خطبة الأسبوعخطبة الجمعةعاجل
خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ : ((بُطُولَاتٌ لَا تُنْسَى)) د. مُحَمَّدُ حَرْزٍ

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ : ((بُطُولَاتٌ لَا تُنْسَى)) د. مُحَمَّدُ حَرْزٍ 11 شَعْبَانَ بِتَارِيخِ 14467هـ، الْمُوافِقُ، 30 يَنَايِرَ2026م
خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ word : ((بُطُولَاتٌ لَا تُنْسَى)) د. مُحَمَّدُ حَرْزٍ
خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةُ pdf : ((بُطُولَاتٌ لَا تُنْسَى)) د. مُحَمَّدُ حَرْزٍ
الحمدُ للهِ الذي بنعمتِهِ تتمُّ الصالحاتُ، وبفضلِهِ تتنزَّلُ الرحماتُ، جعلَ حبَّ الأوطانِ من كمالِ الإيمانِ، وعمارةَ الأرضِ أمانةً في أعناقِ الإنسانِ الحمدُ للهِ القائلِ في مُحكمِ التنزيلِ:﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾( الأحزاب:23) ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، وَأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ القائلُ كما في حديثِ أبي موسَى الأشعرِي رضى اللهُ عنه قال: قالَ أَعْرَابِيٌّ للنبيِّ ﷺ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، والرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، ويُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، مَن في سَبيلِ اللَّهِ؟ فَقال: مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيَا، فَهو في سَبيلِ الله) صحيح البخاري. يا مصطفَى
وأَحسنُ منكَ لم ترَ قطُّ عيني ** وَأجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ
خلقتَ مبرًا منْ كلّ عيبٍ ** كأنكَ قدْ خلقتَ كما تشاءُ
،فاللهم صلِّ وسلمْ وزدْ وباركْ على النبيِّ المختارِ وعلى آلهِ وأصحابِه الأخيارِ الأطهارِ وسلمْ تسليمًا كثيرًا إلي يوم الدينِ .أمَّا بعدُ …..فأوصيكُم ونفسِي أيُّها الأخيارُ بتقوى العزيزِ الغفارِ)): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( (آل عمران :102
عِبَادَ اللهِ :(( بُطُولَاتٌ لَا تُنْسَى )) هُوَ عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
❖ أَوَّلًا: فَضْلُ الرِّبَاطِ وَالدِّفَاعِ عَنْ الأَوْطَانِ.
❖ ثَانِيـــًـا: بُطُولَاتٌ فِي الدِّفَاعِ عَنْ الأَوْطَانِ.
❖ ثَالِثـــًـا وَأَخِيرًا: لَيْلَةُ النِّصْفِ لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ.
أيُّها السَّادَةُ: بَدَايَةً ما أحْوَجَنَا في هذهِ الدَّقائقِ المَعْدُودَةِ إلى أنْ يَكونَ حَدِيثُنَا عَنْ بُطُولَاتٍ لَا تُنْسَى وَعَنْ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وخاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ في شهر شعبان الخير وخاصة وشَعْبَانُ بَوَّابَةٌ وَقُنْطَرَةٌ لِرَمَضَانَ، شَعْبَانُ دَوْرَةٌ تَأْهِيليَّةٌ تَدْرِيبِيَّةٌ عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَالْقُرْآنِ، شَعْبَانُ نِهَايَةُ السَّنَةِ التَّكْلِيفِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ، شَعْبَانُ الْبَيَانُ الْخِتَامِيُّ لِلسَّنَةِ كُلِّهَا تَرفع فيه الْأَعْمَالُ إِلَى اللَّهِ، شَعْبَانُ شَهْرُ الْقُرْآنِ، فَكَانَ حَالُ السَّلَفِ الصَّالِحِ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ شَعْبَانَ، تَرَكُوا الْمِهَنَ وَالْحِرَفَ وَأَقْبَلُوا عَلَى مَصَاحِفِهِمْ فَقَرَأُوهَا، وَأَخْرَجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ لِيُعِينُوا غَيْرَهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ. وَتَرَكُوا الْكَثِيرَ مِنْ مَشَاغِلِ الدُّنْيَا، وَأَخَذُوا يَسْتَعِدُّونَ فِيهِ لِاسْتِقْبَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَكْثَرُوا فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ وَالذِّكْرِ وَالْقِيَامِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ عَنْ شَهْرِ شَعْبَانَ إِنَّهُ شَهْرُ الْقُرَّاءِ وَخَاصَّةً وَمِصْرَنَا الْغَالِيَةُ تَحْتَفِلُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِعِيدِ الشُّرْطَةِ وَدَوْرِهِمْ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ فِي الْأَوْطَانِ وَتَقْدِيمِ أَرْوَاحِهِمْ فِي سَبِيلِ حَمَايَةِ الْأَوْطَانِ وَخَاصَّةً وَمَكَانَةِ الشَّهِيدِ فِي دِينِنَا عَظِيمَةٌ وَرَفْعَةٌ كَرِيمَةٌ مَا بَعْدَهَا رَفْعَةٌ وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِندَ خَيْرِ جَوَارٍ، وَخَاصَّةً فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الْمَخَاطِرُ، وَتَعَدَّدَتْ فِيهِ صُوَرُ الْفَوْضَى، يَبْقَى الْأَمْنُ نِعْمَةً لَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا إِلَّا مَنْ فَقَدَهَا، وَيَبْقَى خَلْفَ هَذِهِ النِّعْمَةِ رِجَالٌ اخْتَارُوا أَنْ يَكُونُوا دِرْعَ الْوَطَنِ وَسِيَاجَهُ الْمَنِيعَ، الَّذِينَ لَمْ تَكُنْ بَطُولَاتُهُمْ يَوْمًا صَاخِبَةً بِالشِّعَارَاتِ، بَلْ نُقِشَتْ بِعَرَقِ السَّهَرِ، وَصِدْقِ التَّضْحِيَةِ، وَبَذْلِ الْأَرْوَاحِ، خَرَجُوا مِنْ بُيُوتِهِمْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْعَوْدَةَ لَيْسَتْ مَضْمُونَةً، لَكِنَّهُمْ أَيْقَنُوا أَنَّ حَمَايَةَ النَّاسِ عِبَادَةٌ، فَكَمْ مِنْ رُوحٍ أُنْقِذَتْ، وَكَمْ مِنْ يَدٍ آثِمَةٍ كُفَّتْ، وَكَمْ مِنْ لَيْلٍ نَامَ فِيهِ النَّاسُ آمِنِينَ لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ ظَلَّ مُسْتَيْقِظًا يُحَرِّسُهُ، وَكَمْ مِنْ أَرْوَاحٍ زهِقَتْ وَدِمَاءٍ سَالَتْ دَافِعًا عَنِ الْأَوْطَانِ. وَخَاصَّةً وَهُنَاكَ بُطُولَاتٌ لَا تُنْسَى، سَطَّرَهَا الْمِصْرِيُّونَ بِدِمَائِهِمْ فِي سَجِلِّ الْخُلُودِ، فَنَتَذَكَّرُ بِوَفَاءِ أَوَّلَئكَ الْأَبطْالَ مِنْ رِجَالِ أَمْنِ بِلَادِنَا الَّذِينَ ضَحُّوا بِأَرْوَاحِهِمْ فِي مُوَاجَهَةِ خَفَاشِيَ الظَّلَامِ وَغَدْرِ الْإِرْهَابِ، لِيُؤَكِّدُوا أَنَّ الْفِدَاءِ لَيْسَ مُجَرَّدَ شِعَارٍ، بَلْ هُوَ بَذْلُ الرُّوحِ لِتَظَلَّ مِصْرُ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً.
بِلاَدِي هَوَاهَا فِي لِسَانِي وَفِي دَمِي ***يُمَجِّدُهَا قَلْبِي وَيَدْعُو لَهَا فَمِي
❖ أَوَّلًا: فَضْلُ الرِّبَاطِ وَالدِّفَاعِ عَنْ الأَوْطَانِ.
أيُّها السَّادَةُ: وَبدُونَ مُقَدِّمَاتٍ تَحِيَّةَ تَقدِيرٍ وَإجْلالٍ إِلَى جَيْشنا العَظِيمِ وَشَرطَتِنا البَوَاسِلِ السَّاهِرَةِ عَلَى رَاحَةِ النَّاسِ وَأَمْنِهِمْ فِي الْبَرْدِ الْقَارِصِ وَفِي الْحَرِّ اللَّهبِ ، تَحِيَّةَ تَقدِيرٍ وَإجْلال إِلَى رِجَالِ الأَمْنِ الْمُرَابِطِينَ فِي نِقَاطِ التَّفْتِيشِ وَالْحُدُودِ وَالْمِيَادِينِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَوَاقِعِ مَهْمَا كَانَتْ تَخَصُّصَاتُهُمْ، يَقُومُونَ بِعَمَلٍ جَلِيلٍ، وَيَتَصَدَّوْنَ لِعَدَدٍ مِنْ أَعْدَاءِ الأَمْنِ مِنْ تِجَارٍ وَمُهَرِّبِي الْمَخَدَّرَاتِ وَالْأَسْلِحَةِ، وَمِنْ قِطَاعِ الطُّرُقِ وَغَيْرِهِمْ ، فَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ مُهِمَّةٍ! وَمَا أَشَقَّهَا مِنْ دَوْرٍ! ذَلِكَمُ الدَّوْرُ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْأُمَّةَ تَعِيشُ فِي ظِلِّ حِرَاسَتِهِ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً.. وَتَعْتَمِدُ عَلَى يَقَظَتِهِ وَفِطْنَتِهِ بَعْدَ تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى.. فَهَذِهِ الْمُهِمَّةُ مُهِمَّةٌ عَظِيمَةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حِفْظُ أَمْنِ الْبِلَادِ مِنَ الْعَدُوِّ الْخَارِجِيِّ وَالْدَّاخِلِيِّ الَّذِي بَاتَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ أَكْبَرِ مَصَادِرِ زَعْزَعَةِ الأَمْنِ فِي الْبِلَادِ.. وَكَيْفَ لَا ؟ وَالرِّبَاطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَمَلٌ جَلِيلٌ، وَمُهِمَّةٌ شَاقَّةٌ، وَمَنْزِلَةٌ عَالِيَةٌ يَصْطَفِي اللَّهُ لَهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.. قَالَ جَلَّ وَعَلَا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران:200]. وَكَيْفَ لَا ؟ وَالرَّبَاطُ وَالْمُرَابَطَةُ وَالْحِرَاسَةُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَأَجَلِّ الطَّاعَاتِ، وَأَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ عِندَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا الَّتِي يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ الشُّرُورَ الْكَثِيرَةَ، وَتَتَحَقَّقُ بِهَا الْمَصَالِحُ الْعَظِيمَةُ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ الله» [رواه الترمذي وحسنه]. وَكَيْفَ لَا ؟ وَالمُرَابِطُونَ الحُرَّاسُ وَالْعُيُونُ السَّاهِرَةُ لِحِمَايَةِ الْأَوْطَانِ مِنْ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ كَمَا قَالَ سَيِّدُ الْبَرِيَّةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: رَجُلٌ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كُلَّمَا كَانَتْ هَيْعَةٌ اسْتَوَى عَلَيْهِ، أَلَا أُخْبِرُكُم بِالَّذِي يَلِيهِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: رَجُلٌ فِي ثُلَّةٍ مِنْ غَنَمِهِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ الْبَرِيَّةِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ)) فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدُلُّ النَّاسَ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ وَرِفْعَةُ شَأْنِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَكَانَ يَحُثُّ عَلَى مُجَاهَدَةِ أَعْدَاءِ الدِّينِ، وَعَلَى مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ، وَالِإِعْرَاضِ عَنْ اسْتِيفَاءِ اللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةِ؛ حَتَّى يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ نَصِيبٌ وَافِرٌ مِنْ دَرَجَاتِ الْآخِرَةِ. وَكَيْفَ لَا ؟ وَرِبَاطُ لَيْلَةٍ خَيْرٌ مِّنَ الدُّنْيَا وَنِعْمِيَهَا وَشَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ ،اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: “رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا” (رواه البخاري ، وقَالَ عُثْمَانُ بن عفان رضي الله عنه وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِهِ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «حَرَسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ يُقَامُ لَيْلُهَا وَيُصَامُ نَهَارُهَا» [رواه أحمد)). وقَالَ عُثْمَانُ بن عفان رضي الله عنه َقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ))
وَكَيْفَ لَا ؟ وَالْمُرَابِطُونَ الحُرَّاسُ وَالْعُيُونُ السَّاهِرَةُ لِحِمَايَةِ الْأَوْطَانِ خَيْرٌ مِّنَ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَجَرَى عَمَلُهُ الصَّالِحُ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ اللَّهُ أَكْبَرُ!! يَا لَهُ مِنْ شَرَفٍ عَظِيمٍ وَمَنْزِلَةٍ رَفِيعَةٍ فعنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» [رواه مسلم]. ومَرَّ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ -رضي الله عنه- بِشُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَهُوَ فِي مُرَابَطٍ لَهُ، وَقَدْ شَقَّ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: “أَلَا أُحَدِّثُكَ يَا ابْنَ السِّمْطِ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: “رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ – وَرُبَّمَا قَالَ: خَيْرٌ – مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَمَنْ مَاتَ فِيهِ –أي: في الرباط- وُقِيَ فِتْنَةَ القَبْرِ، وَنُمِّيَ لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ” اللَّهُ أَكْبَرُ!! (رواه الترمذي وقال هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ)) وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَجْرَى عَلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ مِنَ الْفَتَّانِ، وَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا مِنَ الْفَزَعِ» [رواه ابن ماجه]. وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ» [رواه الترمذي].وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «رِبَاطُ شَهْرٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ دَهْرٍ، وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمِنَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَغُدِيَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ، وَرِيحَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيَجْرِي عَلَيْهِ أَجْرُ الْمُجَاهِدِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ عز وجل» اللَّهُ أَكْبَرُ!! [رواه الطبراني كما في مجمع الزوائد]. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، قَالَ: ”لَأَنْ أَبِيتَ حَارِسًا وَخَائِفًا فِي سَبِيلِ اللَّهَ عز وجل أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ رَاحِلَةٍ”
وَكَيْفَ لَا ؟ وَالمُرَابِطُونَ الحُرَّاسُ وَالْعُيُونُ السَّاهِرَةُ لِحِمَايَةِ الْأَوْطَانِ يَغْفِرُ اللّهُ لَهُمُ الذُّنُوبَ وَيَكْتُبُ لَهُمُ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ ، ففي صحيح مسلم وغيره: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ ». قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ « إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ».، وفي رواية للترمذي: (قَالَ قُتَيْبَةُ فِي حَدِيثِهِ « فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ». ثَلاَثًا وعن حسان بن عطية رحمه الله، قال: “مَنْ بَاتَ حَارِسًا حَرَسَ لَيْلَةً أَصْبَحَ وَقَدْ تَحَاتَّتْ خَطَايَاهُ” [رواه ابن أبي شيبة].
وَكَيْفَ لَا ؟ وَحِرَاسَةُ الْأَوْطَانِ وَتَأْمِينُهَا مِنَ الرِّبَاطِ وَالْحِفَاظُ عَلَيْهَا قُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُوَ وَاجِبٌ وَلَوْ اسْتَدْعَى الْقِتَالَ وَبَذْلَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ فِي سَبِيلِ مَنْعِ الْعَدُوِّ عَنْهَا، وَإِخْرَاجِهِ مِنْهَا، وَحِرَاسَتِهَا مِنْ أَصْحَابِ الشُّرُورِ وَالْفِتَنِ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿قَالُوا۟ وَمَا لَنَاۤ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِیَٰرِنَا وَأَبۡنَاۤئِنَاۖ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وَكَيْفَ لَا ؟ وَالْوَطَنُ هُوَ الْأَمْنُ وَالْأَمَانُ وَالِاسْتِقْرَارُ وَالطُّمَأْنِينَةُ، وَهُوَ رَمْزُ الْكَرَامَةِ وَالْعِزَّةِ وَهُوَ الْكِيَانُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، وَهُوَ الْحَضْنُ الدَّافِئُ الَّذِي نَلْجَأُ إِلَيْهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، لِذَا حَثَّنَا الدِّينُ عَلَى حُبِّ الْوَطَنِ وَالْدِّفَاعِ عَنْهُ ضِدَّ الْأَعْدَاءِ. فَنِعْمَةُ الْأَمْنِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ وَمِنَّةٌ كَبِيرَةٌ وَصِدْقُ الْمَعْصُومِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ يَقُولُ كَمَا فِي حَدِيثٍ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» [رواه الترمذي]. فَمَا بَالكُم إِذَا كَانَ الوَطَنُ هُوَ مِصْرُ الغَالِيَةُ صَخْرَةُ الإِسْلَامِ العَاتِيَةُ. مِصْرُ الَّتِي نُحِبُّهَا وَنُعَشِّقُهَا، مِصْرُ الَّتِي قَالَ عَنْهَا رَبُّنَا ((وَقَالَ ٱدۡخُلُوا۟ مِصۡرَ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ ءَامِنِینَ﴾ ((يوسف: ٩٩)) مصرُ التي قال عنها نبيُّنا العدنانُ صلَّى اللهُ عليه وسلم: “إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا؛ فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا” رواه مسلم. وعن أبي ذرٍ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا القِيرَاطُ فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُم ذِمَّةً وَرَحِمًا». أَخْرَجَهُ الطبرانيُّ والحَاكِمُ. وعن كَعْبِ بنِ مَالِك يَرْفَعُهُ: «إِذَا فُتِحَت مِصْرُ فَاسْتَوْصُوا بِالقِبْطِ خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا».
مِصْرُ الكِنَانةُ مَا هانَتْ عَلَى أَحَدٍ*** اللَّهُ يَحْرُسُهَا عَطْفًا وَيَرْعَاهَا
نَدْعُوكَ يَا رَبَّ أَنْ تَحْمِي مَرَابِعَهَا *** فَالشَّمْسُ عَيْنٌ لَهَا وَاللَّيْلُ نَجْوَاهَا
مَن شَاهَدَ الأَرْضَ وَأَقْطَارَهَا *** وَالنَّاسَ أَنْوَاعًا وَأَجْنَاسًا
وَلا رَأَى مِصْرَ وَلَا أَهْلَهَا *** فَمَا رَأَى الدُّنْيَا وَلَا النَّاسَ
❖ ثَانِيـــًـا: بُطُولَاتٌ فِي الدِّفَاعِ عَنْ الأَوْطَانِ.
أيُّها السَّادةُ: لَقد ضَرَبَ لَنَا النبيُّ المختارُ ﷺ والصَّحابَةُ الأَطْهارُ الأَخْيارُ ـ رِضْوانُ اللَّـهِ عَلَيْهِم ـ أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ في التَّضْحِيَةِ دِفاعًا عن دينهِم ونَبِيِّهِم ووَطَنِهِم؛ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: “كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا» …” [رواه البخاري].
وعن جَابِر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: “إِنَّا يَوْمَ الخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاءُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الخَنْدَقِ، فَقَالَ: «أَنَا نَازِلٌ»، ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ المِعْوَلَ فَضَرَبَ، فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ، أَوْ أَهْيَمَ” [رواه البخاري].
وَهَذَا عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّـهِ ﷺ يَقُولُ: ” قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ” ، فيَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ؟ ، قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : بَخٍ بَخٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ ؟ ، قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا ، قَالَ : ” فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا ” ، فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ، ثُمَّ قَالَ : لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ ، قَالَ : فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ). رواه مسلم.(
وهذا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ تَغَيَّبَ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ وَقَالَ: تَغَيَّبْتُ عَنْ أَوَّلِ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَرَانِي اللَّهُ قِتَالًا لَيَرَيَنَّ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَقُولُ: أَيْنَ؟! أَيْنَ؟! فَو َالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ قَالَ: فَحَمَلَ فَقَاتَلَ، فقُتِلَ فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَطَقْتُ ما أطاقَ فقالت أختُه: واللهِ ما عرفتُ أَخِي إِلَّا بِحُسْنِ بَنَانِهِ فَوُجِدَ فِيهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ جِرَاحَةً ضَرْبَةُ سَيْفٍ وَرَمْيَةُ سَهْمٍ وَطَعْنَةُ رُمْحٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب:23)) صحيح ابن حبان)
وهذا حنظلةُ بنُ أبي عامرٍ:ــ قُتلَ شهيدًا في ليلةِ عُرسهِ وسُمِّيَ بغَسِيلِ الملائكةِ. فعن هشاِم بنِ عروةَ عن أبيهِ أنَّ رسولَ اللهِ قال لامرأةِ حنظلةَ: مَا كَانَ شَأْنُهُ؟ قالت: خرجَ وهو جُنُبٌ حينَ سمعَ الهاتفةَ، فقال رسولُ اللهِ: “لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ”. فقد خرجَ في صبيحةِ عرسهِ وهو جنبٌ، فلقيَ ربَّهُ شهيدًا.
بَلْ انْظُرُوا يا شَبَابُ إِلَى أَوْلَادِ عَمْرُو بِنِ الْجَمُوحِ الْأَعْرَجِ الْأَرْبَعَةِ، يَوْمَ أُحُدٍ يَقُولُونَ لِأَبِيهِمْ: يا أَبَانَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَذَرَكَ وَنَحْنُ نَكْفِيكَ، فَيَبْكِي الرَّجُلُ بُكَاءً شَدِيدًا، وَذَهَبَ عَمْرُو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ أَبْنَائِي يَمْنَعُونِي مِنَ الْجِهَادِ فَقَالَ النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ ﷺ: يا عَمْرُو إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَذَرَكَ لَيْسَ عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ فَقَالَ عَمْرُو: يا رَسُولَ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَطَأَ الْجَنَّةَ بِعَرَجَتِي فَالْتَفَّ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَوْلَادِهِ قَائِلًا لَهُم دَعُوهُ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ الشَّهَادَةَ وَيَنْطَلِقُ عَمْرُو فِي الْمَعْرَكَةِ وَسَطَ أَوْلَادِهِ لِيَمُوتَ شَهِيدًا لِيَدْخُلَ وَلِيَطَأَ الْجَنَّةَ بِعَرَجَتِهِ. اللَّهُ أَكْبَرُ!!!
وفِي مَعْرَكَةِ السَّادِسِ مِنْ أُكْتُوبَر مَعْرَكَةِ الْعُبُورِ ضَرَبَ لَنَا أَبْطَالُ قُوَّاتِنَا الْمُسَلَّحَةِ الْبَوَاسِلِ وَأَبْطَالُ الشُّرْطَةِ الْبَوَاسِلِ، أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ وَأَعْظَمَهَا فِي الْحِفَاظِ عَلَى الْوَطَنِ وَالدَّفَاعِ عَنْهُ وَالتَّضْحِيَةِ مِنْ أَجْلِهِ وَالْمَوْتِ فِي سَبِيلِهِ، وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِّمُونَ أَعْظَمَ وَأَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الْحِفَاظِ عَلَيْهِ وَالدَّفَاعِ عَنْهُ وَحِمَايَةِ أَمْنِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ حَفِظَ اللَّهُ مِصْرَ قِيَادَةً وَشَعْبًا وَجَيْشًا وَشُرْطَةً مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَشَرٍ.
وَبَحَثْتُ عَنْ سِرِّ السَّعَادَةِ جَاهِدًا *****فَوَجَدْتُ هَذَا السِّرَّ فِي تَقْوَاكَا
فَلْيَرْضَ عَنْي النَّاسُ أَوْ فَلْيَسْخَطُوا *****أَنَا لَمْ أَعُدْ أَسْعَى لِغَيْرِ رِضَاكَا
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَاسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ وَبِسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ …………………… وَبَعْدُ
❖ ثَالِثـــًـا وَأَخِيرًا: لَيْلَةُ النِّصْفِ لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ.
أيُّها السَّادةُ: لَيْلَةُ النِّصْفِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ النِّصْفِ ؟ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ هِيَ لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ وَأَكْثَرُ مَا يَبْلُغُ الْمَرْءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَنْ يَقُومَ لَيْلَهَا وَيَصُومَ نَهَارَهَا وَيَتَّقِي اللهَ فِيهَا، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا وَهِيَ مُدْبِرَةٌ وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ وَهِيَ مُقْبِلَةٌ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا الْيَوْمَ الْعَمَلُ وَلاَ حِسَابَ وَغَدًا الْحِسَابُ وَلاَ عَمَلَ”. فَالدُّنْيَا سَائِرَةٌ إِلَى الاِنْقِطَاعِ، إِلَى الزَّوَالِ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ الدُّنْيَا كَالشَّمْسِ إِذَا تَدَلَّتْ نَحْوَ الْغُرُوبِ، مَعْنَاهُ مَا مَضَى أَكْثَرُ مِمَّا بَقِيَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، فَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَاتَّقُوا رَبَّكُمْ، فَقَدْ قَالَ رَبُّنَا: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [ءَال عِمْرَان/ 15]. وَيَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [ءَال عِمْرَان/ 17].
لَيْلَةَ النِّصْفِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ النِّصْفِ؟ نَفْحَةٌ مِن نَفَحاتِ رَبِّكُم يَتَنَافَسُ فِيها الْمُتَنَافِسُونَ وَيَسْتَغْفِرُ فِيها الْمُذْنِبُونَ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن تَابَ ثَبَتَ فِي فَضْلِها أَنَّهَا لَيْلَةٌ لِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي وَالآثَامِ فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَطَّلِعُ عَلَى قُلُوبِ عِبَادِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ عِبَادِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ. فَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ». وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إِنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلَى عِبَادِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ”.
فُرْصَةً فِيمَا بَقِيَ مِن شَعْبَانَ بَاغَتْنَامُهُ بِالصِّيَامِ وَالذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ تَدْرِيبًا وَتَهْيِئَةً وَاسْتِعْدَادًا لِمَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ وَالطَّاعَاتِ وَكَيْفَ لَا ؟ خَصَّهُ النَّبِيُّ ﷺ بِزِيَادَةِ صِيَامٍ: فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»؛ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ). وَتَقُولُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ؛ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا: “كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا”.
فُرْصَةً فِيمَا بَقِيَ مِن شَعْبَانَ بَاغَتْنَامُهُ بِقَضَاءِ مَا عَلَيْكَ مِن صِيَامِ رَمَضَانَ الْمَاضِي فَلَقَدْ كَانَتْ أُمُّنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا تُقْضِي مَا عَلَيْهَا مِن رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ فَالْعَجَلَ الْعَجَلَ بِقَضَاءِ مَا فَاتَ مِن رَمَضَانَ الْعَجَلَ الْعَجَلَ بِالتُّوبَةِ وَالْأَوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ وَسَتِيرِ الْعُيُوبِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.
إلهِي لَسْتُ لِلْفِرْدَوْسِ اَهلاً***وَ لاَ اَقْوَي عَلَي النَّارِ الْجَحِيْمِ
فَهَبْ لِي تَوْبَةً وَ اغْفِرْ ذُنُوْبِي***فَاِنَّكَ غَافِرُ الذَنْبِ الْعَظِيْمِ
وَ عَامِّلْنِي مُعامَلةً الْكَرِيْمِ***وَ ثَبِّتْنِي عَلَي النَّهْج الْقَوِيْمِ
فالتوبةَ التوبة! (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ )) فَاحْرِصُوا عَلَى التُّوبَةِ قَبْلَ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَمِ، فَالْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابٌ وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ، وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمَلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ اتَّبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ) (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ))وَهُوَ الْقَائِلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَاللَّهُ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) (الْبُخَارِيُّ). فَلْيُبَادِرْ كُلٌّ مِنا إِلَى رَفْعِ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ طَالِبًا الْعَفْوَ عَمَّا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِ، رَاجِيًا رَحْمَةَ رَبِّهِ وَخَالِقِهِ، مُبَادِرًا إِلَى إِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ مِمَّا عَلَّقَ مِنْ حُقُوقِ إِخْوَانِهِ، سَالِكًا الطَّرِيقَ الَّذِي يُوَصِّلُهُ إِلَى مَرْضَاتِهِ وَجَنَّتِهِ.
تَزَوَّدْ مِن الدنيا فإنَّكَ لا تدْرِي *** إذا جَنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجْرِ
فكَمْ مِنْ صَحيحٍ ماتَ مِن غيرِ عِلَّةٍ *** وكَمْ مِن سقيمٍ عاش حيناً من الدَّهْرِ
وكمْ من صِغارٍ يُرتَجى طولُ عُمْرِهم *** وقَدْ أُدخِلَتْ أجسادُهم ظُلمةَ القبرِ
وكم من عروسٍ زيَّنُوها لزوجِها *** وقد نُسِجَتْ أكفانُها وهْيَ لا تَدْرِي
لذا يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَسْتَعِدَّ للطَّاعَةِ وَيَتَهَيَّأَ لِشَهْرِ رَمَضَانَ قَبْلَ دُخُولِهِ. انْظُرُوا أَقْوَالَكُمْ وَأَفْعَالَكُمْ وَمُعَامَلَاتِكُمْ في شَهْرِ شَعْبَانَ وَصَحِّحُوهَا قَبْلَ مَجِيءِ شَهْرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ، لَعَلَّ اللهَ تعالى يُبَلِّغُنَا إِيَّاهُ، وَيَجْعَلُنَا مِنَ المَعْتُوقِينَ مِنَّ النَّارِ. وحَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.
كَتَبَهُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ
د/ مُحَمَّدٌ حِرْزٌ إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَافِ






