خطبة بعنوان : “التسامح في دين الإسلام “، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 7 من رمضان 1438هـ، الموافق 2 يونيو 2017م

خطبة بعنوان : “التسامح في دين الإسلام ، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 7 من رمضان 1438هـ، الموافق 2 يونيو 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

 إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فيا جماعة الإسلام :

مفهوم التسامح في دين الإسلام:

أحباب رسول الله : ما المقصود بالتسامح:

السماحة لغة: مدلولها ما ذكر ابن فارس في معجم مقاييس اللغة أن:” السين والميم والحاء أصل صحيح يدل على سلاسة وسهولة . والمسامحة : المساهلة . وفي الحديث قال صلي الله عليه وسلم :”أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة “(البخاري).

السماحة اصطلاحا: على وجهين:الأوّل: ما ذكره الجرجانيّ من أنّ المراد بها: بذل ما لا يجب تفضّلا، أو ما ذكره ابن الأثير من أنّ المقصود بها: الجود عن كرم وسخاء .الآخر: في معنى التّسامح مع الغير في المعاملات المختلفة ويكون ذلك بتيسير الأمور والملاينة فيها الّتي تتجلّى في التّيسير وعدم القهر، وسماحة المسلمين الّتي تبدو في تعاملاتهم المختلفة سواء مع بعضهم البعض، أو مع غيرهم من  أصحاب الفكر والمنهج الأخر.

أيها الناس :” والسماحة لا تعني الضعف والإسلام يأبى الضيم ويرفض لأتباعه الذل والهوان والمؤمن عزيز بإيمانه وإسلامه قوي بهما ، ومن يظنون السماحة والصفح والحلم والعفو ضعفا لا يدركون عظمة هذا الدين . والسماحة كبقية المعاني العظيمة التي جاء بها الإسلام كالوسطية والتيسير والعدل والعفو والصفح وغير ذلك لها ضابطها الشرعي الذي إن حادت عنه كانت عقبة كئودا في فهم طبيعة الإسلام. وقال الفاروق عمر ابن الخطّاب رضي الله عنه ” لقد كنّا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام ، فإذاابتغينا العزة بغيره ِ أذلنا الله

أيها الناس : إن التسامح في دين الإسلام بين المسلمين أمر معروف وواضح، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا، والتسامح في هذا الدين نصوصه كثيرة ومشهورة،:” وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (الشورى /37).  ويقول تعالي :” وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ“( الشورى40 ). وتنازل المسلم لأخيه المسلم عن حقه مما يؤجر عليه عند الله ويزداد به في الدنيا والآخرة، فالمسلم الحق الذي أشربت نفسه الإيمان والتقوى فلا يحقد، ولا يضغن على مسيء أو مخطئ في حقه، بل يتبع كظم غيظه بالصفح والعفو؛ لينال ثواب المحسنين، قال – تعالى -:” وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ “(آل عمران/ 134). ولأن الصفح والعفو والتسامح من دلائل العظمة، وعمق الإيمان، فقد كان النبي يعلمهما أصحابه، فقد جاء رجل إلى النبي صلي الله عليه وسلم  فقال:” يا رسول الله كم أعفو عن الخادم؟ قال: “كلَّ يوم سبعين مرة”( الترمذي).وأما تسامح المسلمين مع غير المسلمين فإنها قضية لا بد من تسليط الضوء عليها حتى لا تختلط الأمور، ولا يحدث الانسياق وراء عدد من المروجين لأفكار أعداء الإسلام، أو المنهزمين من المسلمين، فما هو حدود التسامح تجاه أعداء الإسلام أو غير المسلمين في هذه الشريعة، ما هي حدود التسامح بين المسلم والكافر، ما معنى سماحة الإسلام، ما معنى أنه دين التسامح، ما هو المقصود بهذه العبارة وما هو  حكم الشريعة فيها.

التسامح مع غير المسلمين :عباد الله: لقد كانت سماحة الإسلام من أعظم أسباب سرعة انتشاره، وكانت تلك السرعة الهائلة التي طوى فيها الإسلام أكثر المعمور من الأرض تحت ظله الظليل؛ كان راجعاً إلى عدل هذه الشريعة وحكمتها، عندما رأى العباد ما لا عهد لهم به من قبل، كانوا يرزحون تحت الظلم والبغي وعبادة العباد، فجاءت هذه الشريعة لتنقذهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ورأى أصحاب البلاد المفتوحة عدل المسلمين وتعاملهم فكان في ذلك أكبر الأثر في انتشار الإسلام في البلدان، على خلاف ما ردد أعداء الدين من تصوير الفتوحات الإسلامية غزواً مادياً لنهب ثروات الأمم واغتصاب خيراتها، وحرمانها من نعم الله عليها، وتصوير هذه الفتوحات بأنها إكراه للناس بقوة السلاح على الدخول في الدين، هذه الفتوحات كانت رحمة للبلاد المفتوحة، وكان التعامل شاهداً على عظمة الدين في نفوس الفاتحين، ممن التزم به وتقيد بشرعه، وفي يوم الفتح عندما تمكن النبي صلي الله عليه  وسلم  من أهل مكة الذين أخرجوه منها وكانوا قد منعوه من إبلاغ دين الله بينهم، وحالوا دون إيصال الدعوة إلى غيرهم فكفروا هم وصدوا غيرهم عن سبيل الله، ماذا فعل بهم نبي الله صلي الله عليه  وسلم  لما قدر عليهم؟ هل أخذ بيوتهم؟ هل سفك دمائهم بغير قتال، هل ذبح نسائهم وأطفالهم، أم أنه أطلقهم لا تثريب عليكم اليوم، أنتم الطلقاء، وهكذا كانت فتوحات المسلمين في البلاد الأخرى، فنقرأ مصالحات أبي عبيدة بن الجراح لأهل الشام على الإبقاء على معابدهم من البيع والكنائس داخل المدن وخارجها مصونة لا يُهدم منها شيء وصالحهم على حقن دمائهم وحفظ حياتهم، ولكن لا يبنوا كنيسة جديدة، ولا يضيفوا إلى الموجود شيئاً آخر، ولا يظهروا صلبانهم ولا نواقيسهم لأن إظهار الكفر في بلاد الإسلام لا يجوز، وصالحهم على الدفاع عنهم وحمايتهم من أي اعتداء آخر مقابل مبلغ من المال مقدور عليه، يدفعه كل واحد منهم ولذلك سموا بأهل الذمة، وهؤلاء المعاهدين وأهل الذمة وفيت لهم الشروط، وشاهدوا حسن السيرة فيهم، وبهذه المعاملة رغبوا في دين الإسلام، وأقبلوا عليه وارتفعت الجزية عمَّن أسلم منهم وصاروا أخوة لنا في الدين، وهكذا تحولت بلاد مصر والشام والعراق إلى بلاد إسلامية دخلت شعوبها في الإسلام لما رأوا من عدله وحسنه، هذه الأخلاق التي عبر عنها أعداء الإسلام أيضاً.

ولما كتب يزدجرد ملك الفرس إلى ملك الصين يستمده قال للرسول قد عرفت أن حقاً على الملوك إنجاد الملوك على من غلبهم فصف لي صفة هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم فإني أراك تذكر قلة منهم وكثرة منكم، ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل الذين تصف منكم فيما أسمع من كثرتكم إلا بخير عندهم وشر فيكم، قال سل عما أحببت، قال أيوفون بالعهد، قال نعم، قال ما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم، قال يدعوننا إلى واحدة من ثلاث إما دينهم، فإن أجبناهم أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنعة، أي الجزية مع الحماية، أو القتال، قال فما يحلون وما يحرمون، قال فأخبرته قال أيحرمون ما حلل لهم أو يحلون ما حرم عليهم، قلت لا، قال فإن هؤلاء القوم لا يهلكون أبداً حتى يحلوا حرامهم ويحرموا حلالهم، فكتب ملك الصين إلى ملك الفرس إن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك لو يحاولون الجبال لهدوها، ولو خُلي لهم طريقهم أزالوني ما داموا على ما وصف، فسالمهم وأرض منهم بالمساكنة ولا تهيجهم ما لم يهيجوك.

وإذا كان ديننا يحثنا علي الصدق في كل شيء ويحثنا علي حسن المعاملة في الأمور كلها فإن المعاملة في البيع والشراء تكون في مقدمة تلك المعاملات ..

فبفضل الأخلاق والمعاملات والتسامح انتشر الإسلام، فعندما اكتشف أهالي غانا أخلاق التجار المسلمين وقيمهم السامية ودينهم العظيم اعتنقت قبيلتان من البربر الإسلام وهما قبيلتا لمنونة وجودلة فعملوا على نشر الإسلام في ربوع غرب إفريقيا، واعتنقت قبائل سارا كولا الإسلام، كذلك تم فتح غانا سنة 1076م ثم راحت بعض القبائل الإسلامية من غانا إلى بلدة مالاتا في السودان الغربي وأنشئوا فيها مركزا تجاريا فتعرف أهلها على الإسلام ودخلوا فيه طوعا وكذلك اعتنق ملك غينيا الإسلام وكثير من رعاياه سنة 1204م طوعا وحبا في الإسلام، واعتنق خليفة أمير قبائل الماندانج الإسلام وأسس إمبراطورية مالي، وأيضا أحد سلاطين تشاد وغيرهم وهكذا دخل السلاطين والملوك والعامة والسوقة والخاصة والنبلاء الإسلام طوعا لا كرها إعجابا منهم بأخلاق التجار المسلمين وقيمهم الإسلامية. كل ذلك بفضل نشرهم لتعاليم الإسلام   و صوره العظيمة التي تتجلي  في السماحة ، فلقد بني الإسلام شريعة التسامح في علاقاته على أساس متين فلم يضق ذرعا بالأديان السابقة ، وشرع للمسلم أن يكون حسن المعاملة رقيق الجانب لين القول مع المسلمين وغير المسلمين فيحسن جوارهم ويقبل ضيافتهم ويصاهرهم حتى تختلط الأسرة وتمتزج الدماء..

مفهوم لا إكراه في الدين.

الإسلام لا يجبر الشخص على الدخول فيه قال الله تعالى: “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ “( البقرة256.).  قال ابن كثير رحمه الله: “أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فإنه بيّن واضح جلي في دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يُكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، فأكثر الكفار دخلوا في دين الإسلام بالاقتناع، وليس بالقوة، وكانت الحرب عندما يرفض الكفار تسليم بلدانهم للمسلمين، كان المسلمون يريدون البلدان لإقامة شرع الله فيها، وتحكيم الإسلام فيها، ودعوة الناس بالحسنى، فإذا قام ملك دون ملكه وسلطان دون سلطانه وكفار يمنعون المسلمين من الدخول لتحيكم الإسلام كان القتال يقوم، من أجل أن يُقام الدين،:” وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه “(الأنفال39.) وهكذا كانت راية الإسلام تعلو في البلدان المختلفة، إن دعوة الإسلام إلى المسامحة شيء معروف لكنه ليس ذلاً ولا تنازلاً عن شيء من الدين، والكفار لا يُعاملون في الشريعة معاملة واحدة، لأنها قائمة على العدل، فهم أنواع، فمنهم كفار محاربون وكفار مسالمون، فالكفار المحاربون لا يجوز أن يُفعل لهم معروف، ولا نوع من البر، ولا الصلة، ما داموا قائمين بالحرب، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ“) الممتحنة9.). إذاً هؤلاء لا يمكن عمل المعروف معهم، ما داموا قد حملوا السلاح على المسلمين، يريدون أن يطفئوا نور الله، وكفار آخرون مسالمون، يقولون للمسلمين هذه بلادنا ادخلوها وأقيموا فيها دينكم ونحن لا نريد حرباً ولا قتالاً ولا أن نرفع عليكم سلاحاً، هؤلاء الذين يرغبون في التعامل مع المسلمين على أساس السلم والاحترام المتبادل وأن تكون الهيمنة للإسلام والحكم للإسلام، والشريعة المطبقة في البلد الإسلام لا يجوز الاعتداء عليهم بأي نوع من الاعتداء البتة.

أمثلة من تعامل النبي صلي الله عليه وسلم ، والسلف مع غير المسلمين

عباد الله: كان النبي صلي الله عليه وسلم  يقوم بدعوة أهل الكتاب ويزور مرضاهم طاعة لله، ولا ينهى البنت المسلمة أن تبر أمها المشركة ما دامت جاءت راغبة في الصلة غير رافعة للسلاح على المسلمين، والكافر إذا كان معاهداً أو ذمياً فلا يجوز خرق عهد الأمان معه ولا الاعتداء عليه، وقال النبي صلي الله عليه وسلم  :”ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة”( أبو داود ). النبي صلي الله عليه وسلم  قال :” من قتل معاهداً له ذمة الله، وذمة رسوله؛ حرّم الله عليه ريح الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة سبعين خريفا”(البخاري).

*وكان صلي الله عليه وسلم  يغشى مخالفيه في دورهم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينا نحن في المسجد إذ خرج إلينا رسول الله صلي الله عليه وسلم  فقال :” انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئناهم فقام رسول الله صلي الله عليه وسلم  فناداهم فقال : ” يا معشر يهود أسلموا تسلموا ” فقالوا : قد بلغت يا أبا القاسم . . الحديث . وعاد صلي الله عليه وسلم  يهودياً ، كما في البخاري عن أنس رضى الله عنه أن غلاما ليهود كان يخدم النبي صلي الله عليه وسلم  فمرض فأتاه النبي صلي الله عليه وسلم  يعوده فقال : ( أسلم ) فأسلم .

وكان صلي الله عليه وسلم  يعامل مخالفيه من غير المسلمين في البيع والشراء والأخذ والعطاء ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت :” توفي النبي صلي الله عليه وسلم  ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين . يعني : صاعا من شعير .

وكان صلي الله عليه وسلم  يأمر بصلة القريب وإن كان غير مسلم فقال لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما : صلي أمك .

وفي المدينة حيث تأسس المجتمع الإسلامي الأول وعاش في كنفه اليهود بعهد مع المسلمين وكان صلي الله عليه وسلم  غاية في الحلم معهم والسماحة في معاملتهم حتى نقضوا العهد وخانوا رسول الله صلي الله عليه وسلم  ، أما من يعيشون بين المسلمين يحترمون قيمهم ومجتمعهم فلهم الضمان النبوي ، فقد ضمن صلى الله عليه وسلم لمن عاش بين ظهراني المسلمين بعهد وبقي على عهده أن يحظى بمحاجة النبي صلي الله عليه وسلم  لمن ظلمه فقال صلي الله عليه وسلم  : ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة . تلك صور من سماحة النبي صلي الله عليه وسلم  مع غير المسلمين وهو ما سار عليه الصحابة رضي الله عنهم والتابعون من بعدهم ..

عباد الله: لقد جاء النهي عن قتل النساء، والصبيان في الحروب فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “وجدت امرأة مقتول في بعض مغازي رسول الله  صلي الله عليه وسلم  فنهى رسول الله صلي الله عليه وسلم  عن قتل النساء والصبيان”( البخاري ومسلم). فإذا لم يحملوا السلاح أي النساء، والصبيان ولم يعينوا على المسلمين لم يجز مسهم بسوء ولم يجز قتلهم ولا إعمال السلاح فيهم، وقام أئمة الإسلام بالدفاع عن أهل الذمة في البلدان التي كانت تحكم بالشريعة عندما يتعرضون للظلم، فقام الأوزاعي رحمه الله يشكو والي جبل لبنان من أقرباء الخليفة إلى الخليفة لأنه أجلى جماعة من أهل الذمة لخروج نفر منهم على عامل الخراج، فقال: “لا تزر وازرة وزر أخرى”، فلا يؤخذ البرئ بجريرة المذنب، ولما عمد الوليد بن يزيد إلى إجلاء الذميين من قبرص إلى الشام تحسباً لحملة رومية اعترض الفقهاء على مسلكه، وشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله رحمه أن يطلق التتر أسرى المسلمين دون أهل الذمة، فأصر شيخ الإسلام على التتر أن يطلقوا أهل الذمة مع المسلمين، لأن التتر أخذوا من الجميع أسرى، صلاح الدين الأيوبي رحمه الله لما جاءته المرأة من الكفار النصارى وهم أعداؤه تطلب منه طلباً خاصاً أن يرد إليها ولدها الصغير، أمر بالبحث عنه فوجده قد بيع مع السبي وهذا حق للمسلمين إذا حاربوا الكفار وحاربهم الكفار أن يؤخذ نساء الكفار وأولادهم سبياً يتربون عند المسلمين فيتأثروا بالإسلام فينشئوا عليه، وكان في ذلك فائدة كبيرة بدلاً من أن ينشئوا عند آبائهم الكفار، فلما وجد صلاح الدين الولد قد بيع اشتراه بماله الخاص، ووهبه لتلك المرأة، ولما أراد بعض خلفاء المسلمين أن يبادل الأسرى مع الكفار وقف المسلمون على طرف النهر والكفار على الطرف الآخر وبينهما جسر وصار يعبر واحد من أسرى المسلمين من طرف الكفار وواحد من أسرى الكفار من طرف المسلمين مبادلة الأسرى واحد بواحد، وهكذا حصلت المبادلة فانتهى المسلمون الأسرى وبقي أسرى من الكفار في يد الخليفة فرأى إظهاراً لمنة الإسلام على الكفار وكسباً للموقف أن يطلق البقية الباقية بدون مقابل، ولذلك كان حكم الشريعة في الأسرى الكفار المأخوذين إما أن يقتلوا وإما أن يسترقوا وإما أن يفادوا بالمال وإما أن يُمن عليهم بلا مقابل، ليس بحسب الهوى، لكن بحسب ما تقتضيه المصلحة الشرعية، فإن كانوا من أهل الخبرة في القتال ولو رجعوا للكفار كانوا وبالاً على أهل الإسلام يقتلون ولا يتركون، ولو كان في أخذهم سبياً مصلحة لهم وللمسلمين يؤخذون سبياً، ولو كان من المصلحة تحصيل مال مقابل لهم من أجل حاجة للمسلمين كان الفداء بالمال، وإن كان عند الكفار أسرى في المقابل من المسلمين تكون المبادلة الأسرى بالأسرى، وإن كانت المنة هي المصلحة الشرعية كسباً للموقف وتأثيراً دعوياً في الكفار يطلق الأسرى بلا مقابل، بحسب ما تقتضيه الشريعة.

وحين رأى صلي الله عليه وسلم  عمَّه حمزة وقد بُقرت بطنه، ومُثّل به أشنع تمثيل هو وبعض الصحابة، بكى وغضب وأقسم أن ينتقم ويُمثل بسبعين منهم إن مكّنّه الله منهم، فنزلت الآيات: ” وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ “(النحل/ 126).  فآثر النبي وأصحابه الصبر الجميل، وعفوا عما سلف من تمثيل بقتلاهم، فما كان للمؤمنين أن ينزلقوا إلى تلك الهوة العميقة من جرائم الحقد الأسود، ولا أن يجرهم عدوهم إلى مثل هذه الميادين القذرة من التعامل ولو في الحرب، وهكذا لم يرُدَّ المسلمون الإساءة القبيحة بمثلها وإن كان المسيئون كفارًا، فكيف بنا الآن مع من أخطأوا في حقنا، أو أساءوا إلينا، وربما كانوا أقاربًا أو أحبابًا أو أصدقاء..

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله، الملك، الحق، المبين، وأشهد أن نبينا محمداً رسول الله صلي الله عليه وسلم  وعلى آله، وصحبه، أجمعيين.

حالات لا يجوز فيها التسامح مع الكفار

لكن أيها الأخوة: التسامح إلى أي حد؟ لا شك أن التسامح مع أعداء الإسلام له حدود معينة، وهذه القضية التي يريد عدد من المنافقين والكفار أن يضيعوها، ويريدوا أن يقولوا أنه تسامح على طول الخط مهما فعل الكفار ومهما قاموا به تسامح على طول الخط، من الذي قال ذلك، وفي أي كتاب من كتب الشريعة هذا؟ أين الآية أو الحديث الدال عليه؟ بل إن الآيات والأحاديث تدل على خلاف ذلك، أنه يوجد حالات لا تسامح فيها مع الكفار، إطلاقاً والتسامح حرام وخزي وذل لا يجوز للمسلمين أن يفعلوه، فلما نقض بنو قينقاع العهد مع رسول الله صلي الله عليه  وسلم  ، وغدر الصائغ ويهود بني قيقناع بالمسلمين واستصرخ المسلم أهل الإسلام قاموا إليهم، ونابذوهم وهكذا كانت الحرب على بني قينقاع لغدرهم، ولما قام بنو النضير بمحاولة أخرى غادرة أيضاً وطلبوا من النبي صلي الله عليه وسلم  أن يخرج إليهم مع بعض أصحابه من أجل أن يتحاوروا حوار الأديان واشتمل اليهود على الخناجر يريدون الانفراد بالنبي عليه الصلاة والسلام يتقدم ثلاثة ويتقدم النبي  صلي الله عليه وسلم  لمحاورتهم فيجهزوا عليه، اشتمل اليهود على الخناجر، فجاء الوحي إلى النبي  صلي الله عليه وسلم  بالمؤامرة فرجع وتجهز وغزا بني النضير، وحرق نخيلهم إخزاءً لهم وفتاً في عضدهم، وحاصرهم حتى نزلوا على الجلاء، فخرجوا من ديارهم يجرون أذيال الخيبة والهزيمة وغادروا تلك الحصون والقلاع وسُلمت بالكامل للمسلمين، وبنو قريظة وما أدراك ما بنو قريظة عندما جاءت الأحزاب فحاصروا المدينة وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد عاهد يهود بني قريظة من قبل حتى تستتب له الأمور فلما قام اليهود بالغدر والممالئة وممالئة كفار قريش على نبي الله   صلي الله عليه وسلم    ونقضوا العهد وخالفوا الشروط بينهم وبين النبي  صلي الله عليه وسلم    جاء جبريل بالأمر بالقتال وأخذ يهود بني قريظة بعد الحصار وهكذا من أنبت منهم الشعر الدال على بلوغه قُتل فقتل رجالهم أجمعين، وهكذا حكم فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه بحكم الملك من فوق سبع سماوات، بحكم الملك من فوق سبع سماوات، إذاً هذه حالات لا تسامح فيها أبداً، إذا غدروا لا مسامحة البتة..

عباد الله: لقد قام أئمة الإسلام وقادة الدين بضرب المثل في عزة الإسلام وعدم إسقاط حقوق الشريعة، ولما كتب نقفور ملك الروم إلى هارون الرشيد:”  من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي حملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أضعافها إليها، يجب أن ترد أكثر مما أعطتك، لكن ذلك لضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من أموالها، وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك قبل أن أصادر أموالك، وإلا فالسيف بيننا وبينك، فلما قرأ الرشيد الكتاب، هذه عزة المسلم استفزه الغضب حتى لم يقدر أحد أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرق جلسائه، فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب “بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن ..  -هذه عزة الإسلام، وليس تسامح، وضعف وذل ومهانة، عند القدرة جهاد- قد قرأت كتابك..  والجواب ما تراه دون ما تسمعه”. ثم سار من يومه من يومه سار بجيوش المسلمين ففتح وغنم حتى جاء بلاد نقفور حتى اضطر نقفور إلى طلب المصالحة على خراج يحمله كل سنة إلى هارون، فأجابه إلى ذلك.

وهكذا يقوم حاكم آخر، وخليفة من خلفاء المسلمين يبلغه أن ملك الروم جاء أهل ملطية المسلمين فأوقع فيهم مقتلة عظيمة خلقاً كثيراً قتلهم وأسر ما لا يحصون كثرة، وقطع آذان أسرى المسلمين وأنوفهم، وسمل أعينهم وكان من جملة من أسر ألف امرأة من المسلمات فلما سمع الخليفة بذلك انزعج جداً وصرخ في قصره بالنفير ثم نهض من فوره وأمر بتعبئة الجيوش، واستدعى القاضي والشهود فأشهدهم أن ما يملكه ثلثه صدقه وثلثه لولده وثلثه لمواليه، وقال للأمراء أي بلاد الروم أمنع، قالوا عمورية لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام فاستدعى الجيوش وتجهز جهازاً لم يجهزه أحداً كان قبله، وأخذ معه من آلالات الحرب شيئاً لم يُسمع بمثله وسار إلى عمورية في جحافل عظيمة فأنكاهم نكاية عظيمة وقتل من الكفار ثلاثين ألفاً، وهكذا فعل عبد الرحمن الناصر رحمه الله في بلاد الأندلس لما تحداه ليون ونافار من النصارى من ملوكم فقام ليثبت عزة الإسلام فهربوا أمامه لا يهتدون سبيلاً ولا يجدون حيلة والمسلمون على آثارهم يقتلون من أدركوه حتى حجزهم الظلام، وصلاح الدين الأيوبي لما قدر على أرناط، أرناط صاحب الكرك النصراني الذي كان يغير على قوافل الحجاج فيقتلهم، حجاج المسلمين، ويسب النبي عليه الصلاة والسلام يستخف به، لما قدر عليه صلاح الدين وجيء به إليه، هل هنا مجال للمسامحة، هل يوجد تسامح هنا؟ إطلاقاً. قال له أنا أنتصر لمحمد صلى الله عليه وسلم منك ثم عرض عليه الإسلام فأبى فقتله صلاح الدين بيده قتله بيده وهكذا.

إخوة الإسلام:” إن عظمة هذا الدين لا تخفى إلا على من جهل حقيقة الإسلام أو عميت بصيرته عنه أو كان به لوثة من هوى أو حقد مقيت ، وإلا فإن سماحة الإسلام في المعاملة وتيسيره في كل أموره ، ظاهر بأدنى تأمل لمن طلب الحق وسعى إلى بلوغه والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

 




خطبة بعنوان : “رمضان شهر الدعاء والإجابة والنصر”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 7 من رمضان 1438هـ، الموافق 2 يونيو 2017م

خطبة بعنوان : “رمضان شهر الدعاء والإجابة والنصر”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 7 من رمضان 1438هـ، الموافق 2 يونيو 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

“رمضان شهر الدعاء والإجابة والنصر2/6/2017م.

العناصر:

1-الدعاء في القرآن والسنة .

2-فوائد الدعاء.

3-فضائل الدعاء.

4-آداب وشروط قبول  الدعاء.

5- أوقات يستجاب فيها الدعاء.

6- من لم يسأل الله يغضب .

الحمد لله رب العالمين ..اللهم ارزقنا الحلال وبارك لنا فيه وباعد بيننا وبين الحرام كما باعدت بن المشرق والمغرب يارب العالمين ..وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه ولي الصالحين ..جعل مع الصبر نصراً ًوجعل مع العسر يسراً وجعل مع الضيق فرجاً وجعل مع كل شدة مخرجاً ..    دع المقادير تجري في أعنتها ولا تبيتن إلا خالي البال

مابين غمضة عين و انتباهتها يغير الله من حال إلي حال

و أشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه طب القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها ونور الأبصار وضيائها محمد صلي الله عليه وسلم القائل:” ما من رجل يدعو بدعاء إلا استجيب له، فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، أو يستعجل. قالوا: يا رسول الله وكيف يستعجل؟ قال: يقول: دعوت ربي فما استجاب لي. “(أحمد والترمذي(..اللهم صلاة وسلاماً عليك يا سيدي يا رسول الله وعلي آلك وصحبك وسلم تسليماً كثيراً

أما بعد فيا جماعة الإسلام :

الدعاء في القرآن والسنة :

قال الله – تعالى :” وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ “(البقرة/186).

وهذا إخبار منه سبحانه  عن قربه من عباده القرب اللائق بجلاله، الذي وردت النصوص بإثبات قربه من جميع خلقه بعلمه المحيط بهم، ورقابته على جميع أحوالهم، فهو الرقيب على كل شيء، المحيط بكل شيء، وصدق الله العظيم إذ يقول: “عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ “(الأنعام /73)”  يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ “(غافر/19).

إخوة الإيمان :  وسبب نزول الآية أن أعرابيًّا جاء إلى النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقال: أقريب ربُّنا فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه؟ فسكت عنه، فأنزل الله عليه هذه الآية: “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ “(البقرة: 186). وقد صحّ عنه عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: ” إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً، وإنّما تدعون سميعاً بصيراً أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته” .(صحيح).

أخوة الإيمان والإسلام : المولي عز وجل قريب ولا يحده زمان ولا مكان وليس في حاجة إلي واسطة أو لترجمان فهو يستجيب الدعاء حالة دعوة الداع مباشرة لذلك يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : “أنا لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء فإذا أُلهِمت الدعاء فإن الإجابة معه” ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

والآية تفيد بأن من يطيع الله ويستجيب لأوامره بصدق وإخلاص – أنه مظنة استجابة دعائه، والدعاء من أنفع الأدوية وأسرعها فرحًا ونجاحًا، وهو سرُّ كشف البلاء، يدفعه ويقاومه وأحيانًا يمنع نزوله، وأحيانًا يخفف وطأته إذا نزل، وأحيانا يرفعه بالكُلِّيَّة بعد نزوله، وهو من أقوى وأمضى الأسلحة المعنوية للمؤمنين؛ روى الحاكم في صحيحه عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم :”الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض” ولما كان في الصيام إعداد لذكر الله وشكره والتقرب إليه بمزيد من الطاعات، والضراعة إليه بالدعاء؛ لقوة الرجاء – ناسب أن يأتي العليم الخبير بهذه الآية مع آيات الصوم كجواب لسؤال متوقع ممن يؤدي هذه العبادة، أو يصدر منه الدعاء، وهو يطلب الإجابة من المدعو سبحانه وتعالى .وقد جاءت هذه الآية بين آيات الصيام  فالآية التي تسبقها:” شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ “(البقرة /185). والآية التي تليها :” أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ..“(البقرة/187).  كي يعلم الصائم  بأن دعائه مستجاب  ومقبول عند الله وقد ورد عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال :” للصائم عند فطره دعوة لا ترد ” وورد أنه قال ثلاثة لا ترد دعوتهم :” الصائم حتي يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب”( متفق عليه).

وكان من دعاء الصالحين  علي الإفطار :” اللهم لك صمت وعلي رزقك أفطرت ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله “

إخوة الإسلام :لماذا يستجيب الله الدعاء من الصائم في هذه اللحظات ؟

لأن الصائم منكسر القلب ضعيف النفس ذل جموحه وانكسر طموحه واقترب من ربه وأطاع مولاه  ترك الطعام والشراب من أجل الله كف عن الشهوات وترك الملذات فقد صح عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال :” الدعاء هو الإجابة “فإذا رأيت العبد يكثر من الإلحاح في الدعاء فاعلم أنه قريب من الله واثق من ربه ..ومن الخير للعبد المؤمن أن يلح على الله بالدعاء؛ فالله – جل وعلا – يحب الملحِّين بالدعاء، ويحب كثرة سؤاله، والتضرُّع إليه، وصدق من قال: الله يغضبُ إنْ تركتَ سؤاله *** وَبَنِي آدمَ حينَ يُسألُ يغضبُ.

أخي الصائم  ونحن بصدد الحديث عن الدعاء والصيام وشهر رمضان شهر استجابة الدعاء فإننا لو نظرنا في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم لوجدنا عشرات النصوص القرآنية التي تحثنا علي الدعاء والتي هي أدعية أصلاً فنراها تارة تحثنا علي الدعاء والتضرع إلي الله عز وجل  ونحن موقنون بالإجابة :” قال تعالي: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ” (غافر: / 60).

وصحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: ” ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من داعٍ فأجيبه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟“.

وشهر رمضان هو شهر الدعاء، وشهر الإجابة، وشهر التوبة والقبول وشهر النصر .

. فيا صائماً قد جفّتْ شفته من الصيام، وظمئت كبده من الظمأ، وجاع بطنه، أكثِرْ من الدعاء، وكنْ ملحاحاً في الطلب. اعلم أن الدعاء حبلٌ مديدٌ، وعروةٌ وثُقى، وصِلةٌ ربّانية. صحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: ” لن يهلك أحد مع الدعاء “.الله ينادينا أن ندعوه، ويطلب منّا أن نسأله، قال الله تعالى: ” ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (الأعراف/ 55).

وصف الله عباده الصالحين فقال: ” إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ” (الأنبياء/ 90).

  فوائدالدعاء :

للدعاء أربع فوائد :

الأولى: أنه عبوديّة لله ـ عزّ وجلّ ـ وتذلّلٌ وثقةٌ به، وهي مقصود العبادة وثمرتها.

الثانية: تلبية الطلب، إما لإعطاء خير أو دفع ضرر، وهذا لا يملكه إلا الله عزّ وجلّ.

الثالثة: ادّخار الأجر والمثوبة عند الله إذا لم يُجب الداعي في الدنيا، وهذا أنفع وأحسن.

الرابعة: إخلاص التّوحيد بطريق الدعاء، وقطع العلائق بالناس، والطمع فيما عندهم.

و عن عائشة رضي الله عنهما – وعن أبيها قالت: قال رسول الله  صلَّى الله عليه وسلَّم : “لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع بما نزل،ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة”(الحاكم). وأخرج أيضًا عن ثوبان عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “لا يَردُّ القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البرُّ، وإن الرجل ليُحْرَم الرزق بالذنب يصيبه”(الترمذي). القضاء هو الأمر المقدر وتأويل الحديث أنه إن أراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه به ويتوقاه فإذا وفق للدعاء دفعه الله عنه فتسميته قضاء مجاز على حسب ما يعتقده المتوقى عنه ، يوضحه قوله صلي الله عليه وسلم  في الرقى : هو من قدر الله .

وما دام الدعاء سلاحًا، فإن تأثيره بقوة مستعمله ومعرفته بحقيقة الاستعمال، ودون ذلك لا ينفع، وإن نفع كان نفعه ضعيفًا، فمتى كان السلاح تامًّا صالحًا لا عيب فيه،وكان حامله قويًّا، رابط الجأش، ثابت العزيمة، ولم يحصل مانع دون نفوذه إلى هدفه، فإنه يكون مُجْديًا – بإذن الله – لتوفر الأسباب وفقدان الموانع.

عن عبدالله بن مسعود، قال: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: “ما أصاب أحدًا قط همٌّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أَمَتك، ناصيتي بيدك، ماض في حُكْمك، عَدْل فيّ قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك – أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي – إلا أذهب الله همَّه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا”، فقيل: يا رسول الله ألا نتعلمها، قال: “بل ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها”(أحمد).

فضائل الدعاء :

كان النبي صلي الله عليه وسلم  يواظب على الدعاء قال أنس” كان أكثر دعاء النبي صلي الله عليه وسلم  ” اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار “(متفق عليه.(

وقد حرص السلف رضوان الله عليهم على الدعاء في سائر شؤونهم فقد كانوا يسألون الله في كل شيء حتى العلف لدوابهم والملح في الطعاموكثير من الناس لا يدعو الله إلا في الشدائد والأزمات, وهذا مسلك خطأ والمشروع للمؤمن أن يدعو الله في السراء والضراء وإذا كان دائم الاتصال بالله أجيبت دعوته في الشدائد قال رسول الله ” تعرف الى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ” وفى الحديث ” من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر من الدعاء في الرخاء” ( الترمذي).

أداب وشروط قبول الدعاء :

وللدعاء يا صائمين آدابٌ ينبغي على الصائم معرفتها، ومنها: عزم القلب، والثقة بعطاء الله ـ عزّ وجلّ ـ وفضله.صحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: ” لا يقُلْ أحدُكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزمْ المسألة؛ فإنّ الله لا مُكرِهَ لهومن الآداب الثناءُ على الله ـ تعالى والصلاة على رسوله صلي الله عليه وسلم  في أول الدعاء وأواسطه وآخره، ومنها توخّي أوقات الإجابة كالثلث الأخير من الليل، وفي السجود، وبين الأذان والإقامة، وفي أدبار الصلوات، وآخر ساعة من يوم الجمعة، وبعد العصر، ويوم عرفة. ومنها تجنّب السجع في الدّعاء والتكلّف والتعدّي فيه. ومنها الحذر من الدّعاء بإثمٍ أو قطيعة رحم.

فالدعاء نعمة كبيرة وهو عبادة يفتقدها الكثير من المسلمين بل يتغافلون عنها، والدعاء هو السؤال لحاجة أو رد ضررٍ،الدعاء منبع الإيمان ورقة القلب، أصل المناجاة والتقرب لله، ودعاء الله وسؤاله لا يحتاج وسيطًا ولا ترجمان، فالله تعالى عند طلب العبد متى ناداه وناجاه كان عنده يلبي له دعوته، ذلك بأنّ الذي يلوذون إلى ربهم قليل، ومن يلجؤون إليه دومًا بالسؤال قليل، قليلون من يدعون الله في الرخاء والشدة وكثيرون هم من يدعونه في الشدة فقط. يقول الله عز وجل: “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان” دليلٌ صريح لم يقل (فقل له إني قريب)، لأنّه لا وسيط بين عبد ذليلٍ ترك كل البشر وجاء يدعو الله، فالله وعده بالإجابة ما دام يدعوه، ومن الجدير في العبد المسلم أن يذكر الله في كل مواطن حياته، وإذا ذكره دومًا ما وفّى عبادته، والتعرف على الله في الرخاء ودعائه وشكره هو خطوة بل خطوات لإجابة الدعاء وقت الشدة، قال رسول الله صلي  الله عليه وسلم:”من سرّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء”(الترمذي). في حالة الرفاهية واليسر، فالمؤمن عندما يدعو الله في  الرخاء فهو يجب أن يلتجئ إلى الله قبل الاضطرار، ويُبقي على حبله موصولًا بالله، أفلا يستجيب الله لدعاء إذا دعاه وقت الشدّة. ولأنّ الدعاء هو الكلام المباشر من العبد لربه يسأله حاجته كان لا بد من شروط لقبول الدعاء وهذه الشروط ما هي إلا آداب على المؤمن الالتزام بها ليستجاب دعائه ومن هذه الشروط: استقبال القبلة ورفع اليدين، وعدم التكلف إذا دعا قال تعالى:” وادعوه خوفًا وطمعًا” اليقين باستجابة الله: قال -صلّى الله عليه وسلم-: “ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أنّ الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه”(الترمذي).ولو قسنا على مستوى البشر ولله المثل الأعلى، لو ذهب شخص لمسئول يطلب منه حاجة وفي حديثه معه يقول أنّي أعلم أنّك لن تستجيب لي، فسيكون رد هذا المسئول بالرفض وعدم الاستجابة له. أن يلح في الدعاء ويكرره فالله سبحانه يحب العبد اللحوح. أن يعظّم من الدعاء أي إذا طلب من الله فليطلب الخير الوفير فالله هو المعطي الكريم، قال -صلّى الله عليه وسلم-: “إذا تمنّى أحدكم فليكثر، فإنّما يسأل ربه”. الدعاء في أوقات الاستجابة: صحيح أنّ الله مطّلع علينا في كل الأوقات، ولكن هناك أوقات تتنزل فيها الملائكة، وأوقات تطوى فيها الصحف، وتحرى هذه الأوقات للدعاء يجعل سبيل الدعاء قريبٌ من الإجابة فالدعاء بين الأذان والإقامة، وفي الثلث الأخير من الليل، وآخر ساعة من يوم الجمعة، وختام يوم الاثنين والخميس حيث ترفع الأعمال إلى الله، ودعوة الصائم والمسافر وعند التقاء الجيوش. بدء الدعاء بالحمد والصلاة على المصطفى والدعاء باسم الله الأعظم وأسمائه الحسنى. إنّ إجابة الدعاء تكون إمّا بأجرها في الدنيا فيستجيب الله للداعي، أو أن يخبئها له ليوم القيامة أجرًا مضاعفًا، المهم ألّا يصاب المسلم من القنوط أو اليأس من الله ويدعوه دومًا.

اللهم تقبل دعائنا وصيامنا وصلاتنا واحفظنا من كل مكروه وسوء يارب العالمين.

أيها الصائم! قبل الغروب لك ساعة من أعظم الساعات، قبل الإفطار يشتدّ جوعك، ويعظم ظمؤك، فأكثِرْ الدعاء، وزِدْ في الإلحاح، وواصلْ الطلب، ولك في السَّحَر ساعةٌ، فجُدْ على نفسك بسؤالِ الحيّ القيّوم؛ فإنّك الفقير، وهو الغني، وإنّك الضعيف، وهو القويّ، وإنّك الفاني وهو الباقي:يا ربّ عفوَك ليس غيرُك يُقصَدُ يا مَن له كلّ الخلائقِ تصمدُ أبوابُ كلّ مملّكٍ قدْ أُوصدتْ ورأيتُ بابَكَ واسعاً لا يُوصَدُ دعا إبراهيم ـ عليه الصلاة ـ فقال:”رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيّ َوَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ”(إبراهيم/ 40- 41(.

ودعا موسى ـ عليه السلام ـ فقال: ” قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي  وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ” (طه: /25 ـ 26). ودعا سليمان ـ عليه السلام ـ فقال: “قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ”(ص/35).

ودعا محمد صلي الله عليه وسلم  فقال ـ كما في الصحيح: “اللهمّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم”

أوقات يستجاب فيها الدعاء :

إخوة الإيمان والإسلام : دل الشرع على أحوال وأوقات يكون الدعاء فيها مستجاب ومنها:

  • حال السجود., 2- بين الآذان والإقامة,.3- الثلث الأخير من الأخير من الليل.
  • ساعة الجمعة., 5- ليلة القدر . 6- يوم عرفة  7- أثناء السفر. 8-عند نزول المطر. 9- عند التحام الصفوف للقتال10-  عند الفطر من الصوم

وأعظم ما يشق على المسلم في هذا الباب أن يغلق عليه في الدعاء, قال عمر بن الخطاب ” أني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل همّ الدعاء” فإذا فتح على العبد في دعائه من معاني الحمد والثناء دعا الله وحسن الظن به والتعلق والرجاء به وتعظيم الرغبة مما عند الله والثقة بوعد الله فينبغي عليه أن يقبل على الدعاء وأن يصرف همته في ذلك لاسيما في الأزمان والأماكن الفاضلة , وعند نزول الضر وحصول الشدائد, ومن أكثر طرق هذا الباب فتح له, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ومن أهم الأسباب التي تعين المرء على الدعاء التعرف على الله بأسمائه وصفاته قال تعالى ” ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها” الحديث” وفى الحديث ” ألظوا بياذا الجلال والإكرام

والله قادر على تحقيق حاجة العبد من غير مسألة ولكن يجب أن يرى من عبده الخضوع والتذلل والافتقار إليه والاعتماد عليه وهذا هو ثمرة العبادة والغاية التي من أجلها خلق الخلق.

ومن كمال إحسان العبد أن يدعو لسائر المؤمنين الأحياء والميتين” ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رءوف رحيم” وأن يدعو لأخيه المسلم في ظهر الغيب قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ” ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك ولك بمثل “( مسلم.).

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين .أما بعد فيا عباد الله.

من لم يسأل الله يغضب :

أيها الناس حقاً من لم يسأل الله يغضب عليه وقد عد الله من المتكبرين وعن أبي هريرة – رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:”من لم يسأل الله يغضب عليه “( الترمذي(..

وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم  ” من لم يسأل الله يغضب عليه “(الترمذي وأحمد والبخاري).  : لأن ترك السؤال تكبر واستغناء ، وهذا لا يجوز للعبد ، والمراد بالغضب إرادة إيصال العقوبة ، ونعم ما قيل:” الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب”.قال الطيبي : وذلك لأن الله يحب أن يسأل من فضله ، فمن لم يسأل الله يبغضه ، والمبغوض مغضوب عليه لا محالة . وفي الحديث : ” ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ” و في الحديث الصحيح : ” من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ” . وكأنه إشارة إلى أن السؤال بلسان الحال أدعى إلى وصول الكمال من بيان المقال ، ولذا قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام:” حسبي من سؤالي علمه بحالي ، وقال الشاعر : إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء”.

لا تسألن بُنيَّ آدم حاجةً و سل الذي أبوابــه لا تُحجـبُ

الله يغضبُ إن تركت سؤاله و بُنَيَّ آدم حينَ يُسألُ يغضبُ

الدعاء في جميع الأمور :

أيها الصائم : وقد أمرنا الرسول صلي الله عليه وسلم أن نستعين بالله تعالي في كل أمورنا صغيرها وكبيرها يقول صلي الله عليه وسلم :”  لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حتي يسأل الملح وحَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ (الترمذي). إن الله يحب من العبد أن يسأله ملح طعامه، إن الله يحب من العبد أن يسأله حاجته كلها .

وإذا دعوت الله فأنت أقوى إنسان، فاسأله حاجتك كلها، واسأله شسع نعلك إذا انقطع، واسأله ملح طعامك، وألحَّ عليه بالدعاء، وهكذا يحبك الله عز وجل، ” قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما فأنت بالدعاء مع الله دائماً، لأنه أحد أنواع الصلوات، وأحد أنواع الاتصال بالله، فالصلوات قيام وركوع وسجود وتكبير وتسليم، أما أحد أنواع الاتصال بالله فهو الدعاء::” الدعاء مخ العبادة”(الترمذي).أما أقوى من هذا الحديث فالدعاء هو العبادة، .

و”الدعاء سلاح المؤمن “(الحاكم). ولولا أنك تدعو الله لما عبأ الله بك، والدعاء هو ثمرة الإيمان، والدعاء هو المستجاب سببه الرزق الحلال، عن ابن عباس قال: تليت هذه الآية عند النبي صلي الله عليه وسلم  ” يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ” فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله أدع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة. فقال:”يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه فما يتقبل منه أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به“.(ابن أبي حاتم عن ابن عباس).

اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة اللهم تقبل دعائنا بفضلك يا أكرم الأكرمين يارب العالمين اللهم تقبل منا دعائنا وارضى عنا يا رحمن يا رحيم يا الله اللهم يا مفرج الهم فرج همنا واقضى حوائجنا ووفقنا إلى ما تحب وترضي يارب العالمين.

عباد الله: أذكروا الله يذكركم واشكروه يشكركم واستغفروه يغفر لكم .. وأقم الصلاة.




خطبة بعنوان: “الوصايا الحسان في كيفية استقبال رمضان”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 29 من شعبان 1438هـ – 26 مايو 2017م

خطبة بعنوان: “الوصايا الحسان في كيفية استقبال رمضان”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 29 من شعبان 1438هـ – 26 مايو 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

 

عناصر الخطبة:

الوصية الأولى: الدعاء بأن يبلغك الله شهر رمضان

الوصية الثانية: الفرح والابتهاج بطاعة الله

الوصية الثالة: التخلية قبل التحلية

الوصية الرابعة: إصلاح ذات البين

الوصية الخامسة: صحبة الأخيار

الوصية السادسة: وضع خطة وبرنامج عملي للاستفادة من رمضان

المقدمة:                                                            أما بعد:

عباد الله: يحسن بنا نحن المسلمين أن نستعد لاستقبال رمضان خير استقبال . . . فالمسافر يستعد لسفره ، والموظف يستعد بالدورات التدريبية لوظيفته, والشياطين تستعد لهذا الشهر أو توسوس للناس – قبل أن تصفد فيه – بأنواع الملاهي كالأفلام والألعاب الفارغة،  فالعبد في رمضان لا يخلو حاله من اثنين : إما أن يكون من الذين دعا عليهم جبريل وأمَّن خلفه النبي الأمين بالبعد من رحمة رب العالمين ؛ فعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ ، فَقَالَ : ” آمِينَ آمِينَ آمِينَ ” ، قَالَ : ” أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ ، فَمَاتَ ، فَدَخَلَ النَّارَ ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ، قُلْ آمِينَ ، فَقُلْتُ : آمِينَ ، قَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ ، فَمَاتَ ، فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ ، فَأُدْخِلَ النَّارَ ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ، قُلْ آمِينَ ، فَقُلْتُ : آمِينَ ، قَالَ : وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ ، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ، قُلْ آمِينَ ، فَقُلْتُ : آمِينَ “. “.( الطبراني والبيهقي وابن حبان بسند حسن ). وإما أن يكون من الذين قال فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم : ” ْ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ” ( متفق عليه). ولا شك أن كل واحد منا يتمنى أن يكون من النوع الثاني الذي غفر له ما تقدم من ذنبه؛ ولكن هذا لا يأتي بالتمني وإنما بالعمل والعزم والاجتهاد ؛ لذلك جمعت لكم هذا الوصايا والتي إذا طبقناها وعملنا بها نكون من الفائزين في رمضان إن شاء الله تعالى؛ وهذه الوصايا تتمثل فيما يلى:-  

الوصية الأولى: الدعاء بأن يبلغك الله شهر رمضان

 فندعو الله أن يبلغنا هذا الشهر الكريم كما كان السلف يفعلون ذلك فقد كانوا يدعون الله ستة أشهر قبل رمضان أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر بعد رمضان أن يتقبل منهم رمضان، وكان يحيى بن أبي كثير يقول: “اللهم سلمنا إلى رمضان، وسلم لنا رمضان، وتسلمه منا متقبلا”. فندعو الله أن يعيننا على أن نحسن استقبال الشهر وأن نحسن العمل فيه، لأنه قد يبلغك رمضان وأنت مصرٌّ على معصيته!! يقول الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله: ” إذا دعوت الله أن يبلغك رمضان فلا تنس أن تدعوه أن يبارك لك فيه, فليس الشأن في بلوغه! وإنما الشأن ماذا ستعمل فيه؟!!! لأنك إذا وُفِّقت فيه لعمل صالح فإنك ستسبق الجميع إلى الجنة حتى الشهيد. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ مِنْ قُضَاعَةَ أَسْلَمَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً. قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ!! فَأَصْبَحْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ وَصَلَّى سِتَّةَ آلَافِ رَكْعَةٍ أَوْ كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ السَّنَةِ؟!! “( السلسلة الصحيحة، الألباني)، فمع أنهما أسلما في يوم واحد ومات الأول شهيداً، إلا أن تأخير موت الآخر سنة جعله سابقا للشهيد إلى الجنة لأنه أدرك شهرا من رمضان زيادة على صاحبه وبارك الله له فيه.

وأنا أركز على البركة في العمر واغتنامه في الطاعة، فعن أبي بكرة-رضي الله عنه- أن رجلا قال:يا رسول الله أي الناس خير؟،قال :” مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ”،قال: فأي الناس شر؟ قال:” مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ ” ( الترمذي وصححه الألباني )

قال الطيبي –رحمه الله-:”إن الأوقات والساعات كرأس المال للتاجر، فينبغي أن يتَّجِرَ فيما يربح فيه، وكلما كان رأس ماله كثيرا كان الربح أكثر، فمن انتفع بعمره بأن حَسُن عملُهُ فقد فاز وأفلح، ومن أضاع رأس ماله لم يربح وخسر خسرانا مبينا”. (تحفة الأحوذي)

لذلك يسن إذا بلغت رمضان ورأيت الهلال تقول كما كان  النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  يقول:” اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ” [ الترمذي وحسنه ]

ويدعو بأن يُوفق المرء فيه للطاعة, ويُبارك له في الوقت, ويُؤخذ بيده لكل بر، فالأمور كلها بيد الله, والتوفيق من عنده, والتأييد من لدنه, فاطرق باب الكريم قبل دخول الشهر وبعد دخوله وفي كل ساعة وعند كل لحظة، انطرح بين يديه, واسأله سؤال الصادقين, أن يجعلك في عِداد الموفقين, وأن يسلك بك طريق المؤيدين، واعلم أنك تسأل رباً كريماً يُحب من يسأله، فإذا كان من يسأل الدنيا يهبه الله إياها, فكيف بمن يسأل ما يحبه الله من الطاعات؟!! لا شك أنه أولى بالتأييد وأقرب للإجابة, فكن من الصادقين في الدعاء, وألح على ربك عند السؤال للتوفيق للطاعات. فأكثر من الدعاء: اللهم ارزقنا عمرا مديدا، وقولا سديدا، وعملا صالحا كثيرا، اللهم أجز لنا العطية، وأصلح لنا النية، وأحينا فيه الحياة المرضية.

الوصية الثانية: الفرح والابتهاج بطاعة الله

 والفرح برمضان يكون بالطاعة والعبادة والقرآن:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} ( يونس: 58)

وقد كان سلفنا الصالح من صحابة رسول الله والتابعين لهم بإحسان يهتمون بشهر رمضان، ويفرحون بقدومه، وأي فرح أعظم من الإخبار بقرب رمضان موسم الخيرات، وتنزل الرحمات. وقد صور رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هذه الفرحة بقوله ” لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ” ( متفق عليه )

وتخيل ضيف عزيز عليك لم تره منذ سنة وجاء إليك فماذا أنت فاعل له؟!! فأين الترحيب بالعمل الصالح؟!!!

فهذا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يستعد لرمضان فأنار المساجد بالقناديل، فكان أول من أدخل إنارة المساجد، وأول من جمع الناس على صلاة التراويح في رمضان، فأنارها بالأنوار وبتلاوة القرآن، حتى دعا له الإمام علي -رضي الله عنه –بسبب ذلك. فعن أبى إسحاق الهمداني قال : خرج على بن أبى طالب في أول ليلة من رمضان والقناديل تزهر وكتاب الله يتلى في المساجد، فقال:” نور الله لك يا ابن الخطاب في قبرك كما نورت مساجد الله بالقرآن”.

هذه الفرحة في الدنيا، فضلا عن فرحة العبد عند الإفطار، أما فرحة الآخرة فحدث ولا حرج، فعن جابر بنُ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قال: ” لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي: يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ قُلْتُ :يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا. قَالَ: أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟ قَالَ: قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.قَالَ: مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً. قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ. قال: يا رب فأبلغ من ورائي ” فنزلت هَذِهِ الْآيَةُ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) } ( آل عمران ) ( ابن ماجة والترمذي والحاكم وصححه )، فهو يريد أن يبلغ جابرا ومن وراءه بالفرحة التي فيها، فبلغ عنه الله وجاء التعبير بقوله ( فرحين ) وإعرابها: حال منصوبة، فهذا حال كونهم فرحين بالطاعة والجهاد والصيام وغير ذلك، لأن العبد الطائع يفرح بلقاء الله ويحبه ويتمناه، والعاصي بخلافه.

فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ؛ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ” قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ: إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ! قَالَ:” لَيْسَ ذَاكِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ.” ( متفق عليه )، فالطاعة والعبادة دليل الحب ، والمعاصي والذنوب دليل البغض والكره. قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم يا أبا حازم : كيف القدوم على الله عز وجل؟ فقال : يا أمير المؤمنين أما المحسن فكالغائب يأتي أهله فرحا مسرورا، وأما المسيء فكالعبد الآبق يأتي مولاه خائفا محزونا.

عباد الله: ألا فرحنا بالعبادة والطاعة كما نفرح ونستعد بالطعام والشراب، باع قوم من السلف جارية ، فلما اقترب شهر رمضان، رأتهم يتأهبون له، ويستعدون بالأطعمة وغيرها. فسألتهم عن سبب ذلك؟ فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان. فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان! لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان، ردوني عليهم.

الوصية الثالة: التخلية قبل التحلية

فالقلوب مملوءة بالسواد والظلمة طوال العام من أثر الذنوب والمعاصي، سب وشتم وغيبة ونميمة ونظر إلى حرام وشرب محرم وغل وحقد وحسد ونفاق وشقاق وسوء أخلاق وأكل حرام وفعل المنكرات…..إلخ وكل ذلك سبب في سواد القلب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:”إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ:{ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }(الترمذي وصححه)، فتخيل كيف حال قلبك بعد أحد عشر شهرا من المعاصي والآثام؟!! فيجب أن نخلى القلب ونجليه ونطهره من هذه الآثام والظلمات، قبل أن نحليه بالعبادة والطاعة، فلا يجوز إدخال القرآن والصلاة والذكر على مثل هذه القاذروات، حتى نطهر القلب منها، فهب أنك عندك قطعة أرض فضاء مملوءة قمامة تريد بناءها وتشييدها، هل ستحليها بالبنيان على ما هي عليه من قمامة أم تطهرها ؟!! فهكذا القلب يحتاج إلى تخلية قبل التحلية.  فلا بد من الإقلاع عن الذنوب التي عشقناها طول العام، انزع نفسك من أوصاف الدنيا التي غرتك في سالف الأيام، اعتق رقبتك من أسر الهوى والآثام، حرر قلبك من سجون المادية الغليظة والأوهام، إذا صلحت بدايتك صلحت نهايتك، ومن صلحت بدايته صلحت نهايته، وإنه إذا أحسن البدء حسن الختام.

ولنندم على تقصيرنا في جنب الله، وكم أن الله أمهلنا حتى هذا الوقت لنتوب، وإذا لم نتب الآن فمتى نتوب؟!

حكى أن رجلا دخل مسجد رسول الله –صلى الله عليه وسلم – على حين كان الناس يخرجون منه، فتسائل الرجل: لماذا يخرج الناس قبل أن أصلى؟ فقال له أحد المصلين: قد أقيمت صلاة الجماعة وفرغنا منها، فقال: لقد جئت متأخرا!!! عند ذلك انطلقت من الرجل آهة تمزقت منها روحه، وحملت رائحة من دم قلبه، فقال له رجل: يا أخي هون عليك، هب لي تلك الآهة وصلاتي لك، فقال وهبتها لك وقبلت الصلاة، فلما جاء الليل قال له هاتف في الرؤيا: لقد اشتريت جوهر الحياة وشفاء الروح، فبحرقة هذه الآهة، وبصدق هذا الندم، قبلت صلاة الناس كافة.

أحبتي في الله: إن لزوم الذنوب والمعاصي سبب لحرماننا من الطاعات ولا سيما في رمضان، جاء رجل إلى الحسن البصري – رحمه الله – وقال له يا أبا سعيد: أجهز طهوري وأستعد لقيام الليل ولكني لا أقوم, ما سبب ذلك ؟ فقال له الحسن: قيدتك ذنوبك. نعم – الذنوب والمعاصي – سببٌ للحرمان من كل خير .

كم نرى من التفريط وضياع الوقت وعدم استغلالنا لمواسم الخيرات في رمضان وغيره مع علمنا بفضله, لاشك أن من الأسباب الرئيسية أن ذنوبنا قيدتنا, وحرمتنا هذا الخير .

والأشد والأنكى من يُحرم كثيراً من الطاعات ويكون منغمساً بالمعاصي حتى في شهر رمضان, فلا ينتهي من واحدة إلا تلبس بأخرى في حرمان موجع, وخذلان مفجع . إن من حُرم خير هذا الشهر فهو المحروم، ومن خُذل في مواسم البر فهو المخذول .

ولا علاج لهذا إلا بالتوبة النصوح قبل بلوغ الشهر .

هل تعلم أن عدد ساعات رمضان سبع مئة وعشرون ساعة لو نمت كل يوم ثمان ساعات – والجاد لا يفعل لعلمه بفضيلة الزمان – لكان بقي لك أربع مئة وثمانين ساعة, أليست فرصة لأن تتزود فيها من الطاعات ما يكون لك خير زاد يوم القدوم على الله؟!!

فهيا يا أخي ويا أختي لنحرق نار الهوى والمعاصي ولنرجع إلى ربنا الرحيم الذي يقبل توبة عبده إذا تاب إليه وأناب.

قال الحسن -رحمه الله: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفى طرقكم، وفى أسواقكم، وفى مجالسكم، وأينما كنتم فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة؟!!

فعلينا أن نفتح صفحة بيضاء مع الرسول صلى الله عليه وسلم بطاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر. علينا أن نفتح صفحة بيضاء مع الوالدين والأقارب، والأرحام والزوجة والأولاد بالبر والصلة. علينا أن نفتح صفحة بيضاء مع المجتمع الذي نعيش فيه

علينا أن نعمل على سلامة الصدر مع المسلمين قبل رمضان.

روى عن ابن مسعود أنه سُئل: كيف كنتم تستقبلون شهر رمضان؟ فقال: ما كان أحدنا يجرؤ أن يستقبل الهلال وفي قلبه مثقال ذرة حقد على أخيه المسلم.  اللهم انزع الحقد والحسد من قلوبنا وبلغنا رمضان يا الله.

الوصية الرابعة: إصلاح ذات البين

عباد الله: كثير منا – إلا من رحم الله – بينه وبين أخيه أو صديقه أو زميله أو أحد أقاربه أو جيرانه خلاف وشقاق وخصام وشحناء وبغضاء؛ ولا شك أن ذلك سبب عائق ومانع لرفع الأعمال وحجب المغفرة والرحمات والبركات ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا” (مسلم)، وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ [ ابن ماجة بسند حسن ].

 والناظر إلى السنة المطهرة يجد أنَّ سنةَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عامرةٌ بالنصوص المؤكِّدة على أهمية طهارةِ القلوب وسلامتها من الغلِّ والشحناء والبغضاء، يُسأل عليه الصلاة والسلام: أيُّ الناس أفضل؟ فيقول:”  كلّ مخموم القلب صدوق اللسان، فيقال له: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ فيقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هو التّقي النقي، لا إثم ولا بغي ولا غلَّ ولا حسد”. (رواه ابن ماجه بإسناد صحيح) ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا”. (متفق عليه)، بل إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:” لا تدخُلوا الجنةَ حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا”. ( مسلم) ويقول عليه الصلاة والسلام: “ألا أخبركم بأفضلَ من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: ” إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين”. ( أبو داود بإسناد صحيح.)

فالعبد يجتهد في الصيام والقيام وقراءة القرآن وصلة الأرحام والإنفاق وغير ذلك من القربات؛ وكل ذلك يحلقه الخصام والشحناء والبغضاء وفساد ذات البين؛ بل إن أعماله لا ترفع ولن يغفر الله حتى يصطلح مع أخيه.

أحبتي في الله: وقفت مع نفسي وقفة وتأثرت كثيراً حينما قرأت حديثاً عن ليلة القدر في صحيح البخاري. عن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ :” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ” قلت: رفعت تعيين أعظم ليلة بسبب شجارٍ وسبٍّ وخصامٍ بين رجلين !!! فما بالكم لو كانت الأمة كلها متشاحنة ومتباغضة كما هو الواقع  الآن؟!!!!!

فبادر أنت بالخير إذا أعرض عنك أخوك وكن أنت الأخير والأفضل عند الله حتى ترفع أعمالك ، فعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ”(متفق عليه).

الوصية الخامسة: صحبة الأخيار

ينبغي على المرء أن يحسن اختيار الصاحب، لأنه يكون على هديه وطريقته ويتأثر به، كما قيل: الصاحب ساحب، حتى لو أردت أن تعرف أخلاق شخصٍ فسأل عن أصحابه. قال الشاعر:

عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينَهُ         فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارِنِ يَقتَدي

وقال آخر:

واحـذرْ مُصاحبـةَ اللئيـم فـإنّـهُ       يُعدي كما يُعدي الصحيـحَ الأجـربُ

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ” [ السلسلة الصحيحة – الألباني ] . قال العلماء: يعني لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه، ولا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضيا في دينه ومذهبه.

وقد صور النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك فقال:” مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً”( متفق عليه ) يعني: هو مستفيد على كل حال، إما أن يعطيك، وإما أن يبيع لك، وإما أن يعلق فيك رائحة طيبة، كذلك الجليس الصالح: إما أن يأمرك بالخير، وإما أن ينهاك عن الشر، وإما أن يدعوك إلى الخير ويحضك عليه، فأنت مستفيد، كذلك جليس السوء إما أن يزهدك من الخير أو يرغبك في الشر، فأنت متضرر على كل حال.

حتى أن أثر الصحبة – صالحة أو طالحة – تعدَّى من عالم الإنسان إلى عالم الكلاب. قال تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } ( الكهف: 22) فقد استفاد الكلب من صحبة الأخيار، وهو الآن معروف أنه من أخس الحيوانات، ومع ذلك لما صاحب الأخيار صار له شأن وذكر معهم في القرآن وأصابه ما أصابهم،كما أن الكلب المعلم لما تعلم صار له ميزة وارتفع شأنه بالعلم، وصار يصيد بالتعليم، وله حكم يختلف عن بقية الكلاب، قال تعالى: {مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ } [المائدة:4]، حتى الكلاب إذا تعلمت صار لها شرف ومزية على غيرها.

أحبتي في الله: والله إن الصاحب – وخاصة في رمضان – إذا كان صالحاً سيأخذ بيديك إلى الجنة ، وإن كان طالحا يجرك إلى جهنم جرا، وسأضرب لك مثالين:

الأول: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟! فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } ( متفق عليه ).

فوجود أبي جهل والصحبة السوء جعلت أبا طالب من أصحاب الجحيم، وحزن عليه النبي حزنا شديدا.

المثال الثاني: عن ابن عباس قال: « كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً فدعا إليه أهل مكة كلهم، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ويعجبه حديثه، وغلب عليه الشقاء فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاماً ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله . فقال : أطعم يا ابن أخي. قال : ما أنا بالذي أفعل حتى تقول . . . فشهد بذلك وطعم من طعامه . فبلغ ذلك أُبي بن خلف فأتاه فقال: أصبوت يا عقبة؟ – وكان خليله – فقال: لا والله ما صبوت. ولكن دخل عليَّ رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فشهدت له، فطعم. فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتبصق في وجهه. ففعل عقبة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبراً ولم يقتل من الأسرى يومئذ غيره » .( الدر المنثور , للسيوطي ) وفي ذلك نزل قوله تعالى: { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)} ( الفرقان )، فتخيل أنه فضل رضا صاحب السوء على رضا الله ورسوله وكانت النتيجة جهنم وبئس المصير.

فهذه رسالة أوجهها لآبائي وإخواني وأبنائي وكل فئات المجتمع أن يحسنوا اختيار الصحبة ولا سيما في رمضان لشدة تأثيرها كما ذكر.

الوصية السادسة: وضع خطة وبرنامج عملي للاستفادة من رمضان

الكثيرون من الناس وللأسف الشديد حتى الملتزمين بهذا الدين يخططون تخطيطاً دقيقاً لأمور الدنيا، ولكن قليلون هم الذين يخططون لأمور الآخرة، وهذا ناتج عن عدم الإدراك لمهمة المؤمن في هذه الحياة، ونسي أو تناسى أن للمسلم فرصاً  كثيرة مع الله ومواعيد مهمة لتربية نفسه حتى تثبت على هذا الأمر، ومن أمثلة هذا التخطيط للآخرة، التخطيط لاستغلال رمضان في الطاعات والعبادات، فيضع المسلم له برنامجاً عملياً لاغتنام أيام وليالي رمضان في طاعة الله تعالى. يصلي الأوقات في المسجد جماعة، والتراويح بجزء، والمحافظة على صلاة الضحى، والتهجد، وصلة الأرحام، والإنفاق، وزيارة المرضي، وحضور الجنائز ، وغير ذلك ، فتقوم بعمل جدول في كراسة من ثلاثين خانة ولكل يوم تسطر فيه أعماله، ثم توقع عليها وتكتب شرطا جزائيا: أقر أنا الموقع أدناه أنني لن أقصر في أي بندٍ من البنود سالفة الذكر، وإذا قصرت أتعهد بدفع مبلغ خمسة جنيهات صدقة. حتى الشرط الجزائي يكون طاعة!

وهكذا أحبتي في الله لو التزمنا بكل ما سمعناه نكون من الفائزين في رمضان الفرحين في الدنيا والآخرة.

اللهم بلغنا رمضان وبارك لنا فيه………..آمين

الدعاء،،،،،،،                   وأقم الصلاة،،،،،

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي




خطبة الجمعة القادمة: “استقبال شهر رمضان بالتكافل والتراحم والعمل والبعد عن الغش بكل أنواعه”بتاريخ 26 من مايو 2017م الموافق 29 من شعبان 1438هـ

خطبة الجمعة القادمة: “استقبال شهر رمضان بالتكافل والتراحم والعمل والبعد عن الغش بكل أنواعه“بتاريخ 26 من مايو 2017م الموافق 29 من شعبان 1438هـ .

 




خطبة بعنوان : “استقبال شهر رمضان بالتكافل والتراحم”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 29 من شعبان 1438هـ، الموافق 26 مايو 2017م

خطبة بعنوان : “استقبال شهر رمضان بالتكافل والتراحم”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 29 من شعبان 1438هـ، الموافق 26 مايو 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

العناصر :

1-مواسم الطاعات.

2- حث الرسول صلي الله عليه وسلم علي اغتنامها.

3-مدرسة رمضان

4- الكرم والجود والتكافل .

5- شهر التوبة والمغفرة .

الحمد لله رب العالمين , يارب لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه  .. حمداً دائماً يليق بجلاله وكماله وعظيم سلطانه .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه ولي الصالحين . أجزل الخير للطائعين الصائمين فقال في حديثه القدسي علي لسان نبينا صلي الله عليه وسلم : “أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَرَأَ:”فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”( البخاري ومسلم(.وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وشفيعنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه .. طب القلوب  ودوائها وعافية الأبدان وشفائها ونور الأبصار وضيائها محمد صلي الله عليه وسلم القائل:”مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ” (متفق عليه). اللهم صلاة وسلاماً عليك يا سيدي يا رسول الله وعلي آلك وصحبك الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً كثيراً ..أما بعد فيا جماعة الإسلام .

مواسم الطاعات :

إن من نعم الله عز وجل على عباده أن جعل لهم مواسم للخيرات والبركات والطاعات ، ومَنَّ عليهم فيها بالنفحات والمزيد من الحسنات ، فيعملون قليلاً ويؤجرون كثيرًا ، وينفقون زهيدًا ويجزون مزيدًا ، “ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ”(الحديد/21).ويقول رسول الله صلي الله عليه وسلم :” إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبداً(الترمذي).

ومن هذه المواسم العظيمة وتلك النفحات الجليلة ما نحن بصدد استقبال هلاله  من أيام مباركة وليال فاضلة ، وهو شهر رمضان المبارك ، شهر جعل الله صيام نهاره فريضة ، وقيام ليله سنة ، قال سبحانه : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” [البقرة:183-185].

أخوة الإيمان :

حث الرسول صلي الله عليه وسلم علي اغتنامها :

ولقد حرص الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  على تهيئة أصحابه لاستقبال هذا الشهر الكريم ، واغتنام أيامه ولياليه بالمسارعة إلى الخيرات ، وطلب المغفرة والرحمات من رب الأرض والسموات ، فعَنِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ (رضي الله عنه) قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ، فَقَالَ:” أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا ، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ … الحديث” (صحيحُ ابن خُزَيمة).

إن لشهر رمضان فضائل عظيمة ومكانة كبيرة ، ينبغي أن نعيها وأن نعيش في كنفها ، فهو شهر القرآن والصيام والذكر والقيام ، قال تعالى:”شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” [البقرة: 185] .

أيها الناس : فلنستقبل هذا الشهر الكريم بقلوب عامرة ونفوس طاهرة  ، وتوبة صادقة خالصة ، فضاعفوا فيه الطاعات ، وحافظوا على حرماته ، وتزودوا فيه لآخرتكم ، حتى يشملكم الله برعايته وعنايته ورحمته ومغفرته ، فعَنْ أَبِي نَضْرَةَ (رضي الله عنه) قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” أُعْطِيَتْ أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي، أَمَّا وَاحِدَةٌ : فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ نَظَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ ، وَمَنْ نَظَرَ اللهُ إِلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ أَبَدًا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ : فَإِنَّ خُلُوفَ أَفْوَاهِهِمْ حِينَ يُمْسُونَ أُطَيِّبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ : فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَأَمَّا الرَّابِعَةُ : فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْمُرُ جَنَّتَهُ فَيَقُولُ لَهَا : اسْتَعِدِّي وَتَزَيَّنِي لِعِبَادِي أَوْشَكَ أَنْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ تَعَبِ الدُّنْيَا إِلَى دَارِي وَكَرَامَتِي ، وَأَمَّا الْخَامِسَةُ : فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ غَفَرَ لَهُمْ جَمِيعًا ” فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ: “لَا ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الْعُمَّالِ يَعْمَلُونَ فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وُفُّوا أُجُورَهُمْ ” (شعب الإيمان).

فعلينا أن نغتنم هذه الفرصة ، حتى لا نكون ممن ذكرهم الرسول صلي الله عليه وسلم  في الحديث الذي رواه أَبِو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ:”آمِينَ آمِينَ آمِينَ” قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ قُلْتَ: آمِينَ آمِينَ آمِينَ، قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ”(صحيح ابن حبان).

مدرسة رمضان :

أيها الموحدون بالله :

إن شهر رمضان مدرسة تتربى فيها الأمة الإسلامية ، تتعلم منها الصبر  وتقوية الإرادة ،والسلوك القويم والكرم والجود والتراحم والتكافل الاجتماعي  فيجد المسلمون في نهاره ثمرة الصبر والانتصار على الشهوات ، ويجدون في ليله لذة المناجاة والوقوف بين يدي ربهم ، وتتجسد فيه ملامح التلاحم بين المسلمين عامتهم وخاصتهم ، علمائهم وعامّتهم كبيرهم وصغيرهم ، ليكون الجميع يدًا واحدةً ، وبناءً متكاملاً ، لدفع تيارات الفتن ، وأمواج المحن حتي ينالوا من الله الخيرات وتنزل الرحمات .

وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم دائماً يبشر أصحابه بقدوم رمضان  ويحببهم في الطاعة والعبادة وفي تقويم السلوك في هذا الشهر فعن عبادة بن الصامت (رضي الله عنه) أنه كان الحبيب صلي الله عليه وسلم  إذا أقبل شهر رمضان يقول:” أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرُ بَرَكَةٍ ، فِيهِ خَيْرٌ يَغْشَاكُمُ اللَّهُ فَيُنْزِلُ الرَّحْمَةَ وَيَحُطُّ فِيهَا الْخَطَايَا ، وَيُسْتَحَبُّ فِيهَا الدَّعْوَةُ ، يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ وَيُبَاهِيكُمْ بِمَلاَئِكَةٍ ، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسَكُمْ خَيْرًا ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ كُلَّ الشَّقِيِّ مَنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللَّهِ ” (الطبراني).

أيها الناس :

فليحرص كل مؤمن وهو يستقبل  رمضان أن يكون الشهر كله منضبطاً وأن يقوم سلوكه وأن يغير من أفعاله وأقواله  بل وفي كل حياته وأوقاته يحرص علي ذلك ..

فالحرص كل الحرص على أن نؤدي الصلاة في جماعة في بيوت الله عز وجل ، ولا يكن حالنا كحال المنافقين الذين وصفهم الله تعالى بقوله : “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا” [النساء: 142] .

وقد قرن رسول الله صلي الله عليه وسلم عند مغفرة الذنوب الصلاة بهذا الشهر الكريم فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول:”الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ”(  مسلم) .

أخي المسلم  :ونحن نستقبل الشهر الفضيل  فرمضان مدرسة يتعلم فيها المؤمنون كيف يقومون سلوكهم .. فهو شهر تتطلع إليه قلوب المؤمنين ، وتتشوق لبلوغه أفئدة المتقين ، نهارُهُ مصونٌ بالصيام ، وليلُهُ معمورٌ بالقيام ، تهبُّ فيه رياحُ الأنس بالله ، وتجود الأنفسُ بما عندها نحو الله عز وجل ، إنه منحة ربانية لهذه الأمة ، فهو شهرٌ عظَّمه اللهُ وكرَّمه ، وأَعْظمَ الثواب فيه لصُوَّامه وقوَّامه ، وهو بمثابة سوق يُتيحُه الله عز وجعل لعباده كل عام مرة ليتاجروا فيه مع ربهم التجارة الرابحة .

والمسلم الحق هو الذي يعرف لهذا الشهر حقه فلا يجعل يوم فطره كيوم صومه سواء بل لابد له من محاسبة نفسه وتقويم سلوكه حتي لايخرج من هذا الشهر خالي الوفاض بلي حسنات كما  قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ، وَالْعَطَشُ ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ” (المعجم الكبير للطبراني).

    أخوة الإيمان والإسلام

ومن سلوك المؤمن في رمضان .

**أكل الحلال والبعد عن الحرام

إخوة الإسلام :ومن سلوك المؤمن في رمضان والذي يتعلمه في تلك المدرسة هو أكل الحلال والبعد عن الحرام, فليس من الحكمة لعاقل أن يمسك عن الحلال في نهار رمضان امتثالاً لأمر الله ثم يفطر على حرام يضيع به صيامه وقيامه ، فالحق سبحانه وتعالى أمرنا بما أمر به المرسلين بالأكل من الطيبات ، فما دام الأكل حلالاً طيباً فالعمل صالح مقبول، فإذا كان الأكل غير حلال، فكيف يكون العمل مقبولاً ؟ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم  : “إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: “يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِـحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ “(المؤمنون/51)، وقال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ”(البقرة/ 172). ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ”(مسلم). فإذا ما صام الإنسان وأفطر على الحرام فلا ثواب لصيامه مصداقاً  لقول الرسول صلي الله عليه وسلم في الحديث: “رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ، وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ“.(أحمد وابن ماجة).

الكرم والجود والتكافل والتراحم:

أيها الناس :ولقد كان الحبيب المصطفى صلي الله عليه وسلم  أجود بالخير من الريح المرسلة في رمضان، وما منع النبي صلي الله عليه وسلم  سائلاً أبداً، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه  قَالَ: ” كَانَ رَسُولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم  أَجْوَدَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ، وَكَانَ يَلْقَاهُ  فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ “(متفق عليه) .

فالمسلم  ينفق في سبيل الله ، ولا يبخل ، ولا يخش الفقر و الفاقة ، و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ  أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَالَ:”مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا “.(البخاري ومسلم).  

ولنعلم أن لنا إخوة فقراء علينا أن نتذكرهم ، فمن ملك الزاد وأطعم فقد فاز بأجر كبير وثواب عظيم ، فعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا ” (الترمذي) .

أخوة الإيمان والإسلام :وكما أن  رمضان شهر القرآن ، فرمضان شهر الجود والكرم ، رمضان شهر الصبر ، رمضان شهر الرحمة ، رمضان شهر البر والصلة ، رمضان شهر الدعاء والإجابة ، وهو كذلك في كل ما ذكر ، وإن الله فتح في هذا الشهر الكريم أبواب من الطاعات تحقق مفهوم الجسد الواحد للأمة، وتعمق التكافل والتعاون بين أفرادها، وتقوي الروابط والصلات بين مجموعاتها، ومن هذه الطاعات أن النبي صلي الله عليه وسلم  قال:” أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة ومن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم ومن هذه الطاعات إطعام الطعام وتفطير الصوام، وكان ابن عمر لا يفطر كما روي عنه إلا مع اليتامى والمساكين، وقال النبي صلي الله عليه وسلم : ” من فطَّر صائماً كان له من الأجر مثل أجره، غير أنه لا ينقص ذلك من أجر الصائم شيء “.(الترمذي).

هذه العبادات لها شأن أيها الأخوة في نشر المحبة، وما من شأنه تقوية روابط المجتمع، وزيادة الأجر المترتب عليها، ففي الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، قيل لمن هي يا رسول الله؟ قال:” لمن أفشى السلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيام “.

أيها الصائمون: هذا الشهر شهر التكافل والتضامن، والتكافل والتعاون، وكان النبي صلي الله عليه وسلم  جوادا كريما، وأجود ما يكون في شهر رمضان حين ينزل عليه جبريل، ورسولنا عليه الصلاة والسلام ما رد سائلا قط، فأخرجوا زكاة أموالكم في هذا الشهر الفضيل، وأكثروا من الصدقات فيه، أعينوا الفقراء والمساكين، ووسعوا على المحتاجين، وتذكروا أن الله يقول :”لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ “(آل عمران: 92).

يروى أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر عائشة أن تتصدق بشاة مذبوحة، فأخرجتها إلا الكتف، فلما جاء النبي صلي الله عليه وسلم  وسألها هل بقي منها شيء؟ قالت لم يبقى منها إلا كتفها، فقال لها النبي صلي الله عليه وسلم بل بقيت كلها إلا الكتف، لأن ما ينفق هو الذي يبقى حقيقة. وأعلموا يا عباد الله أن النبي صلي الله عليه وسلم  قال:” اتقوا النار ولو بشق تمرة، فلا تستقلوا شيئاً :”لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا “(البقرة: 286)”وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ “(سبأ: 39) وتذكروا عباد الله أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، منهم “رجُل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه  ” والصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار ” كما قال النبي صلي الله عليه وسلم .

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم.

الخطبة الثانية “

الحمد لله رب العالمين – والصلاة والسلام علي أشرف الخلق أجمعين .

أيها الناس ، اتقوا الله تعالى فتقوى الله هي الثمرة المرجوة من الصيام حيث تحث آيات الصوم في أولها :” لعلكم تتقون” وفي أخرها “ولعلهم يتقون” .والتقوي وقاية من الشر والعذاب ، وسبب موصل للخير والثواب .

 إخوة الإيمان والإسلام  :

شهر التوبة والمغفرة..  

نستقبل بعد ساعات قلائل  ضيفاً كريماً، وشهراً عظيماً، لم يبق بيننا وبينه إلا أيام  معدودة، فماذا أعددنا لهذا الضيف؟ وكيف سنستقبل هذا الشهر العظيم؟ شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ” (البقرة/185).

فرض الله عليْنا صيام نهاره وسن لنا رسول الله قيام ليله ، فرَضه الله لرفعة درجاتِنا، وتكفير سيئاتنا، فلنستشْعِر التَّعبُّد لله بالصِّيام، ولنحتسبِ الأجْرَ عند الله فيما يُصيبُنا من عطشٍ وجوعٍ، ولا نتثاقل شهر رمضان ونراه عبئًا نتمنَّى رحيلَه؛ فعن أبي هُريرة قال: قال رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -:”مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه”( البخاري(.

فهو شهر التوبة والمغفرة..  

عباد الله : قد بين الله لكم مراتب الخير وثوابه ، وحضكم على ذلك وسهل لكم طرقه وأسبابه ، فقال تعالى: ” وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ” وإلى قوله:” فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ” . فوصف المتقين بالقيام بحقوقه وحقوق عباده وبالتوبة والاستغفار ، ونفى عنهم الإقامة على الذنوب والإصرار ، وقال معاذ بن جبل – رضي الله عنه- ” يا رسول الله : أخبرني بعمل يدخلني الجنة وينجيني من النار . قال صلي الله عليه وسلم  : ” لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان وتحج البيت ” ، أي فمن قام بهذه الشرائع الخمس حق القيام استحق النجاة من النار ودخول دار السلام ، ثم لما رآه شديد الرغبة في الخير وضح له وللأمة الأسباب التي توصل إلى خيري الدنيا والآخرة ، والأبواب التي تفضي إلى النعم الباطنة والظاهرة- فقال:”ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جنة”أي : وقاية في الدنيا من الذنوب ، ووقاية في الآخرة من جميع الكروب ، “والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ، وصلاة الرجل في جوف الليل ” ثم تلا قوله تعالى: ” تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ “- حتى بلغ-“يَعْمَلُونَ ” ثم قال: “ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر : الإسلام وعموده : الصلاة وذروة سنامه : الجهاد في سبيل الله ” ثم قال : “ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ ” قلت بلى يا رسول الله ، فأخذ بلسان نفسه وقال: ” كف عليك هذا ” قلت يا رسول الله : وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ قال: “ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يكب الناس في النار على مناخيرهم إلا حصائد ألسنتهم ؟! ” فمن ملك لسانه فأشغله بما يقربه إلى الله من علم وقراءة وذكر ودعاء واستغفار ، وحبسه عن الكلام المحرم من غيبة ونميمة وكذب وشتم وكل ما يسخط الجبار- فقد ملك أمره كله واستقام على الصراط المستقيم . ومن أطلق لسانه فيما يضره استحق العذاب الأليم . فانظروا رحمكم الله ما أسهل هذه الشرائع وأيسرها ، وما أعظم ثوابها عند الله وأكملها . فجاهدوا نفوسكم على تحقيقها وإكمالها ، وسلوا ربكم الإعانة على أقوالها وأفعالها .

أيها الناس:ونحن نستقبل هذا الضيف الكريم علينا أن نستشعر منزلته ومكانته وأن نعد له العدة جيداً وأن نغتنم أيامه ولياليه بالمسارعة إلي الخيرات وطلب لمغفرة والرحمات من رب الأرض والسموات ..وأن نأخذ بأسباب الرحمة والمغفرة حتي ننال الدرجة العلي من الجنة .. فرمضان موسم للطاعات والحسنات ..ويستطيع المسلم الصائم أن يحصد مليارات الحسنات إذا جعل هذه الفرصة أمامه لاتغيب عنه والتقرب إلي الله بشتي وجوه الخير والتخلق بأخلاق القرأن والتحلي بأخلاق الإسلام في كل أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته ..

والسعيد من ربح في هذا الشهر البركات والخيرات والشقي هو من ادرك رمضان ولم يغفر له خاب وخسر وذلك هو الخسران المبين .

أخوة الإيمان والإسلام :

نستقبل شهر رمضان بتوبة صادقة خالصة نصوحٍ، نقلع فيها عن كل معصية، ونندم على ما مضى من أعمارنا في معصية الله، ونعاهد الله ألا نعود لمعصية. فالتوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وربّه ولا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة إلى الذنب أبداً، وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي فيضاف شرط رابع لهذه الشروط الثلاثة وهو أن يبرأ من حق صاحبها،وهي رد المظالم إلي أهلها , فإن كانت مالاً رده إليه، وإن كانت غيبة استحله منها ونحو ذلك.

يا نفـس توبي قبـل أن لا تستطيعي أن تتوبي

واستغفري لذنوبــــــك الرحمن غفــار الذنـوب

إن المنايا كالرياح عليــــك دائمــة الهبــــــوب

أخوة الإيمان والإسلام :”كلنا ذوو خطأ،وكلنا ذاك المذنب، والخطأ من طبيعة البشر والمعصوم من عصمه الله سبحانه وتعالى، والكمال لصاحب الكمال سبحانه وتعالى، و”كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون”( صحيح).وعن  أبي هريرة رضي الله عنه  عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال :”والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله له”.فلا بد من الخطأ والتقصير، فكلنا ذو خطأ، وكلنا ذاك المذنب”(مسلم).اللهم بلغنا رمضان وبارك لنا فيه وارزقنا صيامه وقيامه اللهم أمين يارب العالمين .

عباد الله :أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ..وقوموا إلي صلاتكم يرحمكم الله ..وأقم الصلاة ..عبد الناصر بليح .




خطبة بعنوان :”الإدمان وأثره علي الفرد والمجتمع”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 22 من شعبان 1438هـ، الموافق 19 مايو 2017م

خطبة بعنوان :“الإدمان وأثره علي الفرد والمجتمع”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 22 من شعبان 1438هـ، الموافق 19 مايو 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

الحمد لله رب العالمين .. يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه ولي الصالحين ..وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه القائل لأبي الدرداء رضي الله عنه :“لا تَشْرَبِ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ”(البخاري ومسلم ). اللهم صلاة وسلاماً عليك يا سيدي يا رسول الله وعلي آلك وصحبك الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً كثيراً..  أما بعد فيا جماعة الإسلام :

 يقول الله تعالي :” وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا “( النساء/29). فقوله تعالي :” وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ “أي : بارتكاب محارم الله وتعاطي معاصيه .. ” إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ” أي  : فيما أمركم به ، ونهاكم عنه من ارتكاب المحرمات وتعاطي المسكرات والمخدرات التي تبدد المال وتهلك الجسم..  وعن ابن عباس : أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب ، فلما قدموا على رسول الله صلي الله عليه وسلم  ذكروا ذلك له ، فدعاه فسأله عن ذلك ، فقال : “يا رسول الله ، خفت أن يقتلني البرد ، وقد قال الله تعالى:” وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا  ” قال : فسكت عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم  . ثم أورد ابن مردويه عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم  : ” من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده ، يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا ، ومن قتل نفسه بسم ، فسمه في يده ، يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا ، ومن تردى من جبل فقتل نفسه ، فهو مترد في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ” .(متفق عليه).

وكذلك قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ” من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة ” . ( أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي قلابة).  وفي الصحيحين من حديث الحسن ، عن جندب بن عبد الله البجلي قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم  : ” كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح ، فأخذ سكينا نحر بها يده ، فما رقأ الدم حتى مات ، قال الله عز وجل : عبدي بادرني بنفسه ، حرمت عليه الجنة.. “..وقد يتسبب في قتل نفسه وآخرين عندما يكون مخموراً فعشرات السائقين يتعرضون للقتل كل يوم  كما إن المدمنين السائقين المخمورين يقتلون  ألافاً كل عام, وحينما تستمع لتقرير  إدارة سلامة المرور في أي دولة  تجد  أن عدد الأشخاص الذين قتلوا فقط في حوادث سيارات يقودها مخمورون أكثر من عدد ضحايا حرب فيتنام, وأن ثلاثة من البشر يقتلون, ويصاب ثمانون بجراح مختلفة, كل ساعة يومياً, وأن شخصا من كل شخصين سوف يتعرض خلال حياته لحادثة مروعة علي الأقل من السائقين المخمورين! .وقد نهي الإسلام عن ترويع الآدمي حتى ولو لم يقتله أو يصيبه بعاهة مستديمة . وقد نهي الإسلام حتي عن الترويع  عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ” مَنْ رَوَّعَ مُسْلِمًا رَوَّعَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ أَفْشَى سِرَّ أَخِيهِ أَفْشَى اللَّهُ سِرَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ(أبو داود وأحمد والبيهقي). فحرَّم الإسلام كلَّ ما يضرُّ بالفرد أو الأسرة أو المجتمع، وأحلَّ كل ما هو طيِّب ومفيد للبشر جميعًا، فما حرَّم الله شيئًا إلاَّ عوَّض الناسَ خيرًا منه، فقال الله تعالى: “وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ”(الأعراف/ 157).  

 

علاج الإسلام للإدمان التدرج في الإقلاع :

أخوة الإيمان :

 يقول الله تعالي :” ويحل لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ  ” (الأعراف/157). والخبائث  تلك المخدرات فهي  الآفة العظيمة التي أذهبت الأرواح ودمرت البيوت ويتمت الأطفال ورملت النساء. كم من مجنون بسبب تعاطيها , وكم من سجين بسبب ترويجها , وكم من دفين تحت التراب بسبب جرعاتها !!! إنها المخدرات..  فالمخدرات تعتبر أكثر ضررا من الخمور لشدة تأثيرها على العقل فالخمور تهلك الإنسان وتميتة. لذلك حرم الدين الاسلامى تعاطي هذه السموم لخطورتها على صحة الفرد ونشرها بين أفراد المجتمع.

ولأن النفس البشريَّة تميل دائمًا إلى تحقيق رغباتها – دون نظر إلى ما يَتَرَتَّب على ما تقترفه من مضارَّ جسيمةٍ – فقد أرشد الإسلام أتباعه إلى كبح جماح أنفسهم، وسَنَّ لهم الأحكام والتشريعات والقوانين الوقائيَّة والعلاجيَّة لحلِّ كل مشكلة تعترضهم، ثم كانت سيرة رسول الله   خير تطبيق لهذه الأحكام والتشريعات.

أولاً: العلاج الرباني : الحل الرباني لمشكلة إدمان الخمور والمسكرات التدرج في حل المشكلة ..وكانت قد تغلغلت في نفوس العرب جميعًا؛ حتى إنهم كانوا يمدحونها في شعرهم؛ حيث تبدأ القصائد عادة بذكر الأطلال ثم وصف الخمر.. كما كانوا يشربونها في بيوتهم وأنديتهم ومنتدياتهم؛ ولذا فقد جاء الحلُّ الرباني للمشكلة حلاًّ حاسمًا، ودالاًّ بشكل واضح على أنه وحي من ربِّ العالمين. لقد نزلت الآيات القرآنيَّة لتحلَّ المشكلة في تدرُّج مدهش، فكان أوَّل ما نزل في تنفير الناس مِنْ شُرْبِ الخمر قوله تعالى:”وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُون”(النحل/67).  فوصف الله تعالى الرزق بالحَسَن، ولم يصف السكر بذلك؛ تمهيدًا لتحريم الخمر، ثم لفت الأنظار إلى آثارها الضارَّة التي تَفُوقُ ما فيها من منافع محدودة، فقال تعالى: “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا”(البقرة/219).  وفي مرحلة لاحقة حرَّم تعاطيها قبل أوقات الصلاة؛ بحيث لا يأتي وقتُ الصلاة إلاَّ والواحد منهم في أتمِّ صحوة، فقال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ”( النساء/ 43).  وبعد أن تهيَّأت النفوس لتحريمها – وأصبحوا يتطلَّعون إلى اليوم الذي تُحَرَّم فيه تمامًا، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : “اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا”( النسائي وأحمد والحاكم ). ثم جاء التحريم القاطع في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”(المائدة/ 90).   ولأن عائشة -رضي الله عنها- تعرف جيِّدًا عمق مشكلة الخمر في نفوس المجتمع الجاهلي؛ لذلك قالت عن التدرُّج الذي نزلت به الآيات: “… ولو نزل أوَّل شيء: لا تشربوا الخمر. لقالوا: لا نَدَعُ الخمرَ أبدًا..”(البخاري والبيهقي). . ولكن المجتمع – الذي ربَّاه النبي صلي الله عليه وسلم  على مراقبة الله تعالى – امتثل لأوامره سبحانه وتعالي فور نزولها على نبيِّه صلي الله عليه وسلم ، فعن أنس بن مالك   أنه قال: كنتُ ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ: البسر والتمر، والفضيخ أن يصبّ عليه الماء ويتركه حتى يغلي من غير أن تمسه النار). ، فأمر رسول الله صلي الله عليه وسلم  مناديًا ينادي: “ألا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ”. قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأَهْرِقْهَا(أريقها ). فخرجتُ فهرقتها، فَجَرَتْ في سِكَكِ المدينة”(ابن ماجة والحاكم ).

ثانياً: العلاج النبوي :

 إخوة الإيمان  :” ومع نزول هذا التحريم القاطع من الله سبحانه وتعالي  جاء الحل النبوي لمشكلة إدمان الخمور، فقد استمرَّ تنفير رسول الله صلي الله عليه وسلم  لأصحابه منها، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم  لأبي الدرداء: “لا تَشْرَبِ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ”(البخاري ومسلم ). بل ولعن رسول الله صلي الله عليه وسلم كل مَنْ يقوم بصناعتها وبيعها وشُرْبها، فقال صلي الله عليه وسلم : “لَعَنَ اللهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ”(أبوداود والترمذي وابن ماجة وأحمد ). ولكن رسول الله صلي الله عليه وسلم  لم يُغلق باب التوبة أمام هؤلاء المدمنين؛ بل جعله مفتوحًا، حتى لو تكرَّر الخطأ أكثر من مرَّة؛ حيث ربط رسول الله صلي الله عليه وسلم بين التخويف من سخط الله وعقابه في الآخرة وعدم توبتهم إليه سبحانه وتعالي ، وهذه هي عظمة رسول الله صلي الله عليه وسلم  في معالجته لمثل هذه المشكلات المتجذِّرة في مجتمع ما، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : “مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَسَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدَغَةِ الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”. قالوا: يارسول الله، وما رَدَغَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ:”عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ”(أبوداود والترمذي).

كما جعلها رسول الله صلي الله عليه وسلم  وصيَّة من الوصايا التي خصَّ بها بعض أصحابه؛ وفي ذلك دلالة على تنفير الأُمَّة منها، ووقايتهم من الوقوع في شِرَاك كلِّ مسكر أو مخدِّر، فيروي أبو الدرداء أن رجلاً جاء إلى النبي صلي الله عليه وسلم  فقال:” أوصني يا رسول الله. قال: “لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ… وَلا تَشْرَبِ الْخَمْرَ…”(ابن ماجه وأحمد والحاكم).  ويؤكِّد رسول الله صلي الله عليه وسلم على مضارِّها على صحَّة الإنسان؛ فيقول للصحابي الذي سأله عن استخدام الخمر كدواء: “إِنَّهَا دَاءٌ، وَلَيْسَتْ بِدَوَاءٍ”(أحمد وابن حبان). 

أضرار الخمور والمخدرات :

عباد الله  :” ثم يُواصل رسول الله صلي الله عليه وسلم  تعليم أُمَّته مضارَّ الخمر – بطريقة أخرى – بِذِكْرِ قصص السابقين؛ حتَّى يَتَّعظ منها مَنْ كان له عقل يفكِّر، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: “اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ؛ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ، إِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ خَلاَ قَبْلَكُمْ تَعَبَّدَ، فَعَلِقَتْهُ(عشقته وأحبته )امْرَأَةٌ غَوِيَّةٌ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَتَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّا نَدْعُوكَ لِلشَّهَادَةِ. فَانْطَلَقَ مَعَ جَارِيَتِهَا، فَطَفِقَتْ كُلَّمَا دَخَلَ بَابًا أَغْلَقَتْهُ دُونَهُ، حَتَّى أَفْضَى إِلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ عِنْدَهَا غُلاَمٌ وَبَاطِيَةُ(إناء من الزجاج عظيم يُمْلأ من الشراب) خَمْرٍ، فَقَالَتْ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا دَعَوْتُكَ لِلشَّهَادَةِ، وَلَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقَعَ عَلَيَّ، أَوْ تَشْرَبَ مِنْ هَذِهِ الْخَمْرَةِ كَأْسًا، أَوْ تَقْتُلَ هَذَا الْغُلاَمَ. قَالَ: فَاسْقِينِي مِنْ هَذَا الْخَمْرِ كَأْسًا. فَسَقَتْهُ كَأْسًا، قَالَ: زِيدُونِي. فَلَمْ يَرِمْ[فلم يبرح ولم يَتْرُك]حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا، وَقَتَلَ النَّفْسَ، فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ؛ فَإِنَّهَا وَاللَّهِ لاَ يَجْتَمِعُ الإِيمَانُ وَإِدْمَانُ الْخَمْرِ إِلاَّ لَيُوشِكُ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ”(النسائي وابن حبان والبيهقي). . ورسول الله صلي الله عليه وسلم  حين يعالج مشكلة ما فإنه لا تشغله كثيرًا الأسماء بقدر ما تشغله المسمَّيَات؛ فهو حين حرَّم الخمر حرَّم كذلك كل ما تنطبق عليه صفتها من إذهاب العقل، أيًّا كان مصدر هذا الشراب؛ العنب أو التمر أو غيرهما، فعن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي صلي الله عليه وسلم  أنه قال: “كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ”(البخاري ومسلم). . وقالت أمُّ سلمة -رضي الله عنها- في حديث آخر يُبَيِّنُ أن كل أنواع المسكرات والمخدِّرات مُحَرَّمة شرعًا؛ لأنها تُهلك الفرد، وتُضْعِف المجتمع: “نَهَى رَسُولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ”(المفتر: كل شراب يورث الفتور والخدر في الأطراف).( انظر: العظيم آبادي: عون المعبود شرح سنن أبي داود 10/92).(أبو داود وأحمد). كما نجد رسول الله صلي الله عليه وسلم  يُحَرِّم كل شيء يضرُّ بصحَّة الإنسان، فيقول رسول الله صلي الله عليه وسلم :”لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ”(ابن ماجة وأحمد والحاكم ). فما ينطبق على الخمر من تحريم وعقوبات ينطبق على المخدرِّات وغيرها من السموم التي تضرُّ الإنسان. وبعدما استقرَّ التحريم، كانت التشريعات واضحةً في معاقبة مَنْ يُقْدِم على تناول المسكرات، وكان تطبيق رسول الله صلي الله عليه وسلم  لهذه التشريعات تطبيقًا رائعًا، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن النبي صلي الله عليه وسلم  ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ”(البخاري ومسلم ). وعن قَبِيصَة بن ذُؤَيْب، أنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :”مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ..”( أبوداود والنسائي وأحمد). . ولكنَّ الهدف من العقاب في نظر رسول الله صلي الله عليه وسلم هو ردع كل مَنْ تُسَوِّل له نفسه أن يُدمن المسكرات أو المخدِّرات، وليس التشفِّي أو الانتقام من صاحبها؛ فهو شخص مريض في حاجة إلى العلاج؛ لذلك عَمِل رسول الله صلي الله عليه وسلم  على تأصيل هذه المعاني في نفوس الصحابة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه  أنه قال: أُتِيَ النبيُّ صلي الله عليه وسلم  برجل قد شرب، فقال: “اضْرِبُوهُ”. فقال أبو هريرة: فمِنَّا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلمَّا انصرف قال بعض القوم: أخزاكَ الله. قال: “لا تَقُولُوا هَكَذَا، لا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ”( البخاري وأبو داود وأحمد).

هكذا عالج النبي صلي الله عليه وسلم  مشكلة المسكرات والمخدِّرات معالجة عمليَّة متدرِّجة مبنيَّة على تقوى الله أوَّلاً، والخوف من عصيانه؛ فهو الآمر بتحريم كل مسكر، ثم بِسَنِّ القوانين الرادعة التي تعالج – أيضًا – كل نفس تخرج عن السلوك السَّوِيِّ، وفي ذلك صلاح للفرد والمجتمع. هذا هو منهج رسول الله صلي الله عليه وسلم  في حلِّ مشكلات عصره ..

الحكمة من تحريم الإسلام للخمور والمسكرات :

أيها الناس : حرم الإسلام الخمر والمسكرات وما في حكمها, تحريماً باتا ًقاطعاً قليله وكثيره, وسواء أدي إلي السكر وغياب الوعي أم لم يؤد إليه, والحكمة العظيمة من وراء ذلك هي منع المسلم من مجرد تذوق الخمر أو الاقتراب منها لأن إباحة القليل ثم طلب التوقف عند حد معين أمر لا جدوى منه إذ إن الشارب يستدرج شيئا فشيئاً, وتأسره العادة, وإذا به قد انتهي إلي الإدمان الحاد المزمن وهذا ما يؤكد عظمة الإسلام في محاربة الإدمان والوقاية منه وإعجاز الثقافة الإسلامية وانتصارها علي غيرها من الثقافات الغربية التي يتباهي البعض بالأخذ منها والانتماء إليها!! ففي الإسلام تعتبر الخمر رجساً من عمل الشيطان, والقرآن الكريم يأمر المسلمين باجتنابها فقال تعالي :”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(المائدة/90).    وعلي هذا كان نصيب العالم الإسلامي من هذه المشكلة أقل كثيراً من غيره, بسبب ما يحمله الدين الإسلامي من عقيدة وثقافة وتشريع يحول دون الوقوع في براثن هذا المرض الخطير.

وإذا  نظرنا حولنا لنتعرف علي أسباب تحريم الإسلام للخمر فقد أثبتت الدراسات الطبِّيَّة الحديثة إصابة الذي يتناول الخمر بالعديد من الأمراض؛ مثل: مرض تليُّف الكبد؛ فالخمور تسبِّب تحطيمًا لخلايا الكبد، وتقوم بترسيب الدهون فيها، وكذلك تُصيب الجهاز الهضمي باضطرابات مختلفة؛ فيفقد الإنسان شهيَّته للطعام، ويُصاب بسوء التغذية ونقص الفيتامينات، كما تؤثِّر على الأعصاب، وعضلة القلب، والعناصر المكوِّنة للدم  أما في الغرب فقد تضخمت هذه المشكلة في القرن الأخير, وظلت تتفاقم وتتفاقم معها مشكلات عديدة ناتجة عنها, كالاعتداء علي الأشخاص, والإخلال بالآداب, وهتك العرض, والقتل, حتى أصبحت واحدة من أخطر المشكلات الاجتماعية والصحية.

ومعني هذا أن القضاء علي الإدمان يخفض معدلات هذه الضروب من الجريمة بهذه النسب الكبيرة, لهذا كانت نظرة الإسلام إلي الخمر من جانبين, وتحريمه للشرب لهدفين:

فالخمر تذهب العقل, وإذا ذهب العقل عجز الإنسان عن التحكم في غرائزه ودوافعه, وانتهك النظم والشرائع والقوانين لذلك كان تحريم شرب الخمر لذاته, وكان أيضا بمثابة تدبير وقائي ضد جرائم أخري, كما أن الجلد ـ كحد لشرب الخمر ـ عقوبة وتدبير وقائي في الوقت نفسه.

هذا بالإضافة إلي أن المدمن يشكل عبئاً ثقيلاً علي أسرته وعلي مجتمعه فالإدمان يؤدي إلي تدهور الشخصية, والاختلال العقلي, وتدهور السلوك الخلقي كذلك قد تتعطل قدرة المدمن علي أداء وظيفته بسبب كثرة النسيان وبطء الفهم وانعدام الفكر, وقصر مدي الانتباه, وتتبدد طموح المريض ويفتقد اهتمامه بمساعدة نفسه ويطلب من أسرته أن تعوله ثم سرعان ما يصبح شخصا غير مسئول لا يعتمد عليه.

وتعظم مصيبة هذه الكارثة عندما يقع فيها الأطفال في الصغر, فإذا ما نشأ الأطفال علي تعاطي المخدرات, فإن إدمانهم لها في شبابهم ورجولتهم يصبح شبه مؤكد, كما أن خطورة هذه الظاهرة علي الصحة والأمن القومي له عواقب وخيمة وأثار سيئة ..

الخطبة الثانية :

الحمد لله  رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين وبعد فياإخوة الإسلام :

 

 وإذا كان الإسلام قد وقف موقفاً حازماً تجاه هذه الجريمة حفاظاً علي أبنائه .إلآ أنه لم يسلم أبناؤه من تلك الشرور والآثام  ..ففي هذه الأيام تتعرض الأمتين الإسلامية والعربية لكثير من المؤثرات والحروب الخفية والعلنية ، ومن ذلك دعوات التشكك والغزو الثقافي ، وحملات التحريض والوقيعة بين أبناء الأمة الواحدة ورفاق السلاح ، بحيث يوجه السلاح إلى صدور بعضنا البعض بدلا من أن يوجه إلى قلب العدو الحقيقي للإسلام وللعروبة ، ولذلك نجد أن الدماء المسلمة تراق بأيدي مسلمة أيضا ، وتلك مأساة العصر .

ومن بين هذه الحملات التي تستهدف النيل من كيان المجتمع الإسلامي تصدير كميات كبيرة من المخدرات والكحول إليه ، وما إليها من سموم بيضاء تقتل من يتعاطاها سريعا أو بطيئا .تعاطيها يؤدي إلى هدم الصحة وذهاب العقل وفقدان الوظيفة وانحطاط الكرامة وتفكك الأسرة والفقر والإفلاس وبالتالي تؤدي بصاحبها إلى ارتكاب الجريمة والانحراف، فهناك كثير من الجرائم التي يرتكبها أصحابها بسبب تورطهم في إدمان الخمور أو المخدرات حيث تعجز إمكاناتهم المالية من سد عادتهم المرضية السيئة فيلجئون إلى السرقة والاختلاس أو السلب أو النهب أو التزوير أو إعلان إفلاس تجارتهم وبيع ما يمتلكون. ولذلك تسارع أسرهم بفرض الحجر عليهم لمنعهم من التصرف في أملاكهم تصرفا سيئا .

والمعروف أن الدخل العادي للفرد يصبح غير كاف في حالة التورط من الإدمان، يضاف إلى ذلك أن هذا الدخل يأخذ في التضاؤل والنقصان بتدهور حالة المريض يوما بعد يوم حتى ينتهي به الحال إلى التسكع والتشرد والبطالة وكلها جرائم يعاقب عليها القانون . وبدلا من أن يكون الفرد قوة إنتاجية تضيف الخير للمجتمع ، يصبح عالة عليه .

 

الآثار الاقتصادية لتعاطي المخدرات

أيها الناس :المخدرات تفتك بالمال، مال الفرد ومال الأمة فهي تخرب البيوت العامرة وتيتم الأطفال، وتجعلهم يعيشون عيشة الفقر والشقاء والحرمان، فالمخدرات تذهب بأموال شاربها سفها بغير علم إلى خزائن الذئاب من تجار السوء والعصابات العالمية والفرد الذي يقبل على المخدر يضطر إلى استقطاع جانب كبير من دخله لشراء المخدر، وعليه تسوء أحواله المالية ويفقد الفرد ماله الذي وهبه الله إياه .

ومن الأضرار الاقتصادية أنها تجعل الأفراد قليلي الإنتاج فتخسر الدولة جزءاً من خيرة شبابها الذين تنتهي رحلتهم سريعاً مع الإدمان إما بالجنون أو الوفاة ، وهذه خسارة كبرى وضرر فادح بالاقتصاد الوطني ، يتحمل سوء تبعاته الأمة جمعاء ، ويؤدي بها لا محالة إلى التلف والضعف والإعياء .

الآثار السياسية لتعاطي المخدرات

عباد الله :”إن أخطار المخدرات وتعاطيها يزداد يوماً بعد يوم، لدرجة أن أصبحت مواجهة هذه الأخطار معركة حقيقية وشرسة نخوضها مع تجار هذه السموم التي أصبحت على قدر بالغ من القوة والثراء، وتديرها منظمات وشخصيات كبرى ، والأمر بذلك لم يعد مقتصراً على أشخاص فرادى، بل أن هناك منظمات دولية بات خطرها على الصعيد السياسي أمر واضح وخطير، فهناك دولاً بعينها وراء هذا التورط المتزايد في عالم المخدرات، وان هذا التنظيم الدولي يستخدم المخدرات كسلاح من أسلحة الحرب ضد الشعوب المستهدفة، وأنه يرمي إلى زرع الوهن والضعف بين شباب الأمة المستهدفة، والذي سيفقد مع المخدرات كل إرادته وعنفوانه ويستسلم للاضمحلال والتفكك وهو ما تحققه المخدرات أكثر من أي سلاح آخر .

وقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الصهيونية العالمية من أخطر هذه المنظمات فمن خلال مالها من أياد مدمرة في أنحاء العالم وقنوات تحميها ومنافذ وعملاء روجت المخدرات وخاصة في دول العالم الإسلامي بهدف القضاء على ثروة هذه البلاد ، المتمثلة في شبابها الواعد حتى يتم الانحلال الخلقي فيها ، وتشيع الفاحشة ويصبح الشباب في خواء روحي وعقائدي ، ويصبح خائر القوى غير مؤثر في الحاضر، عديم التأثير في المستقبل وبذلك تسلب قوى الأمة وتصبح عديمة القيمة ، تابعة لا متبوعة مقوده لا قائد ه وتكون نهايتها الهلاك المحتوم.. 

أثر الإدمان علي العلاقات الأسرية :

    عباد الله :” إن من أهم المشكلات الاجتماعية المسببة للإدمان كثرة الخلافات الأسرية والطلاق وتشرد الأبناء، وأن الإدمان يؤدي إلى تزايد حوادث العنف والاغتصاب والسرقة والقتل والانتحار، بالإضافة إلى كثرة المخالفات القانونية وانتهاك القانون، وأن الإحصاءات تشير إلى أن إدمان المخدرات أدى إلى تزايد جرائم الاغتصاب   بالإضافة إلى عدد كبير  من حوادث العنف .. فقد أظهرت الأبحاث العلمية أن 85% من قضايا الطلاق وعدم الاستقرار العائلي ناجمة عن المخدرات. و على سبيل المثال وليس الحصر لو تعرضنا لبعض الجرائم البشعة التي يندى لها الجبين وتهتز لها القلوب وترفضها كل الأعراف، والتي قام بها مدمنون في حق ذويهم وأنفسهم من قبلهم ما كفانا حصر .

فكثير من الجرائم كان ورائها مدمنين، فمن إقدام مدمن على اغتصاب ابنته في نهار رمضان، وهو تحت تأثير المادة المخدرة، دون أن يكترث لتوسلاتها أو دموعها، بينما قام مدمن آخر بقتل ابنه الصغير، وببساطة انطلق بسيارته وألقى بجثته في الطريق، كما اضطر أحد المدمنين لتقديم ابنته لمروج المخدرات في سبيل الحصول على جرعة صغيرة من الهيروين.

اغتصاب الموتي:

إخوة الإيمان والإسلام :وتحت تأثير المخدرات قام شاب باغتصاب جثث سيدات، فبعد أن كان طالباً جامعياً مستقيماً يلقبه زملاؤه بالعذراء بسبب خجله وحيائه الشديدين. تحول الشاب الخجول إلى كارثة انتبه إليها الأب عندما ضبطه يحاول اغتصاب قبلة من الخادمة، وبسؤاله علم أنه تحول إلى مدمن بفضل صديقه في كلية الآداب الذي قدم إليه أول سيجارة محشوة تساعده على التخلص من حيائه. ومن يومها تحول الخجول إلى وحش لم يكتف بتدخين البانجو فسقط في بئر إدمان الهيروين، ولم يقنع بتقبيل الخادمة فقام باغتصابها، وكانت فضيحة أسكتها والده بتعويض والدة الخادمة بعشرين ألف جنيه لإنقاذ ابنه من السجن. بسبب صديقه المجرم  وصدق الرسول صلي الله عليه وسلم  حين يقرر أن :”المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخَالِل.(أبوداود والترمذي).

ويواصل الشاب مشواره في طريق الضلال فجرب مواقعة الساقطات في الطرقات، وتحول إلى الشذوذ الجنسي فكان يبيع جسده للشواذ مقابل شمة هيرويين، وفوجئ الأب بفصل ابنه من الكلية فأسرع لإنقاذه وعنفه، ووعده الابن بالاستقامة حتى اطمأن إلى وعوده الخادعة ، لكنه فوجىء بهروبه من المنزل بعد أن افترسه الإدمان، وعلم أنه اتخذ من مقابر البساتين وكرا لإدمانه وشذوذه، فقد قرر الشاب ممارسة متعة جديدة وأتى بفعلة لا يصدقها عقل، فما إن فرغ المشيعون من دفن جثة فتاة صغيرة ماتت بالسكتة القلبية حتى انقض على المقبرة وفتحها دون خوف ولا خجل واخذ يمارس الجنس مع الجثة التي جردها من الكفن.

وأدمن الشاب انتهاك حرمات الموتى في الظلام الدامس حتى شك قريب أحد الموتى أن قبر ابنته تم نبشه، وبالفعل فتح الرجل القبر ليشاهد جثة ابنته التي دفنها بالأمس قد انتهكت،. فقرر فورا عمل كمين حتى يشاهد الملعون الذي لا يراعي حرمة الموتى. وبالفعل تم الايقاع به بعد أن شاهده أهالي الموتى الإناث اللاتي توفين حديثا، وانقضوا عليه ليشبعوه ضربا وركلا حتى كاد يلفظ أنفاسه بين أيديهم، لولا تدخل رجال الشرطة الذين قادوه إلى قسم الشرطة وهناك تم اتهامه بانتهاك حرمة الموتى وتم إيداعه السجن ..

اللهم عافنا واعفو عنا وباعد  بيننا وبينا المعاصي كما باعدت بين المشرق والمغرب ..واحفظ أولادنا وبناتنا ومصرنا من كل مكروه وسوء يارب العالمين ..




خطبة بعنوان: “ظاهرة الإدمان وعلاجها في الإسلام”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 22 من شعبان 1438هـ – 19 مايو 2017م

خطبة بعنوان: “ظاهرة الإدمان وعلاجها في الإسلام”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 22 من شعبان 1438هـ – 19 مايو 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: دعوة الإسلام إلى الحفاظ على العقل

العنصر الثاني: أسباب انتشار الإدمان والمخدرات

العنصر الثالث: أضرار وآثار الإدمان على الفرد والمجتمع

العنصر الرابع: علاج ظاهرة الإدمان

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: دعوة الإسلام إلى الحفاظ على العقل

خلق الله الإنسان في هذا الكون ليعمره ويكون خليفة في الأرض؛ ووهبه الله نعما كثيرة لا تعد ولا تحصى؛ وأمره أن يقوم عليها ويرعاها ويحفظها ولا يعتدي عليها بأي أنواع الاعتداء؛ ومن أجل وأعظم هذه النعم نعمة العقل؛ ومن المعلوم أن عقل الإنسان ليس ملكًا له على وجه الحقيقة، وإنما هو بمثابة الوديعة أو العارية عنده، لأنها ملك خالقها وهو الله جل جلاله، وليس من حق الإنسان وهو بمثابة الوديع أو المستعير إتلاف ما استودعه الله إلا إذا أذِن له الله تعالى بذلك كما في الجهاد.

 إن العقل أحد الضرورات الخمس التي أوجب الشارع حفظها؛ يقول الإمام الشاطبي في الموافقات: ” ومجموع الضرورات خمس هي: حفظ الدين ، والنفس ، والنسل ، والمال، والعقل، هذه الضرورات إن فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة ، بل على فساد وتهارج ، وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعمة، والرجوع بالخسران المبين.”

فالعقل من أعظم الفروق بين الإنسان والحيوان ، وهو مناط التكليف ، فالإنسان لا يكلف حتى يبلغ الحلم ، ويكون عقله ثابتاً ، ولهذا فالمجنون لا ترتبط به التكاليف ولا تناط به ، بل يرفع عنه القلم حتى يعود إليه عقله ، عَنْ عَلِيِّ بن أبي طالب رضي الله عنه : عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ : عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ ” [ البخاري ] .

إذاً فلا يجوز بحالٍ تعاط المخدرات والمسكرات والخمور والحبوب والمخدرة والمنشطة بشتى أنواعها وأشكالها لأنها تُذهب العقل وتزيله ، وتجعل المتعاط معرضاً للخطر في كل لحظة ، بل قد تعرض الآمنين من المسلمين لخطر السكران والمخمور .

إن شكر النعمة استخدامها فيما خلقت له؛ وكفران النعمة استخدامها في الهلاك والدمار والاعتداء عليها؛ فالعقل نعمة فإذا استخدمته في طاعة وحافظت عليه فقد شكرت النعمة وأديت حقها؛ فبذلك تنال الرحمة والمغفرة!! أما إذا استخدمته في معصية وأسرفت فيه؛ وتعديت عليه بالمسكرات؛ فقد ظلمت نفسك وكفرت بالنعمة ولم تؤد حقها فبذلك دخلت في دائرة الظلم والكفران!! فالأمر في ذلك منوط بعمل الإنسان!! وقس على ذلك بقية النعم من المال والتكنولوجيات الحديثة من النت والدش والفيس بوك والمحمول والبلوتوث وغير ذلك!!!

عباد الله: أسوق لكم قصة مثالية لسلفنا الصالح ومدى حرصهم على طاعة الله وذكره في أشد المحن والأوقات؛ قال ابنُ أبي الدنيا في كتابه “الأمراض والكفارات”  أن عروة بن الزبير لما وقَعَت الأَكَلَة في رِجْلِهِ ، فقيل له : ألا ندعو لك طبيباً ؟ قال : إن شئتم  . فجاء الطبيب ، فقال : أسقيك شراباً يزول فيه عقلك ؟ فقال : امضِ لشأنك ، ما ظننتُ أنَّ خلقاً شرب شراباً يزول فيه عقْله حتى لا يعرف ربّه  .قال : فوضع المنشار على ركبته اليسرى ، ونحن حوله ، فما سمعنا حساً .فلما قطعها جعل يقول : لئن أخذت لقد أبقيت ، ولئن ابتليت لقد عافيت .قال : وما تَرَكَ جُزأه بالقرآن تلك الليلة .” أ . ه؛  وانظر القصة كاملة في وفيات الأعيان والبداية والنهاية وصفة الصفوة وغيرها .

فانظر كيف أبَى أن يعطل عقله عن الذكر والدعاء والتسبيح – مع أن الضرورة أباحت له المخدر – فكيف بنا نعمد إلى تعاطي المخدرات والمسكرات ونعتدي على العقل بلا حاجة أو ضرورة؟!!

عباد الله: شرب الخمور والمخدرات ، وتعاطي المسكرات وانتشار المنومات علامة ظاهرة من علامات قرب الساعة ، والأدهى من ذلك استحلال بعض الناس لها، نعم لقد استحلها بعض المسلمين اليوم ولا يبالون بالتحريم والتحذير منها عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ : ” أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا ” [ متفق عليه ] . وعن أَبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:” لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا ” [أحمد وابن ماجة بسند صحيح] . فقد أطلقوا اليوم على الخمر أسماءً متعددة من باب التغطية ، فكما جاء في الحديث يسمونها بغير اسمها ، فسموها المشروبات الروحية ، والبيرة ، ومشروب الشعير ، والمقويات ، والمسهرات ، وغير ذلك من الأسماء ، وفي الحقيقة هي المدمرات!!!

لذلك كانت الخمر والمخدرات مفتاح كل شر؛ وهذه قصة تؤيد مصداقية حديث النبي صلى الله عليه وسلم في أن الخمر سبب لكل شر ، ومفتاح لكل سوء ، فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه أن عثمان بن عفان خطب الناس فقال : اجتنبوا الخمر ، فإنها أم الخبائث ، إن رجلاً ممن كان قبلكم ، كان يتعبد ويعتزل النساء ، فعلقته امرأة غاوية ، فأرسلت إليه أني أريد أن أشهدك بشهادة ، فانطلق مع جاريتها ، فجعل كلما دخل باباً أغلقته دونه ، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة ، وعندها باطية فيها خمر ، فقالت : إني والله ما دعوتك لشهادة ، ولكن دعوتك لتقع علي ، أو لتشرب من هذا الخمر كأساً ، أو لتقتل هذا الغلام ، وإلا صحت بك وفضحتك ، فلما أن رأى أن ليس بد من بعض ما قالت ، قال : اسقيني من هذا الخمر كأساً ـ ففي ظنه أن الخمر أهونها مصيبة ، وأقلها ضرراً ـ فسقته ، فقال : زيديني كأساً ، فشرب فسكر ، فقتل الغلام ، ووقع على المرأة ، فاجتنبوا الخمر ، فوالله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر في قلب رجل إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه “. فانظروا عاقبة شرب الخمر ، أوقعت في قتل النفس المعصومة ، وتسببت في الوقوع في الفاحشة والرذيلة ، فيالها من عاقبة وخيمة ، ونهاية مؤلمة لمن ألف الخمر وشربها ، والمخدرات وتعاطيها .

العنصر الثاني: أسباب انتشار الإدمان والمخدرات

 انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة الإدمان والمخدرات وذلك لأسبابٍ عديدةٍ؛ وهذه الأسباب  منها ما يعود إلى المجتمع؛ ومنها ما يعود إلى الأسرة؛ ومنها ما يعود إلى المتعاطي نفسه.

* أما الأسباب التي تعود إلى المجتمع فهي:

1- غياب القيم الأخلاقية الإسلامية.                     2- وجود الفراغ الروحي “الغفلة عن الصلة بالله” في المجتمع بصفة عامة.

3- عدم توافر الوعي الاجتماعي الكامل بالأضرار الناتجة عن تعاطي المخدرات.

4- انتشار المخدرات في المجتمع المحيط بالشباب.                      5- غياب جماعة الرفاق الصالحين.

6- ضعف الوعي الديني والتوعية لدى أفراد المجتمع.                  7 – التقليد الأعمى للغرب.

*أما الأسباب الأسرية فهي:

1- عدم وعي الأسرة بخطورة تعاطي المخدرات، وتقصير الأسرة في التحذير منها.

2- وجود الخلافات العائلية والتفكك الأسري.                   3- انشغال الأب بأعمال كثيرة خارج المنزل ولفترات طويلة.

* أما عن الأسباب المتعلقة بالمتعاطي نفسه فكانت أهمها:

1- الرغبة لدى المتعاطي في اقتحام سور الممنوع.                2- عدم الاستغلال الأمثل لوقت الفراغ في ما يفيد الفرد ومجتمعه.

3- التخلف الدراسي وكثرة الرسوب عند الفرد.                 

4- وجود الاضطرابات النفسية ومسببات القلق النفسي.

5- مصاحبة رفاق السوء في كثير من الأماكن العامة والخاصة.

هذه هي أسباب شرب الخمور والمخدرات عند الأفراد والأسر والمجتمعات؛ ومن خلالها يمكن معرفة العلاج؛ وبضدها تتميز الأشياء!!

العنصر الثالث: أضرار وآثار الإدمان على الفرد والمجتمع

لا يخفى على أدنى عاقل ما تحدثه ظاهرة الإدمان من أضرار جسيمة على الفرد والمجتمع ، وقد ذكر العلماء والباحثون قديماً وحديثاً أضراراً كثيرة لهذه المواد المدمنة، بل أفردها بعضهم بالتصنيف .

ولهذا قال ابن حجر الهيتمي – بعد أن ذكر الحشيشة والمخدرات –  : ” وفي أكلها مائة وعشرون مضرة دينية ودنيوية ”   ثم ذكر بعض مضارها . وأعتذر لحضراتكم عن طول هذا العنصر وذلك لاشتماله على أضرارٍ لمجالات دينية واجتماعية واقتصادية وصحية متنوعة؛ حتى تكتمل الفكرة !!! ويمكن أن نقسم أضرار المخدرات إلى عدة أقسام :-

أولاً : الأضرار الدينية:

وتتمثل الأضرار الدينية في عدة جوانب دنيوية وأخروية منها:

 الصد عن ذكر الله وعبادته :  قال تعالى:{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ } (المائدة:91). والمدمن الذي تعلق قلبه بالمخدرات من أبعد الناس عن الاستجابة لأمر الله ، ومن أغفلهم عن ذكر الله .

ومنها: عدم إجابة الدعاء :  وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: ” أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ” ( أخرجه مسلم).

ومنها: السنة السيئة ، والدعوة إلى الضلالة : فمتعاط المخدرات ربما كان قدوة سيئة لغيره ، فإن كان أباً اقتدى به أولاده ، وإن كان أخاً قلده إخوانه ، وإن كان ريئساً تبعه مرؤوسيه ، وهكذا صاحب المخدرات دائماً يمثل وصمة عار لمجتمعه وأسرته وأمته، وتحمل أوزاراً وأثاماً لا طاقة له بحملها ، فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ” ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا” [أخرجهما مسلم في صحيحه]

ومنها: أنها تقتل الحياء : والحياء شعبة من شعب الإيمان ، وإذا ذهب حياء الإنسان ساء سلوكه؛ وقد روى أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ” ( رواه البخاري ).

ومنها: الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى :  فمتعاطي المخدرات والمسكرات ملعون بلعنة رسول الله، كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : لعن رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم – في الخمرِ عَشْرَةً : عاصرَها ، ومعتصرَها ، وشاربَها ، وحاملَها ، والمحمولةَ إليه ، وساقِيَها ، وبائعَها ، وآكلَ ثَمَنِها ، والمشترِي لها ، والمُشتَراةَ له (صحيح سنن الترمذي )

ومنها: أن شرب الخمور وتعاطي المخدرات سبب للعقوبات : فعَنْ جَابِرٍ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ ” قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ ؟ قَالَ : ” عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ ” [مسلم]

ثانيا: الأضرار الصحية للخمور والمخدرات :

هناك العديد من الأضرار الصحية التي تسببها المخدرات ، والخمور والمسكرات ، وهاكم شيئاً منها :

تسبب مرض السل ؛ تفسد المعدة ؛ تفقد الشهية للطعام ؛ تسبب جحوظ العينين ؛ تسبب في إسراع الهرم ؛ تعوق دورة الدم ، وقد توقفها أحياناً ، فيموت السكران ؛ وبالنسبة للنساء يكون أطفالهن معوقين في الغالب ، ومنهم من يموت في بطن أمه بسبب السموم التي تنتقل إليه . كما أنها تضعف القدرة العقلية ، حيث ينتهي تعاطيها إلى الجنون ؛ كما تضعف المناعة لدى الجسم ، مما يجعله عرضة للأمراض ، وخصوصاً الفتاكة ؛ كما تسبب تليف خلايا الدماغ ؛ وتسبب هبوط القلب ؛ والتهاب الكبد وتليفه ؛ وتعطل وظائف الكلى ، وتسبب الفشل الكلوي ؛  وسرطان الرئة ؛ كما تؤثر القات تأثيراً كبيراً ، فيحطم الأضراس ، ويهيج البواسير .

وقد دُعي أحد الأطباء لإلقاء محاضرة في مركز للمدمنين عن أضرار الخمر فأحضر معه حوضان زجاجيان: ‏الأول فيه ماء، والثاني فيه خمر ووضع دودة في ‏الماء فسبحت، ثم وضعها في الخمر ‏فتحللت وذابت حينها نظر إلى المدمنين سائلاً: هل وصلت الرسالة ؟!فكان الجواب نعم!

ثالثا: الأضرار النفسية والعقلية :-

تورث الخمور والمخدرات كثيرا من الأضرار النفسية والعقلية منها: القلق والاكتئاب؛ والتوتر العصبي والنفسي؛ والهلاوس السمعية والبصرية والحسية كسماع أصوات أو رؤية أشباح لا وجود لها؛ كما أنها تولد البلادة أو ضعف الإدراك والتركيز ، واضطراب الذاكرة وكثرة النسيان ، وقد يصاب المدمن في بعض الحالات بفقدان الذاكرة أو الجنون؛ وضعف الاستجابة للمؤثرات الخارجية؛ وسوء تقدير الزمان والمكان وتقدير المسافات والسرعة؛ والانطواء والعزلة ، والشعور بالإحباط؛ وانفصام الشخصية .

وقد سجلت حوادث كثيرة  بسبب تأثير المخدرات على العقل والإدراك ، نذكر فيما يلي طرفاً منها:

– دخلت فتاة جامعية إحدى المستشفيات في ولاية كاليفورنيا وهي تصرخ : إنني أخرج من جلدي الأفعى، ثم أصيبت بالجنون بعد أيام .

– شاب في أمريكا تناول المهلوسات، وكان بين مجموعة من أصدقائه فقال لهم: أن الحائط يتجه نحوي، وما كان منه إلا أن رمى نفسه من الطابق الرابع والعشرين فسقط قتيلاً!!

– شاب ألقى نفسه تحت عجلات القطار؛ فلما أنقذه الناس من تحت عجلات القطار قال: لقد أصبحت شخصين نتحدث إلى بعضنا البعض، وقذفني نصفي الثاني تحت عجلات القطار!!

– ألقت سيدة مدمنة بطفلتها الرضيعة على الأرض، بسبب ظنها أن الطفلة تحولت إلى قطة تمتص ثديها!!

وغير ذلك كثير من الحوادث التي كانت بسبب الخمر والمخدرات!! {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} ( هود: 101)

رابعاً : الأضرار الاجتماعية

هناك عدة أضرار اجتماعية للخمر والمخدرات منها:

هتك أعراض البيوت : فكم أوقعت المخدرات من أسر في بحار الفضيحة والعار ، وكم هتكت للبيوت من أستار ، يحتاج الأب لمخدر فيبيع بيته ، وسيارته ، وأثاثه ، ثم يفتقر ، فلا يجد شيئاً يبيعه غير عرض زوجته أو ابنته ، هكذا هي الوقائع والأحداث اليوم والتي تجري على مسرح الحياة الحقيقية ، فهي مصائب ومفتن ومحن ، وبلاياً ورزاياً حطت على الأمة ، بسبب المخدرات!!

فالخمور والمسكرات والمخدرات ، تفسد العقل ولقد رأى أبو بكر الصديق رجلا يبول في فم رجلٍ آخر وهو يقول له : زدني ، زدني! وروى القرطبي رحمه الله في تفسيره : أن أحد السكارى جعل يبول ، ويأخذ بوله بيديه ليغسل به وجهه وهو يقول : اللهم اجعلني من التوابين ، واجعلني من المتطهرين!!

ولما سُئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه : هل شربت الخمر في الجاهلية ؟ قال : أعوذ بالله ! فقيل له : ولِمَ ؟ قال : كنت أصون عرضي ، وأحفظ مروءتي ، فإن من شرب الخمر كان مضيعاً في عرضه ومروءته ، وصدق رضي الله عنه ، فكم هي الأعراض التي أنتهكت وبيعت بسبب شربة خمر ، أو جرعة هروين ، أو حبة مخدر!!!

ومنها : تشريد الأبناء وتفكك الأسرة :  فكم من أسر تدهورت أحوالها ، وانقلبت رأساً على عقب ، فتبدلت الفرحة إلى حزن ، والألفة إلى نفرة ، والمحبة إلى عداوة ، مل ذلك بسبب تعاط المخدرات ، واستعمال الحشيش والقات ، وغيرها من أنواع السموم المحرمات ، كم من أسرة عم الخراب جدرانها ، ومزق التوتر أهلها ، وتفرق أبناؤها ، وتشتت بناتها ، فهرب الأبناء من الأب المدمن ، وهجرت الزوجة فراش المجرم ، ترك الأبناء بيتهم نجاة من أبيهم ، فوقعوا ضحية أصحاب السوء ، وأهل الفساد ، وتلقفتهم أيدي العابثين بالأعراض ، وضاعت الأم بسبب عدم تحملها لأعباء الأسرة ، وكثرة المشاكل والقلاقل ، فكانت ضحية هي الأخرى .

ومنها: كثرة حالات الطلاق : فإن كثيراً من حالات الطلاق وقعت نتيجة لعدم قيام المدمن بحقوق زوجته وأولاده ، أو نتيجة للخلافات التي تحدث بين الزوجين بسبب الإدمان وآثاره .

ومنها: فساد المجتمع وضعفه : فالمدمن عنصر فاسدٌ في نفسه ، مفسدٌ لغيره من أفراد المجتمع ، وإذا كثر المدمنون في المجتمع هدمت مقوماته ، وخارت قواه ، ودب فيه الوهن والضعف ، مما يجعله فريسة سهلة لأعدائه ؛ كما يؤدي إلى انطفاء نار الغيرة على العرض في قلب المدمن؛ فإن المدمن قد يلجأ – وهو يلهث وراء جرعة المخدر – إلى المتاجرة بعرضه للحصول على المخدر ، وكم وقع من حوادث الدياثة والمتاجرة بأعراض البنات والأخوات ما يندى له جبين المؤمن ، والله المستعان .

خامساً : الأضرار الأمنية  وهذه الأضرار وإن كانت تدخل ضمن الأضرار الاجتماعية ، إلا أننا نفردها لأهميتها ، فمنها :

زعزعة الأمن : فالسكران والمخمور ومتعاط المخدرات يسبب الذعر بين صفوف الناس ، فيتهور في قيادته لسيارته ، ويتهور في مشاجرته مع الآخرين ، فقد يقتل بريئاً بسبب فقده لعقله ، وقد يسبب إرباكاً أثناء قيادته ، فقد تتصادم عدد من السيارات بسبب قيادته الهوجاء ، إضافة إلى ما يسببه السكران والمخمور من تعد على الآخرين ، بقول أو فعل ، أو يخرج من بيته فيبلغ عنه أهله ، خوفاً من ضرره .

ومنها: وقوع الجرائم و انتشارها : فالمخدرات من الأسباب الرئيسية لوقوع الجرائم الأخرى في المجتمع ، فقد أثبتت الدراسات التي أجريت على بعض المتعاطين العلاقة الوثيقة بين الإدمان والجريمة ، كما أثبتت الدراسات أن المخدرات كانت وراء كثير من جرائم القتل والاغتصاب والسرقة والسطو وقطع الطريق ؛ كما أن هناك جرائم أخرى ترتبط بهذه الجريمة كالتزوير وتزييف العملة والرشوة وغسيل الأموال وغيرها.

ومنها: كثرة الحوادث المرورية : فإن نسبة كبيرة من الحوادث تقع بسبب تعاطي المخدرات والمسكرات ، مما يؤثر على أمن وسلامة الناس في الطرقات ، وفي دراسة أجريت بفرنسا تبين أن 90% من حوادث السيارات تنجم عن تعاطي الخمور .

ومنها: تعرض رجال الأمن للخطر : تنتهج عصابات التهريب سلوكاً عدوانياً ، وتستميت في مقاومة رجال الأمن هرباً من العقوبة، وقد شهدت الساحة مواجهات دامية بين هذه الشرذمة وبين رجال الأمن الذين يقدمون أرواحهم في سبيل المحافظة على أمن المجتمع واستقراره.

سادساً: الأضرار الاقتصادية

تشكل تجارة المخدرات والإنفاق الدولي المترتب عليها خطراً جسيماً يهدد اقتصاد العالم ، فقد أعلنت الأمم المتحدة أن الأموال التي تنفق في تجارة المخدرات تقدر بحوالي300 مليار دولار سنوياً ، ويمكن أن نقسم الأضرار الاقتصادية الناجمة عن تعاطي المخدرات إلى قسمين:-

أ ) أضرار المخدرات على دخل المتعاطي وحالة أسرته المادية :

منها: ضعف إنتاجية الفرد وقلة دخله : وذلك بسبب انهيار جسمه، واختلال تفكيره، وتعرضه للطرد من عمله مما يؤثر على دخله المادي .

ومنها:  سوء حالة الأسرة المادية : تستقطع المخدرات جزءاً كبيراً من دخل المتعاطي وهذا الأمر له أثره البالغ على نفقات أسرته ، لاسيما في الأسر الفقيرة ؛ ويا لله ، كم من أسرة باتت من الجوع طاوية ، وبطونها من الزاد خاوية ، تفترش الأرض ، وتلتحف السماء ، وربـها المدمن ينفق آلاف الدولارات على المخدرات!!

ومنها: ضعف الأداء الوظيفي : لا شك أن المخدرات قرينة الآفات، فالذين يتعاطونها لا يتورعون عن فعل أي شيء بهدف الحصول على المزيد منها لإشباع عادتهم، وتوضح الدراسات أن متعاطي المخدرات أقل إنتاجية بمقدار الثلث، ونسبة حوادثهم الوظيفية ثلاثة أضعاف، ونسبة الغياب بالنسبة لهم ضعف ما لغيرهم من الموظفين الذين لا يستعملون المخدرات ، فكم هم الذين فصلوا من أعمالهم ، وسرحوا من وظائفهم بسبب تعاطيهم للمخدرات .

ب) أضرار المخدرات على اقتصاد الدول :       

هناك أضرار اقتصادية للمخدرات تؤثر سلبا على الاقتصاد الدولي وتتمثل فيما يلي:

منها: أن الدول تنفق مبالغ ضخمة في عمليات مكافحة المخدرات ، وفي توفير الرعاية الصحية والاجتماعية للمدمنين ، وفي رعاية الموقوفين ونزلاء السجون من المتورطين في قضايا المخدرات ، هذه المبالغ لو صرفت في المشاريع النافعة لكان لها أثرها الكبير في دفع عجلة التنمية وازدهار البلاد ، ففي مصر مثلاً تبلغ الخسائر السنوية في عمليات المخدرات حوالي مليار ونصف مليار جنيه سنوياً.

ومنها:  انخفاض الناتج القومي نظراً لضعف إنتاجية العاملين بسبب التغيب عن العمل ، أو التكاسل ، أو التعرض للإصابة والحوادث .

ومنها: أن زراعة المخدرات تؤثر تأثيراً بالغاً على الزراعات المشروعة .

ومنها: الأعباء الاقتصادية المترتبة على تلف السيارات والممتلكات بسبب حوادث المرور ، إضافة إلى التلف الذي يلحق الممتلكات العامة والخاصة بسبب سلوك المدمن العدواني ، مما يشكل عبئاً اقتصادياً على الأفراد والدول .

أيها المسلمون: شرب الخمور والمخدرات كبيرة من كبائر الذنوب .. فهي أم الخبائث .. ومفتاح كل شر .. تغتال العقل .. تستنزف المال .. كريهة المذاق .. رجس من عمل الشيطان ؛ توقع العداوة والبغضاء بين الناس .. وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، تدعو إلى الزنا ، وربما دعت إلى الوقوع على البنت والأخت وذوات المحارم، المخدرات تذهب الغيرة وتورث الخزي والندامة والفضيحة .. وتلحق شاربها بأنقص نوع الإنسان وهم المجانين .. تهتك الأستار .. تظهر الأسرار .. تهوِّن ارتكاب القبائح والمآثم .. تخرج من القلب تعظيم المحارم .. ومدمنها كعابد صنم .المخدرات : كم هيجت من حرب ؟.. وأفقرت من غني ؟.. وذلت من عزيز؟.. ووضعت من شريف ؟.. وسلبت من نعمة؟.. وجلبت من نقمة ؟.. وكم فرقت الخمور والمخدرات بين رجل وزوجته ؟.. فذهبت بقلبه وراحت بلبّه . وكم أورثت من حسرة أو جرّت من عبرة ؟.. وكم أغلقت الخمور والمخدرات في وجه شاربها باباً من الخير ، وفتحت له باباً من الشر ؟ المخدرات كم أوقعت في بلية وعجّلت من منية ؟ المخدرات كم جرّت على شاربها من محنة ، وأدخلته في فتنة ؟ فهي جماع الإثم ومفتاح الشر ، وسلاّبة النعم ، وجلاَّبة النقم!!

 العنصر الرابع: علاج ظاهرة الإدمان

أيها المسلمون: إن علاج هذه الظاهرة يكون بتكاتف فئات المجتمع وذلك بالطرق التالية:

أولاً: الوعظ والتخويف من عقاب الله: فينبغي تذكير شارب الخمر وتخويفه من غضب الله عليه؛ وهذا ما فعله عمر بن الخطاب مع شارب الخمر؛ فقد روى ابن أبي حاتم بإسناده، عن يزيد بن الأصم، قال: ”كان رجل من أهل الشام ذا بأس، وكان يوفد إلى عمر بن الخطاب، ففقده عمر، فقال: ما فعل فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب ( أي الخمر )، فدعا عمر كاتبه، فقال: اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلام عليك، أما بعد، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ”غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير” غافر:3 ؛ ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يُقبِل بقلبه ويتوب عليه. فلما بلغ الرجل كتاب عمر، جعل يقرأه ويردده، ويقول: ”غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب” ، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي. فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع فأحسن النزع ـ أي تاب فأحسن التوبة ـ فلما بلغ عمر خبره قال: ”هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم زلّ زلة فسدّدوه ووفقوه وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه”.(رواه أبو نعيم في حلية الأولياء، وأورده القرطبي في تفسيره؛ والسيوطي في الدر المنثور )

ثانيا: فرض عقوبة رادعة لمن يتناول الخمر والمسكرات: وليكن الهدف من العقاب هو ردع كل مَنْ تُسَوِّل له نفسه أن يُدمن المسكرات أو المخدِّرات، وليس التشفِّي أو الانتقام من صاحبها؛ فهو شخص مريض في حاجة إلى العلاج؛ لذلك عَمِل رسول الله  على تأصيل هذه المعاني في نفوس الصحابة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ” أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ ، قَالَ : اضْرِبُوهُ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : أَخْزَاكَ اللَّهُ ، قَالَ : لَا تَقُولُوا هَكَذَا ، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ ” ( البخاري)

ثالثا: تكثيف الرقابة الأمنية من جهة الدولة وذلك بضبط المتلبسين بهذه الجريمة ومحاسبتهم.

رابعا: كثرة التوعية والندوات؛ وذلك عن طريق الإعلام المرئي والمسموع والمقروء ومراكز الشباب والخطب والدروس والمحاضرات وجميع وسائل الاتصال الحديثة؛ تهدف إلى توضيح مخاطر الخمر والمخدرات على المستوى الثقافي والديني والاجتماعي والاقتصادي.

خامسا: التنشئة الأسرية: وذلك بتربية النشء على القيم والمبادئ الإسلامية لأن الأبوين هما المسئولان عنهم، وبين ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله:” كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ” ( متفق عليه) .

سادسا: تخير الصحبة الصالحة: لأن الصاحب ساحب والقرين بالمقارن يقتدي. وقد حث الإسلام على صحبة الصالحين والأخيار، وحذر من صحبة الأشرار، وفي الحديث الصحيح: ” لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طعامك إلا تقي “. ( أحمد وأبو دواد والترمذي والحاكم وصححه )؛ وفي تخير الأصحاب الصالحين حماية من الوقوع في الانحراف والبعد بهم عن مزالق السوء ومهاوي الردى.

فصحبة الأخيار للقلب دواء وتزيده نشاطاً وقوى وتأخذك إلى الطاعة، وصحبة الأشرار داء وعمى تزيد القلب سقماً وتأخذك إلى المهالك.

عباد الله: إن حلَّ ظاهرة الإدمان والمخدرات وعلاجَها لا يقتصر على فئةٍ معينةٍ، وإنما يشمل جميعَ أفراد المجتمع: شباباً وأسرةً ودعاةً ومؤسساتٍ وحكومةً؛ فإذا كان الطبيب يعطى المريض جرعة متكاملة حتى يشفى من سَقمه – إن قصر فى نوع منها لا يتم شفاؤه – فكذلك علاج هذه الظاهرة يكون مع تكاتف المجتمع بجميع فئاته، فكل فئة لها دور ، وباكتمال الأدوار يرتفع البنيان، وإلا كما قيل:

ومتى يبلغ البنيان يوماً تمامَه                إذا كنت تبنى وغيرك يهدم

وفي الختام  أهمس كلمة في أذن المدمن فأقول: الله الله أيها المدمن، اتق الله ، وراقبه في حركاتك وسكناتك ، وإياك والغفلة أو التسويف ، فما قتل النفوس إلا كلمة سوف ، عجل بالتوبة ، فالباب مفتوح ، وإياك أن تغرغر الروح ، فعند ذاك لا توبة تنفع ، ولا شفيع يُسمع ، وليكن لك القدوة في الصحابة الذين امتثلوا للأمر فور نزوله في القرآن فقالوا : انتهينا ربنا ، فعَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ ، قَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} قَالَ فَدُعِيَ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنْه فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ نَادَى أَنْ لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ ، فَدُعِيَ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنْه فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ ، فَدُعِيَ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنْه فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا بَلَغَ {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} قَالَ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنْه : انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا ” [متفق عليه].

فأين أنت يا أخي من أولئك الرجال ؟!  فإياك أن يستحوذ عليك الشيطان، فيوقعك في النار ويقذفك فيها قذفاً ، فالحق بقوافل التائبين ، وانج مع الناجين ، وإياك وسوف ، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ، فاليوم حياة وغداً ممات ، ولا تدري أتكون غداً بل بعد لحظة من أهل الحياة، أم من أهل القبور؟ فاعمل ليوم البعث والنشور ، يوم تقدم على علام الغيوب .

فهذه فرصة عظيمة للإقلاع عن المسكرات والمخدرات وجميع المعاصي والموبقات ولا سيما ونحن مقبلون على شهر الخيرات والبركات !!

الدعاء؛؛؛؛؛؛؛؛                     وأقم الصلاة؛؛؛؛؛؛؛؛؛                                                        كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي




خطبة الجمعة القادمة: “الإدمان والمخدرات سم قاتل ورمضان فرصة للإقلاع عنهما وعن سائر الموبقات”بتاريخ 19 من مايو 2017م الموافق 22 من شعبان 1438هـ

خطبة الجمعة القادمة: “الإدمان والمخدرات سم قاتل ورمضان فرصة للإقلاع عنهما وعن سائر الموبقات“بتاريخ 19 من مايو 2017م الموافق 22 من شعبان 1438هـ .

 

 

 




خطبة الجمعة القادمة: “تحويل القبلة دروس وعبر”بتاريخ 12 من مايو 2017م الموافق 15 من شعبان 1438هـ

خطبة الجمعة القادمة: “تحويل القبلة دروس وعبر”بتاريخ 12 من مايو 2017م الموافق 15 من شعبان 1438هـ.

 




خطبة بعنوان: “دروس وعبر من تحويل القبلة”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 15 من شعبان 1438هـ – 12 مايو 2017م

خطبة بعنوان: “دروس وعبر من تحويل القبلة”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 15 من شعبان 1438هـ – 12 مايو 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

  عناصر الخطبة:

الدرس الأول: وسطية الأمة وشهادتها على جميع الأمم

الدرس الثاني: التسليم والانقياد المطلق

الدرس الثالث: وحدة القبلة ووحدة الأمة الإسلامية

الدرس الرابع: الابتلاء والامتحان والاختبار

الدرس الخامس: حرص المؤمن على أخيه وحب الخير له

الدرس السدس: تحويل حالنا مع الله

المقدمة:                                                            أما بعد:

عباد الله: تعالوا معنا لنقف مع حضارتكم حول الدروس المستفادة من حادث تحويل القبلة؛ وفي الحقيقة هناك دروس كثيرة ولكني اقتصرت منها على الدروس التي تمس واقعنا المعاصر والتي نحن في أشد الحاجة إليها ولا سيما في هذه الظروف الراهنة !!

الدرس الأول: وسطية الأمة وشهادتها على جميع الأمم

هذا الدرس يتمثل في قوله تعالى:{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }[ البقرة : 143]. وهنا إعجاز عددي في هذه الآية الكريمة ، فعدد آيات سورة البقرة 286 ÷ 2 = 143 ، هذا هو رقم هذه الآية ، فكأن الآية نفسَها جاءت وسطاً ، وكفى بها رسالة للأمة لتكون وسطاً في كل شئ.  والوسطية هنا تعني الأفضلية والخيرية والرفعة؛ فالأمة وسط في كل شيء، وسطية شاملة .. فهي وسط في الاعتقاد والتصور، وسط في العلاقات والارتباطات ، وسط في أنظمتها ونظمها وتشريعاتها ، وحري بالمسلمين أن يعودوا إلى وسطيتهم التي شرفهم الله بها من أول يوم ..نعم ، أمة وسطاً :  مجانبة  للغلو والتقصير ، لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم ، وقد رُي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  :” خير الأمور أوسطها”،  وقال علي ـ رضي الله عنه ـ : “عليكم بالنمط الأوسط فإليه ينزل العالي،  وإليه يرتفع النازل” .. فحري بمن تشددوا في الدين أن يعودوا إلى وسطية الإسلام . وحري بمن كفّروا المسلمين وفسّقوا المصلحين أن ينهلوا من وسطية الإسلام . 

إن هذه الوسطية أهلت هذه الأمة ومنحتها الشهادة على جميع الأمم، وهذه الشهادة قسمان: شهادة على نفسها في الدنيا، وشهادة على غيرها في الآخرة. فشهادتها على نفسها في الدنيا: أن يشهد بعضهم على بعض، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ” مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ . قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي ، مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ!!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ” ( متفق عليه واللفظ لمسلم ) ؛ فشهادة الأمة في الدنيا سبب في وجوب دخول الصالح الجنة والطالح النار. وعَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ” (مسلم) وفي راوية أخرى لمسلم عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ مَاتَ ابْنٌ لَهُ بِقُدَيْدٍ أَوْ بِعُسْفَانَ فَقَالَ يَا كُرَيْبُ انْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنْ النَّاسِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَاسٌ قَدْ اجْتَمَعُوا لَهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: تَقُولُ هُمْ أَرْبَعُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: أَخْرِجُوهُ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:” مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمْ اللَّهُ فِيهِ”، وعَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ ” قَالَ فَكَانَ مَالِكٌ إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجَنَازَةِ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ لِلْحَدِيثِ.(أحمد وأبوداود والترمذي وحسنه)، لذلك استحب العلماء تكثير الصفوف بحيث لا تقل عن ثلاثة، فلو كانوا ستة جعلنا في كل صفٍ رجلين.

 كما أن شهادة الجيران للميت شفاعة ، فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” ما من مسلمٍ يموتُ فَيَشْهَدُ لهُ أربعَةٌ أهلُ أَبْياتٍ من جِيرَانِهِ الأَدْنَيْنَ أنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ إلَّا خيرًا ؛ إلَّا قال اللهُ : قد قَبِلْتُ عِلْمَكُمْ فيهِ ، وغَفَرْتُ لهُ ما لا تعلمُونَ .” [ أحمد والبيهقي والحاكم وصححه ]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّ فُلاَنَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاَتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا ، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهاَ بِلِسَانِهَا ، قَالَ : هِيَ فِي النَّارِ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَإِنَّ فُلاَنَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاَتِهَا ، وَأَنَّهَا تَصَدَّقُ باِلأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ وَلاَ تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ؟ قَالَ : هِيَ فِي الْجَنَّةِ. [ أحمد وابن حبان والحاكم وصححه ] . على أن عدد الشهود لا يقل عن اثنين، فعن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، قُلْنَا وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ قُلْتُ: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ” ( البخاري)، فأي امرئ شهد له أربعة من المؤمنين بالخير أو ثلاثة أو اثنان، فإن الله عز وجل يدخله الجنة، أما الواحد فلم يسألوه عنه؛ لأنهم أدركوا أنه إذا لم تقبل شهادة الواحد في أمور الدنيا، في التجارات والبيع والشراء، في الأراضي، فكيف تقبل شهادة الواحد على صلاح الإنسان، ليكون أهلاً لدخول الجنة؟! ولهذا لم يسألوه صلى الله عليه وسلم عن الواحد.  لكن لا ينبغي أن نقطع لإنسان أنه من أهل الجنة، ولا نقطع لآخر أنه من أهل النار، بل إنك تعطي شهادتك وتفوض الأمر لله، فعَنْ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَ: ” أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟!! فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ”(مسلم)، وقد وقع كثير من العوام في هذا الخطأ الجسيم فيقولون: ( فلان مش هيورد على جنة ، وفلان هيروح النار حدف!!!!) وكأن معهم مفاتيح الجنة والنار يُدخلون من شاءوا ويحجبون من شاءوا !!!!

أما شهادة هذه الأمة في الآخرة فتكون على الأمم السابقة، فعَنْ  أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : هَلْ بَلَّغْتَ ؟ فَيَقُولُ : رَبِّ نَعَمْ ، فَيَقُولُ لأُمَّتِهِ : هَلْ بَلَّغَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ ، فَيُقَالُ : مَنْ يَشْهَدُ لَكَ ؟ فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ ، قَالَ : فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ سورة البقرة آية 143 ، قَال : وَالْوَسَطُ: الْعَدْلُ ” ( البخاري) فأمة محمد تشهد لنوح وغيره بأنهم بلغوا ونصحوا بموجب ما جاء في القرآن كما صرحت بذلك روايات أخرى للحديث.

أحبتي في الله: هذه رسالة لكل فرد من أفراد المجتمع أن يحسن خلقه ومعاملته مع أهله وجيرانه وأحبابه وأصدقائه وبني جنسه ليشهدوا له بصلاحه وتقواه في وقت هو أحوج إلى جنة ومغفرة مولاه. وليعلم كل منا أن ذلك بالعمل وليس بالوصية، فلا تنفعك وصيتك للناس ليشهدوا لك بصلاحك عند وفاتك، كشهادة اثنين من الموظفين لك بحسن سيرك وسلوكك لتتسلم عملك!!!! ، ولكن ما جنيته طوال عمرك من أخلاق ومعاملة ستحصده عند وفاتك، وهذا يحتاج إلى وقت طويل ليترك أثراً أطول، كما قال حكيم: السيرة الحسنة كشجرة الزيتون لا تنمو سريعاً ولكنها تعيش طويلاً ،  لأنك تموت بجسدك وروحك وتظل ذكراك باقية، وأثرك يدرُّ لك حسنات.

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه:  قد مات قوم وما ماتت فضائلهم ….. وعاش قوم وهم في الناس أموات

وقال أحمد شوقي:                     دَقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلة ٌ له:          إنَّ الحياة َ دقائقٌ وثواني

                                      فارفع لنفسك بعدَ موتكَ ذكرها     فالذكرُ للإنسان عُمرٌ ثاني

وقال آخر:                          كل الأمور تزول عنك وتنقضي      إلا الثنــــاء فإنـــــــــه لك بـــــــــــاقي

ولو أنني خيرت كل فضيــــــــلة         ما اخترت غير مكــارم الأخلاق

فانظر إلى نفسك هل أفدتها؟! هل أفدت مجتمعك؟! هل تركت أثراً صالحاً تذكر به؟!! فلنسارع جميعاً قبل أن نندم ولا ينفع الندم.

الدرس الثاني: التسليم والانقياد المطلق

فالمسلم عبد لله تعالى، يسلم بأحكامه وينقاد لأوامره بكل حب ورضا، ويستجيب لذلك، ويسارع للامتثال بكل ما أوتي من قوة وجهد، فأصل الإسلام التسليم، وخلاصة الإيمان الانقياد، وأساس المحبة الطاعة، لذا كان عنوان صدق المسلم وقوة إيمانه هو فعل ما أمر الله والاستجابة لحكمه، والامتثال لأمره في جميع الأحوال، لا يوقفه عن الامتثال والطاعة معرفة الحكمة واقتناعه بها، لأنه يعلم علم اليقين، أنه ما أمره الله تعالى بأمر ولا نهاه عن شيء، إلا كان في مصلحته سواء علم ذلك أو لم يعلمه. كما قال تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } ( الأحزاب: 36 ) هذه الطاعة، وذلك التسليم، الذي أقسم الله تعالى بنفسه على نفي الإيمان عمن لا يملكه في قوله تعالى: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما } [النساء: 65].

والصحابة الكرام ـ رضي الله عنهم ـ في أمر تحويل القبلة، أمرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتوجه في صلاتهم ناحية المسجد الأقصى فتوجهوا وانقادوا، ولبثوا على ذلك مدة سنة وبضعة شهور، فلما أُمِروا بالتوجه ناحية المسجد الحرام سارعوا وامتثلوا، بل إن بعضهم لما علم بتحويل القبلة وهم في صلاتهم، تحولوا وتوجهوا وهم ركوع إلى القبلة الجديدة، ولم ينتظروا حتى يكملوا صلاتهم.

 فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: “بَيْنَا النَّاسُ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ؛ إِذْ جَاءَ جَاءٍ فَقَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرْآنًا أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا؛ فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَةِ ” ( متفق عليه ). لقد تحولوا وهم في هيئة الركوع من قبلة بيت المقدس إلى اتجاه البيت الحرام .. لقد علمونا ـ رضي الله عنهم ـ كيف نستقبل أوامر وتعاليم الإسلام .. بهذه الثقة في النهج، وبهذه الثقة في القائد ، قادوا وسادوا وساسوا الدنيا .. يا قوم: فما بالنا نحينا أوامر الإسلام وتعاليم القرآن، وشككنا في أحكام الشريعة .. وتنسمنا فساء الغرب ، ونقبنا في مزابل الغي والضلال  .. !  إلى متى هذه الجفوة والفجوة بين المسلمين ومنهجهم ؟ وإلى متى نستجيب إلى كل أشباه الحلول ، ونرفض الحل الإسلامي؟!!! إذا كان هؤلاء تحولوا وهم ركوع فأين تحولك الآن؟!! وأين استجابتك لأوامر الرحمن؟!!!

وحيث إن آيات تحويل القبلة تتحدث عن الانقياد للمؤمنين وسفاهة اليهود وعصيانهم، فسأعقد لك مقارنة بين الفريقين في أمر الطاعة والانقياد ، قال تعالى عن المؤمنين: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (النور : 51)، وفي المقابل عصيان اليهود: { مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} ( النساء: 46)

 وهذا مثال آخر: ” أتى النبي خبر قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم ، فقام أبو بكر الصديق ، فقال وأحسن . ثم قام عمر بن الخطاب ، فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : ” اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا ههنا قاعدون ” ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ، ودعا له به .” ( سيرة ابن هشام ).

 وفي المقابل أمر موسى بني إسرائيل بدخول بيت المقدس فــ { قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (المائدة : 24).

فلتكن دائم الاستجابة والانقياد والخضوع لأوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم.

إن الصحابة من أول نداء قالوا سمعنا وأطعنا ؛ ونداءات القرآن والسنة معنا منذ أكثر من أربعة عشر قرناً !! ومع ذلك سمعنا وما أطعنا !!

فنحن نسمع نداءات النهي عن الربا والزنا والخمر والقتل والتخريب والتفجير والتكفير وجميع المنكرات ؛ فهل استجبنا لهذه النداءات؟!!

الدرس الثالث: وحدة القبلة ووحدة الأمة الإسلامية

 المسلمون في الشرق والغرب يتجهون في الصلوات الخمس اليومية، وفي فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، رغم اختلاف الألسنة والجنسيات والألوان، يجمعهم الدين الإسلامي الحنيف، وهذا ليعلم المسلم أنه لبنة في بناء كبير واحد مرصوص، وفي الحديث: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا”(متفق عليه).

فالمسلمون يتعلمون من وحدة القبلة، وحدة الأمة في الهدف والغاية، وأن الوحدة والاتحاد ضرورة في كل شئون حياتهم الدينية والدنيوية. وهذا الذي حمل اليهود على حقدهم وحسدهم للوحدة الإسلامية في بلادنا، وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم بذلك حيث قال: ” إِنَّهُمْ لَا يَحْسُدُونَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَا عَلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا ، وَعَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا ، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الْإِمَامِ آمِينَ ” ( أحمد بسند حسن).

 وتدبرت في هذه الثلاث فوجدت العلة واحدة وهي ( الوحدة والاجتماع في كل ) وهذا بلا شك يغضبهم ويحزنهم ويسوءهم.

وهذا ما سلكه اليهود مع الرسول في المدينة، حيث جمع الله به شتات المؤمنين، ووحدهم بعد تفرقهم امتثالا لقوله تعالى:{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ( آل عمران : 103)

قال الحافظ  ابن كثير في تفسيره : “أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلا من اليهود مَرَّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هُمْ عليه من الاتفاق والألْفَة، فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بُعَاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبُه حتى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجعل يُسكِّنهم ويقول: “أبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وأَنَا بَيْنَ أظْهُرِكُمْ؟” وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح، رضي الله عنهم.”أ.ه

  وفي العصر الحديث صرحوا بهذا الحقد والحسد على وحدة المسلمين واجتماعهم في كتبهم واجتماعاتهم ومؤتمراتهم، ففي بروتوكولات (حكماء صهيون) قالوا: إننا لن نستطيع التغلب على المسلمين ماداموا متحدين دولاً وشعوباً تحت حكم خليفة واحد ، فلا بد من إسقاط الخلافة و تقسيم الدولة الإسلامية إلى دويلات ضعيفة لا تستطيع الوقوف في وجهنا فيسهل علينا استعمارها .

   ويقول لورانس براون : “إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطراً ، أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذٍ بلا وزن ولا تأثير”.

لذلك أراد حكيم أن يعطى أولاده درساً في ليلة من ليالي الشتاء الباردة حين أحس بقرب أجله , فاجتمع أولاده حول سريره , وأراد أن يوصيهم بوصية تنفعهم قبل وفاته ، فطلب منهم أن يحضروا حزمة من الحطب , وطلب من كل واحد منهم أن يكسر الحزمة , فلم يستطع أي واحد منهم أن يكسرها , أخذ الحكيم الحزمة , وفرقها أعواداً , وأعطى كل واحد من أبنائه عوداً , وطلب منهم كسر الأعواد وهي متفرقة , فكسر كل واحد منهم عوده بسهولة . فقال الأب الذي هو الحكيم : يا أبنائي إياكم والتفرقة , كونوا كهذه الحزمة متحدين , حتى لا يقدر عدو على هزيمتكم .

كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى………….. خطب ولا تتفرقوا آحـــادا

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً ………..وإذا افترقن تكسرت أفرادا

ألا فلنحتد جميعاً من أجل بناء مجتمعنا، من أجل بناء وطننا، من أجل بناء مصرنا، من أجل بناء حضارتنا، بعيدين عن التفرقة، عن التشرذم ، عن التحزب، عن التشتت، حتى نحقق آمالنا، ويعلو بنياننا ، ونبلغ منانا، فنكون جميعاً أدوات بناء لا أدوات هدم!!

ومتى يبلغ البنيان يوماً تمامه…………..إذا كنت تبني وغيرك يهدم؟!!!

الدرس الرابع: الابتلاء والامتحان والاختبار

وهذا الدرس يتمثل في قوله تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ } يقول ابن كثير – رحمه الله:”يقول تعالى: إنما شرعنا لك -يا محمد -التوجه أولا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة، ليظهر حالُ من يَتَّبعك ويُطيعك ويستقبل معك حيثما توجهتَ مِمَّن ينقلب على عَقبَيْه، أي: مُرْتَدّاً عن دينه { وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً } أي: هذه الفعلة، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي: وإن كان هذا الأمر عظيماً في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنُوا بتصديق الرسُول، وأنَّ كلَّ ما جاء به فهو الحقّ الذي لا مرْية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يكلّف عباده بما شاء ، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكّاً، كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق”أ.ه

فتحويل القبلة جلَّى وأظهر الإيمان في نفوس المؤمنين، والنفاق والشرك في نفوس أهله.فالمؤمنون قالوا: سمعنا وأطعنا؛ كل من عند ربنا، أما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء، ولو كان نبيا لاستمر على قبلته، وأما المنافقون فقالوا: ما يدري محمد أين يتجه في صلاته، إن كانت الأولى حقا فقد تركها، وإن كانت الثانية حقا فقد كان على الباطل.{ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} (الكهف: 5).

عباد الله: إن الله – عز وجل – حينما يأمرنا بأمر ؛ أو ينهانا عن شيء فإن ذلك اختبار وامتحانٌ لنا؛ وكل ما يمر بنا في هذه الدنيا من مصائب ونوائب وبلاء فإنما هو اختبار وامتحان؛ يقول الدكتور محمد خليل هراس :”  اقتضت حكمة الله تعالى أن يبعث على الناس في عهد النبوة بين الحين والحين ريح فتنة يبتلى بها ما في النفوس ؛ ليظهر الصادق في إيمانه ، والتي لا تزلزله الفتن ، ولا تنال منه الزعازع ، من المنافق الذي لا يلبث أن يكشف ما في نفسه من ظلمات الشكوك ، وعوامل الهزيمة ، فيذوب في الفتنة كما يذوب الملح في الماء ، ولقد كان حادث تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام إحدى هذه الابتلاءات الكبرى التي أراد الله تعالى بها هز المجتمع الإسلامي لتسقط عن  شجرته المباركة الأوراق اليابسة ، والثمرات العفنة ، ولا يبقى إلا القوى الجيد الذي له من صلابة الإيمان، وقوة اليقين ، ونور البصيرة ما يرد عنه مضلات الفتن ، وينجيه من بوائقها.” (تحويل القبلة ؛ مقال بمجلة التوحيد ؛ شعبان:1415هـ).     

أحبتي في الله: إن العلاقة التي تربط الإنسان بالحياة الدنيا في التصور الإسلامي، هي علاقةُ ابتلاء؛ أي: اختبار وامتحان، وهي تعني اختبارَ طاعة الإنسان لله – عز وجل – واتِّباع تعاليمه في جميع شؤون الحياة، وهذا الابتلاء هو المظهر العمليُّ لعلاقة العبودية بين الله تعالى والإنسان، وعُمر الإنسان هو الزمن المقرَّر لهذا الابتلاء؛ { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا }[الملك: 2].

 فالأرض هي قاعة الامتحان التي يجري فيها هذا الابتلاء، أما مواد الابتلاء، فهي جميع ما على وجه الأرض؛ المال فيها امتحان، والزوجة والأولاد امتحان، والغِنى والفقر امتحان، والصحة والمرض امتحان، والقوة والضَّعف امتحان، وكلنا مُمتحن في كل ما نَملِك، وفي كل ما يَعترينا في هذه الحياة، حتى نلقى الله؛ { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } [الأنبياء: 35].

والموت هو نهاية مدة الابتلاء، والبعث والحساب هما فرْز نتائج الابتلاء، وتصنيف الناجحين والفاشلين، والمآل إلى الجنة أو النار هما الثمرة العملية لهذا الابتلاء.

وهكذا، فإن نقطة الابتلاء في حياة الإنسان هي هذه الزينة الموجودة في الأرض، هل يتناول منها القدر الذي أباحه الله وأحلَّه، أم يَنتهب ما حرَّم الله ولا يلتزم بطاعته؟!

أيها المسلمون: عندما غابت هذه الحقيقة عن أذهان أكثر الناس، انشغلوا بهذه الحياة الدنيا، فأصبحت منتهى أملهم، ومبلغَ عِلمهم، وغاية طموحاتهم، تراهم يتخبَّطون بين أمواجها، يتنافسون على شهواتها وملذَّاتها، يتسابقون على جمْع حُطامها الزائل، يَسكرون من كأس شرابها. من أجْل متاعها، يَخون الناس الأمانات، ويَنكثون العهود، ويَجحدون الحقوق، وينسَون الواجبات.

من أجل متاعها، يفترس القوي الضعيفَ، ويَلتهم الكبير الصغير ، ويعيشون كسباع الغابة، أو أسماك البحار. من أجل متاعها، يغش التجار ويُطفِّفون، ويطغى الأغنياء ويترفون، ويتجبَّر أصحاب الجاه والمناصب ويستعلون، ونَسُوا في غمرة سَكرتهم أن كلَّ هذه الزينة التي يتقاتلون من أجْلها، ستُصبح فانية مُضمحلة، وزائلة منقضية، وستعود الأرض صعيدًا جُرزًا، قد ذهبت لذَّاتها، وانقطَعت أنهارها، واندرسَت آثارها، وزال نَعيمُها؛ وكل ما فعلوه مسطور ومكتوب؛ وفي الآخرة تعرض أوراق الاختبار والامتحان على علام الغيوب !!!

 الدرس الخامس: حرص المؤمن على أخيه وحب الخير له

عباد الله: إننا نلمح هذا الدرس المملوء بالحب والوفاء والإخلاص المتبادل بين الصحابة الكرام وحرص كل منهم على الآخر؛ وذلك من خلال سؤال الصحابة عن مصير صلاة إخوانهم الذين ماتوا وقد صلُّوا نحو بيت المقدس فأخبر الله – عز وجل – أن صلاتهم مقبولة . فَعنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:” لَمَّا وُجِّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ؛ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:{ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } الْآيَةَ.( الترمذي وصححه)؛ يقول الإمام البغوي: “{ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } وذلك أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس، إن كانت هدى فقد تحولتم عنها وإن كانت ضلالة فقد دنتم الله بها، ومن مات منكم عليها فقد مات على الضلالة، فقال المسلمون: إنما الهدى ما أمر الله به، والضلالة ما نهى الله عنه. قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟! وكان قد مات قبل أن تحول القبلة من المسلمين أسعد بن زرارة من بني النجار، والبراء بن معرور من بني سلمة، وكانوا من النقباء ورجال آخرون فانطلق عشائرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟! فأنزل الله تعالى:{ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } يعني صلاتكم إلى بيت المقدس.” (تفسير البغوي)؛ وقال الإمام السعدي:” ودخل في ذلك من مات من المؤمنين قبل تحويل الكعبة، فإن الله لا يضيع إيمانهم، لكونهم امتثلوا أمر الله وطاعة رسوله في وقتها، وطاعة الله، امتثال أمره في كل وقت، بحسب ذلك.”

أحبتي في الله: إن سلفنا الصالح كانوا قدوة ومثالاً للحب والإيثار؛ ولو كان بهم حاجة أو خصاصة؛ وشواهد ذلك كثيرة: فعن أنس قال: أهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوية وكان مجهوداً، فوجه به إلى جار له، فوجه به الجار إلى أهل بيت آخر، فتداولته سبعة أبيات حتى عاد إلى الأول، فنزلت: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ….}الآية. وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي في القتلى، ومعي شيء من الماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به بين القتلى فقلت له: أسقيك؟ فأشار أن نعم. فإذا رجل يقول: آه! فأشار إليَّ ابن عمي أن أنطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت له: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: آه! فأشار هشام أن أنطلق إليه، فجئته فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى هشام فوجدته قد مات، ثم رجعت إلى ابن عمي فوجدته قد مات.”( سراج الملوك للطرطوشي)؛ وما أجمل قول الشاعر في حب الخير للغير :

أود الخير للدنيا جميعــــــا………………وإن أك بين أهليها غريبا

إذا ما نعمة وافت لغيــــري…………..شكرت كأن لي فيها نصيبا

تفيض جوانحي بالحب حتى…………….أظن الناس كلهمو حبيبا

أيها المسلمون: كثيرٌ منا – للأسف – يظن أن حب الخير لأخيه المسلم لا علاقة له بالإيمان؛ وأن الإنسان لا يحاسب علي ما يكنه الأخ لأخيه من حب أو بغض؛ أو حقد وغل وحسد أو سلامة صدر؛ سلبا أو إيجابا؛ كلا ؛ إنك لو نظرت إلى الشريعة الغراء لوجدت أن حب الخير للغير شعبة من شعب الإيمان كبقية العبادات من صلاة وصيام وحج وغيرها؛ وقد نفي النبي العدنان كمال الإيمان عمَّن لم يرتق إلى درجة حب الخير لأخيه ما يحبه لنفسه؛ فعَنْ أَنَسٍ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ”(متفق عليه)؛ ” قال العلماء رحمهم الله : معناه لا يؤمن الإيمان التام ، وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة . والمراد يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات؛ ويدل عليه ما جاء في رواية النسائي في هذا الحديث ” حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه “؛ قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : وهذا قد يعد من الصعب الممتنع ، وليس كذلك ، إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام مثل ما يحب لنفسه ، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها ، بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئا من النعمة عليه ، وذلك سهل على القلب السليم ، إنما يعسر على القلب الدغل . عافانا الله وإخواننا أجمعين . والله أعلم .”(شرح النووي على مسلم) وقال ابن بطال:” معناه: لا يؤمن أحدكم الإيمان التام، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وقال أبو الزناد: ظاهره التساوى وحقيقته التفضيل، لأن الإنسان يحب أن يكون أفضل الناس، فإذا أحب لأخيه مثله، فقد دخل هو فى جملة المفضولين”؛ ” وقال جماعة : هذا الحديث ثلث الإسلام ، وأن الإسلام يدور عليه ، وعلى حديث : ” الأعمال بالنية ” ، وحديث : ” من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”(شرح النووي على مسلم)؛ فكمال الإيمان مشروط بأن تحب لأخيك ما تحبه لنفسك تماما؛ وتكره له ما تكرهه لنفسك تماما؛ فعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به؛ وما أجمل قول الأحنف بن قيس: كنت إذا كرهت شيئا من غيرى لم أفعل بأحد مثله.

فما أحوجنا إلى تطبيق هذه المعاني السامية على أرض الواقع؛ لتكون لنا نبراساً ومنهج حياة ليعم الحب والوفاء والتراحم بين أفراد المجتمع!!

الدرس السدس: تحويل حالنا مع الله

تحويل حالنا من العقائد المنحرفة والخرافات الضالة والشعارات الخادعة إلى العقيدة السليمة المستقيمة.

تحويل حالنا من ارتكاب المعاصي والخنا والمسكرات المخدرات والجرائم والفجور  إلى العبادة والطاعة والعمل ليوم النشور.

تحويل حالنا من الكسل والخمول والتسكع إلي السعي والكسب والاجتهاد وابتغاء الرزق.

تحويل حالنا من الظلم والقهر والاستبداد، إلى العدل والحرية والمساواة.

تحويل حالنا من الحقد والغل والحسد، إلى الحب والنقاء والإيثار والإخاء والتراحم فيما بيننا، ولا سيما ونحن مقبلون على شهر كريم. سئل ابن مسعود : كيف كنتم تستقبلون رمضان ؟ قال : ما كان أحدنا يجرؤ على استقبال الهلال وفي قلبه ذرة حقد على أخيه المسلم”.

وبالجملة تغيير وتحويل شامل جمعه الله في قوله:{ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } ( الرعد: 11)، { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } ( الأعراف: 96)

أفيقوا يا أيها المسلمون….ألا فلنتحول كما تحول الصحابة في حادث تحويل القبلة . نتحول بكل قوة وثقة ورشاقة إلى منهج الإسلام بكلياته وجزئياته ، كما تحول الغر الميامين وهم ركوع ..لا تقل بعد شهر !! في أول رمضان!! بعد الامتحان!!! بعد الزواج!!! بعد بعد بعد!!! قد تأتيك المنية وأنت  على معصية الله فتحشر عليها.

أحبتي في الله: حين تؤمن بأن الله قادر على تحويل حالك من حال إلى حال ستعيش وأنت مستغنيا عن الدنيا وما فيها. انظر كيف حالك مع الله ؟؟ أما زلت تحب الدنيا ؟!! .. أما زلت تحب الشهوات ؟!! .. أما زلت ترتكب المنكرات؟!! ..أم أنك تحب الله .. وتحب كلامه .. تحرم حرامه وتحل حلاله .. !!! وليكن هذا السؤال يتردد في داخلك دوما .. في كل وقت وحين ..كيـف حالك يا قلبي مع الله ؟؟ هل أنت مستعد للموت اليوم على حالك هذه ؟؟ ..بل الساعة .. بل هذه اللحظة … الآن الآن الآن ..تلك همسات أوجهها لي قبل أن أكتبها لكن ..لنقف مع أنفسنا دوما .. ولنحاسب أنفسنا قبل الحساب.

أسال الله أن يصلح حال البلاد والعباد ؛ وأن يرد المسلمين إلى دينهم مرداً جميلاً !!

الدعاء،،،،،،،                وأقم الصلاة،،،،،،،                                                   

         كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

                                                                                                                                                  د / خالد بدير بدوي




خطبة بعنوان : “تحويل القبلة دروس وعبر”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 15 من شعبان 1438هـ، الموافق 12 مايو 2017م

خطبة بعنوان : “تحويل القبلة دروس وعبر“، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 15 من شعبان 1438هـ، الموافق 12 مايو 2017م.

 

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

العناصر :

  • الحديث عن تحويل القبلة والدروس المستفادة منها.
  • درس مداراة السفهاء.
  • الحب الذي ساد مجتمع المسلمين الأوائل.
  • خطورة ترويج الشائعات .
  • وسطية الإسلام والتحذير من الغلو وأثره.
  • تكريم الله عز وجل لنبيه صلي الله عليه وسلم .

الحمد لله الذي نور بهدايته قلوب العارفين ، وأقام على الصراط المستقيم أقدام السالكين. الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد ” إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد”  .وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء شهيد ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف العبيد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المزيد وسلم تسليماً كثيراً ..قال وما ينطق عن الهوي:”يطلع الله تبارك و تعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن”(ابن ماجة ). اللهم صلاة وسلاماً عليك يا سيدي يا رسول وعلي آلك  وصحبك وسلم تسليماً كثيرا ًأما بعد فيا جماعة الإسلام قال تعالي:”سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ” (البقرة/ 142).

أخوة الإيمان :”  لقد صلي رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً تجاه بيت المقدس بوحي من الله تعالي لحكم كثيرة منها:”

 تأليف قلوب أهل الكتاب للإسلام  .. وأمر أخر كما  جاء في القرآن الكريم:” وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه”.. فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم، ويعدونه عنوان مجدهم القومي.. ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله، وتجريدها من التعلق بغيره، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير المنهج الإسلامي المرتبط بالله مباشرة، المجرد من كل ملابسة تاريخية أو عنصرية أو أرضية على العموم.. فقد نزعهم نزعا من الاتجاه للبيت الحرام ..ليخلص  نفوسهم من رواسب الجاهلية، ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية، وليظهر من يتبع الرسول إتباعا مجردا من كل إيحاء آخر، اتباع الطاعة الواثقة الراضية المستسلمة، ممن ينقلب على عقبيه اعتزازا بنعرة جاهلية تتعلق بالجنس والقوم والأرض والتاريخ؛ أو تتلبس بها في خفايا المشاعر وحنايا الضمير أي تلبس من قريب أو من بعيد..

 ولما تحقق المراد كان يعجبه صلي الله عليه وسلم  أن يصلي تجاه الكعبة المشرفة  فأخذ يقلب وجهه في السماء كي يحول الله عز وجل وجهه إلي القبلة دون أن يطلب من الله صراحة  .. وذات يوم وهو يصلي العصر في مسجد بني سلمة نزل عليه أمين الوحي جبريل بقرآن يتلي إلي يوم القيامة ” قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ”.(البقرة/143).  

أخوة الإيمان والإسلام :

ونحن في شهر تحويل القبلة وإذا أردنا أن ننتقي  بعض الدروس من حادث تحويل القبلة اليوم وهي دروس عظيمة وكثيرة لا تحصي .. فنأخذ منها:

درس مداراة السفهاء وعدم الاهتمام بهم :

فالسفهاء هم السفهاء في كل عصر وحين وكل وقت وأوان .. ولم ولن يخلو عصر منهم  والسفيه هو السفيه  الذي إذا نطق لا يدري ما يقول ولا يعقل ما يتحدث به   وهو الرجل التافه  كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم في شأنه :” سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب و يكذب فيها الصادق و يؤتمن فيها الخائن و يخون فيها الأمين و ينطق فيها الرويبضة قيل: و ما الرويبضة؟ قال : الرجل التافه يتكلم في أمر العامة.” (أحمد وابن ماجه والحاكم ). وفي الحديث السابق نجد أن النبي صلي الله عليه وسلم  يقرن زمن ظهور الرويبضة (السفيه) بانهيار النظام الأخلاقي، حيث يؤتمن الخائن ويُخوّن الأمين ويُكذب الصادق، ويُصدق الكاذب، ثم يظهر هذا السفيه ليتكلم في أمور العامة، وهو أجهل من حمار أهله.

قال ابن منظور: “السفه والسفاه والسفاهة خفة الحلم وقيل نقيض الحلم وأصله الخفة والحركة وقيل الجهل وهو قريب بعضه من بعض وقد سفه حلمه ورأيه ونفسه سفها وسفاها وسفاهة حمله على السفه“..

ووردت في القرآن بهذا المعنى لما قال المولى عز وجل واصفاً اليهود وقيل المشركين وقيل المنافقين” سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا..”.

 ولما وقع حادث تحويل القبلة حصل لبعض الناس -من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود -ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: ” مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ”  أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: ” قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ” أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله، وحيثما تولوا فثمَّ وجه الله، و ” لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ “( البقرة / 177). أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة، فنحن عبيده وفق تصريفه وخُدَّامُه، حيثما وجَّهَنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد -صلوات الله وسلامه عليه -وأمتِه عناية عظيمة؛ إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم، خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له، أشرف بيوت الله في الأرض، إذ هي بناء إبراهيم الخليل، عليه السلام، ولهذا قال: “قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ “.عن عائشة قالت: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم  يعني في أهل الكتاب :”إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة، التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام:” آمين” (أحمد).

ماذا تفعل مع السفهاء ؟

فإذا ما ضاق صدرك من تلاحي السفيه، وتجرأ عليك تصريحاً أو تُقية أو تلميحاً، فلا تكترث، فإن تركك له غائضة، فلن يحقق مأربه في التسلق على كتفك، ولن يصل لمبتغاه من الشموخ بذلة الإثم.. وتذكر قول القائل :”

وإذا أمن الجهال جهلك مرةً – فعرضك للجهال غنم من الغنم

وان أنت نازيت السفيه إذا نزا – فأنت سفيه مثله غير ذي حلم

ولا تتعرضن للسفيه و داره – بمنزلة بين العـــداوة و الســلم

فيخشاك تاراتِ و يرجوك مرة – و تأخذ فيما بين ذلك بالحزم

وعزاؤنا أن السكوت عن السفيه فلاح وأن الرد على السفيه سفه:

قالوا سكتّ وقد خوصمتَ قلتُ لهم **إن الجوابَ لباب الشر مفــتاحُ

والصمتُ عن جاهلٍ أو أحمقٍ شرفٌ **وفيه أيضا لصون العرض إصلاحُ

أما ترى الأسْدَ تُخشى وهي صامتةٌ **والكلبُ يخسى لعمري وهو نبّاحُ

ويبقى من عادة الرجل العاقل تجنب ورود مورد يرده السفهاء ولسان حاله يقول:

سأترك ماءكم من غير ورد – وذاك لكثرة الوراد فيه

إذا سقط الذباب على طعام – رفعت يدي ونفسي تشتهيه

وتجتنب الأسود ورود ماء – إذا كان الكـلاب ولغن فيه

ويرتجع الكريم خميص بطن – ولا يرضى مساهمة السفيه

وإياك أن تظن أن سكوتك عن السفيه فشل، بل هو قمة النجاح، ولينتبه السفيه أن سكوت الحليم عنه منقصة لا مفخرة، ولكن شدة السفه جعلته يستشعر سكوت الكرام عنه منقبة فيه، وأن سكوت الحليم عن الرد ليس بعجز، فإذا ما تحداك السفيه بنهيقه فلا تضاهيه كيلا تكون مثله، وتذكر أيها الحليم أن ردك على السفيه إشباع لرغبات نفسية لديه:

إذا نطق السفيه فلا تجبه – فخير من إجابته السكوت

فإن كلمتـــه فرجت عنه – وإن تركـــته كمداً يموت

حب الصحابة رضوان الله عليهم بعضهم لبعض ضمن لهم الإيمان الكامل :

أيها الأحباب :ومن دروس حادث تحويل القبلة نأخذ كيف أحب الصحابة بعضهم البعض ونزعت الكراهية من صدورهم حتي امتدحهم المولي عز وجل بقوله “: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ..”(الفتح /29). ولما تحولت القبلة خشي الصحابة علي من مات وهو يصلي تجاه بيت المقدس فسألوا عن ذلك كما روي البخاري عن البراء، رضي الله عنه؛ أن النبي صلي الله عليه وسلم  صلى إلى بيت المقدس ستَّة عشر شهرا أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها، صلاة العصر، وصلى معه قوم. فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليتُ مع النبي صلي الله عليه وسلم  قبَل مكة، فدارُوا كما هم قبل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوّل قبل البيت رجالا قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله عز وجل :” وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ” (تفسير ابن كثير).

وعن البراء، قال: كان رسول الله صلى صلي الله عليه وسلم  يصلي نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله، فأنزل الله: ” قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ”فقال رجال من المسلمين: وَددْنا لو عَلمْنا علم من مات منا قبل أن نُصْرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله: “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ” . ونحن بحاجة إلى إيمان قوي, ولعل هذه الصلاة بمشيئة الله وهذا القرآن الذي يتلى علينا, لعله يشحذ هممنا, ويدفعنا إلى عمل مخلص هادف, عمل منضبط بالشرع.

“وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ” ما معني هذا القول ؟

أولاً: ما كان الله ليضيع, هذا أبلغ نفي في اللغة العربية، هذا نفي الشأن -أي بالتعبير الدارج-: مستحيل وألف ألف مستحيل أن تفعل شيئاً يقتضيه إيمانك, ولا تنال عليه مكافأة كبيرة.

الجنة لها ثمن : أحياناً إيمانك يمنعك أن تأكل مالاً حراماً فيبقى دخلك محدوداً، بينما الذي لا يهتم للحلال و الحرام يأتيه دخل فلكي، أنت ماذا فعلت بإيمانك؟

ضيعت دخلاً كبيراً لأنك مؤمن، هناك أشخاص لا يتقيدون بشيء، يستمتعون، يأكلون ما يشتهون، يلتقون مع من يحبون، لا يوجد عندهم رادع, ولا قيمة, ولا مبدأ, ولا شيء، هؤلاء يبدو أنهم مستمتعون بالحياة، هم يعيشون كما يحبون، المؤمن مقيد، هذه حلال، هذه فيها شبهة، هذه لا تجوز، هذا الدخل مشبوه، العمل مع فلان فيه تعامل ربوي.

فالمؤمن مستحيل أن يربح الدنيا والآخرة  .يقول صلي الله عليه وسلم :” إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله -عز وجليعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب”(أحمد).

من أحب آخرته أضر بدنياه، ومن أضر بدنياه أحب آخرته.

أي يوجد ثمن، فالشخص لا يتوهم أبداً أنه ممكن أن يستمتع بالدنيا كما يستمتع عامة الناس, وأصل إلى الجنة في أعلى مرتبة، لا، الجنة لها ثمن، ولا بد من أن تدفع الثمن، فهذا الذي تدفعه أيها الأخ الكريم, اعتقد اعتقاداً جازماً أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تخسر، مستحيل أن تطيعه وتخسر, وأن تعصيه وتربح. العبرة الإيمان.

يقول النبي صلي الله عليه وسلم  أنه قال:”من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، إلا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة”(الترمذي).  ويقول صلي الله عليه وسلم :”حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات“(مسلم).

خطورة  ترويج الشائعات :

أخوة الإيمان والإسلام درس أخر من دروس حادث تحويل القبلة وهو الكف عن ترديد الكلام والشائعات  وعندما تجد شائعة لا تروج لها  بالقول أو الفعل بل سلم الأمر لله عز وجل حيث جاء الجواب من الله عز وجل :” قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم “

إن المسلم منهي عن ترويج الأخبار الدنيوية فضلا عن الدينية دون تثبت، ومن ينظر نظرة ثاقبة في سر نهي الإسلام عن ترويج الشائعات يجد الكثير من الأسباب، فقد تروّج شائعة تتسبب في هزيمة جيش، أو قيام حرب، أو قتل نفس، أو إفساد في الأرض، أو إقامة بدعة لا أصل لها أو هدم سنة ثابتة في الشرع، أو صرف المسلمين عن قضية من قضاياهم المصيرية. وقد يكون مصدر الإشاعة غير المسلمين وكتبت بما يوحي الحرص على الإسلام، فينخدع بها المسلمون ليكونوا جنوداً في ترويجها.وكم قرأنا في التاريخ عن ما يسمي بالحرب الإعلامية النفسية، وكيف تستخدم فيها خبرات خاصة لترويج الشائعات وبث الذعر والخوف في نفوس العدو.ونهي الإسلام عن الشائعات لخطورتها علي المجتمع الإنساني ككل ولما لها من أثر بالغ علي الأمن والاستقرار في المجتمع لذلك وقف القرآن الكريم لهؤلاء الذين يروجون الشائعات بالمرصاد ووصفهم بأنهم أفاكين كذابين يغيرون وجه الحقيقة.

قال تعالي:”ِإنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ . لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ “(النور/12.11 ).

 أخوة الإيمان والإسلام : ومن دروس تحويل القبلة :

 وسطيـــة الإســلام:

قال تعالي:” وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا..  “(البقرة/143).

أخوة الإيمان:  الإسلام دين الوسطية الذي يعتنقه يعرف أنه يعتنق أكمل الأديان ..وأن مبادئه وأحكامه ومثله ومقاييسه هي المبادئ السليمة الكفيلة بإسعاد الفرد والمجتمع ,وأن ما جاء به الإسلام هو برنامج عملي إصلاحي للبشرية كافة,وأنه ينظر إلى مخالفيه نظرة قوامها التسامح والبر ,وليس كما يصوره البعض ديناً هجومياً اغتيالياً أو هادماً مدمراً.

فهو دين الوسط ومعني الوسط:  اسم لما بين طرفي الشيء ,وأن “أوسط الشيء”أفضله وخياره ,كوسط المرعي فانه خير من طرفيه ,الحديث “خيار الأمور أوسطها”وواسطة القلادة هي الدرة التي في وسطها ,وهي أنفس خرزها ,ويقال :فلان من أوسط قومه أي خيارهم, وفلان وسيط قومه أو وسيط في قومه إذا كان أوسطهم نسبا وأرفعهم مجداً فالوسط هو المتوسط بين الغالي والتالي, و في تفسير قوله تعالى : ” وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ” المعنى : وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطاً أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم والوسط : العدل وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها “و  عن أبي سعيد بن الخدري عن النبي صلي الله عليه وسلم  في قوله تعالى:”وكذلك جعلناكم أمة وسطا”قال : عدلاً.(الترمذي).

ففي الحديث عن بن عباس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم  غداة العقبة وهو على ناقته القط لي حصى فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول أمثال هؤلاء فارموا ثم قال :”يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ” (  ابن ماجه ).

كما تحث السنة النبوية علي الرفق :فعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم  قال من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير”( الترمذي ).  وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلي الله عليه وسلم  إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله “(البخاري ومسلم).  وفي رواية لمسلم :” إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه” وعن عائشة  أيضا رضي الله عنها عن النبي صلي الله عليه وسلم  قال إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه “(  مسلم).

         وقد مدح الله تعالي التوسط في مواضع كثيرة من كتابه ,مثل قوله  تعالي:”وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا”(الإسراء/29). وقوله :”وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا”(الفرقان/67) .وان من ذلك وصفه لأمة القرآن بأنها أمة وسط ,وذم التطرف والخروج عن الجادة ,وصور غير المتمكن من دينه بصورة من هو علي حرف اذ يقول :” وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر ٌاطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِر َالدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ “(الحج/11)أي علي غير تمكن فهو علي طرف من دينه غير متمكن منه ,كما صور التمكن المستقيم بصورة من هو علي صراط مستقيم سوي لاعوج فيه ولا أمت ,ووصف دينه وشريعته بين غيرها بأنها هي الصراط السوي آذ يقول :”وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”(الأنعام/153)  بل وصف نفسه هو سبحانه وتعالي بأنه علي صراط مستقيم فقال تعالي :”إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(هود/ 56).

إنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد، أو من الوسط بمعناه المادي الحسي..

 إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا، فتقيم بينهم العدل والقسط؛ وتضع لهم الموازين والقيم؛وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد؛ وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها، وتقول: هذا حق منها وهذا باطل.  

 (أمة وسطا).. في المكان.. في سرة الأرض، وفي أوسط بقاعها. وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب، وجنوب وشمال، وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعا، وتشهد على الناس جميعا؛ وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة؛ وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك؛ وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء.

وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها، إلا أنها تخلت عن منهج الله الذي اختاره لها، واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها الله لها، واصطبغت بصبغات شتى ليست صبغة الله واحدة منها! والله يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحدها.

وأمة تلك وظيفتها، وذلك دورها، خليقة بأن تحتمل التبعة وتبذل التضحية، فللقيادة تكاليفها، وللقوامة تبعاتها، ولا بد أن تفتن قبل ذلك وتبتلى، ليتأكد خلوصها لله وتجردها، واستعدادها للطاعة المطلقة للقيادة الراشدة.

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين ..أما بعد فيا جماعة الإسلام ..

 تكريم الله عز وجل لنبيه صلي الله عليه وسلم :

 أخوة الإيمان والإسلام :

 ونستخلص أيضاً من حادث تحويل القبلة أن الله كرم نبيه صلي عليه وسلم وجعل رضاه من رضاه . فكما كرم الله عز وجل نبيه صلي الله عليه وسلم كأن جعل طاعته من طاعته ومحبته من محبته ووجوب توقيره والتأسي به والصلاة والتسليم عليه ..الخ هذا التكريم الذي لا ينتهي  فقد جعل رضاه من رضاه  .وهو مظهر من  مظاهر تكريمه صلي الله عليه وسلم أن جعل الله عزوجل رضاه صلي الله عليه وسلم من رضاه فقال تعالي :”يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ”(التوبة/62).

  يحلفون بالله لكم الخطاب للمؤمنين خاصة وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرهم بالأيمان ليعذروهم ويرضوا عنهم أي يحلفون لكم أنهم ما قالوا ..  ليرضوكم بذلك .. والحال أنه تعالى ورسوله أحق بالإرضاء منكم  .. وبأن رضاه صلى الله عليه وسلم مندرج تحت رضاه سبحانه وإرضاؤه صلى الله عليه وسلم إرضاء له تعالى لقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله..(تفسير أبي السعود ج4   ص 78). 

وفي حادث تحويل القبلة يقول الله عز وجل :”قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً   تَرْضَاهَا ..”(البقرة/144). ومن الملاحظ هنا أن الله عز وجل يقول ”  فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا “أي ترضاها أنت يا محمد ولو قال المولي عز وجل :”أرضاها”لكان عين المني ولكن رضاء الله عزوجل وافق رضي رسولنا صلي الله عليه وسلم فقال :”  قِبْلَةً تَرْضَاهَا” ويقول الله عزوجل :” وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى”(الضحي).فقوله  :”ولسوف يعطيك ربك فترضى “أعطاه الله جل ثناؤه ألف قصر في الجنة ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم وعنه قال : رضي محمد ألا يدخل أحد من أهل بيته النار وقاله السدي وقيل : هي الشفاعة في جميع المؤمنين وعن علي رضي الله عنه قال :” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”يشفعني الله في أمتي حتى يقول الله سبحانه لي : رضيت يا محمد ؟ فأقول يارب رضيت”   وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم:”فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم”(إبراهيم /36). وقول عيسى:”إن تعذبهم فإنهم عبادك”(المائدة : 118) فرفع يديه وقال:”اللهم أمتي أمتي”وبكى فقال الله تعالى لجبريل:”اذهب إلى محمد – فقل له : إن الله يقول لك :” إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك”(مسلم). وقال علي رضي الله عنه لأهل العراق :” إنكم تقولون إن أرجي آية في كتاب الله تعالى:”قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله”(الزمر).قالوا : إنا نقول ذلك قال : ولكنا أهل البيت نقول : إن أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى:” ولسوف يعطيك ربك فترضى”وفي الحديث :”لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذاً والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار”( القرطبي ج 20ص86).  

أخوة الإيمان والإسلام :”

و ليلة النصف من شعبان هي ليلة لها فضائل جمة وعظيمة و قد ورد في فضلها عدة أحاديث، منها ما هو صالح للاحتجاج، ومنها ما هو ضعيف لا يحتج به . فمما هو صالح للاحتجاج ما  قاله رسول الله صلي الله عليه وسلم : ” إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه” (البيهقي والطبراني).   وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم  :”إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن”( ابن ماجه، وابن حبان ).

هذا، وقد قال عطاء بن يسار: ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل من ليلة النصف من شعبان، يتنزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيغفر لعباده كلهم،إلا لمشرك أو مشاجرأو قاطع رحم.فينبغي على العبد أن يتحلى بالطاعات التي تؤهله لمغفرة الرحمن، وأن يبتعد عن المعاصي والذنوب التي تحجبه عن هذه المغفرة. ومن هذه الذنوب: الشرك بالله، فإنه مانع من كل خير. ومنها الشحناء والحقد على المسلمين، وهو يمنع المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :” تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: أنظروا هذين حتى يصطلحا”. ( مسلم). فأفضل الأعمال بعد الإيمان بالله سلامة الصدر من أنواع الشحناء كلها,وقال الشافعي رحمه الله: بلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال: ليلة الجمعة، والعيدين، وأول رجب ونصف شعبان. وأما صيام يوم النصف من شعبان فيسن على أنه من الأيام البيض الثلاثة، وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، لا على أنه يوم النصف من شعبان، فإن حديث الصيام فيه لا يصلح للاحتجاج..

اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من معاقبتك وبك منك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت علي نفسك “

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ..وقوموا إلي صلاتكم يرحمكم الله ..وأقم الصلاة .

 




خطبة الجمعة القادمة: “تحويل القبلة دروس وعبر”بتاريخ 12 من مايو 2017م الموافق 15 من شعبان 1438هـ

 

خطبة الجمعة القادمة: “تحويل القبلة دروس وعبر“بتاريخ 12 من مايو 2017م الموافق 15 من شعبان 1438هـ .

 

وسيتم نشر الخطبة لاحقا:

1- خطبة الوزارة.

2-خطبة الدكتور خالد بدير.

3-خطبة الشيخ عبد الناصر بليح.

 



رابط تحميل خطبة الأسبوع: “الحفاظ على المال العام”، خطبة الوزارة، خطبة خالد بدير، خطبة عبد الناصر بليح

خطبة الوزارة:

خطبة الشيخ عبد الناصر بليح:

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

خطبة الدكتور خالد بدير:

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا




خطبة الجمعة القادمة: “الحفاظ على المال العام واجب ديني ووطني”بتاريخ 5 من مايو 2017م الموافق 8 من شعبان 1438هـ

خطبة الجمعة القادمة: “الحفاظ  على المال العام واجب ديني ووطني”بتاريخ 5 من مايو 2017م الموافق 8 من شعبان 1438هـ .

 

 

   




خطبة بعنوان: “حرمة المال العام في الإسلام”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 8 من شعبان 1438هـ – 5 مايو 2017م

خطبة بعنوان: حرمة المال العام في الإسلام، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 8 من شعبان 1438هـ – 5 مايو 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

  عناصر الخطبة:

العنصر الأول: دعوة الإسلام إلى الحفاظ على المال العام

العنصر الثاني: صورٌ ومواقف لحرمة المال العام في الإسلام

العنصر الثالث: حرمة المال العام بين الواقع والمأمول

     المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: دعوة الإسلام إلى الحفاظ على المال العام

عباد الله: إن المال من الإنسان المقام بمنزلة الروح من الجسد؛ لأنه لا حياة بدون مال، لأن المال هو الذي به يتحقق الجانب المادي في الإنسان، ولهذا كان المال ضرورة من ضرورات وجود الإنسان في هذا الحياة، وكان الإنسان ممثلاً للجانب البشري فيها، وكان المال ممثلاً للجانب المادي في الحياة، ولأهمية المال في الإسلام، جُعل إحدى الضرورات الخمسة التي أوجب الشارع حفظها. يقول الإمام الشاطبي: ( ومجموع الضرورات خمس هي: حفظ الدين ، والنفس ، والنسل ، والمال ، والعقل ).

إن نظام المال في الإسلام نظام ” فريد” من نوعه فهو يحمي أفراده من عبث العابثين، ونهب الطامعين، وتعدي الظالمين، فشرع للملكية الخاصة حماية وحرمة وحدوداً لا يجوز لأي مارق أن يتعداها أو يحوم حولها وإلا استحق الزجر والردع على ذلك.

لهذا كله حرم الإسلام كل طريقة تعدٍّ على مال الآخرين، سواء كان ذلك بالاختلاس، أو الحرابة، أو السرقة، أو السطو، أو غير ذلك من الطرق التي حرمها الإسلام، وجعل الحدود زجراً وردعاً للآخرين، وعظَّم جريمة السرقة، فجعل عقوبتَها القطع؛ { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ } [المائدة: 38].ونهى عن الغَصْب والنهب والخيانة، ووبَّخ مَن فَعَل ذلك، وجعل له عقوبة رادعة؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [النِّسَاء: 29]، وقال النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – في خُطبته يومَ النَّحْر في حجَّة الوداع: “إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فَأَعَادَهَا مِرَارًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ”( متفق عليه ).

وعن أبي هريرة، أنَّ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: “كلُّ المسلِم على المسلم حرامٌ: دمُه، وماله، وعِرْضه” (مسلم)، وعن أنس: أنَّ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: “لا يَحِلُّ مال امرئ مسلِم إلاَّ بطِيب نفسه” (الدارقطني وأبو يعلى والبيهقي بسند جيد ).

والنصوص مِن القرآن والسُّنَّة في هذا المعنى كثيرة جدًّا، حتى إنَّ صيانة مال المسلم وحُرْمة التعدِّي عليه أمرٌ معلوم لدَى كل من له معرفة بالشريعة الغراء.

ولحرمة المال شرع للإنسان الدفاع عن ماله من الاعتداء عليه بأية صورة من الصور السابقة، واعتبره شهيداً إن مات دفاعاً عن ماله، فعن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن جاء رجلٌ يريد أخْذ مالي؟ قال: “فلا تُعطِه مالك”، قال: أرأيتَ إن قاتلني؟ قال: “قاتِلْه”، قال: أرأيتَ إن قتلني؟ قال: “فأنت شهيد”، قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: “هو في النَّار”. (مسلم)، وعن عبدالله بن عمرو – رضي الله عنهما -: أنَّ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: “مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ” (متفق عليه).

وإذا كان الإسلام جعل لمال الإنسان الخاص حرمة وقداسة، فإنه لم يغفل عن حرمة المال العام، بل أعلى من شأن هذه الحرمة فجعلها أشد حرمة من المال الخاص، وعني عنايةً عظيمة بالمحافظة على أموال المسلمين، وأمَرَ بصيانتها، وحرَّم التعدي عليها، وقرنت الأموال بالأنفس في مواضعَ كثيرة من القرآن الكريم، فأمَر بالجِهاد بالأموال والأنفُس في سبيل الله، ونظَّم الأموال تنظيمًا سليمًا، فجعل في المال زكاةً حقًّا معلومًا للفقراء والمساكين وغيرهم ممَّن ذكروا في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وجعل فيها حقوقًا مُعيَّنة معلومة، وحرَّم التعدي على أموال الأمة بغير حقّ، ولو كان شيئاً يسيراً .

 فعن عدى بن عميرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا (إبرة) فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا (خيانة وسرقة) يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”.(مسلم).

فالمال العام أعظم خطراً من المال الخاص الذي يمتلكه أفراد أو هيئات محددة، ذلك لأن المال العام ملك الأمة وهو ما اصطلح الناس على تسميته ” مال الدولة ” ، ويدخل فيه: الأرض التي لا يمتلكها الأشخاص، والمرافق، والمعاهد والمدارس، والمستشفيات، والجامعات غير الخاصة، .. ، وكل هذا مال عام يجب المحافظة عليه، ومن هنا تأتي خطورة هذا المال، فالسارق له سارق للأمة لا لفرد بعينه، فإذا كان سارق فرد محدد مجرماً تقطع يده إن كان المسروق من حرز وبلغ ربع دينار فصاعداً، فكيف بمن يسرق الأمة ويبدد ثرواتها أو ينهبها ؟! كيف تكون صورته في الدنيا وعقوبته في الآخرة ؟!

أيها المسلمون: إن تشريع الإسلام لحماية الملكيتين الخاصة والعامة له علاقة وثيقة بأمن البلاد والعباد، فإذا آمن الفرد بأن ملكيته مصونة ومحترمة، وأن جميع طرق العدوان محرمة في الشريعة الإسلامية، فإن الفرد يأمن على ماله وعرضه، ويؤدي ذلك إلى علاقة ود ومحبة وتواد بين أفراد المجتمع وإلى استقرار وسلامة المجتمع من كل خوف أو رعب أو تهديد.

أما إذا ترك الحبل على الغارب وأصبحت الأموال الخاصة والعامة فريسةً للطامعين، ونهباً للمعتدين، فلا شك أن يصاب المجتمع بتفكك أوصاله، وهدم بنيانه، وزلزال كيانه، ويصبح الفرد في رعب دائم، وقلق مفزع، فلا هو تمتع بماله، ولا اطمأن في مقامه، كيف لا وهو يخشى الاعتداء على ماله كما تخشى الأسد من أن تلتهم فريستها؟!!!

العنصر الثاني: صورٌ ومواقف لحرمة المال العام في الإسلام

أحبتي في الله: إن سلب القليل من المال العام ولو كان مخيطاً أو ما في قيمته يفضح به العبد يوم القيامة ويذهب بحسناته!!

 ودليل ذلك ما رواه البخاري عن أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً إِنَّمَا غَنِمْنَا الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى وَادِي الْقُرَى؛ وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِي الضِّبَابِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ حَتَّى أَصَابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا”، فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ”. حتى منَ قاتَلَ وأبْلَى بلاءً حسنًا في المعركة، ولكنَّه غلَّ من الغنيمة، فله عقوبة شديدة، حتى ولو ظنَّ الناسُ أنَّه في عِدَاد الشهداء، فالأمرُ ليس كذلك.

لذلك كان النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – كثيرًا ما يَعِظُ أصحابَه، مبيِّنًا لهم خُطورة الغُلُول والسرقة من الغنيمة، والتي تُعَدُّ بمثابة المال العام الذي يَنبغي أن يُحفَظَ من قِبَل أفراده.

 فقد روى الشيخان عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: ” قام فينا النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – فذكَرَ الغُلول، فعظَّمه وعظَّمَ أمرَه، قال: ” لا ألفِيَنَّ أحدَكم يومَ القيامة على رَقبته شاة لها ثُغاء، على رَقبته فرس له حَمْحَمة، يقول: يا رسول الله، أغِثْني، فأقول: لا أملِك لك شيئًا؛ قد أبْلَغْتُك، وعلى رَقَبته بعيرٌ له رُغاء، يقول: يا رسول الله، أغِثْني، فأقول: لا أملِك لك شيئًا؛ قد أبلغتُك، وعلى رَقَبته صامتٌ، فيقول: يا رسول الله، أغِثْني، فأقول: لا أملِك لك شيئًا؛ قد أبلغتُك، أو على رَقَبته رِقَاعٌ تَخْفِق، فيقول: يا رسول الله، أغِثْني، فأقول: لا أملِك لك شيئًا؛ قد أبلغتُك”.

 فمن غل شاة جيء بها يوم القيامة تيعر وهي على كتفه، ومن غل بعيراً جاء يحمله يوم القيامة وله رُغاء يسمعه أهل الموقف على كتفه، ومن غل فرساً جاء يحمله يوم القيامة وله حمحمة ؛ ومن غل شيئاً قليلاً أو كثيراً إلا جُعل ناطقاً أمامه، حتى الذهب والفضة، من غل صامتاً، أي: ذهباً أو فضة جاء به يوم القيامة يحمله!!

ومن صور الاعتداء على المال العام تعاطى الرشوة لإحقاق باطل أو إبطال حق كما هو شائع في المصالح الحكومية، فقد أخْرَج الشيخان من حديث أبي حميد الساعدي – رضي الله عنه – قال: “استعمَلَ النبي – صلى الله عليه وسلم – رجلاً من الأزد يُقال له: ابْن اللُّتْبِيَّة على الصَّدَقة، فلمَّا قَدِم، قال: هذا لكم وهذا أُهْدِي إليّ، قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: “فهلاَّ جَلَس في بيت أبيه أو بيت أُمِّه، فينظر يُهْدَى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحدٌ منه شيئًا إلاَّ جاء به يومَ القيامة يَحمله على رَقَبته؛ إن كان بعيرًا له رُغَاء، أو بقرة لها خُوَار، أو شاة تَيْعَر”، ثم رفَعَ يدَه؛ حتى رأْينا عُفْرَة إبطَيْه: “اللهمَّ هل بلَّغْت، اللهم هل بلَّغْت ثلاثًا”.

فكل من أخذ رشوة أو حراماً يأتي حاملاً له على رقبته، مفضوحاً به أمام الخلائق يوم القيامة بنص الحديث، وبنص الآية {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}. (آل عمران: 161).

لهذا كان الخلفاء الراشدون حريصين أشد الحرص على المال العام.

فهذا أبوبكر الصديق لما بويع للخلافة حدد له الصحابة راتبه من بيت المال، ثم سلَّموه لقحة :”ناقة ذات لبن” ، وجفنة: “وعاء يوضع فيه الطعام”، وقطيفة: ” تلبس ويلف فيها من البرد”، هذه عدة قصر الحاكم خليفة رسول الله، فلما حضرته الوفاة أمر بردها، فعنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ: لَمَّا احْتُضِرَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: «يَا عَائِشَةُ انْظُرِي اللِّقْحَةَ الَّتِي كُنَّا نَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا، وَالْجِفْنَةَ الَّتِي كُنَّا نَصْطَبِحُ فِيهَا، وَالْقَطِيفَةَ الَّتِي كُنَّا نَلْبَسُهَا، فَإِنَّا كُنَّا نَنْتَفِعُ بِذَلِكَ حِينَ كُنَّا فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا مِتُّ فَارْدُدِيهِ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ» أَرْسَلْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: رَضِيَ اللهُ عَنْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَقَدْ أَتْعَبْتَ مَنْ جَاءَ بَعْدَكَ” ( الطبراني؛ وقال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات ).

-ومن هذه الصور ما رواه عبد الرحمن بن نجيح قال: نزلت على عمر ، فكانت له ناقة يحلبها، فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبناً أنكره، فقال: ويحك من أين هذا اللبن لك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشربها، فخليت لك ناقة من مال الله، فقال: ويحك تسقينى نارًا، واستحل ذلك اللبن من بعض الناس، فقيل: هو لك حلال يا أمير المؤمنين ولحمها. فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر ، حيث خشي من عذاب الله جل وعلا لما شرب ذلك اللبن مع أنه لم يتعمد ذلك، ولم تطمئن نفسه إلا بعد أن استحل ذلك من بعض كبار الصحابة الذين يمثلون المسلمين في ذلك الأمر، بل انظر كيف فرَّق- بحلاوة إيمانه ومذاقه- بين طعم الحلال وبين ما فيه شبهة.

– وما أجمل هذه الصورة التي حدثت مع أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه حيث دخلت عليه ذات يوم عمته تطلب زيادة على راتبها من بيت مال المسلمين، وإذا به يأكل عدسًا وبصلاً، فلما كلمته في شأنها، قام عن طعامه وجاء بدراهم من فضة ووضعها على النار، ثم وضعها فى كيس، وقال لها خذي هذه الزيادة، فما إن قبضت عليه حتى طرحته أرضًا لاحتراق يدها من شدة الحرارة، وكاد يغشى عليها، وقال لها عمر رضى الله عنه: يا عمتاه؛ إذا كان هذا حالك مع نار الدنيا، فكيف بنار الآخرة؟! وما أنا إلا عبد استودعه الله على خلق من خلقه، وخازن لبيت مال المسلمين أُسأَلُ عن كل درهم فيه يوم القيامة، فكيف يكون حالي في ذلك اليوم إذا أنا أعطيتك درهمًا واحدًا على باقي الرعية؟!!”.

– ومن تلك الصور ما رواه عبدالله بن عمر قائلاً: اشتريت إبلاً أنجعتها الحمى، فلما سمنت قدمت بها، قال: فدخل عمر السوق فرأى إبلاً سماناً، فقال: لمن هذه الإبل؟ قيل: لعبدالله بن عمر، قال: فجعل يقول: يا عبدالله بن عمر بخٍ بخ! ابن أمير المؤمنين، قال: ما هذه الإبل؟ قال: قلت: إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون. قال: فيقولون: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله ابن عمر! اغد إلى رأس مالك، واجعل باقيه في بيت مال المسلمين!!!

– ومن ذلك قصة عاتكة زوجة عمر والمسك : فقد قدم على عمر مسك وعنبر من البحرين فقال عمر: والله لوددت أني وجدت امرأة حسنة الوزن تزن لي هذا الطيب حتى أقسمه بين المسلمين، فقالت له امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل: أنا جيدة الوزن فهلم أزن لك. قال: لا. قالت: لم؟ قال: إني أخشى أن تأخذيه فتجعليه هكذا -وأدخل أصابعه في صدغيه- وتمسحي به عنقك فأصيب فضلاً على المسلمين!!

 فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر  واحتياطه البالغ لأمر دينه، فقد أبى على امرأته أن تتولى قسمة ذلك الطيب حتى لا تمسح عنقها منه فيكون قد أصاب شيئًا من مال المسلمين، وهذه الدقة المتناهية في ملاحظة الاحتمالات أعطاها الله لأوليائه السابقين إلى الخيرات، وجعلها لهم فرقاناً يفرقون به بين الحلال والحرام والحق والباطل، بينما تفوت هذه الملاحظات على الذين لم يشغلوا تفكيرهم بحماية أنفسهم من المخالفات!!!

ومن هذه الصور أيضاً ، منع جر المنافع بسبب صلة القربى به : فعن أسلم قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر في جيش إلى العراق فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة فرحب بهما وسهل، وقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى، ها هنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، وأسلفكما، فتبيعان به متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون لكما الربح. ففعلا، وكتب إلى عمر أن يأخذ منهما المال. فلما قدما على عمر قال: أكلَّ الجيش أسلف كما أسلفكما؟ فقالا: لا. فقال عمر: أدّيا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين، لو هلك المال أو نقص لضمناه. فقال: أديا المال. فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله. فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضاً (شركة). فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال. قالوا: هو أول قراض في الإسلام!!

أحبتي في الله: الأمثلة على ذلك كثيرة وحسبي ما ذكرت، وأترك لكم التعليق والعبرة والعظة، والمقارنة بين حال هؤلاء الأخيار؛ وواقعنا المعاصر وما يحدث فيه من مجاملات ورشاوى واختلاس وسرقة للمال العام، وكأنه أصبح غنيمة للطامعين!!

العنصر الثالث: حرمة المال العام بين الواقع والمأمول

أيها المسلمون: إن الأمر جد خطير، إياكم إياكم من التعدي على المال العام بجميع صور التعدي، قولوا لكل من أخذ هدية بسبب منصبه ووجاهته انظر إلى حالك بعد يوم واحد من التقاعد كيف يكون حالك؟!! ترى الذي أهداك بالأمس لا يكاد يلقي عليك السلام!! فهل كانت هديته لمحبة أم لأمر آخر؟!! فليعتبر من هم اليوم في مناصب ووجاهات بمن سبق قبل أن يعتبر بهم من بعدهم!! قولوا لمن يقبل الهدايا أو الرشاوى في عمله وهو يظن أن لم يره أحد!! قولوا له: إن لم يرك البشر فإن رب البشر يراك!! وإن لم تتب من عملك المشين ذلك فستفضح على رؤوس الخلائق من لدن آدم عليه السلام إلى آخر ما خلق الديان، فمن أخذ ظرفاً فيه مبلغ من المال أتى به يحمله على عنقه، ومن أخذ سيارة يأتي بها على عنقه، ومن أخذ أرضاً يأتي بها على عنقه؛ ومن سرق هانفاً يأتي به على عنقه؛… وهكذا… فمستقل ومستكثر، وقد يقول قائل: ما بال هذا الشيخ يشدد على عباد الله وقد قبل رسول الله  صلى الله عليه وسلم  والخلفاء الراشدون الهدية؟!! فأقول له: قال مثل هذا القول قوم لعمر بن عبد العزيز واستمع للقصة كما ذكرها ابن حجر في الفتح وأبو نعيم في الحلية : “اِشْتَهَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز التُّفَّاح فَلَمْ يَجِدْ فِي بَيْته شَيْئًا يَشْتَرِي بِهِ, فَرَكِبْنَا مَعَهُ, فَتَلَقَّاهُ غِلْمَان الدَّيْر بِأَطْبَاقِ تُفَّاح, فَتَنَاوَلَ وَاحِدَة فَشَمَّهَا ثُمَّ رَدَّ الْأَطْبَاق, فَقُلْت لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَا حَاجَة لِي فِيهِ, فَقُلْت: أَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم  وَأَبُو بَكْر وَعُمَر يَقْبَلُونَ الْهَدِيَّة؟ فَقَالَ: إِنَّهَا لِأُولَئِكَ هَدِيَّة وَهِيَ لِلْعُمَّالِ بَعْدهمْ رِشْوَة”.

أيها المسلمون: إن الكثير منا قد تساهل بهذا الأمر تساهلاً عظيماً في هذا الزمان، نرى ونشاهد من أمور كثيرة استهان بها الكثير من الناس وخاصة الموظفين والموظفات ..

-أحدهم يضع هاتفه الجوال جانباً ثم يتكلم من هاتف العمل في أموره الشخصية!!

– آخر يرسل العامل أو الفراش في العمل ليقضي له حاجة أو يأتي له بطعام من المطعم القريب ..!!

– وثالث يستخدم سيارة العمل في قضاء حاجياته..!!

– ورابع وهو مسؤول يستخدم سائق العمل لتوصيل أولاده من وإلى مدارسهم أو لشراء حاجيات البيت من السوق أو الجمعية !!

– وخامس لا يأبه من الخروج مبكراً من العمل بحجة أنه لا يوجد تقدير للموظف من حيث الراتب أو العلاوات فهو ينتقم بطريقته الخاصة !!

– وسادس يتقبل الهدية من المراجعين أو من أولياء أمور الطلاب بحجة إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتقبل الهدايا !!

– وسابع يستخدم حاسوب العمل في طباعة أوراقه الخاصة !!

– وثامن يستخدم فاكس الدائرة الحكومية في إرسال سيرته الذاتية هنا وهناك!!

– وتاسع يطيل في سنة الظهر القبلية والبعدية في مصلى العمل أو في المسجد في حين إنه في أيام الإجازة لا يصليها !!

– وعاشر يحمل معه أقلام وأدوات العمل إلى البيت ليوزعها على أطفاله؛ لأن الخزنة عنده ممتلئة من مثلها نسأل الله السلامة !!

فأين نحن جميعاً ومنهج سلفنا الصالح في أعمالهم وورعهم وتقواهم ؟!!

نقول لمن يفعل ذلك عمداً أو عفواً وتساهلاً : اتق الله في المال العام؟! هل هذا هو ردك لجميل من وثق بك وبأمانتك ووضعك في هذا المكان؟! استمع لتطبيق السلف لمبدأ الورع عن المال العام؛ فهذا عمر بن عبد العزيز جاءه أحد الولاة وأخذ يحدثه عن أمور المسلمين وكان الوقت ليلاً، وكانوا يستضيئون بشمعة بينهما، فلما انتهى الوالي من الحديث عن أمور المسلمين وبدأ يسأل عمر عن أحواله قال له عمر: انتظر، فأطفأ الشمعة وقال له: الآن اسأل ما بدا لك، فتعجب الوالي وقال: يا أمير المؤمنين لم أطفأت الشمعة؟! فقال عمر: كنت تسألني عن أحوال المسلمين وكنت أستضيء بنورهم، وأما الآن فتسألني عن حالي فكيف أخبرك عنه على ضوء من مال المسلمين؟!

 وجاءوا له – يوماً – بزكاة المسك فوضع يده على أنفه حتى لا يشتم رائحته – ورعاً عن المال العام – فقالوا يا أمير المؤمنين إنما هي رائحة؛ فقال: وهل يستفاد منه إلا برائحته؟!

 الله أكبر !! فأين هؤلاء؟ وأين من نظر للمال العام بأنه غنيمة باردة فأخذ ينهب منها بغير حساب؟!

عباد الله: أوصيكم ونفسي ولست بخيركم أن نتقي الله في المال العام الذي بين أيدينا؛ وإني أعلم أيها الأحبة في الله أن بعضنا قد يأخذ من المال العام لا على سبيل قصد السرقة والغلول ولكن على سبيل التساهل وعدم الالتفات إلى القضية على اعتبار أنها من المحقرات؛ فأقول أيها الأحبة في الله لا بد لنا من الحيطة والحذر قبل أن نُفجأ في ذلك اليوم العظيم بتكاثر تلك المحقرات على رقابنا فيطول حسابنا؛ وقد تعظم الندامة ويتمنى المرء في تلك اللحظات أن لو دفع ماله كله ولا يقف مثل ذلك الموقف؛ وإني لأعرف رجالاً إذا تسلم أحدهم مرتبه أخرج نسبة منه تطهيراً له من تقصير ارتكبه في عمله أو لاستخدامه بعض مرافق العمل لأمور خاصة.

أيها المسلمون: ألا .. فليتق الله رؤساء المصالح العامة الذين يستخدمون سيارات العمل والوقود الخاص بها في قضاء مصالحهم الشخصية، وليتق الله الذين يصممون مشاريع على الورق يستنزفون من خلالها أموال البلاد!!

أعود إلى سيدنا عمر بن الخطاب مرة أخرى لتنظر مدى حاجته للمال العام ومدى ورعه فيه، فقد مرض يومًا، فوصفوا له العسل كدواء، وكان بيت المال به عسلًا، جاء من بعض البلاد المفتوحة، فلم يتداو عمر بالعسل كما نصحه الأطباء، حتى جمع الناس وصعد المنبر واستأذن الناس: إن أذنتم لي، وإلا فهو عليَّ حرام. فبكى الناس إشفاقًا عليه، وأذنوا له جميعًا، ومضى بعضهم يقول لبعض: لله درك يا عمر، لقد أتعبت الخلفاء بعدك!!( الطبري في تاريخه؛ وابن عساكر في تاريخ دمشق).

 ووقف ذات يوم يخطب في الناس فما كاد يقول: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا. حتى قاطعه أحدهم قائلاً: لا سمع ولا طاعة يا عمر، فقال عمر بهدوء: لم يا عبد الله؟ قال: لأن كلاً منا أصابه قميص واحد من القماش لستر عورته وعليك حلة. فقال له عمر: مكانك، ثم نادى ولده عبد الله بن عمر، فشرح عبد الله أنه قد أعطى أباه نصيبه من القماش ليكمل به ثوبه، لأن عمر طويل ولم يكفه نصيبه، فاقتنع الصحابة وقال الرجل في احترام وخشوع: الآن السمع والطاعة يا أمير المؤمنين!!( مناقب عمر لابن الجوزي؛ وعيون الأخبار لابن قتيبة)

انظر إلى ذلك وإلى حالنا كما وصفه نبينا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ” ( البخاري ).

هذا عن واجبنا نحو المال العام، أما المال الخاص فحدث عنه ولا حرج ولا سيما في الريف، وذلك بالتعدي على أراضي الغير دون وجه حق، فهو حرام أيضاً وهو من أكل أموال الغير بالباطل، كما روى مسلم وأحمد والنسائى عن على رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ” لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ ” وفى رواية ” لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِ “، ومعنى تغيير تخوم الأرض أو منار الأرض: العلامات ( الرُّجَم ) التي توضح حدود الأراضي وممتلكات الناس، فيأتي أحدهم فيزحزح العلامة حتى يستفيد من أرض جاره، فجاء لعنه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم لأنه اقتطع من مال أخيه بغير حق، فمن يغير هذه العلامات يلعن، فما بالنا بمن يسرقها؟!

 لذلك قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -:” مَن أَخَذ شِبرًا من الأرض ظُلمًا طُوِّقه من سبع أَرَضين” ( متفق عليه ).

أيها المسلمون: إن كثيراً من الناس يتلاعب بذلك ويتخصص في رفع قضايا بمستندات – تحسبها رسمية صحيحة- هي في الحقيقة مزورة ليقتطع بها مال المسلم وأرضه وداره، وقد حذرنا الشرع الحكيم من ذلك.

 فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ؛ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ” ( متفق عليه).

 وليعلم كل من ظلم حقاً – من مال أخيه أو مال الدولة ومال المسلمين – أن الله لا يتركه حتى يؤدي ما عليه في الآخرة، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الظُّلْمُ ثَلاثَةٌ، فَظُلْمٌ لا يَغْفِرُهُ الله، وَظُلْمٌ يَغْفِرُهُ، وَظُلْمٌ لا يَتْرُكُهُ، فَأَما الظُّلْمُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ الله فَالشِّرْكُ، قَالَ الله: {إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يَغْفِرُهُ فَظُلْمُ العِباَدِ أَنْفُسَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يَتْرُكُهُ الله فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا حَتَّى يُدَبِّرُ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ”.( عبدالرزاق والبزار والطيالسي بسند حسن).

ألا فبادر بالتوبة، فباب التوبة مفتوح لكل من أخذ مالاً خاصاً من أخيه، أو عاماً من الدولة، أن يرد ما أخذ من مظالم لأهلها، فهذا من تمام التوبة، قبل أن يحمل مظلمته على رقبته في الآخرة ويُفضح بها على رؤوس الخلائق يوم القيامة.

أسأل الله العلي العظيم أن يطيب كسبنا وكسبكم، وأن يصلح نياتنا ونياتكم، وأن يرزقنا وإياكم الرزق الحلال ويبارك لنا فيه، وأن يباعد بيننا وبين الحرام كما باعد بين المشرق والمغرب؛ إنه سميع قريب مجيب.  

الدعاء،،،،،،                              وأقم الصلاة،،،،،،،،                                                   

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي