرِّعَ بِالدَّمِ يَجُودُ بِجُزْءٍ مِنْ كِيَانِهِ الْمَادِّيِّ لِأَخِيهِ حُبًّا وَإِيثَارًا.
إِنَّ كَيْسَ الدَّمِ الْواحِدِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُنقِذَ حَيَاةَ ثَلاثَةِ أَشْخَاصٍ قَالَ اللَّهُ جَلَّ فِي عَلَاهُ [وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا] الْمَائِدَةُ 32 وَقَالَ تَعَالَى: [وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ] الْبَقَرَةُ 272 وَالْتَّبَرُّعُ بِالدَّمِ هُوَ نَوْعٌ مِّنَ الصَّدَقَةِ الْجَارِيَةِ . قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: « إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثَةٍ : مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ » رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ كَيْفَ يَكُونُ شُعُورُكَ وَأَنْتَ تَرَى صَدَقَتَكَ الْجَارِيَةَ مِنْ دَمَائِكَ تَجْرِي بِجَسَدِ غَيْرِكَ؟ كَيْفَ تَجِدُ إِحْسَاسَكَ وَقَدْ أَنْقَذْتَ إِنْسَانًا مِّنَ الْمَوْتِ بِدَمَائِكَ الَّتِي تَجْرِي فِي عُرُوقِكَ؟ التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ قَضَاءٌ لِلْحَاجَاتِ وَتَفْرِيجٌ لِلْكُرُوبَاتِ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِّنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، كَيْفَ يَكُونُ شُعُورُكَ وَقَدْ قَضَيْتَ حَاجَةَ مُسْلِمٍ مِنْ دَمَائِكَ، وَفَرَّجْتَ بِهَا كُرْبَةَ غَيْرِكَ، وَخَفَّفْتَ بِهَا مَعَانَاةَ أَخِيكَ؟ وَالتَّبَرُّعُ بِالدَّمِ عَوْنٌ لِأَخِيكَ الْمُسْلِمِ وَنَبِيِّنَا الْمُخْتَارُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ(( اللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَاحْرِصُوا أَيُّهَا الأَخْيَارُ عَلَى زَكَاةِ الجَسَدِ، وَعَنْ رَفْعِ الأَذَى عَنْ النَّاسِ، عَنْ الْعَمَلِ عَلَى إِنْقَاذِ أَرْوَاحِهِمْ، فَفِي الْمُسْتَشْفَيَاتِ يُعَانِي النَّاسُ مِنْ نَقْصِ الدَّمِ، وَقَدْ تَكُونُ نُقْطَةُ دَمٍ وَاحِدَةٍ مِنْكَ سَبَبًا لِإِنْقَاذِ حَيَاةِ إِنْسَانٍ مُحْتَاجٍ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. فَكُلُّ جُزْءٍ يَتَحَرَّكُ فِي جِسْمِكَ فِيهِ زَكَاةٌ، وَكُلُّ نُقْطَةِ دَمٍ قَدْ تَنْقِذُ حَيَاةَ إِنْسَانٍ، فَاجْعَلِ التَّبَرُّعَ بِالدَّمِ مَشْرُوعَ زَكَاةٍ ثَابِتٍ فِي حَيَاتِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سَيُجَازِيكَ خَيْرًا عَظِيمًا وَيُزَكِّيكَ وَيُطَهِّرُكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣]، فَلْتَكُنْ دِمَاؤُكَ حَيَاةً لِلْآخَرِينَ، وَعَطَاءً مُسْتَمِرًّا، وَسَبِيلًا إِلَى رِضَا اللَّهِ، وَلْتَتَذَكَّرْ دَائِمًا: نُقْطَةُ دَمٍ وَاحِدَةٍ مِنْكَ قَدْ تَنْقِذُ حَيَاةَ إِنْسَانٍ.وَتَذَكَّرْ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا ﴿وَمَنۡ أَحۡیَاهَا فَكَأَنَّمَاۤ أَحۡیَا ٱلنَّاسَ جَمِیعًاۚ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣٢]
حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.
كَتَبَهُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ
د/ مُحَمَّدٌ حِرْزٌ
إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَافِ





