السبت , 25 نوفمبر 2017
أخر الأخبار
الرئيسية / أخبار مهمة / خطبة بعنوان : “خذوا من أحداث الدهر عبرة”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 2 من ربيع الآخر 1438هـ، الموافق 30 ديسمبر 2016م
خطبة بعنوان : “خذوا من أحداث الدهر عبرة”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 2 من ربيع الآخر 1438هـ، الموافق 30 ديسمبر 2016م

خطبة بعنوان : “خذوا من أحداث الدهر عبرة”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 2 من ربيع الآخر 1438هـ، الموافق 30 ديسمبر 2016م

1581 عدد الزيارات

خطبة بعنوان : “خذوا من أحداث الدهر عبرة”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 2 من ربيع الآخر 1438هـ، الموافق 30 ديسمبر 2016م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:    

الحمد لله رب العالمين .. يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ولك الحمد حمدا كثيراً طيباً مباركاً فيه .وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه ولي الصالحين ..وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه طب القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها ونور الأبصار وضيائها محمد صلي الله عليه وسلم قيل له :” : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم ، إذا كثر الخبث (الترمذي).

اللهم صلاة وسلاماً عليك يا سيدي  يا رسول الله أما بعد فيا جماعة الإسلام . يقول الله تعالي:” قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(الأنعام /11).

أخوة الإيمان والإسلام :” من يتتبع ذكر الأمم السابقة وآثارهم في القرآن الكريم سيجد ما لا يصدقه عقل، ولم يصله علم في زماننا، من الآثار التي تبين أنهم وصلوا من العلوم والابتكار والتمكين ما تعجز عنه قدراتنا في عصر التكنولوجيا المزعومة ومع ذلك ومع ذلك لم تغن عنهم من الله شيئآ بكفرهم وجحودهم وإنكارهم لنعم الله عليهم  فجعلهم الله عبرة لمن خلفهم.. فاعتبروا يا أولي الألباب.

لذلك جاء النداء من الله عز وجل قل يا محمد للمشركين: “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(الأنعام /11). فكّروا في أنفسكم، وانظروا ما أحلّ الله بالقرون الماضية الذين كذّبوا رسله وعاندوهم، من العذاب والنّكال والعقوبة في الدّنيا، مثل عاد وثمود وقوم تبع وقوم فرعون وقوم لوط، انظروا واعتبروا، كيف كان عاقبة المكذّبين، مع ما ادّخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نجّى الله رسله وعباده المؤمنين.

أيها الأخوة الكرام:هناك مصطلح هو هلاك الأمم، لكن هلاك الأمم على نوعين، هلاك استئصال وهلاك ضعف، الأمة الإسلامية تعاني من الهلاك الثاني، هلاك الضعف، فما هي أسباب هلاك الأمم في ضوء القرآن الكريم وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، من أبرز أسباب هلاك الأمم كثرة الفساد في الأرض:

قال تعالي:” وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا “(الإسراء/16).

أحد أكبر أسباب هلاك الأمم كثرة الفساد في الأرض، قال علماء التفسير حول هذه الآية: أمرنا مترفيها بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله وإتباعهم فيما جاؤوا به، ففسقوا، أي خرجوا عن طاعة الله، وعن طاعة ما أمرهم به نبيه، وكذبوا رسله، فحق عليها القول، أي وجب عليها الوعيد، فدمرناها تدميراً، أي أهلكناها إهلاكاً، وقد أكّد الله التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم.

أيها الأخوة:”لكن هناك تساؤلاً أن الله أسند الفسق في هؤلاء القوم إلى المترفين دون غيرهم مع أن الهلاك أصاب الجميع، فما تفسير ذلك؟ هناك جوابان؛ الأول أن غير المترفين اتبعوا المترفين كما قال الله تعالى:“وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا”(الأحزاب /67).

والجواب الثاني: أن بعضهم إن عصى الله، وبغى، وطغى، لم ينكر عليه الآخرون، وقد يؤكد هذا الجواب ما ورد في بعض الآثار أن الله عز وجل أرسل الملائكة لإهلاك قرية، فقالوا: إن فيها رجلاً صالحاً؟ قال: به فابدؤوا، قالوا: ولمَ يا رب؟ قال: لأن وجهه لم يتمعر إذا رأى منكراً.

لذلك هذه الأمة التي شهد الله بها بالخيرية، علة خيريتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى:“كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ”(آل عمران/110).

ما الذي حصل في آخر الزمان؟ أشار النبي عليه الصلاة والسلام فقال:“كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟)ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة( .

أيها الأخوة :”الفساد عريض وطويل ..  ولكن ما هو السبيل ؟

وأول أسباب هلاك الأمم كثرة الفساد في الأرض، وقد قال تعالى:” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ “(الروم/41).

الفساد ليس فساد إداري ومالي فقط بل يتعدي للفساد الأخلاقي وقد تحدث القرآن الكريم عن هذا الفساد وظهوره منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان :” ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ” فهو ليس وليد اليوم وليس وليد صدفة بل هو بما كسبت أيدي الناس ..

وإذا كان ظهور الفساد منذ خلق الله البسيطة وهو يزداد يوماً عن يوم  وبخاصة في أيامنا هذه ونحن  بين يدي الساعة وفيها تضيع الأمانة وتخرب الذمم و قد ظهرت جميع العلامات الصغرى ونحن علي أعتاب العلامات الكبرى وقد أخبر بذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم فعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ سِنِينَ خَدَّاعَةً ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ ، وَيَتَكَلَّمُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ ” قِيلَ : وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ ؟ قَالَ : ” الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ ” . (أحمد)…

  وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها يا رسول الله قال إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة “(البخاري).

 ولابد أن نعترف بوجود فساد أخلاقي ومالي وإداري عريض وطويل حجمه ومقداره ومكتشفه لا يعنيني !!!!!

ولكن الذي يعنيني  والسبيل   في هذا الوقت هو مواجهة الفساد وبتره -لأن الفساد هو سبب الهلاك والدمار وسبب غرق السفينة وسبب هلاك الأمم السابقة منذ عاد وثمود حتي مبارك ومرسي .. ولو ترك هكذا لكان سبباً في هلاك الجميع كما أخبر الرسول صلي الله عليه وسلم :”مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا” (البخاري عن النعمان بن بشير).

الكفر بنعم الله عز وجل وعدم القيام بواجب شكرها :

سبب آخر هو الكفر بنعم الله عز وجل، وعدم القيام بواجب شكرها، قال تعالى:“وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ “(النحل/112).

وقد ورد  في الأثر القدسي :إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي، وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل محبتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي، لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب(البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا – أليس مرض الإيدز هذا المرض الذي لم يكن معروفاً من قبل بسبب الفاحشة، السبب الأول والأكبر هو الفاحشة، والفاحشة الشاذة – وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ – كل أنواع الغش يدخل في هذه الكلمة – إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ “(ابن ماجة). عن جبير بن نفير قال: لما فُتحت مدائن قبرص وقَع الناس يقتسمون السْبي، وفرِّق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، ورأيتُ أبا الدرداء تنحَّى وحده جالسًا، واحتَبى بحمائل سيفه فجعل يبكي، فأتاه جبير بن نفير فقال: يا أبا الدرداء! أتبكي في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذلَّ فيه الكفر وأهله؟! فضرب علىى منكبَيه، ثم قال: ويحك يا جبير! – وفي رواية: ثكلتْك أمك يا جُبير بن نفير! – ما أهون الخَلق على الله إذا هم ترَكواا أمره، بينا هي أمة قاهرة قادرة ظاهرة على الناس، لهم المُلك، حتى تركوا أمر اللهعز وجل؛ فصاروا إلى ما ترى، وإنه إذا سلط السباء على قوم؛ فقد خرَجوا مِن عَين الله، ليس لله بهم حاجة”(حلية الأولياء وطبقات الأصفياء وإسناده صحيح، وانظر: الجواب الكافي لابن قيم الجوزية).

كلام واضح كالشمس وكأن النبي عليه الصلاة والسلام معنا، لذلك الأعداء يتعاونون و بينهم خمسة بالمئة من القواسم المشتركة، والمسلمون يتقاتلون والدماء تسيل بينهم، وبينهم خمسة وتسعون بالمئة من القواسم المشتركة.

الفساد الأخلاقي وتبدل القيم أخطر شيء يصيب الأمة الإسلامية :

أخطر شيء يصيب الأمة تبدل القيم، القيم الأخلاقية :كما قال الشاعر:” وإذا أصيب القوم في أخلاقهم **فأقم عليهم مأتما وعويلا!فتصبح قيماً مبتذلة، والقيم المادية تصبح قيماً محترمة..

 فلذلك هذا الشاعر الذي قال بيتاً من الشعر فاستحق عليه دخول السجن في عهد سيدنا عمر ماذا قال؟ قال شعراً هو شعار أي إنسان اليوم:

“دع المكارم لا ترحل لبغيتها**و اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي”.

أيها الأخوة، والله عز وجل يقول:” وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً “(الأنفال /25). ما معنى ذلك؟ أي إذا جاءت إلى بيتك ابنة أخيك، في ريعان الشباب بثياب متبذلة وقد ظهرت كل مفاتنها، ورحبت بها أجمل ترحيب، ولم تلق كلمة على مسمعها عن هذه الثياب الفاضحة فما الذي يحصل؟ سوف تتمنى ابنتك أن تكون مثلها، وسوف يأتيك ضغط داخلي، لذلك الذي لا ينكر المنكر سوف يصل إليه هذا المنكر بشكل أو بآخر، حي من أحياء البلد شب في أحد بيوته حريق، إن لم يسارع من حول هذا البيت لإطفاء هذا الحريق فإن الحريق سوف يمتد إليهم بيتاً بيتاًبل تتسع، لذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تضيق دوائر الباطل، أما بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتتسع دوائر الباطل حتى تضيق على دوائر الحق.

أيها الأخوة، جاء في الخبرمن حديث أم المؤمنين زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:“دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ:” لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ،وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ( متفق عليه).

لذلك أيها الأخوة، القيم الأخرى تسود في المجتمعات الإسلامية، وهناك فضائيات  تدعو إلى الحرية والتفلت من القيم والاعتقادات، وصدقوا ولا أبالغ وبدءاً من أفلام الكرتون، هذه الأفلام التي يتوهم الآباء جاهلين أنها لا علاقة لها بالدين تنشر الفساد والإباحية على مستوى عال..

أيها الأخوة، كلٍّ التفاصيل تعرفونها جميعاً، لكن لا بدّ للبيت المسلم من ضبط هذه الوسائل الحديثة ومتابعة الأبناء ومراقبتهم ..

المعركة أيها الأخوة الكرام صدقوا ولا أبالغ معركة بقاء أو عدم بقاء، معركة نكون أو لا نكون، صدقوا أن الغرب ونقوله  بملء الصوت :”  اتخذ قراراً بإفقارنا، وإضلالنا، وإفسادنا، وإذلالنا، وأخر قرار غير معلن بإبادتنا،  فلذلك أيها الأخوة الكرام، ما لم نكفر بالطاغوت فلن نؤمن بالله، قال تعالى:  “فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى”(البقرة/256).  ومن المعلوم عند كل عاقل أن الكفار لن يتركوا المسلمين ولو تركهم المسلمون، وهذه حقيقة شرعية وسنة إلهية أخبرنا الله بها في حيث قال:” وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا…”( البقرة/217) . يعني مهما فعلتم، ومهما تقربتم إلى هؤلاء الكفرة، فهم لا يزالون يقاتلونكم.. لن يتركوكم ترتاحون حتى ترتدوا عن هذا الدين وتتبعوا أهوائهم كما قال سبحانه:” وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ…”[سورة البقرة/120] .

فإذن: هم لن يرضوا عنك إلا بهذا.. ولن يتركوك من القتال إلا بهذا وإذا كانوا لم يتركوك من القتال والقتال هو أشق شيء على النفوس، فسيحاربونك بغير القتال من باب أولى.. سيحاربونك بغزو ثقافي.. بغزو فكري.. عن طريق المرأة.. عن طريق الإعلام.. سيحاربونك لتهديم دينك، ولتضييع عقيدتك.. فكن أيها المسلم الموحد من الكافرين على حذر . وأنت ياأخا الإسلام علي ثغر من ثغور الإسلام فإياك إياك أن يؤتي الإسلام من قبلك ..

فمن أسباب الهلاك ترك الأهل والأولاد يهيمون في الشهوات :

وأولادنا أهم ما نملك يقول الله تعالي: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ”(التحريم /6).

في هذه الآية حثنا الله سبحانه وتعالى على العمل بطاعته واتقاء معصيته وأن نأمر أولادنا بامتثال الأوامر واجتناب النواهي فذلك وقاية للآباء والأبناء من نار وقودها الناس والحجارة.  أيها الناس :من شب على شيء شاب عليه ومن أدب ولده صغيراً سر به وفرح به كبيراً ومن لا يتدبر العواقب كان ولا شك من النادمين الخاسرين ، ينشأأ الإنسان في أول أمره وأيام طفولته وبداية عمره على فطرة سليمة ونفس صافية تتأثر بالخير كما تتأثر بالشرر وتنطبع فيها الأخلاق الحسنة كما تنطبع فيها الأخلاق السيئة وفي ذلك يقول صلي الله عليه وسلم  : ” كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه “(أبو داود).

أيها الأخوة الكرام، انتبهوا على أولادكم هذا الابن ما الذي يغذى به؟ أفلام، مشاهد فاضحة، الآن الظاهرة المنتشرة بين الشباب هي الأفلام الإباحية على الهواتف.

فلابد من غرس القيم الحميدة والخلال الكريمة في نفوسهم : يحرص الوالد على تربيتهم على التقوى، والحلم، والصدق، والأمانة، والعفة، والصبر، والبر، والصلة، والجهاد، والعلم؛ حتى يشبوا متعشقين للبطولة، محبين لمعالي الأمور، ومكارم الأخلاق. كذلك يمنع الولد من الحلف رأساً صادقاً أم كاذباً حتى لا يتعود على ذلك وإذا كان لآبد فليتعلم أن يحلف بالله عز وجل :” من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ” (متفق عليه). و تجنيبهم الأخلاق الرذيلة، وتقبيحها في نفوسهم : فيكره الوالد لهم الكذب، والخيانة، والحسد، والحقد، والغيبة، والنميمة، والأخذ من الآخرين، وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، والجبن، والأثرة، وغيرها من سفاسف الأخلاق ومرذولها؛ حتى ينشأوا مبغضين لها، نافرين منها. تعليمهم الأمور المستحسنة، وتدريبهم عليها : كتشميت العاطس، وكتمان التثاؤب، والأكل باليمين، وآداب قضاء الحاجة، وآداب السلام ورده، وآداب الرد على الهاتف، واستقبال الضيوف، والتكلم بالعربية وغير ذلك.

فإذا تدرب الولد على هذه الآداب والأخلاق، والأمور المستحسنة منذ الصغر- ألفها وأصبحت سجية له؛ فما دام أنه في الصبا فإنه يقبل التعليم والتوجيه، ويشب على ما عود عليه كما قيل : وينشأ ناشئ الفتيان منا *** على ما كان عوده أبوه .

وعلى الجملة فالمربي كالطبيب الحاذق الماهر الذي يعرف العلة ويصف لها الدواء ولآبد من المراقبة الفعلية لقوله صلي الله عليه وسلم “ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه “(أبو داود والترمذي).

ومن أسباب الهلاك :

الانحراف عن الصراط المستقيم: سواء كان هذا الانحراف انحرافاً عقدياً، أو انحرافاً عملياً، يعني سواء كانت المعاصي في باب الاعتقاد: بالإلحاد في أسماء الله وصفاته.. بالشرك الأكبر والشرك الأصغر، أو كان بالردة الكاملةة باعتناق المذاهب الكافرة كالشيوعية، والقومية، والعلمانية، أو كان من باب الأعمال أي المعاصي العملية.

 والمتتبع للقرآن يجد أن هذا هو سبب هلاك الأمم:” فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ”( العنكبوت/40) . فالأمم السابقة أخذت بسبب ذنوبها، وظلمها لأنفسها، والأدلة على هذا كثيرة، وما عليك إلا أن تقرأ كتاب ربك وستجد ذلك واضحاً، وعلى سبيل المثال: اقرأ قصة أصحاب سبأ، واقرأ قصة أصحاب السبت، واقرأ سبب إغراق قوم نوح، واقرأ سبب إهلاك قوم عاد وثمود وقوم لوط، وما حصل لقوم موسى، وما حصل لغيرهم من الأمم؛وسبب هلاك القري ..  فستجد الذنوب هي السبب في ذلك .

ومنها أولاً:الانحراف العقدي وأثره: سنضرب على الانحراف في العقيدة مثلين هما شاهد حي على أن الأمة إذا انحرفت اعتقاديا،ً فإنها تضعف وتذل:

الشاهد الأول من القرن الرابع الهجري: فقد شهد مداً رافضياً شديداً، فقامت دول رافضية في شرق الجزيرة في البحرين والإحساء قامت دولة القرامطة، وفي بلاد فارس والعراق دولة بني بويه، وفي بلاد الشام الحمدانيون- أبو فراس الحمداني وجماعته كانوا رافضة- وفي بلاد المغرب قامت الدولة العبيدية الإسماعيلية القرمطية، والتي تسمى زوراً وبهتاناً بالدولة الفاطمية، ثم بعد ذلك انطلقت فأخذت مصر، ثم الحجاز. والقرامطة أهل البحرين وصلوا إلى الحجاز، وأخذوا في ذلك القرن الحجر الأسود وبقي عندهم اثنتان وعشرون سنة، ووصلوا إلى دمشق، ولم يبق من بلدان المسلمين سالماً من المد الرافضي إلا القليل، وأذكر لكم ما قاله الإمام ابن كثير رحمه الله في حوادث حصلت في ذلك الزمن ثم انظروا إلى تعليقاته رحمه الله على تلك الحوادث .

إنه مع قيام تلك الدول الضالة الرافضية تقدم أعداء الإسلام من بلاد الروم، فأخذوا بعض بلاد المسلمين، وفعلوا من الجرائم البشعة ما تقشعر له الأبدان، يذكر الحافظ ابن كثير بعض هذه الحوادث، ثم يعلق عليها، فيقول في حوادث سنة 359 للهجرة:’وفيها دخلت الروم أنطاكية فقتلوا من أهلها الشيوخ والعجائز، وسبوا من أهلها الشيوخ والأطفال نحواً من عشرين ألفاً فإنا لله وإنا إليه راجعون’ ثم يعلق على ذلك بقوله:’وكل هذا في ذمة ملوك الأرض أهل الرفض الذين قد استحوذوا على البلاد وأظهروا فيها الفساد قبحهم الله’. ثم يذكر أيضاً في حوادث سنة359 هـ أيضاً أن ملك الروم فعل أعظم من ذلك في طرابلس الشام، وفي السواحل الشامية وحمص وغيرها، يقول رحمه الله :’ومكث ملك الروم شهرين يأخذ ما أراد من البلاد ويأسر ما قدر عليه، ثم عاد إلى بلده ومعه من السبي نحو مائة ألف إنسان ما بين صبي وصبية وكان سبب عوده إلى بلاده كثرة الأمراض في جيشه واشتياقهم إلى أولادهم’.

تصوروا عدو من أعداء المسلمين يأتي ويأخذ مائة ألف أسير من المسلمين ولا يرجع إلا بسبب الأمراض التي فتكت بجيشه ولم يحاربه أحد من ملوك الرافضة الذين كانوا ملوك الأرض في ذلك الوقت، تذكروا ما ذكرناه في أول الموضوع أن من أسباب النصر القيادة المؤمنة، ويعلق ابن كثير على ما كان يفعله الروافض في ذلك القرن من سب الصحابة، وما يفعلونه من البدع والضلالات، فيقول في حوادث سنة 351 هـ بعد أن ذكر غارات الروم وقتلهم ما لا يحصى من المسلمين قال:’ وفيها كتبت العامة من الروافض على أبواب المساجد لعنة الله علي معاوية بن أبي سفيان، وكتبوا أيضا:ً ولعن الله من غصب فاطمة حقها-يعنون أبا بكر رضي الله عنه-، ومن أخرج العباس من الشورى -يعنون عمر رضي الله عنه-ومن نفى أبا ذر-يعنون عثمان رضي الله عنه- ‘يقول ابن كثير رحمه الله:’ رضي الله عن الصحابة وعلى من لعنهم لعنة الله’ . ثم تكلم قليلاً ثم قال:’ولما بلغ ذلك جميعه معز الدولة-يقصد ابن بويه وكان رافضياً- لم ينكره ولم يغيره قبحه الله وقبح شيعته من الروافض’.

انظروا إلى تعليق ابن كثير وهو المراد في هذا الأمر يقول:’لا جرم أن الله لا ينصر هؤلاء وكذلك سيف الدولة ابن حمدان بحلب فيه تشيع وميل إلى الروافض لا جرم أن الله لا ينصر أمثال هؤلاء، بل يديل عليهم أعداءهم لمتابعتهم أهواءهم، وتقليدهم سادتهم وكبراءهم وآباءهم، وتركهم أنبياءهم وعلماءهم،  ولهذا لما ملك الفاطميون بلاد مصر والشام وكان فيهم الرفض وغيره استحوذ الإفرنج على سواحل الشام وبلاد الشام كلها حتى بيت المقدس ولم يبق مع المسلمين سوى حلب وحمص وحماة ودمشق، وجميع السواحل وغيرها مع الإفرنج والنواقيس النصرانية والطقوس الإنجيلية تضرب في شواهق الحصون والقلاع، وتكفر في أماكن الإيمان من المساجد وغيرها من شريف البقاع’ – ثم بعد ذلك صور حال المسلمين-‘ والناس معهم في حصر عظيم وضيق من الدين وأهل هذه المدن-يقصد دمشق وحلب وحمص وحماة- التي في يد المسلمين في خوف شديد في ليلهم ونهارهم من الإفرنج فإنا لله وإنا إليه راجعون وكل ذلك من بعض عقوبات المعاصي والذنوب وإظهار سب خير الخلق بعد خير الأنبياء’. ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه :“ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه( الجامع الصغير).

هذا نتيجة الانحراف العقائدي الذي استحوذ على هذه الأمة في القرن الرابع الهجري بل استحوذ على حكامها وقادتها في ذلك الوقت.

 أما الشاهد الثاني، فأضربه لكم من عصرنا هذا: فقد هُزم العرب أمام اليهود قي 67رغم أنه لا تناسب بين العددين، ورغم ما كان يتشدق به البعض ، من أنهم سيلقون باليهود في البحر، وسيفعلون وسيفعلون، كان أولئك يرفعون لواء القومية، ولواء الاشتراكية، ويخفضون راية الإسلام  حتى أنهم  بعد النكسة   بقولهم :”إنها لم تكن نكسة عسكرية بل كانت نكسة دينية أخلاقية وأمر بضرورة وجود جهاز الوعظ والإرشاد بالقوات المسلحة المصرية والشؤون المعنوية..

أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني..

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.أما بعد فيا جماعة الإسلام :لازلنا نواصل الحديث حول أسباب هلاك الأمم كي نأخذ من أحداث الدهر عبرة ..

ومن أسباب الهلاك عدم وجود القيادة المؤمنة القوية:

 فالقيادة العلمية القوية وقيادة الدنيا إذا اجتمعتا تحقق النصر والتمكين، أما إذا وجدت القيادة العلمية، ولكن ليس معها قوة تحميها وتدافع عنها وتجاهد لنشرها فإنها لا تقوى ولا تنتصر. وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم دائماً يوصي قادة الجيوش بالتقوى والعمل الصالح وكان عمر من بعده يقول :” أنا لا أخاف علي الجيش من عدوه ولكن أخشي عليه من ذنوبه .. وكان إذا تأخر النصر يرجع عمر بن الخطاب هذا التأخير للمعصية قائلاً : نحن إذا أطعنا الله تفوقنا علي عدونا أما إذا عصيناه فقد استوينا مع عدونا أمام الله وتفوق علينا بالعدة والعتاد…

وكان رضي الله عنه يسارع بالكتابة لقادته:”إنا لا نقاتل الناس بعدد ولا عدة إنما نقاتلهم بهذا الدين فلعلكم أحدثتم أمراً’. يذكرهم لعلكم  أحدثتم شيئاً فراجعوا أنفسكم، هل أخللتم بشيء من أسباب النصر والبقاء “.

ومن أسباب الهلاك عدم إعداد العدة والأخذ بالأسباب كما أمر الله في كتابه الكريم:” وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ..”( الأنفال/60).كل شيء تستطيعونه من أسباب القوة، فأعدوه صغيراً كان أو كبيراً ما دمتمم تستطيعونه عليكم أن تعدوه.”وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ” الخيل تدخل في القوة، فلماذا خصها بالذكر؟ خصها بالذكر لحكمة وهي: أن نعتني بأهم أسباب القوة، فالخيل في عهد النبي هي أهم أسباب القوة، فما دمنا نستطيع أن نوجد أهم أسباب القوة فإن علينا أن نعتني بها، في غزوة بدر لم يكن مع النبي إلا فارس واحد، وقيل: اثنان، وأكثر الأقوال أنهم ثلاثة.ويقول الحافظ ابن حجر:لم يثبت أو لم يصح أنه وجد فارس إلا المقداد وحده . فهذا هو قدر استطاعتهم، وكان مع قريش مائة فارس، والخيل في ذلك الوقت مثل الطائرات في زماننا هذا، فنحن مطالبون بأن نعد ما نستطيع ولسنا مطالبين بأن نعد ما لا نستطيع.

والنبي صلي الله عليه وسلم  أعد أسباب القوة، وفعل الأسباب الموجودة في عصره، والتي استطاع أن يفعلها، فلبس الدرع يوم أحد، وحفر الخندق يوم الأحزاب، وأخذ السلاح وأعد الجنود، وأعد القادة ورباهم، وأعد الأموال فكان يعمل بالأسباب الممكنة في عصره. لكن ينبغي أن نعلم أن الاعتماد لا يكون على الأسباب إنما على رب الأسباب وهو الله القوي العزيز وحده.

أخوة الإيمان والإسلام ونسأل سؤالاً: هل أمة الإسلام اليوم مطالبة بأن يكون لديها مثل ما لدى اليهود من السلاح؟ و مثل ما لدى اليهود من الخبرات ومثل ما لدى اليهود من التقدم العلمي والتكنولوجي؟

الجواب: لا، الأمة ليست مطالبة بهذا، الأمة مطالبة بأن تكون مؤمنة، وأن يكون صفها موحداً، وأن تكون قيادتها مؤمنة، ثم أن تُعِدَّ ما تستطيع من الأسباب، وتستعين بالله، وتجاهد في سبيله وسَتُنْصَرُ وتُمَكَّنُ.. هذا هو الشيء المطلوب، وهذا هو الذي يريح قلب المؤمن، ويدخل السرور على نفسه، فإننا لسنا مطالبين بأن نكون أقوى من الكفار، ولا حتى بأن نماثلهم، ولا حتى بأن نكون قربهم، بل علينا أن نعد ما نستطيعه، ثم نجاهد، وسينصرنا الله جل وعلا ..

وفعل الأسباب وإعداد العدة ينقسم لأمور كثيرة جداً لعل أهمها:

أ‌- إعداد الجندي المؤمن والقيادة المؤمنة: هذه هو أهمها وأولها، فتعد هذه القوة التي هي الجندي المؤمن والقيادة المؤمنة بالإيمان والعمل الصالح أولاً، وينقى الصف المؤمن من غير هؤلاء، ولذلك بمجرد أن تطالع كتب ‘الفقه الإسلامي’ تجدهم يقولون: وعلى القائد أن يمنع المخذل والمرجف من أن يسير مع الجيش؛ لأن هذا منافق لا يستطيع أن يواجه الكفار إذا حمي الوطيس. فإذن: لابد من إعداد الجندي المؤمن الذي يذكر الله كثيراً، والذي يحافظ على طاعة ربه، ويجتنب ما نهاه الله عنه، والذي نصب عينيه أن يموت شهيداً ليدخل الجنة بفضل الله. كما قال عمير بن الحمام-لما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ] وكان بيده تمرات بَخٍ بَخٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ” قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا قَالَ:”فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا” فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ قَالَ لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ- ربما لا تتجاوز خمس تمرات – إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ قَالَ فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. (مسلم).إذن إذا وجد مثل هذا النموذج الذي يقدم على الموت من أجل دينه ووطنه ، فإنه سيوهب لنا النصر، وستوهب لنا الحياة، وسنحصل على الحسنيين .

ب‌- الأمر الآخر في إعداد العدة إعداد العدة العسكرية: بالعتاد.. بالأجهزة.. بما نستطيع من قوة فنعد ذلك ونجهزه، حتى لا يبقى سبب من أسباب النصر في استطاعتنا إلا وفعلناه،فإذا أعددنا تلك العدة، فإن القلوب تنام وهي مطمئنة مرتاحة.

ت‌- ومن العدة أيضاً: إعداد الأموال اللازمة: فإن الأموال الآن أصبحت عماد الجهاد، بل هي عماد الجهاد منذ عصر النبي، ولعل الجميع يتذكر أن عثمان بن عفان  لما جهز جيش العسرة، فماذا كانت جائزته؟ كانت جائزته: ” مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ”( الترمذي وأحمد).  هذه جائزته لماذا؟ لأن المال هو عصب الجهاد، فلا بد أيضاً أن تعد الأمة الأموال اللازمة للجهاد في سبيل الله .

ث‌- ومن إعداد العدة: ألا يغفل المسلمون عن معرفة عدوهم وعن قدراته: كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر عندما أخذ السقاة الذين جاءوا يستقون الماء لقريش ثم سألهم: كم عدد قريش؟ كم ينحرون من الجزر؟ كم معهم من الخيل؟ من معهم من صناديد قريش؟ معهم فلان وفلان،ينحرون من الجزر كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” الْقَوْمُ أَلْفٌ كُلُّ جَزُورٍ لِمِائَةٍ “( أحمد) . فَأَعَدَّ لذلك عدته، فهذا واجب من واجبات المسلمين، فلا يستهينوا بعدوهم، واحتقار العدو ليس من شأن المسلمين بل إننا نبحث عن مكامن القوة ومواطن الضعف فيه، ثم نستنصر بالله جل وعلا عليه، ومع ذلك علينا أن نتأمل قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ”( البخاري ومسلم).أي أننا نسأل الله جل وعلا أن ينصرنا عليهم وأن يخذلهم، حتى ولو لم نلتق بهم ولم نقاتلهم .

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email

عن admin

مجلس إدارة المجلة
الدكتور أحمد رمضان
الشيخ محمد القطاوي

تعليق واحد

  1. هشام الازهري

    حفظكم الله سيدنا الحبيب الشيخ الفاضل \ عبدالناصر بليح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .