خطبة الأسبوعخطبة الجمعةعاجل

خطبة الجمعة : من دروس الإسراء والمعراج (جبر الخواطــــر) للدكتور محمد داود

خطبة الجمعة : من دروس الإسراء والمعراج (جبر الخواطــــر) للدكتــــــور/ محـمـد حســــن داود (٢٧ رجب ١٤٤٧هـ – 16 يناير 2026م)

العناصــــــر:
–  جبر الخواطر ودعوة الإسلام إليه في رحاب الإسراء والمعراج.
– نماذج لجبر الخواطر من القرآن والسنة.
– صور لجبر الخواطر بين الناس.
– أثر جبر الخواطر على الفرد وفي توثيق الروابط الاجتماعية.

 

خطبة الجمعة word : من دروس الإسراء والمعراج (جبر الخواطــــر) للدكتور محمد داود

خطبة الجمعة pdf : من دروس الإسراء والمعراج (جبر الخواطــــر) للدكتور محمد داود

 

الموضــــــوع: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله فاطر السبع الطباق، مقسم الأرزاق، الهادي لأحسن الأخلاق، مالك يوم التلاق، نحمده على آلاء تملأ الآفاق، ونعم تطوق القلوب والأعناق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، القائل في حديثه الشريف: “إنما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ”، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد

إن الإسراء والمعراج معجزة إلهية متكاملة، كانت ولا زالت معجزة بكل المقاييس والمعايير، وقفت أمامها العقول حائرة، والأبصار متأملة؛ ولاشك أن هذه المعجزة منبعا عذبا وموردا صافيا ينهل منه المسلمون الدروس والعبر في كل زمان ومكان، وإن من أعظم هذه الدروس “جبـــــــر الخواطر”:

فبعد أن منَّ الله (تعالى) على المؤمنين ببعثة سيدنا الحبيب النبي (صَلى الله عليه وآله وسلم)، بدأ يدعو قومه إلى عبادة الله وحده، فمنهم من آمن بدعوته، ومنهم من تعهده بالإيذاء، وهكذا تواترت الابتلاءات على النبي (صَلى الله عليه وآله وسلم)، وتضاعفت بوفاة أم المؤمنين خديجة (رضي الله عنها) وهي التي قال في شأنها: “مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ” (رواه أحمد)، وازداد الألم ألما بموت عمه أبي طالب الذي احتضنه وهو صغير، ثم دافع عنه حين بُعث، فاستغلت قريش موت عمه فزادت من الإيذاء والتضييق عليه، حتى خرج إلى الطائف، أملا أن يجد قبولا بينهم، لكن كانت المفاجأة، إذ أغروا به غلمانهم وصبيانهم، فتبعوه وأخذوا يسبونه ويرمونه بالحجارة، حتى سالت الدماء من قدميه، فانصرف صلى الله عليه وآله وسلمَ حزينًا على عدم إيمان هؤلاء، مناجيا الحق سبحانه وتعالىَ متضرعا إليه: “اللَّهم إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سُخْطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ” (رواه أحمد، والبيهقي في دلائل النبوة).

وفي ظل هذه الأجواء، ومن هذه المحنة، كانت المنحة وجبر الخاطر؛ إذ يمن الله (عز وجل) على نبيه بمعجزة عظيمة، تصديقا له وتثبيتا، وتسرية عن قلبه، معجزة لعلو مكانتها خلد الله (جل وعلا) ذكرها في سورتين من القرآن الكريم، وهما سورة الإسراء وسورة النجم، وكأن لسان الحال يقول: يا نبي الله، إن كان من أهل الأرض من لا يعرفون قدرك؛ فإن أهل السماء يعرفون منزلتك.. حيث سخر الله (عز وجل) له البراق، وصلى بالأنبياء إماما، ورحبت به الملائكة في السماء، وفرضت الصلاة فكان ذكره صلى الله عليه وآله وسلمَ ملازما لها.

سَرَيْتَ مِنْ حَرَمٍ لَيــــْلًا إِلَى حَرَمٍ *** كَمَا سَرَى الْبَدْرُ فِيْ دَاجٍ مِّنَ الظُّلَمِ
وَبِتَّ تَرْقـى إِلـــى أَنْ نِلْتَ مَنْزِلَةً *** مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ لَمْ تُدْرَكْ وَلَمْ تَـرُمِ
وَقَدَّمَتْكَ جَمِيعُ الْأنْبِيَـــــــــاءِ بِهَا *** وَالرُّسْلِ تَقْدِيَمَ مَخْدُومٍ عَلى خَــــدَمِ

فما أعظم جبر الخواطر وما أعظم أن نتحلى بهذه القيمة العظيمة؛ فإنها من العبادات الكريمة، والأخلاق الطيبة التي حث عليها الإسلام ودعانا إليها، مبدأ كريم من شيم الأبرار، يدل على سمو النفس، وصفاء القلب، وسلامة الصدر، ورجاحة العقل، وطيب المنبت، وحسن السريرة حيث يجبر المسلم نفوسًا كسرت، وقلوباً فطرت، وأجساماً أرهقت، يفرج الكرب، ويقضي الحاجات، يقول سفيان الثوري (رحمه الله): “ما رأيت عبادة يتقرب بها العبد إلي ربه مثل جبر خاطر أخيه المسلم”.

وإن مما أعطى هذه القيمة قدرا ومكانة أن من معاني اسم الله (عز وجل) “الجبار” أنه سبحانه يجبر الخواطر؛ يجبر القلب الكسير، ويُغني عبده الفقير، ويُيسر على المعسر كل عسير، ويغفر الذنب الصغير والكبير، وإن تنظر القرآن الكريم تجد نماذج كثيرة من جبر الخواطر فهذا سيدنا زكريا (عليه السلام) يجبر الله خاطره عندما دعاه أن يرزقه ولدا؛ يقول عز وجل حكاية عنه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا *  وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ) (مريم: 4-7)، وهذا سيدنا أيوب (عليه السلام)، قال تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الأنبياء: 83- 84) وهذه أم سيدنا موسي (عليه السلام) يتفطر قلبها على ولدها خوفـا عليه، فجبر الله (عز وجل) خاطرها برده إليها، قال تعالى: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (القصص: 13)، وهذا يعقوب (عليه السلام)، يفارقه أحب أولاده إليه، ثم يتبعه ابنه الثاني بعد سنين، ثم تبيض عيناه من كثرة البكاء لفقدهما، فجبر الله خاطره حيث جمعه بولديه ورد إليه بصره، قال تعالى: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (يوسف: 96).

إن جبر الخواطر عبادة عظم الله شأنها، فهي جوهرة تتلألأ في عقد أخلاق الفضلاء، تزين بها الكرماء، وحاز منها سيد الأنبياء النموذج الأعلى، وقد كان من دعائه صَلى الله عليه وآله سلم: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي” (رواه الترمذي)، فكان من شيمه المباركة، وأخلاقه الطيبة جبر الخواطر وتفريج الكربات وقضاء الحاجات وكيف لا؟ وقد قال فيه ربه سبحانه (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4) وقال سبحانه: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة128: ) وقال عز وجل: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، وتقول أم المؤمنين خديجة (رضي الله عنها) في حقه: “كَلاَّ، واللَّهِ ما يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَداً، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ”، ومن ذلك:

عن قُرَّةَ بن إياس، قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ) إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ يَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ، فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهَلَكَ فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ لِذِكْرِ ابْنِهِ، فَحَزِنَ عَلَيْهِ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: “مَالِي لَا أَرَى فُلَانًا؟” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بُنَيُّهُ الَّذِي رَأَيْتَهُ هَلَكَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: “يَا فُلَانُ، أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمُرَكَ، أَوْ لَا تَأْتِي غَدًا إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ”، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بَلْ يَسْبِقُنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُهَا لِي لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ، قَالَ: “فَذَاكَ لَكَ” (رواه النسائي). وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه): “أنَّ امْرَأَةً كانَ في عَقْلِهَا شيءٌ، فَقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لي إلَيْكَ حَاجَةً، فَقالَ: يا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ، فَخَلَا معهَا في بَعْضِ الطُّرُقِ، حتَّى فَرَغَتْ مِن حَاجَتِهَا” (رواه مسلم). وعندما جاء فقراء المهاجرين فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: “وَمَا ذَاكَ؟” قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ؟ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ” قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولُ اللهِ قَالَ: “تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً ” (رواه مسلم). وهذا جابر بن عبد الله، لما استشهد أبوه انكسر قلبه واجتمع عليه الهم، فما لبث حتى جبر سيدنا النبي (صلى اللهُ عليه وآله وسلم) بخاطره؛ فعن جَابِرِ يَقُولُ: ” لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ يَوْمَ أُحُدٍ، لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلمَ) فَقَالَ: يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي، وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا، قَالَ : أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ: مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا ، فَقَالَ : يَا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ : يَا رَبِّ تُحْيِينِي، فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً ، فَقَالَ الرَّبُّ (سُبْحَانَهُ) : إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يَرْجِعُونَ، قَالَ: يَا رَبِّ، فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ (تَعَالَى): (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (رواه الترمذي). حتى الأطفال كان لهم من جبر الخاطر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نصيبا، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:” كانَ رَسولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ) أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكانَ لي أَخٌ يُقَالُ له: أَبُو عُمَيْرٍ، قالَ: أَحْسِبُهُ، قالَ: كانَ فَطِيمًا، قالَ: فَكانَ إذَا جَاءَ رَسولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ) فَرَآهُ، قالَ: أَبَا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيْرُ(طائر صغير كالعصفور) قالَ: فَكانَ يَلْعَبُ بهِ”. (رواه مسلم).

بل إنه صَلى الله عليه وآله وسلم جبر بخواطر أمته جميعا في أكثر من موضع، ومن ذلك حينما رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: “اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي”، وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: “يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟” فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ (الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ)، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللهُ: ” يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَلَا نَسُوءُكَ ” (رواه البخاري).

وعلى هذا الخلق الطيب والقيمة النبيلة كان الصحابة (رضي الله عنهم)، فما كان كعب بن مالك (رضي الله عنه) ينساها لطلحة (رضي الله عنه) يوم أن ذهب إلى المسجد متهللًا مستبشرًا بعد أن نزلت توبته بعدما تخلف عن غزوة تبوك؛ فقام واستقبله فرِحًا لفرحه فاحتضنه واقتسم معه سعادتَه وفرحته، يقول كعب: “والله لا أنساها لطلحة” رضي الله عنهما. ومن ذلك ما كان في أمر  سلمان (رضي الله عنه)، عندما كاتب سيده، وكان فقيرا لا يملك ما كاتب عليه، فقال النَّبيُّ (صَلى الله عليه وسلم) للصَّحابة” أَعِينُوا أَخَاكُمْ”. يقول سلمان (رضي الله عنه): فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ، الرَّجُلُ بِثَلاثِينَ وَدِيَّةً (أي صغار النخل)، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ، وَالرَّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ، وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ، يَعْنِي الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلاثُ مِائَةِ وَدِيَّةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلى الله عليه وآله وسلم) : اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لَهَا (أي احفر لها موضع غرسها) ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَأْتِنِي أَكُونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ، فَفَقَّرْتُ لَهَا وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ مِنْهَا جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلمَ) مَعِي إِلَيْهَا : فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ لَهُ الْوَدِيَّ ، وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلمَ) بِيَدِهِ “.

إن لجبر الخواطر أثرا عظيما وفضلا كبيرا، ففيه إشاعة المحبة والألفة والمودة والتكافل والتراحم بين الناس ولقد قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الحج: 77) ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم) “مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ” (رواه مسلم)

فمن جبر خواطر الناس جبر الله خاطره، ومن يسر على معسر يسر الله عليه، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه من كرب الاخرة، يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) “مَن نَفَّسَ عن مسلم كُرْبةً مِن كُرَبِ الدُّنيا، نَفسَ الله عنه كُرْبةً من كرب يوم القيامة، ومَن يَسَّرَ على مُعْسِرٍ، يَسَّرَ الله عليه في الدُّنيا والآخِرَة، ومَن سَتَر على مسلمٍ، سَتَرَ الله عليه في الدُّنيا والآخرة، واللهُ في عَونِ العبد ما كان العبدُ في عَونِ أخيه” (رواه أبو داود والترمذي) وعن أم سلمة (رضي الله عنها) أن النبي (صَلى الله عليه وسلم) قال: “صَنائِعُ المعروفِ تَقِي مَصارعَ السُّوءِ، والصَّدقةُ خُفيًا تُطفِئُ غضَبَ الرَّبِّ، وصِلةُ الرَّحِمِ زيادةٌ في العُمُرِ، وكلُّ مَعروفٍ صَدَقةٌ، وأهلُ المعروفِ في الدُّنيا هُمْ أهلُ المعروفِ في الآخِرَةِ،” (رواه الطبراني في الأوسط) ولقد علمتم هذا الرجل الذي كان يداين الناس وكان يجبر بخواطر المعسرين، فعَنْ أَبي مسْعُودٍ البدْرِيِّ، (رضي الله عنه)، قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّه (صَلى الله عليه وآله وسلم): حُوسب رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَلَمْ يُوجدْ لَهُ مِنَ الخَيْرِ شَيءٌ، إلاَّ أَنَّهُ كَان يُخَالِطُ النَّاس، وَكَانَ مُوسِرًا، وَكَانَ يأْمُرُ غِلْمَانَه أنْ يَتَجَاوَزُوا عَن المُعْسِر. قَالَ اللَّه تعالى: نَحْنُ أحقُّ بِذَلكَ مِنْهُ، تَجاوَزُوا عَنْهُ” (رواه مسلمٌ)، وقديماً قالوا: “من سَارَ بينَ النَّاسِ جابرًا للخَواطرِ أدركَه اللهُ في جَوفِ المَخاطرِ”.

نسأل الله أن يجعلنا من أهل الخير وجبر الخواطر
وأن يحفظ مصر من كل مكروه وسوء

=== كتبه ===
محمد حســــــــن داود
إمام وخطيب ومـــدرس
دكتوراة في الفقه المقارن

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى