الخميس , 20 سبتمبر 2018
أخر الأخبار
الرئيسية / أخبار مهمة / سلسلة الدروس الرمضانية، الدرس الرابع والعشرون: ليلة القدر فضائل وخصائص، للدكتور خالد بدير
سلسلة الدروس الرمضانية، الدرس الرابع والعشرون: ليلة القدر فضائل وخصائص، للدكتور خالد بدير
الدكتور خالد بدير

سلسلة الدروس الرمضانية، الدرس الرابع والعشرون: ليلة القدر فضائل وخصائص، للدكتور خالد بدير

3051 عدد الزيارات

سلسلة الدروس الرمضانية، الدرس الرابع والعشرون: ليلة القدر فضائل وخصائص، للدكتور خالد بدير.

لتحميل الدرس بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الدرس بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الدرس كما يلي:

سلسلة الدروس الرمضانية

 

الدرس الرابع والعشرون: ليلة القدر فضائل وخصائص

 

تكلمنا مع حضراتكم في لقاء سابق حول خصوصية أمة محمد صلى الله عليه وسلم بنفحات وبركات ؛ كل نفحة من هذه النفحات تعدل عدداً كبيراً من السنين؛ ومن هذه النفحات ليلة القدر .

وقد جعلت الحديث عن ليلة القدر في مسائل حتى تعم الفائدة وتصل الفكرة إلى الأذهان :

المسألة الأولى: لماذا سميت بليلة القدر؟

يلخص الإمام ابن الجوزي رحمه الله ذلك فيقول: ” وفي تسميتها بليلة القدر خمسة أقوال :

أحدها : أنها ليلة العظمة ، يقال : لفلان قدر قاله الزهري . ويشهد له قوله:{ وما قدروا الله حق قدره }.

والثاني : أنه الضيق . أي هي ليلة تضيق فيها الأرض عن الملائكة الذين ينزلون قاله الخليل بن أحمد ويشهد له :{ ومن قدر عليه رزقه }.

والثالث : أن القدر الحكم كأن الأشياء تقدر فيها . قاله ابن قتيبة.

والرابع : لأن من لم يكن قدر صار بمراعاتها ذا قدر . قاله أبو بكر الوراق.

والخامس: لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر وينزل فيها رحمة ذات قدر وملائكة ذوو قدر . حكاه شيخنا علي بن عبيد الله .”( زاد المسير).

ولا مانع من اجتماع هذه الأوجه كلها في ليلة القدر ؛ فهو اختلاف تنوع وتكامل لا تضاد .

المسألة الثانية: خصائص وفضائل ليلة القدر:

ليلة القدر ليلة عظيمة مباركة اختصها الله – عز وجل – بفضائل وخصائص كثيرة عن غيرها من الليالى منها:

أولا: أن الله تعالى أنزل القرآن الكريم في هذه الليلة: كما قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}(القدر: 1). فعن ابن عباس – رضي الله عنهما-: “أن القرآن الكريم أُنْزِل في ليلة القدر جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلي بيت العزة في السماء الدنيا”(تفسير ابن كثير).

ثانياً: أن الله – عز وجل – عظَّم شأنها وذكرها بقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} أي: أن دراية علوها ومنزلتها خارج عن دائرة دراية الخلق، فلا يعلم ذلك إلا علام الغيوب جل جلاله؛ قال سفيان بن عيينة: كل شئ قال فيه: ” وما أدراك ” فإنه أخبر به، وكل شئ قال فيه: ” وما يدريك ” فإنه لم يخبر به.( تفسير القرطبي )؛ وقد أخبرنا الله أنها خير من ألف شهر .

 ثالثا: أن العبادة والعمل الصالح فيها: من الصيام والقيام والدعاء وقراءة القرآن خيرٌ من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، قال تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}(القدر: 3). قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره: “عمل في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر” . فالساعة الواحدة فيها تساوي ثمان سنوات من عمر الزمان؛ والدقيقة تساوي خمسين يوماً !!

 رابعاً: ليلة القدر لا يخرج الشيطان معها: ودليل ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود- رضي الله عنه – أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: “إن الشمس تطلع كل يوم بين قرني الشيطان إلا صبيحة ليلة القدر”. وعن ابن عباس قال: “في تلك الليلة تُصفَّد مردة الجن، وتُغلُّ عفاريت الجن ؛ وتفتح فيها أبواب السماء كلها ؛ ويقبل الله فيها التوبة لكل تائب “(فتح القدير للشوكاني). وقال مجاهد: “هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوء ولا يحدث فيها أذى؛ ولا يُرسَل فيها شيطان ولا يحدث فيها داء” (تفسير ابن كثير).

خامساً: أن الملائكة والروح تَنَزَّل في هذه الليلة: قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ}(القدر: 4).والمقصود بالروح: هو جبريل عليه السلام . وأخرج ابن خزيمة عن أبي هريرة  رضي الله عنه  قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “ليلة القدر ليلة السابعة أو التاسعة وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى، والملائكة تنزل بالرحمات والبركات والسكينة، وقيل: تتنزل بكل أمر قضاه الله وقدره لهذه السنة”.

 ” واختلف في الحكمة من نزول الملائكة في هذه الليلة؛ وقيل في ذلك:” إن الملوك والسادات لا يحبون أن يدخل دارهم أحد حتى يزينون دارهم بالفرش والبسط، ويزينوا عبيدهم بالثياب والأسلحة، فإذا كان ليلة القدر أمر الرب تبارك وتعالى الملائكة بالنزول إلى الأرض، لأن العباد زينوا أنفسهم بالطاعات بالصوم والصلاة في ليالي رمضان، ومساجدهم بالقناديل والمصابيح، فيقول الرب تعالى: أنتم طعنتم في بني آدم وقلتم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} (البقرة: 30). فقلت لكم: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} اذهبوا إليهم في هذه الليلة حتى تروهم قائمين ساجدين راكعين لتعلموا أني اخترتهم على علم على العالمين.”(لطائف المعارف) .

سادساً: أن الأمن والسلام يحل في هذه الليلة على أهل الإيمان: قال تعالى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر}(القدر: 5).

 فهي سلام من الشر كله، فلا يكون فيها إلا السلامة، فهي خير كلها ليس فيها شر إلى مطلع الفجر .

 سابعاً: أنهـا ليلـة مبــاركة: قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ }(الدخان: 3). قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: ” يقول تعالى مخبراً عن القرآن العظيم أنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر كما قال عز وجل: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وكان ذلك في شهر رمضان كما قال تبارك وتعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}(البقرة: 184).” أ.ه

ثامناً: أن الله يتم فيها تقدير مقادير السنة: قال تعالى:{ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}(الدخان: 4). قال ابن رجب – رحمه الله : روي عن عكرمة وغيره من المفسرين: أنها ليلة النصف من شعبان، والجمهور: على أنها ليلة القدر، وهو الصحيح. اهـ

تاسعاً: ليلة القدر تعدل ألف شهر: قال ابن كثير في تفسيره عن مجاهد: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل لَبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، قال: فَعَجب المسلمون من ذلك، قال: فأنزل الله عز وجل: { إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ؛ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } ( القدر : 1-3) التي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر .” أ.ه

 فليلة واحدة خير من عبادة 83 سنة من الأمم الماضية، فما بالك لو صادفتك ليلة القدر عشرين سنة مثلاً.

 وعَنْ الِإمَامِ مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ:” إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مِنْ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ؛ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” ( موطأ مالك).

المسألة الثالثة: الحكمة من إخفاء ليلة القدر

نحن نعلم أن تعيين ليلة القدر رفع بسبب تشاحن بين رجلين؛ والرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن ذلك خير لنا ؛ وهذا تصديق لقوله تعالي:{ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 216)؛ وفي الحقيقة هناك حكمٌ جليلةٌ في إخفاء ليلة القدر وأترك المجال للإمام الفخر الرازي رحمه الله ليحدثنا عن ذلك فيقول: ” أنه تعالى أخفى هذه الليلة لوجوه:

أحدها: أنه تعالى أخفاها كما أخفى سائر الأشياء، فإنه أخفى رضاه في الطاعات حتى يرغبوا في الكل، وأخفى غضبه في المعاصي ليحترزوا عن الكل، وأخفى وليَّه فيما بين الناس حتى يعظموا الكل، وأخفى الإجابة في الدعاء ليبالغوا في كل الدعوات، وأخفى الاسم الأعظم ليعظموا كل الأسماء، وأخفى الصلاة الوسطى ليحافظوا على الكل، وأخفى قبول التوبة ليواظب المكلف على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت ليخاف المكلف… فكذا أخفى هذه الليلة ليعظموا جميع ليالي رمضان.

وثانيها: كأنه تعالى يقول: لو عينت ليلة القدر وأنا أعلم بتجاسركم على المعصية، فربما دعتك الشهوة في تلك الليلة إلى المعصية فوقعت في الذنب، فكانت معصيتك مع علمك أشد من معصيتك لا مع علمك؛ فلهذا السبب أخفيتها عليك.

روى أنه – عليه الصلاة والسلام -: “دخل المسجد فرأى نائماً، فقال: يا عليُّ نبهه ليتوضأ، فأيقظه عليُّ، ثم قال عليُّ: يا رسول الله إنك سبَّاق إلى الخيرات، فَلِمَ لم تنبِّهُه؟ قال: لأن ردَّه عليك ليس بكفر، ففعلت ذلك لتخفَّ جنايته لو أبى”

فإذا كانت هذه رحمة الرسول  صلى الله عليه وسلم  فكيف برحمة الله تعالى ؟!!

فكأنه تعالى يقول: إذا علمتَ ليلة القدر؛ فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر، وإن عصيت فيها اكتسبت عقاب ألف شهر، ودفع العقاب أولى من جلب الثواب.

وثالثها: أنى أخفيت هذه الليلة حتى يجتهد المكلف في طلبها حتى يكتسب ثواب الاجتهاد.

ورابعها: أن العبد إذا لم يتيقَّن ليلة القدر إنه يجتهد بالطاعة في جميع ليالي رمضان، على رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هي ليله القدر؛ فيباهي الله تعالى بهم ملائكته، ويقول: كنتم تقولون فيهم يفسدون ويسفكون الدماء، فهذا جدَّه واجتهاده في الليلة المظنونة، فكيف لو جعلتها معلومة له؛ فحينئذ يظهر سر قوله تعالى:{ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }(البقرة: 30)”أ.ه( تفسير الرازى).

المسألة الرابعة: علامات ليلة القدر:

هناك عدة علامات وردت في السنة لمعرفة ليلة القدر ومن هذه العلامات:

أنها ليلة معتدلة لا حارة ولا باردة: فعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله قال في ليلة القدر: «ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة تصبح شمسها صبيحتها ضعيفة حمراء». (صحيح الجامع).

 ومن علاماتها: كثرة نزول الملائكة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :«ليلة القدر ليلة السابعة أو التاسعة وعشرين وإن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى».(صحيح ابن خزيمة).

ومنها: أن الشمس تطلع بيضاء لا شعاع لها: فعن زر بن حبيش قال : سمعت أبي بن كعب يقول : وقيل له إن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – يقول : من قام السنة أصاب ليلة القدر ، فقال أبي : والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان يحلف ما يستثني ، والله إني لأعلم أي ليلة هي ، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها هي ليلة سبع وعشرين ، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها لا شعاع لها.”(مسلم).

فعلينا أن نجتهد في هذه الليالي بالذكر والقيام وقراءة القرآن والاستغفار؛ وقد بين لنا النبى صلى الله عليه وسلم أن ليلة القدر ليست فى ليلة معينة؛ وإنما أرشدنا إلى تحرى هذه الليلة المباركة وطلبها فى الليالى الوتر من العشر الأواخر.

كذلك نكثر من الدعاء في هذه الليلة؛ فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: ” اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي”. (الترمذي وحسنه).

نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة ؛؛؛؛؛؛؛

المسألة الخامسة: ليلة القدر دعوة لإصلاح ذات البين

إن هذه الليلة المباركة ليلة القدر دعوة إلى جميع الأفراد والعائلات والأمم والجماعات والدول إلى الألفة والمودة والتراحم والوحدة والاجتماع؛ وطهارة القلب من الشحناء والبغضاء والخلافات والخصومات؛ ونحن نعلم أن الشيطان لما طُرد من الجنة امتلأ غِلاً وبُغضًا لآدم وذريته، وأخذ عهدًا على نفسه بإغوائهم وإشقائهم؛ ومِن أعظم وسائله في ذلك زرعُ الغلِّ والبغضاء في النفوس، وقد كان ذلك أوَّل ذنب عُصي الله تعالى به في الأرض، وأدّى إلى قتل ابن آدم الأوّل لأخيه.

واليومَ ومع تسارُع إيقاع الحياة وشدَّة تنافس الناس في أمور الدنيا شاع هذا المرضُ القلبيّ وانتشر، وأرهق أصحابَه، وكدّر معيشتهم، وأساء علاقاتِ الناس بعضهم ببعض. قلَّما ترى اليوم رجلاً وقد سلِم قلبه من الغلِّ والبغضاء. ومن مظاهر ذلك التقاطعُ والتهاجر والكراهية بين الناس والسخريةُ والحطُّ من أقدار الآخرين، وفي حين أن الناسَ يهتمّون بطهارة ظاهرهم وثيابهم وهيئاتهم، فإنّ القليل منهم من يهتمّ بطهارة قلبه وسلامته.

إنَّ سنةَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عامرةٌ بالنصوص المؤكِّدة على أهمية طهارةِ القلوب وسلامتها من الغلِّ والشحناء والبغضاء، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ : قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : ” كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ ” , قَالُوا : صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ , فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ , قَالَ : ” هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ , لَا إِثْمَ فِيهِ , وَلَا بَغْيَ , وَلَا غِلَّ , وَلَا حَسَدَ ” . (رواه ابن ماجه بإسناد صحيح” .

ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا”. (متفق عليه)، بل إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:” لا تدخُلوا الجنةَ حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا”. ( رواه مسلم) .

 وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ . لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ “. (رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح) .

إن ليلة القدر دعوة لكل المتخاصمين والمتشاحنين والمتحاسدين والمتباغضين أن يصطلحوا حتى تتنزل البركات والرحمات؛ لأن البغضاء والشحناء سببٌ لرفع البركات؛ وقد وقفت مع نفسي وقفة وتأثرت كثيراً حينما قرأت حديثاً عن ليلة القدر في صحيح البخاري.

 فعن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ :” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ” .

قلت: رفعت أعظم ليلة بسبب شجارٍ وخصامٍ بين رجلين !!! فما بالكم بواقع الأمة الآن؟!!!!!

ألا فلنسارع إلى المصافحة والمصالحة والعفو والسماحة ونغتنم قيام هذه الليلة حتى نفوز بمغفرة الله ورضوانه؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ” ( البخاري).

إما إذا انغمسنا في الدنيا والتقاطع والتشاحن فقد حرمنا الخير كل الخير ؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : دَخَلَ رَمَضَانُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ : “إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، مَنْ حُرِمَهَا , فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ ، وَلاَ يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلاَّ مَحْرُومٌ.”( سنن ابن ماجة ).

وليكن لك القدوة في حبيبك صلى الله عليه وسلم في عفوه وصفحه وتسامحه من أجل الله ومن أجل تبليغ رسالته وإقامة مجتمعه على متانة الروابط الاجتماعية؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ؛ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ؛ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ؛ شَتَمْتُهُ؛ لَعَنْتُهُ؛ جَلَدْتُهُ؛ فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” ( مسلم) .

وانظر إلى عبدالله بن مسعود فقد جاءه رجل فقال: “إن لي جار يؤذيني ويشتمني ويضيق عليّ فقال ابن مسعود: اذهب فإن هو عصى الله فيك فأطع الله فيه” (إحياء علوم الدين).

فأين نحن من هذه المعاني على أرض الواقع؟!! وأين نحن من التواد والتراحم والتضامن والتعاطف ؟!!

لذلك أخبرنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أحاديث كثيرة أن الشحناء والبغضاء والخصام سبب لمنع المغفرة والرحمات والبركات ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا” (مسلم).

وبين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ذلك كله يحلق الحسنات بل الدين كله فقال:” دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَالكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ “[ أحمد والترمذي ] .

فبادر أنت بالخير إذا أعرض عنك أخوك وكن أنت الأخير ، فعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ”(متفق عليه).

إن كثيراً من الناس بينهم خصام وشقاق؛ ويأتي أحدهم ليفوز برضا الله فيبدأ بالسلام ليكون خيرهما عند الله؛ وهذا أمر يحمد عليه؛ ولكن الآخر لا يرد عليه السلام؛ ويتكرر هذا الأمر والآخر لا يرد ؛ فيمل الأول ويترك السلام بحجة أن الآخر لا يرد !!

أقول: يجب عليك أن تلقي السلام على الجميع حتى المتخاصم معك؛ لأن هذه تحية الإسلام؛ وإن لم يرد عليك فقد وكَّل الله ملكا يرد عنك ؛ ويرد على الآخر الشيطان.

 فعن هِشَامَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ؛ فَإِنْ كَانَ تَصَارَمَا فَوْقَ ثَلَاثٍ فَإِنَّهُمَا نَاكِبَانِ عَنْ الْحَقِّ مَا دَامَا عَلَى صُرَامِهِمَا؛ وَأَوَّلُهُمَا فَيْئًا فَسَبْقُهُ بِالْفَيْءِ كَفَّارَتُهُ ؛ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلَامَهُ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ ؛ وَرَدَّ عَلَى الْآخَرِ الشَّيْطَانُ؛ فَإِنْ مَاتَا عَلَى صُرَامِهِمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي الْجَنَّةِ أَبَدًا ” . (البخاري في الأدب المفرد وأحمد والبيهقي وابن حبان وصححه ).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ السَّلامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَضَعَهُ فِي الأَرْضِ، فَأَفْشُوهُ فِيكُمْ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى الْقَوْمِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ، كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلُ دَرَجَةٍ، لأَنَّهُ ذَكَّرَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَأَطْيَبُ. ” (البخاري في الأدب المفرد والطبراني والبيهقي والهيثمي وصحح إسناده ) .

فما أفضل من شهر الرحمة من أن يتقرب المسلم فيه لربه بصلة رحمه، ابتغاء لمرضاته وعظيم ثوابه ، وإزالة لما قد يقع في النفوس من شحناء ، فالمبادرة بالزيارة والصلة وإن كانت شاقة على النفس ولكنها عظيمة القدر عند الله.

فحري بنا أن نتفقد أرحامنا في هذا الشهر المبارك وهذه الليلة المباركة بالزيارة والصلة والسؤال والصدقة وإصلاح ذات البين، ولا يتعذر أحد بانشغاله، فلا أقل من أن يصل أحدنا رحمه بمكالمة تزيل ما علق في النفس، وتدحر الشيطان، وتفتح أبواب الخير، فرمضان فرصة عظيمة لفتح صفحة جديدة مع أرحامنا؛ وهيا إلى تنقية قلوبنا من الشحناء والبغضاء والحقد والحسد، وليحل مكانها التراحم والتواصل والحب والسلام؛ والأمن والأمان .

نسأل الله أن يطهر قلوبنا من النفاق والشحناء ؛ وأعمالنا من الرياء ؛ وألسنتنا من الكذب ؛ وأنفسنا من الخديعة؛؛

 

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي

Print Friendly, PDF & Email
شارك الخبر علي صفحات التواصل الإجتماعي

عن admin

مجلس إدارة المجلة الدكتور أحمد رمضان الشيخ محمد القطاوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .