خطبة بعنوان: “أمانة الصانع والتاجر وأثرها في صلاح الفرد والمجتمع”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 27 من جمادي الأولى 1438هـ – 24 فبراير 2017م

خطبة بعنوان: “أمانة الصانع والتاجر وأثرها في صلاح الفرد والمجتمع“، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 27 من جمادي الأولى 1438هـ – 24 فبراير 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:  

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: منزلة الأمانة وأنواعها

العنصر الثاني: أمانة الصانع والتاجر قصص وعبر

العنصر الثالث: أمانة الصانع والتاجر وأثرها في حياتنا المعاصرة بين الواقع والمأمول

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: منزلة الأمانة وأنواعها

عباد الله: الأمانة من أبرز أخلاق الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فنوح وهود وصالح ولوط وشعيب يخبرنا الله عز وجل في سورة الشعراء أن كل واحد منهم قد قال لقومه : {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ}( الشُّعراء: 107)، ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أمين الله في الأرض على الرسالة، فهو الذي يبلغ عن ربه هذا الدين العظيم، وقد كانوا يتركون ودائعهم عنده صلى الله عليه وسلم ليحفظها لهم؛ فقد عُرِفَ الرسول بصدقه وأمانته بين أهل مكة، فكانوا يلقبونه قبل البعثة ( بالصادق الأمين ) ؛ وحينما هاجر الرسول من مكة إلى المدينة، ترك علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ليعطي المشركين الودائع والأمانات التي تركوها عنده، وجبريل عليه السلام أمين وحي السماء، فقد وصفه الله بذلك في قوله تعالى:{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ }( الشُّعراء: 192 ؛ 193)، وأمانة موسى وقوته هي التي دفعت إحدى ابنتي شعيب إلى استئجاره لرعي أغنامهم,{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}( القصص: 26)، ويوسف الصديق- عليه السلام -لم يرشح نفسه لإدارة شئون المال بنبوته وتقواه فحسب، بل بحفظه وعلمه وأمانته أيضاً، قال تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}(يوسف:55)، وامتدح عباده المؤمنين بقوله:{وَالَّذِينَ هُم لأَمَانَاتِهِم وَعَهْدِهِم رَاعُونَ}(المعارج:32).

أحبتي في الله: إن تحمل الأمانة أمر ليس بالهين اللين كما يعتقده الكثيرون، ولخطورة التفريط في الأمانة أبت السماوات والأرض والجبال حملها، ” فعن الحسن -يعني: البصري -أنه تلا هذه الآية:{ إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ}(الأحزاب:72)، قال: عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قيل لها: إن أحسنت جُزِيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد، التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. ثم عرضها على الجبال الشوامخ الصعاب الصلاب، قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا. فقال لآدم: إني قد عرضتُ الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحمَّلها، فذلك قوله: { وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا }أي: ظلم نفسه بحمله إياها، جاهلاً حق الله فيها”.( تفسير ابن كثير).

أيها الإخوة المؤمنون: لقد أمرنا الله بأداء الأمانات فقال:{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} ( النساء: 58)

جاء في سبب نزول الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به، فلما قضى طوافه، دعا عثمان بن طلحة، ليأخذ منه المفتاح فاختبأ عثمان فوق الكعبة، فتبعه علىٌّ وأخذ منه المفتاح عنوة، وفتح الباب، فدخل رسول الله البيت وصلى فيه ركعتين، فقام إليه العباس، ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أين عثمان بن طلحة؟” فدعي له، فأمر رسول الله عليًّا أن يرد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ويعتذر إليه، ففعل ذلك عليٌّ، فقال له: “هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء ” فقال له عثمان: يا عليّ أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق؟ فقال: لقد أنزل الله في شأنك قرآناً، وقرأ عليه هذه الآية.( تفسير ابن كثير)، وتكريماً لشأن عثمان والمفتاح والأمانة، خصه صلى الله عليه وسلم وذريته من بعده بسدانة البيت والمفتاح فقال: ” خُذُوهَا يَا بني طَلْحَةَ خَالِدَةً تالدةً لا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلا ظَالِمٌ، يَعْنِي حِجَابَةَ الْكَعْبَةِ.”( مجمع الزوائد) ولما مات عثمان سلمه لابنه شيبه ومازال المفتاح حتى يومنا هذا في بني شيبة !!

بل إن النبي أخبر عثمان بن طلحة أن المفتاح يؤل إليه يضعه حيث شاء، وذلك لما منعه عثمان بن طلحة من دخول البيت  قبل الهجرة. فقد ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطّبَقَاتِ ” عَنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: كُنّا نَفْتَحُ الْكَعْبَةَ فِي الْجَاهِلِيّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمًا يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ الْكَعْبَةَ مَعَ النّاسِ فَأَغْلَظْتُ لَهُ وَنِلْتُ مِنْهُ فَحَلُمَ عَنّي ثُمّ قَالَ:” يَا عُثْمَانُ لَعَلّك سَتَرَى هَذَا الْمِفْتَاحَ يَوْمًا بِيَدِي أَضَعُهُ حَيْثُ شِئْت” فَقُلْتُ: لَقَدْ هَلَكَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ وَذَلّتْ. فَقَالَ: “بَلْ عَمَرَتْ وَعَزّتْ يَوْمَئِذٍ”، وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ فَوَقَعَتْ كَلِمَتُهُ مِنّي مَوْقِعًا ظَنَنْتُ يَوْمَئِذٍ أَنّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إلَى مَا قَالَ، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ قَالَ :”يَا عُثْمَانُ ائْتِنِي بِالْمِفْتَاحِ” فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَأَخَذَهُ مِنّي ثُمّ دَفَعَهُ إلَيّ وَقَالَ :”خُذُوهَا خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلّا ظَالِمٌ، يَا عُثْمَانُ إنّ اللّهَ اسْتَأْمَنَكُمْ عَلَى بَيْتِهِ فَكُلُوا مِمّا يَصِلُ إلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ بِالْمَعْرُوفِ” قَالَ فَلَمّا وَلّيْت نَادَانِي فَرَجَعْتُ إلَيْهِ فَقَالَ :” أَلَمْ يَكُنْ الّذِي قُلْتُ لَكَ؟” قَالَ فَذَكَرْت قَوْلَهُ لِي بِمَكّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ: لَعَلّك سَتَرَى هَذَا الْمِفْتَاحَ بِيَدِي أَضَعُهُ حَيْثُ شِئْت، فَقُلْتُ: بَلَى أَشْهَدُ أَنّكَ رَسُولُ اللّهِ.”

أيها الإخوة الأحباب: لو سألنا كل الحاضرين ما هي الأمانة؟ لأجاب الجميع أنها رد الودائع والأمانات إلى أصحابها، وهذا فهم قاصر لمعنى الأمانة، فالأمانة ليست كما يعتقده كثير من الناس أنها تتعلق بالودائع وحفظ الأمتعة والأموال لحين عودة صاحبها ثم يردها له أو ينكرها، لكن الأمانة أشمل من ذلك وأعظم منه بكثير، فالدين الذي منَّ الله به عليكم أمانة في أعناقكم، جسدك أمانة، أبناؤك أمانة، زوجتك أمانة، مالك أمانة، وظيفتك وعملك أمانة، وطنك أمانة،كل ما يتعلق بك أمانة.

الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها من شعائر الدين أمانة، من فرط في شيء منها أو أخل به فهو مفرط فيما ائتمنه عليه ربه تبارك وتعالى، البصر أمانة، والسمع أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، واللسان أمانة، والعقل أمانة؛ والفرج والبطن وغير ذلك أمانة عندك، فلا تأتي الحرام من قبل ذلك، وإلا أصبحت مفرطاً فيما ائتمنت عليه، واحذر أن تكون هذه الجوارح شاهدة عليك يوم القيامة إن فرطت فيها، يقول الحق تبارك وتعالى:{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (النور: 24).

ومن معاني الأمانة -أيضاً- وضع كل شيء في مكانه اللائق به، قال أبو ذر رضي الله عنه: رسول الله: ألا تستعملني؟ يعني ألا تجعلني والياً أو أميراً أو رئيساً لك على إحدى المدن. قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال:”يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها “(مسلم).

وتبليغ هذا الدين أمانة أيضاً، فالرسل أمناء الله على وحيه، قال صلى الله عليه وسلم :” أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً )(متفق عليه). وكذلك كل من جاء بعدهم من العلماء والدعاة، فهم أمناء في تبليغ هذا الدين.

 والعرض أمانة، فيجب عليك أن تحفظ عرضك ولا تضيعه، فتحفظ نفسك من الفاحشة، وكذلك كل من تحت يدك، وتحفظهم عن الوقوع فيها، قال أبي كعب رضي الله عنه: من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على حفظ فرجها.

والولد أمانة ، فحفظه أمانة ، ورعايته أمانة ، وتربيته أمانة . والسر أمانة، وإفشاؤه خيانة، والكلمة أمانة. والبيع والشراء أمانة، فالمسلم لا يغِشُّ أحدًا، ولا يغدر به ولا يخونه. والأمة في أيدي المسئولين والحاكمين أمانة، فإن قاموا بما يجب عليهم نحوها من نصح ورعاية وصيانة لكرامتها وحريتها أو أقاموها على شريعة الله كانوا أمناء أوفياء.

والمال في أيدي الناس أمانة، فإن أحسنوا التصرف به والقيام عليه وأداء الحقوق الاجتماعية فيه كانوا أمناء أوفياء، لهم الذكر الجميل في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، وإلا  كانوا خونة ظالمين وسفهاء مبذرين.

أحبتي في الله: نجد الأمانة تنظم شؤون الحياة كلها: من عقيدة وعبادة وأدب ومعاملة وتكافل اجتماعي وسياسة حكيمة رشيدة وخلق حسن كريم؛ وإذا كانت الأمانة تشمل جميع مجالات الحياة القولية والفعلية والدينية والدنيوية؛ فإننا نقتصر في هذا اللقاء على أمانة الصانع والتاجر لما لها من أهمية بالغة في استقامة وصلاح وبناء الفرد والمجتمع – ولا سيما في هذه المرحلة التي تمر بها البلاد- وهذا ما سنعرفه من خلال العنصرين التاليين إن شاء الله تعالى.

العنصر الثاني: أمانة الصانع والتاجر قصص وعبر

عباد الله: هناك صور مشرقة لسلفنا الصالح في أمانة التجارة والصناعة والبيع والشراء؛ نذكرها أهما لنأخذ منها العظة والعبرة ومن ذلك:

الأمانة في البيع والشراء: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْأَرْضُ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ قَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ. وَقَالَ الْآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ. قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا”( متفق عليه ).

فانظر إلى ورع كل من البائع والمشتري!! كلاهما يتورع عن جرة الذهب!! البائع يقول: بعتك الأرض بما فيها !! والمشتري يقول: اشتريت الأرض دون ما فيها!! تخيل لو حدثت هذه الواقعة في زماننا هذا لقامت من أجل هذا الذهب حروب وقتال؛ وراح ضحيته أروح عديدة!!

ومن صور الأمانة في البيع والشراء: ما روي ” أن أحد التجار الأمناء خرج في سفر له، وترك أحد العاملين عنده ليبيع في متجره، فجاء رجل يهودي واشتري ثوبًا كان به عيب. فلما حضر صاحب المتجر لم يجد ذلك الثوب، فسأل عنه، فقال له العامل: بعته لرجل يهودي بثلاثة آلاف درهم، ولم يطلع علي عيبه. فغضب التاجر وقال له: وأين ذلك الرجل؟ فقال: لقد سافر.  فأخذ التاجر المسلم المال، وخرج ليلحق بالقافلة التي سافر معها اليهودي، فلحقها بعد ثلاثة أيام، فسأل عن اليهودي، فلما وجده قال له: أيها الرجل! لقد اشتريت من متجري ثوبًا به عيب، فخذ دراهمك، وأعطني الثوب. فتعجب اليهودي وسأله: لماذا فعلت هذا؟ قال التاجر: إن ديني يأمرني بالأمانة، وينهاني عن الخيانة، فقد قال رسولنا -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا” (مسلم)،  فاندهش اليهودي وأخبر التاجر بأن الدراهم التي دفعها للعامل كانت مزيفة، وأعطاه بدلاً منها، ثم قال: لقد أسلمت لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.” هذه رسالة للتجار والبائعين والغشاشين أن يتقوا الله ويكونوا أمناء في تجارتهم وبيعهم وشرائهم!!

ومنها: الأمانة في التجارة: وذلك بالنصح للمشتري وتبيين العيوب التي بالسلعة المباعة؛ وهذا دأب الصالحين الورعين الناصحين الأمناء.

وقد ذكر الإمام الغزالي في الإحياء عدة صور مشرقة للأمانة في التجارة :” فَيُروى أنه كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان، ضرب قيمة كل حلة منها أربعمائة، وضرب كل حلة قيمتها مائتان، فمر إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان، فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين فاستحسنها ورضيها، فاشتراها فمضى بها وهي على يديه، فاستقبله يونس فعرف حلته، فقال للأعرابي: بكم اشتريت؟ فقال بأربعمائة، فقال: لا تساوي أكثر من مائتين فارجع حتى تردها، فقال: هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا أرتضيها، فقال له يونس: انصرف فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها، ثم رده إلى الدكان ورد عليه مائتي درهم، وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله وقال: أما استحييت!! أما اتقيت الله!!! تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين!! فقال: والله ما أخذها إلا وهو راض بها!! قال: فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك؟!!

وباع ابن سيرين شاة فقال للمشتري: أبرأ إليك من عيب فيها إنها تقلب العلف برجلها .

وباع الحسن بن صالح جارية فقال للمشتري: إنها تنخمت عندنا دماً.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع جريراً على الإسلام ذهب لينصرف فجذب ثوبه واشترط عليه النصح لكل مسلم، فكان جرير إذا قام إلى السلعة يبيعها بصر عيوبها ثم خيره وقال: إن شئت فخذ وإن شئت فاترك، فقيل له: إنك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك بيع، فقال إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم.

وكان واثلة بن الأسقع واقفاً فباع رجل ناقةً له بثلثمائة درهم، فغفل واثلة وقد ذهب الرجل بالناقة، فسعى وراءه وجعل يصيح به: يا هذا، اشتريتها للحم أو للظهر؟ فقال: بل للظهر، فقال: إن بخفها نقباً قد رأيته، وإنها لا تتابع السير، فعاد فردها فنقضها البائع مائة درهم وقال لواثلة: رحمك الله أفسدت علي بيعي، فقال: إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم.!! ……يقول الإمام أبو حامد الغزالي بعد سرده لهذه الصور: فهكذا كانت سيرة أهل الدين، فمن لا يقدر عليه فليترك المعاملة أو ليوطن نفسه على عذاب الآخرة”.  ( إحياء علوم الدين)

ومنها الأمانة في الصناعة: فقد كان السلف الصالح – رضي الله عنهم – يهتمون بإتقان الصنائع وتجويدها!! يقول الإمام الغزالي – رحمه الله -: ” والغش حرام في البيوع والصنائع جميعاً، ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه، بل ينبغي أن يحسن الصنعة ويحكمها، ثم يبين عيبها إن كان فيها عيب، فبذلك يتخلص. وسأل رجل حذاء بن سالم فقال: كيف لي أن أسلم في بيع النعال؟ فقال : اجعل الوجهين سواء، ولا تفضل اليمنى على الأخرى وجوِّد الحشو، وليكن شيئاً واحداً تاماً، وقارب بين الخرز، ولا تطبق إحدى النعلين على الأخرى.

ومن هذا الفن ما سئل عنه أحمد بن حنبل رحمه الله من الرفو بحيث لا يتبين؟!! فقال: لا يجوز لمن يبيعه أن يخفيه، وإنما يحل للرفا إذا علم أنه يظهره أو أنه لا يريده للبيع!!”. ( إحياء علوم الدين)

ومنها: الأمانة في الحراسة والعمل: فقد روي أنه ” في أحد الأيام كان هناك حارس بستان، دخل عليه صاحب البستان وطلب منه أن يحضر له رمانة حلوة الطعم فذهب الحارس وأحضر حبة رمان وقدمها لسيد البستان، وحين تذوقها الرجل وجدها حامضة، فقال صاحب البستان: قلت لك أريد حبة حلوة الطعم، أحضر لي رمانة أخرى، فذهب الحارس مرتين متتاليتين وفي كل مرة يكون طعم الرمان الذي يحضره حامضاً، فقال صاحب البستان للحارس مستعجباً: إن لك سنة كاملة تحرس هذا البستان، ألا تعلم مكان الرمان الحلو ؟!! فقال حارس البستان: إنك يا سيدي طلبت مني أن أحرس البستان لا أن أتذوق الرمان،كيف لي أن اعرف مكان الرمان الحلو؟!! فتعجب صاحب البستان من أمانة هذا الرجل، وأخلاقه، فعرض عليه أن يزوجه ابنته، وتزوج هذا الرجل من تلك الزوجة الصالحة، وكان ثمرة هذا الزواج هو: عبد الله ابن المبارك الزاهد العابد”

وروي أن المبارك كان يعمل في بستان لمولاه وأقام فيه زماناً، ثم إن مولاه جاءه يوما وقال له: أريد رماناً حلواً، فمضى إلى بعض الشجر وأحضر منها رماناً فكسره فوجده حامضاً، فحرد عليه ( أي غضب) فقال: أطلب الحلو فتحضر لي الحامض؟!! هات حلواً، فمضى وقطع من شجرة أخرى، فلما كسره وجده أيضاً حامضاً فاشتد حرده عليه، وفعل كذلك دفعة ثالثة، فقال له بعد ذلك: أنت ما تعرف الحلو من الحامض؟! فقال: لا، فقال: كيف ذلك؟! فقال: لأنني ما أكلت منه شيئاً حتى أعرفه، فقال: ولم لم تأكل؟! قال: لأنك ما أذنت لي، فكشف عن ذلك فوجد قوله حقاً، فعظم في عينه وزوّجه ابنته، ورزقه الله منها عبد الله بن المبارك الذي امتلأت الكتب والمؤلفات بذكره إلى يومنا هذا !!( وفيات الأعيان لابن خلكان)

انظر إلى ورع هؤلاء الصالحين الأمناء!! وانظر في واقعنا المعاصر إلى حال الحراس والعمال الذين استعملتهم الدولة على الأموال والخزائن؛ وانظر إلى الشركات الخاصة والعامة وما يجري فيها من سلب ونهب وسرقة وخيانة !! فهذه رسالة قوية لحراس المزارع والمصانع والشركات والمؤسسات الحكومية!!

ومنها: الأمانة في القرض والمداينة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا. قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ. فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلَا فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ. قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟! قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا”(البخاري)، هذا حالهم، أما حالنا فيقول: ” السلف تلف والرد خسارة “، انظر لو أسلفت رجلاً مبلغاً من المال، يماطلك ثم يخاصمك ويتجنبك إن طالبته، وتصير قطيعة بينكما بسبب معروفٍ قدمته له!!!

ومنها: الأمانة في تحري أكل الحلال: فروى أنه : “بينما كان رجل يسير بجانب بستان وجد تفاحة ملقاة على الأرض، فتناول التفاحة وأكلها، ثم حدثته نفسه بأنه أتى على شيء ليس من حقه، فأخذ يلوم نفسه، وقرر أن يرى صاحب هذا البستان، فإما أن يسامحه في هذه التفاحة أو أن يدفع له ثمنها، وذهب الرجل لصاحب البستان وحدثه بالأمر، فاندهش صاحب البستان لأمانة الرجل وقال له: لن أسامحك في هذه التفاحة إلا بشرط أن تتزوج ابنتي، واعلم أنها خرساء عمياء صماء مشلولة، إما أن تتزوجها وإما لن أسامحك في هذه التفاحة، فوجد الرجل نفسه مضطراً يوازي بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فوجد نفسه يوافق على هذه الصفقة، وحين حانت اللحظة التقى الرجل بتلك العروس، وإذ بها آية في الجمال والعلم والتقى، فاستغرب كثيراً، لماذا وصفها أبوها بأنها صماء مشلولة خرساء عمياء؟! فقال أبوها: إنها عمياء عن رؤية الحرام، خرساء صماء عن قول وسماع ما يغضب الله، وقدماها مشلولة عن السير في طريق الحرام، وتزوج هذا الرجل بتلك المرأة وكان ثمرة هذا الزواج: الإمام أبو حنيفة.”

هكذا كان سلفنا الصالح – رضي الله عنهم – حريصين على تحري الحلال؛ وكانت المرأة توصي زوجها وتقول له إذا خرج إلى سوق العمل للتجارة أو الصناعة: اتق الله ولا تطعمنا حراماً فإننا نصبر على نار الجوع ولا نصبر على نار جهنم!!

أما نحن فنجمع المال من التجارة والصناعة ولا نبالي أمن حلال أم من حرام؟!! المهم جمع المال !! وهذا من علامات الساعة كما أخبر بذلك المصطفى – صلى الله عليه وسلم- . فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ؟!!”(البخاري)؛ وهذا ما سنعرفه بالتفصيل في عنصرنا التالي إن شاء الله تعالى.

العنصر الثالث: أمانة الصانع والتاجر وأثرها في حياتنا المعاصرة بين الواقع والمأمول

عباد الله: إن من ينظر إلى واقعنا المعاصر يجد أن الأمناء من الصُنَّاع والتجار قلة؛ فكثيرٌ منا معه أموال فائضة عن حاجاته ومع ذلك لا يقدم على التعامل مع الآخرين كشركة أو استثمار ماله أو إعطائه لمن يتجر به لانعدام الثقة بين أفراد المجتمع؛ لذلك تجد صفات التاجر المسلم تكاد تكون منعدمة في أسواقنا إلا من رحم الله؛ وقليل ما هم !!!

أحبتي في الله: لقد ضعفت الأمانة، وقل التعامل بين الناس بها، حتى لا تكاد ترى رجلاً أميناً تأمنه على مالك أو سرك أو غير ذلك، قال عبد الله بن مسعود: أتى على الناس زمان كان الرجل يدخل السوق ويقول: من ترون لي أن أعامل من الناس؟ فيقال له: عامل من شئت. ثم أتى زمان آخر كانوا يقولون: عامل من شئت إلا فلاناً وفلاناً، ثم أتى زمان آخر فكان يقال: لا تعامل أحداً إلا فلاناً وفلاناً، وأخشى أن يأتي زمان يذهب هذا أيضاً. وكأنه قد كان الذي كان يحذر أن يكون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.” (إحياء علوم الدين).

إن الواحد منا إذا أراد أن يصنع شيئاً لنفسه خاصة؛ فإنه يتقنه ويجوده ويخرجه في أبهى صورة وأجملها وأكملها؛ أما إذا كان يعمل لغيره أو أجيراً أو في شركه فإنه يعمل بلا ضمير ولا أمانة ولا إتقان؛ وإليكم قصة رائعة تعبر عن هذا الواقع المرير !!

يروى أن هناك رجلا بناء يعمل في إحدى الشركات لسنوات طويلة؛ فبلغ به العمر أن أراد أن يقدم استقالته ليتفرغ لعائلته؛ فقال له رئيسه: سوف أقبل استقالتك بشرط, أن تبني منزلا أخيراً ..؛ فقبل رجل البناء العرض؛ وأسرع في تخليص المنزل دون (( تركيز وإتقان)) ؛ ثم سلم مفاتيحه لرئيسه ..فابتسم رئيسه وقال له: هذا المنزل هدية منِّي لك بمناسبة نهاية خدمتك للشركة طوال السنوات الماضية؛ فَصُدِمَ رجل البناء؛ وندم بشدة أنه لم يتقن بناء منزل العمر!!

أقول: لماذا تَرضَى للآخرين ما لا ترضاه لنفسك؟!! لماذا تهتم بعملك الخاص ونفعه خاص غير متعدٍّ، ولا تهتم بأعمال الآخرين والوظائف العامة ونفعها يعم الآخرين؟!! لماذا لا تكون أميناً على كل ما تقوم به من أعمال؟!! ألا ما أحوجنا إلى الأمانة والمراقبة ويقظة الضمير !!!

وما أجمل قول الإمام الغزالي – رحمه الله -:” الغش حرام في البيوع والصنائع جميعاً، ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه، بل ينبغي أن يحسن الصنعة ويحكمها، ثم يبين عيبها إن كان فيها عيب، فبذلك يتخلص”. (إحياء علوم الدين)

أحبتي في الله: إن ضياع الأمانة في أسواق التجارة والصناعة من علامات الساعة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس يُحدِّثُ القومَ، جاءَهُ أعرابيٌّ فقال: مَتَى السَّاعَةُ ؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ، فقال بعض القوم: سَمِعَ ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يَسمع، حتَّى إذا قَضَى حديثَه، قال:” أين السائل عن الساعة؟ ” قال: ها أنا يا رسول الله، قال: ” إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظر الساعة” قال: كيف إضاعتُها يا رسول الله؟ قال:” إذا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غير أهله فانتظر السَّاعة”( البخاري)، إنه مؤشر خطير ودقيق على ضياع أساس الصلاح في النفوس، فماذا يبقى للناس إذا فقدوا الأمانة بينهم؟! فخانوا الله في دينهم، وخانوه في أعمالهم، وخانوه في حوائج الناس الذين استأمنوهم على قضائها، لقد أصبح فئام من مجتمعنا بعد أن استرعاهم الله على بعض أمورنا يتفننون في التهرب من أداء أمانتهم الملقاة على عواتقهم، ويتباهون بأخذ رواتبهم من غير تعب ولا نصب، بل ويجاهرون بتحصيل الأموال الطائلة في تجارتهم بالغش والتحايل.

لقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بضياع الأمانة تدريجياً حتى يمحى أثرها من قلوب الرجال، فعَنْ حُذَيْفَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ :” إِنَّ الأَمانَةَ نزلَتْ في جَذْرِ قُلوبِ الرِّجَالِ ، ثُمَّ نزلَ القرآنُ ، فَعَلِمُوا مِنَ القرآنِ ، وعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ . ثُمَّ حَدَّثَنا عن رَفْعِ الأَمانَةِ ؛ فقال : يَنامُ الرجلُ النَّوْمَةَ ، فَتُقْبَضُ الأَمانَةُ من قلبِهِ ، فَيَظَلُّ أَثَرُها مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ ثُمَّ ينامُ الرجلُ النَّوْمَةَ ، فَتُقْبَضُ الأَمانَةُ من قلبِهِ ، فَيَظَلُّ أَثَرُها مِثْلَ أَثَرِ المَجْلِ ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ على رِجْلِكَ فَنَفِطَ ، فتراهُ مُنتبرًا وليسَ فيهِ شيءٌ ، ثُمَّ أَخَذَ حَصاةً فَدَحْرَجَهُ على رِجْلِه؛ فَيُصْبِحُ الناسُ يَتَبايَعُونَ لا يَكَادُ أحدٌ يُؤَدِّي الأَمانَةَ ، حتى يقالَ : إِنَّ في بَنِي فُلانٍ رجلًا أَمِينًا ، حتى يقالَ لِلرَّجُلِ : ما أَظْرَفَهُ ! ما أَعْقَلهُ ! وما في قلبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ من إِيمانٍ”. (متفق عليه). وصدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فأين الأمانة اليوم؟!  يقول الإمام النووي: ” إِنَّ الْأَمَانَة تَزُول عَنْ الْقُلُوب شَيْئًا فَشَيْئًا، فَإِذَا زَالَ أَوَّل جُزْء مِنْهَا زَالَ نُورهَا وَخَلَفَتْهُ ظُلْمَة كَالْوَكْتِ وَهُوَ اِعْتِرَاض لَوْن مُخَالِف لِلَّوْنِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَإِذَا زَالَ شَيْء آخَر صَارَ كَالْمَجْلِ وَهُوَ أَثَر مُحْكَم لَا يَكَاد يَزُول إِلَّا بَعْدَ مُدَّة، وَهَذِهِ الظُّلْمَة فَوْقَ الَّتِي قَبْلَهَا، ثُمَّ شَبَّهَ زَوَال ذَلِكَ النُّور بَعْدَ وُقُوعه فِي الْقَلْب وَخُرُوجه بَعْدَ اِسْتِقْرَاره فِيهِ وَاعْتِقَاب الظُّلْمَة إِيَّاهُ بِجَمْرٍ يُدَحْرِجهُ عَلَى رِجْله حَتَّى يُؤَثِّر فِيهَا ثُمَّ يَزُول الْجَمْر وَيَبْقَى التَّنَفُّط، وَأَخْذه الْحَصَاة وَدَحْرَجَتِهِ إِيَّاهَا أَرَادَ بِهَا زِيَادَة الْبَيَان وَإِيضَاح الْمَذْكُور.”( صحيح مسلم بشرح النووي).

أخي المسلم: إنك لو جئت وغربلتَ الناس لتخرج الصالح من الطالح والأمين من الخائن لما وجدت في الغربال شيئاً إلا حثالة، وهذا ما أنبأنا به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ، قَالَ: كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ، يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، وَتَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، فَاخْتَلَفُوا، وَكَانُوا هَكَذَا؟ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، قَالُوا: كَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَأْخُذُونَ بِمَا تَعْرِفُونَ، وَتَدَعُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى خَاصَّتِكُمْ، وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَوَامِّكُمْ” (صحيح سنن أبي داود – الألباني)، والحثالة هم سفلة الناس وغوغاؤهم، وقوله عليه الصلاة والسلام: (مرجت عهودهم) أي اختلطت عهودهم وفسدت، وضيّعها أصحابها، وقد دلّت الآثار على أن رفع الأمانة من قلوب الرّجال يُعدّ من أوائل مظاهر الخلل في بنيان المجتمعات، وبداية الانحراف والتغيير في قيمها وأخلاقها، وشاهد ذلك من بطون السنّة ما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما يبقى الصلاة” ( مجمع الزوائد)

أيها المسلمون : أمر الأمانة عظيم، وخطرها كبير، فلقد استهان كثير من الناس اليوم بأمر الأمانة حتى أضحوا لا يلقون لها بالاً، ولا يقيمون لها وزناً، وذلك ناتج عن سوء فهم لمعنى الأمانة وما يترتب على تضييعها والتفريط فيها من العذاب والعقاب.

فبادر يا عبد الله بالأمانة في التجارة إذا كنت تاجرا؛ وبادر بالأمانة في الصناعة إذا كنت صانعا؛ حتى لا تقع في زمرة الخائنين وتحمل الأمانة على عاتقك في الآخرة حتى تؤديها لصاحبها، فعن ابنِ مسعودٍ قال : القتلُ في سبيلِ اللهِ يكفِّرُ الذُّنوبَ كلَّها إلَّا الأمانةَ ، قال : يؤتَى بالعبدِ يومَ القيامةِ وإنْ قُتِلَ في سبيلِ اللهِ ، فيقالُ : أدِّ أمانتَكَ ، فيقولُ : أي ربِّ ! كيف وقد ذهبتِ الدُّنيا ؟ قال : فيقالُ : انطلقوا به إلى الهاويةِ ، فيُنطلَقُ به إلى الهاويةِ ، وتمثلُ له أمانتُهُ كهيئتِها يومَ دُفِعَتْ إليه ، فيراها فيعرفَها ، فيهوِي في أثَرِها حتَّى يدركَها فيحملَها على منكبيهِ ، حتَّى إذا نظر ظنَّ أنَّه خارجٌ زلَّتْ عن منكبيهِ ، فهو يهوي في أثرِها أبدَ الآبدينَ ، ثمَّ قال : الصَّلاةُ أمانةٌ ، والوضوءُ أمانةٌ ، والوزنُ أمانةٌ ، والكيلُ أمانةٌ وأشياءٌ عدَّدها ، وأشدُّ ذلك الودائعُ . قال يعني زاذانُ : فأتيتُ البراءَ بنَ عازبٍ فقلتُ : ألا ترَى إلى ما قال ابنُ مسعودٍ ؟ قال : كذا . قال : كذا . قال : صدقَ ، أما سمعتَ اللهَ يقولُ : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}”!! (شعب الإيمان للبيهقي بسند حسن)، فالشهادة أعلى المراتب ومع ذلك لم تشفع ولم تغن عن الأمانة. وعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ فَيقالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ(متفق عليه)، فراجع نفسك وأد الأمانة قبل أن يرفع لواء غدرك، فتفضح على الملأ أمام الخلائق يوم القيامة.

لذلك يبعث الخائنون من التجار يوم القيامة فجاراً؛ فعن رِفَاعَةَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَلَّى فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ فَقَالَ:” يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ فَقَالَ:” إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلَّا مَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ”؛( الطبراني وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح).

عباد الله: إن ضعف الأمانة له أثره السيء على الفرد والمجتمع؛ فكم من بيوت وعمارات وأبراج هدمت بسبب خيانة المقاولين والبنائين؛ وكم من أرواح ماتت في تصادم قطارات السكك الحديدية بسبب عدم جودة الصناعة والخدمة؛ وكم من طرق وكباري هبطت وسقطت بسبب خراب الذمم وخيانة وسرقة المقاولين!! وكم من أرواح غرقت في البحار بسبب سوء صنع العبارات والسفن والبواخر !! وكم من مساجد ومعاهد ومستشفيات ومؤسسات انهار بنيانها بسبب قلة الضمير وسرقة مواد البناء وتسليم المباني دون المواصفات المطلوبة!! وهلم جراً في جميع مجالات الحياة!!!

أيها المسلمون: علينا أن نعود إلى الأمانة؛ فالأمانة سر سعادة الأمم، ويوم كانت أمتنا من أصدق الشعوب والأمم في حمل هذه الأمانة والوفاء بها كانت أمتنا خير أمة أخرجت للناس.

الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،                              

    كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

                                                                                                                                  د / خالد بدير بدوي  




خطبة الجمعة القادمة:”أمانة الصانع والتاجر”بتاريخ 27 من جمادي الأولي 1438هـ الموافق 18-2-2017م

خطبة الجمعة القادمة:”أمانة الصانع والتاجر”بتاريخ 27 من جمادي الأولي 1438هـ الموافق 18-2-2017م.

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:




خطبة بعنوان : “أمانة الصانع والتاجر”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 27 من جمادي الأولى 1438هـ، الموافق 24 فبراير 2017م

خطبة بعنوان : “أمانة الصانع والتاجر”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 27 من جمادي الأولى 1438هـ، الموافق 24 فبراير 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

الحمد لله الغني الحميد ، الواسع الكرم ذي الخير المديد ، يسأله من في السماوات والأرض وقد تكفل بشؤون العبيد ، فسبحانه من إله كريم ، وسع كل شيء رحمة وعلما ، وتبارك من أولى عباده عفواً ومغفرة وحلماً. ًوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، في جميع النعوت والصفات..وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الرسل وخير المخلوقات ،القائل :”إن التجار هم الفجار قيل:” ولما يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع “قال :”بلى ولكنهم يحدثون فيكذبون ويحلفون فيأثمون”(صحيح الجامع ).وورد :” ويل للتاجر من بلي والله وويل للصانع من غد وبعد غد”اللهم صل وسلم ، وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه أولي الفضائل والكرامات .

أما بعد:فيقول الله تعالي:”إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا”(النساء/ 58).

أخوة الإيمان  ” يُخبرُ تعالى أنَّه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، في حديث الحسن عن سمرة أنَّ رسول الله *صلي الله عليه وسلم  قال: “أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تَخُن مَن خانك” ( أحمد وأهل السنن ).

فالأمانة مشمولها واسع ومدلولها عظيم ، فهي تشمل كل ما أوجبه الله على عباده، فالصلاة أمانة عندك أيها المسلم، مطلوب أن تؤديها في وقتها إن لم يكن لك عذر وبشروطها وأركانها، والزكاة أمانة مطلوب منك أن تؤديها في وقتها كاملة غير منقوصة إذا توفرت شروطها، والصيام أمانة بينك وبين الله إذا كنت قادرا، والحج أمانة إذا كنت مستطيعا له، والطهارة للصلاة وغيرها أمانة، والودائع والعواري التي عندك للناس أمانة، والسر الذي بينك وبين أخيك أمانة، والأعمال التي تتولاها من شؤون المسلمين أمانة، فالسلطان يتحمل أمانة، والقاضي ومن في حكمه يتحمل أمانة، والمدرس مؤتمن على عقول التلاميذ، مؤتمن على أداء الرسالة الشريفة التي تعلقت به وشرفه لله بها، والتاجر في متجره يتحمل أمانة الصدق في البيع والشراء وعدم الغش والخداع وتجنب المكاسب المحرمة، والموظف يتحمل أمانة في صرف وقته فيما ينفع الناس ولا يؤجل عمل اليوم إلى غد وأن يعامل الناس معاملة حسنة، والرجل في بيته يتحمل أمانة، وكل سيسأل عن أمانته، فيثاب إن حفظها، ويعذب إن ضيعها.  فهي تشمل كل شيء فالكلمة أمانة والسر أمانة والوضوء أمانة والصلاة أمانة والوزن أمانة والكيل أمانة والصنعة أمانة وكل شيء في هذا الوجود أمانة جاء رجل من أهل العالية فقال: يا رسول الله أخبرني بأشد شيء في هذا الدين وألينه، فقال ألينه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأشده يا أخا العالية الأمانة إنه لا دين لمن لا أمانة له، ولا صلاة له ولا زكاة له. يا أخا العالية إنه من أصاب مالاً من حرام فلبس منه جلباباً يعني قميصاً لم تقبل صلاته حتى ينحي ذلك الجلباب عنه، إن الله عز وجل أكرم وأجل يا أخا العالية من أن يقبل عمل رجل أو صلاته وعليه جلباب من حرام(البزار).

فهو يَعمُّ جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله عزَّ وجلَّ على عباده من الصلاة والزكاة والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مِمَّا هو مؤتَمَن عليه لا يطَّلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض، كالودائع وغير ذلك مِمَّا يأتَمنون به من غير اطلاع بينة على ذلك، فأمر الله عزَّ وجلَّ بأدائها، فمَن لَم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة “.

وقال تعالى:”إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا . لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا”(الأحزاب/ 72,73).

وقال تعالى: “وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ “[المؤمنون : 8]

وعن أنس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ” أوَّل ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخره الصلاة “( صحيح ).

وعن أبي هريرة عن النَّبيِّ صلي الله عليه وسلم قال:” آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمن خان “(البخاري ومسلم).

 و عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ” أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تَخُن من خانك “( أبو داود والترمذي).

عباد الله: إن من الأمور المهمة التي شرعها الله بين الخلق وجعلها من الصفات المحمودة بينهم وعليها ترتكز حياة الأمة أداءَ الأمانة؛ إذ إن الأمانة هي الرابطة بين الناس في أداء الحقوق والواجبات، ولا فرق بين حاكم وموظف وصانع وتاجر وزارع، ولا بين غني وفقير وكبير وصغير، فهي شرف الغني وفخر الفقير وواجب الموظف ورأس مال التاجر وسبب شهرة الصانع وسر نجاح العامل والزارع ومفتاح كل تقدم بإذن الله ومصدر كل سعادة ونجاح بفضل الله، وإن مجتمعًا يفقد هذه الصفة الشريفة لهو من أفسد المجتمعات، ويكون ذلك في آخر الزمان؛ إذ إن الأمانة موجودة في الناس عن طريق الفطرة والوحي، ثم تقبض منهم لسوء أفعالهم، قال الله تعالى:” إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ “(الرعد: 11).

فتزول الأمانة من القلوب شيئًا فشيئًا، فإذا زال أول جزء منها زال نوره وخلفه ظلمة، ثم إذا زال الجزء الثاني خلفه ظلمة أشد من الظلمة التي قبلها، ويصبح الأمين بعد ذلك غريبا في الناس، حتى يمدح من لا خير فيه ولا إيمان وكلَّما انتُقصت الأمانة نقصت شعبُ الإيمان لما روى مسلم من حديث حذيفة – رضي الله عنه – قال: حدثنا رسول الله صلي الله عليه وسلم  أن الأمانةَ نزلت في جذر قلوبِ الرجال أي: في وسطها، ثم نزلَ القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنَّة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال:”ينام الرجل النومةَ، فتُقبَض الأمانة من قلبه، فيظلّ أثرها مثل الوَكت، ثم ينام الرجل، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك، فنفط فتراه منتبرًا وليس فيه شيء”، ثم أخذَ حصاةً فدحرجها على رجله، “فيصبح الناس يتبايَعون، لا يكاد أحدٌ يؤدِّي الأمانة، حتى يقال: إنَّ في بني فلان رجلا أمينا، وحتى يقال للرَّجل: ما أظرفَه ما أعقله، وما في قلبه مثقالُ حبة من خردل من إيمان”

 أيها الناس:

 اعلموا إن الأمانة من الأمور المهمة للمجتمع، وبدونها يعيش المجتمع في بلاء عظيم، والأمة التي لا أمانة لها هي التي تنتشر فيها الرشوة، وينتشر فيها الغش والخداع والتحايل على الحق وتضييع الواجبات التي أنيطت بأفرادها، فما من إنسان منا إلا وعمله أمانة لله في عنقه، فالشعب أمانة في يد ولاة الأمور، والدين أمانة في يد العلماء وطلبة العلم، والعدل أمانة في يد القضاة، والحق أمانة في يد القائمين عليه، والصدق أمانة في يد الشهود، والمرضى أمانة في يد الأطباء، والمصالح أمانة في يد المستخدمين، والتلميذ أمانة في يد الأستاذ، والولد أمانة في يد أبيه، والوطن أمانة في يد الجميع، وأعضاء الإنسان أمانة لديه، فاللسان أمانة فاحفظه من الكذب والغيبة والنميمة والسخرية بعباد الله، والعين أمانة فاصرفها عن النظر إلى الحرام وتوجه بها إلى النظر إلى المباح الحلال، والأذن أمانة فجنبها استماع المحرمات واصرفها إلى استماع ما يعود عليك بالنفع والفائدة في الدنيا والآخرة، والرجل أمانة واليد أمانة فلا تبطش إلا المباحات ولا تمش إلا إلى الخيرات، وأموالكم أمانة لديكم فلا تصرفوها إلا فيما يرضي ربكم سبحانه وتعالى، من قبل أن يأتي يوم تسأل عن هذه الأمانة: ماذا عملت بها؟ فلا تستطيع الإجابة، فقد ثبت في الحديث أن النبي قال: “لن تزول قدما عبد يوم القيام حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين أتى به وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به”(البيهقي).

*أخوة الإيمان والإسلام ومن الأمانة :

الأمانة في الصناعة :

 

 الإسلام دين أنزله الله على النبي محمد صلي الله عليه وسلم ، وجعله آخر الأديان ، وبالقرآن الكريم ودعوته للحياة الفاضلة وتبيانه لسبل المعيشة الراشدة، حثنا على القيام بالعبادة بمفهومها الواسع الشامل للمهن والوظائف والأعمال المختلفة التي عليها قوام الإنسان ومعيشته. ونظرة على آيات القرآن الكريم وعلى سنة النبي العظيم محمد صلي الله عليه وسلم القولية والفعلية وعلى تاريخ المسلمين نلحظ العناية بالصناعة والصناعات المختلفة وبدءاً من أعظم مراتب البشر الأنبياء نلحظ أن سيدنا نوح كان نجارا و صانع سفن {وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} وسيدنا داوود كان حدادا يصنع الدروع {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وعمل سيدنا زكريا عليه السلام في النجارة والخشب ،أخرج مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان زكريا عليه السلام نجاراً) وفي المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما: وكان إدريس خياطاً. وتحدثنا السيدة عائشة رضي الله عنها عن النبي محمد صلي الله عليه وسلم: “كان رسول الله يخصفُ نعله, ويخيط ثوبه, ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته” أخرجه الترمذي وأحمد وحث الإسلام على الاحتراف والعمل ورغب فيه, وصغر من شأن من يتهاون به, أو يحتقره أو يزَّهِدُ فيه, فعن الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي قال :((لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها, فيكف الله بها وجهه, خير له من أن يسأل الناس, أعطوه أو منعوه”( متفق عليه). وقد قال عمر بن الخطاب:”إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول :له حرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط من عيني“.. فيتعين علي صاحب المهنة أن يحذر من خلف الوعد  مثل أن يقول لصاحب الثوب :”   يفرغ ثوبك بعد ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر ثم لا يفي له بذلك . وقد ورد:” ويل للصانع من غد وبعد غد وويل للتاجر من تالله وبالله ” ثم ليحذر أيضا من الأيمان فإنها ، وإن كانت صادقة فليست من شيم الناس ولا من عادتهم ، وقد وردأن السلف رضي الله عنهم كانوا يحترمون اسم الله تعالى أن يذكروه إلا على سبيل العبادة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالي..

الأمانة في التجارة

قد دعا الإسلام إلى التجارة وقال :”تسعة أعشار الرزق في التجارة ” ولكن العمل في التجارة مثلاً بالكذب والغش والطمع والأنانية فنجد الرسول يقول :” التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء “( الترمذي والحاكم). بأن لا يكذب في إخباره عن نوع البضاعة ونفاستها ونحوه ..

ويقول :” إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا اشتروا لم يذموا وإذا باعوا لم يمدحوا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعسروا”( الترمذي).

  أما حين يفجر التاجر نجد أن الرسول يقف له بالمرصاد  فيقول :”إن التجار هم الفجار قيل ولما يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع قال بلى ولكنهم يحدثون فيكذبون ويحلفون فيأثمون”(صحيح الجامع ).

** أخوة الإيمان ومن آداب البيع والشراء والصناعة :

عدم الحلف ولو كان صادقًاً:

فمن آداب البيع والشراء ودلائل الصدق فيه عدم الإكثار من الحلف؛ بل عدم الحلف مطلقًا؛ لأن في ذلك امتهانًا لاسم الله -تعالى-، قال تعالى-:”وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ “[البقرة: 224].  ويحذر الرسول التجار من كثرة الحلف :”خاب وخسر المنفق سلعته بالحلف الكاذب “ويقول :”ويل للتاجر من بلي والله ولا والله” (الطبراني).

 أن لا يروّج للسلعة بالكذب وبما ليس فيها وبالقسم بالله باطلا وبالتضليل والغش والغدر كأن يدعي كذباً أنه اشتراها بثمن معين أو دفع له ثمن معين·

عن عبد الله بن أبي أوفى – رضي الله عنه- أن رجلا أقام سلعة في السوق فحلف بالله لقد أعطى فيها ما لم يعطَ ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزل قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”.( آل عمران/77).

وقال صلي الله عليه وسلم : ”من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان” (البخاري)·

وقال – صلي الله عليه وسلم -: “والحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة” (متفق عليه). نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الحلف, نعم ستنفق السلعة، لكن لا بد أن تعلم علمَ يقين أن المال الذي أخذته بهذا الحلف صادقاً يدل على قلة تعظيم الله عز وجل وأسمائه وصفاته في قلبك، واستهانة منك بأن جعلت يمين الله تعالى عرضة له في البيع والشراء، وإن كنت حلفت كاذباً فقد اقتطعت به حق امرئ مسلم بغير حق، وهذا هو اليمين الغموس، وسمي غموساً؛ لأن الله تعالى يغمس صاحبه في نار جهنم!

لأجل أن تباع سلعة -لعل الله تعالى لا يقدر لها البيع قط- يخرج الإنسان من هذا الموقف بغضب الله وسخطه، الأمر لا يستحق كل هذا، فلا بد لكل مشتر وبائع من وقفة في البيع والشراء.

عاقب الله تعالى الحالف بعقوبة عظيمة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : ” ثلاثة لا ينظر الله تبارك وتعالى إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب” (مسلم وأبو داود والترمذي).

وعن أبي هريرة، عن النبي صلي الله عليه وسلم  قال:” ثلاثةٌ لا يُكلمهم الله يومَ القيامةِ، ولا ينظرُ إليهم، ولا يُزكيهم، ولهم عذابٌ أليم: رجلٌ على فضلِ ماء بالفلاةِ؛ يمنعه من ابن السبيل، ورجلٌ بايعَ رجلاً بسلعةٍ بعد العصْرِ، فحلف له بالله: لأخذَها بكذا وكذا فصدَّقَه، وهو على غير ذلك، ورجلٌ بايع إماماً لا يُبايعه إلا لِدُنيا؛ فإن أعطاهُ منها وفَى، وإن لم يُعطِه منها لم يَفِ[9] ” متفق عليه.

النهي عن  الخداع والتدليس: 

والخداع  المحرَّم في البيع أن يُخفِي البائع شيئًا في السلعة لو أطلع عليه المشتري لم يشترها بذلك الثمن، و حينما يسعى لكسب المال يحرص على جمع المال، لكنَّ الطمع أعماه عن حقيقة؛ وهي: أنَّ المسألة ليست مسألة كَثرة ربح، بل المسألة مسألة بركة، فقد يَربَح الطماع الجشع  المال الكثير لكن يتعرَّض لآفةٍ تَجتاح هذا المال، وقد يَربَح التاجر الصادق المال القليل، فيُبارِك الله في كسبه؛ فعن حكيم بن حزام – رضِي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلَّىَّ الله عليْه وسلَّم -: “البيِّعان بالخِيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدَقَا وبيَّنا، بُورِك لهما في بيعهما، وإن كتَمَا وكذَبَا، مُحِقت بركة بيعهما”( البخاري ومسلم ).

فالناس ينظرون إلى الأموال بكثرتها، والشرع ينظر إلى الأموال ببركتها، فكم من إنسان ليس له مال، لكن الله تبارك وتعالى يبارك في القليل بين يديه لتقواه، وصدقه، وحرصه على مرضاة ربه، وكم من الناس معهم الأموال الطائلة أنفقوها في الملذات والشهوات والخمور والنساء والمخدرات.. وغير ذلك؛ لأن الله تعالى نزع البركة منها؛ ولذلك روى مسلم والبخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما:”أن رجلاً كان يخدع في البيع والشراء، فأتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله إني أخدع إذا بايعت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام:” إذا بايعت أحداً فقل: لا خلابة”(مسلم).  والخلابة بمعنى الخداع أو التدليس والتمويه.

 **  أخوة الإيمان ومن آداب في الصناعة و التجارة  

 النهي عن الغش

الغشُّ آفةٌ يَطُول ضررُها الجميع، فالغشَّاش شخص همُّه تحصيل المال على حِساب غيره، فالطمع حَجَبَ عقله، فلا ينظر إلا للمَكاسِب التي حصَل عليها والتي يسعى للحصول عليها، ولا يَلتَفِت إلى ضحاياه الذين أرداهم غشُّه لا يلتَفِت إلى جنايته على المجتمع، وكيف أصبح أداةَ إفسادٍ فيه، الغشَّاشون كُثُر ومجالات الغشِّ مختلفة، كلُّ غشَّاش على حَسْبِ اهتِماماته، وعلى حسب موقعه وقدرته على الغش، والكلام في هذه الدقائق حول الغشِّ في البيع والشراء.

قال ابن حجر الهيتمي: (… فذلك أعني ما حكي من صور ذلك الغش التي يفعلها التجار،والعطَّارون، والبزَّازون، والصوَّاغون، والصَّيارفة، والحيَّاكون، وسائر أرباب البضائع، والمتاجر، والحرف، والصنائع، كله حرام شديد التحريم، موجب لصاحبه أنه فاسق غشاش، خائن يأكل أموال الناس بالباطل، ويخادع الله ورسوله وما يخادع إلا نفسه، لأن عقاب ذلك ليس إلا عليه”

وقال الغزالي: “والغش حرام في البيوع والصنائع جميعًا، ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه، بل ينبغي أن يحسن الصنعة، ويحكمها ثم يبيِّن عيبها إن كان فيها عيب، فبذلك يتخلص”(إحياء علوم الدين).

ويشتدُّ الإثم حينما يُنَفِّق الغشَّاش سلعته بالحلف الكاذب، بأنه اشتَراها بكذا، أو بأنَّ فلانًا سامَها بكذا… أو غير ذلك من أساليب الغشاشين؛ فعن أبي هريرة – رضِي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلَّىَّ الله عليْه وسلَّم – يقول: “الحلف مَنْفَقَةٌ للسلعة مَمْحَقَة للبركة”( البخاري   ومسلم  ).

على مَن باع أنواعًا مُتعدِّدة من الحبوب والثِّمار وغيرها، فيها الطيِّب والرديء – أن يعزلَ الطيِّب عن الرَّدِيء، فيكون المشتَرِي على بيِّنة من أمر السلعة، أمَّا إن جعَل الطيِّبَ في الأعلى والرَّدِيء أخفاه تحتَه، إمَّا لآفةٍ فيه أو لصِغَره أو غير ذلك من الأشياء التي تُزهد الناس فيه، وتقلِّل من قيمته، فجعل الرَّدِيء في الأسفل من الغشِّ المحرَّم؛ فعن أبي هريرة: أن رسول الله – صلَّىَّ الله عليْه وسلَّم – مرَّ على صبرة طعام، فأدخَل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: “ما هذا يا صاحب الطعام؟” ، قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: “أفلا جعلته فوق الطعام؛ كي يراه الناس، مَن غشَّ فليس مِنِّي”( مسلم )، فخابَ وخسر في الدنيا والآخرة مَن تبرَّأ منه النبيُّ، ولا يُعذَر الشخص بِحُجَّة أنَّ العمَّال قاموا بهذا، فالواجب عليه المُتابَعة، فلو فعَلُوا فعلاً يضرُّ بسلعته، ويُنقِص من قيمتها، لم يرضَ بذلك وعمل على عدم تَكرار ذلك، فكذلك الواجب عليه إذا أضرُّوا بإخوانه المسلمين.

الواجب على مَن باع سلعةً فيها عيبٌ أن يُبيِّن هذا العيب للمشتري ولا يكتمه؛ فعن عُقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله – صلَّى الله عليْه وسلَّم – يقول: “المسلم أخو المسلم؛ لا يحلُّ لمسلمٍ باعَ من أخيه بيعًا فيه عيبٌ إلا بيَّنه له”( ابن ماجه )،فإذا بيَّن العيب برأ البائع في الدنيا والآخرة، وليس للمشتري الحقُّ في ردِّ السلعة إلا إذا رضي البائع، فأقالَه بيعته، أمَّا إذا لم يُبيِّن البائع عيبَ السلعة، فللمشتري الردُّ.

* ومن الغشِّ المحرَّم حينما يأتِي شخصٌ بسلعةٍ من عقار أو غيره لا يعرف قيمتها، فيقول للسِّمسار: بعها بكذا، والسِّمسار يَعرِف أنَّ قيمتَها أكثر من ذلك، فيُحابِي السِّمسار أحدًا بالبيع، فيبيعها عليه برخصٍ أو يشتَرِيها لنفسه، أو يبيعها بأكثر من الثمن الذي حدَّده صاحبها، ويأخُذ ما زاد بحُجَّة أن صاحب السلعة حدَّد الثمن، وهذا كلُّه من الغش المحرَّم؛ فالسِّمسار وكيل لصاحب السلعة، فيجب عليه أن يبيَّن له قيمتها، وأن يبيعها بقيمتها الحقيقية، وليس بما حدَّدَه صاحبها، وهذا من النصح المفترض عليه؛ فعن تميم الداري أنَّ النبي – صلَّى الله عليْه وسلَّم -قال: “الدين النصيحة”قلنا:” لِمَن”قال:”لله ولكتابه ولرسوله ولأئمَّة المسلمين وعامَّتهم”( مسلم).  وما زاد يعطى مالك السلعة؛ فعن عروة البارقي أنَّ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار وجاءَه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه؛ (البخاري)، فلا يحلُّ شيءٌ من الزائد للسِّمسار إلا لو قال له صاحب السلعة: بعها بكذا، وما زاد، فهو لك فجائز، فهذا من باب الجعالة المباحة.

وكذلك من الغش المحرَّم لو وكَّله بالشراء فشرى من نفسه أو قريبه أو صديقه وحابَى ولم ينصح لموكِّله.

ومن الغش ما يفعله البعض حينما يريد أن يبيعَ سلعةً أو يصنع صنعة يجعلها تبدو للمشتري أفضل من الواقع، فينخدع المشتري، فيشتريها بأكثر من قيمتها، ثم بعد أن يحوزها يكتشف أنَّ البائع دلَّس عليه، ففي هذه الحال للمشتري خِيار الردِّ؛ لقول النبي – صلَّى الله عليْه وسلَّم :”لا تُصَرُّوا الإبلَ والغنم، فمَن ابتَاعَها بعدُ فإنَّه بخير النَّظَرِين بعد أن يحْتَلِبَها إن شاء أمسَك، وإن شاء ردَّها وصاعَ تمرٍ”( البخاري ومسلم). فحكَم النبي لِمَن اشتَرَى بهيمة، وقد أوهمه البائع أنَّ حليبها كثيرٌ حكم له بخيار الردِّ، وأنَّ هذا البيع لا يلزمه إلا برضاه.

و ووقف   النبي عليه الصلاة والسلام  من الغش موقفاً صريحاً فنهي عن بيع العينة.

وبيع العينة: هو أن تذهب إلى رجل وتقول له: أقرضني مائة جنيه، فيقول لك: ليس عندي مالاً لأقرضك، ولكن خذ هذا الحب بمائة جنيه بالتقسيط في كل شهر تدفع عشرة، فتأخذ هذه السلعة، ثم يقول لك البائع نفسه: ادفع لي هذه السلعة أو بعني إياها بثمانين حالاً؟ فتقول: نعم، خذ السلعة وأعطني ثمانين جنيهاً، فتكون قد اشتريت بالثمن العالي مؤجلاً ودفعت عين السلعة لعين البائع بثمن أقل حاضراً، هذا البيع حرام وهو حيلة للربا، والله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وقد حرم هذا البيع.

وسميت عينة؛ لأن عين السلعة يشتريها عين البائع، بثمن أقل حاضراً، وقد باعها لنفس المشتري بثمن أكثر مؤجلاً، يعني بالتقسيط.

* عن ابن عمر”أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال :” إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل اللّه أنزل اللّه بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم”.( أحمد وأبو داود) . ولفظه “إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط اللّه عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم” (‌صحيح‌).

قال الرافعي: وبيع العينة هو أن يبيع شيئا من غيره بثمن مؤجل ويسلمه إلى المشتري ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر انتهى.

** وقد انتشرت صورة ربوية تعرف بالرجل المحفظة…يعنى يشتري لك فوري اللي أنت تريده…ويحصل منك قسط…وهذا ربا صريح والعياذ بالله.. 

* عن ابن إسحاق السبيعي عن امرأته “أنها دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم فقالت يا أم المؤمنين أني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة وأني ابتعته منه بستمائة نقدا فقالت لها عائشة بئس ما اشتريت وبئس ما شريت إن جهاده مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد بطل إلا أن يتوب”(الدار قطني).

** أن لا يبيع على بيع أخيه، كأن يعرض على المشتري في فترة الاختيار فسخ البيع مقابل بيعه ما هو أجود أو أرخص ليتم الاختيار الحر· قال صلى الله عليه وسلم: ”لا يبع بعضكم على بيع بعض” (مسلم) · يتراضيا على ثمن سلعة فيقول آخر أنا أبيعك مثلها بأنقص من هذا الثمن.

 ** وأن يبيَّن عيوب السلعة وثمنها ولا يحاول إخفاءها حتى تنتفي كل جهالة أو غموض أو غش في السلع وفي النقود، ويقدم المشتري على الشراء عن ثقة ويتجنب التخاصم· قال صلي الله عليه وسلم :”البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدق البيعان بورك لهما في بيعهما،وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ربحا ويمحقا بركة بيعهما”(مسلم)·

وقال صلي الله عليه وسلم: ”من باع عيبا لم يبيّنه، لم يزل في مقت الله ولم تزل الملائكة تلعنه”( ابن ماجة)·

** أخوة الإيمان

والغش جناية محرمة:

من جناية الغشَّاشين على صحَّة أفراد مجتمعهم حينما يقومون ببيع الأطعمة التي يتضرَّر بها الناس، فيقوم المُزارِع ببيع بعض محصولاته الزراعية بعد فترة قصيرة من رشِّها بالمبيدات الزراعية، التي هي سموم تَفتِك بالحشرات وغيرها، فلا يَنتظر الوقت المحدَّد حَسْبَ ما هو مكتوب على علبة المبيد، فيبيعها قبل ذلك رغبةً في تحصيل المال، فيجني على إخوانه المسلمين، فيجعل هذا المبيد يَفتك بصحتهم ويعرضهم للأمراض، كما فتَك بالآفات التي أصابَت محصوله الزراعيَّ.

من جَناية الغشَّاشين على صحَّة أفراد مجتمعهم بيعهم مواد غذائية انتهت مدَّة صلاحيَّتها.

ومن جناية الغشَّاشين على صحَّة أفراد مجتمعهم بيعهم أطعمة مُسمَّمة مرَّت عليها مُدَّة طويلة، أو لم تُراعَ الطرق الصحيَّة في إعدادها وحفظها.

من جَناية الغشَّاشين خلط اللبن بالماء ولا يخفي علي أحد قصة بنت بائعة اللبن في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه..

** عجبًا للتاجر الغشَّاش وللصانع المحتال يسعى كل  في جمع المال من الوُجُوه المُباحَة والمحرَّمة، فيَشقى في جمعه ويكسب عَداوَة الآخَرين وفقدان الثقة به، فيَعِيش منقوصَ القدر مَحلَّ ريبةٍ وشكٍّ، ثم يموت ويترك هذا المال الذي شقي به حيًّا؛ ليَشقَى به ميِّتًا يُحاسِب عليه وغيره يتنَّعم به ويترف، فغنمه لغيره وغُرْمُه عليه – نعوذ بالله من عمى البصيرة.

يقول محمد بن كعب القرظي :”إذا مات ابن آدم يصاب بمصيبتين لا يصاب بهما أحد سواه المصيبة الأولي أنه يترك ماله كله والمصيبة الثانية أنه يحاسب علي ماله  كله ”

 وأشد عذاب يوم القيامة هو عذاب المال فقد بين القرآن الكريم جزءً من هذا العقاب وبين إنه عذابٌ يتناسب مع عملهم الأليم،:”يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ”[التوبة:35].

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين ..والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين:

أما بعد فيا جماعة الإسلام .

ومن شدة حرص الإسلام علي سلامة التجارة والصناعة من الآفات والمحرمات حتي لا يتحول البيع والرزق  الحلال إلي ربا محرم . أوجب  على التجار ومرتادي الأسواق تعلم أحكام البيع والشراء، فكثير من المخالفات إنما تقع عن الجهل بأحكام الشرع فيها، وقد كان الخلفاء يلزمون الناس بتعلم الأحكام المتعلقة بالبيع والشراء كشرط لدخولهم الأسواق، كما قال عمر بن الخطاب :” لا يبع في سوقنا إلا من تفقه في دينه وإلا أكل الربا شاء أم أبي ” 

 وقد جاء الإسلام بجملة من الآداب والمنهيات ، والتي تحفظ المصلحة العامة، وتبعد الإنسان عن الوقوع في الغرر أو الغبن أو الربا من حيث لا يشعر.لو تحدثنا عنها ما كفانا وقت وقد ذكرنا يبعضها ونذكر هنا بعض المنهيات علي الجملة ومنها :

 بيع الدين، رجل معه شيك بعشرة آلاف يبيعه لآخر بسبعة آلاف على أن يتصرف المشتري في هذا الشيك كيف شاء، ولا يحق له الرجوع على البائع الأول، حتى وإن كان هذا الشيك مزوراً.

وكذلك نهي عن بيع الغرر كبيع اللبن في الضرع، لا يعلم الإنسان كمية اللبن، فكيف يبيع اللبن في الضرع؟ أو يبيع الطير في الهواء؟ أو السمك في الماء؟ أو الحمل في البطن؟ كيف يبيع شيئاً مجهولاً أو معدوماً، كل هذه من البيوع المحرمة.

أخوة الإسلام  وقد نهي  الإسلام  عن بيع ما لا يجوز بيعه :

* وقد جاءت النصوص تبين تحريم بيع وصناعة العصير ممن يتخذه خمرا وكل بيع أعان على معصية.

* ففى الحديث عن أنس “لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها وشاربها وحامله والمحمول إليها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له”( الترمذي وابن ماجة).

ونهي أن  نبيع مالا نملك:

فقد جاءت النصوص بالنهي عن بيع ما لا يملكه ليمض فيشتريه ويسلمه.

* فعن حكيم بن حزام قال “قلت يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه ثم أبتاعه من السوق فقال لا تبع ما ليس عندك”(  صحيح الجامع)‌.

قوله: “ما ليس عندك”  أي ما ليس حاضراً عندك ولا غائبا في ملكك وتحت حوزتك…. وظاهر النهي تحريم مالم يكن في ملك الإنسان ولا داخلا تحت مقدرته ….قال البغوي النهي في هذا الحديث عن بيوع الأعيان التي لا يملكها أما بيع شيء موصوف في ذمته فيجوز فيه السلم .

* ونهي أن   نستغل جهل المشترى لسعر السوق:فعن ابن عمر قال “نهى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يبيع حاضر لباد”.(البخاري والنسائي). وعن جابر “أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال :” لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق اللّه بعضهم من بعض”(الجماعة إلا البخاري). ونهي أن نغرر بالتاجر الذي دخل فى التجارة حديثا:  فعن ابن مسعود قال “نهى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن تلقي البيوع”( متفق عليه). فيه دليل على أن التلقي محرم.

ونهي عن  احتكار البضاعة:

فعن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد اللّه العدوي “أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال :” لا يحتكر إلا خاطئ  “. (أحمد ومسلم وأبو داود).

أخوة الإيمان والإسلام :

 فهذا غيض من فيض وليكن معلوم أن هذه الصور والأسباب التى ذكرتها هى نسبة قليلة من صور كثيرة للمخالفات التي يقع فيها التجار والصناع وقد تخيرت منها ما هو منتشر وكثير الحدوث في أسواقنا ولا يظن ظان أن هذا هو بيت القصيد وحسب ,لا بل هذه أمثلة وسوق التجارة فيه الويلات والويلات.فالربويات.وحرق البضاعة.والغش التجاري.وضرب الأسعار.والكذب.والتدليس…..وغير ذلك الكثير..

ولن تقوم للمسلمين قائمة ولن يبلغوا المجد حتى يرجعوا لدينهم ويُقْبِلُوا على شريعة الإسلام ويُقيموا الدين في مرافق الحياة وينشروا العدل والإخاء، وستعترضهم مصاعب وعوائق وحتى يتغلبوا عليها لا بد لهم من الصبر والتعاون والوفاء والأمانة والصدق.

** أخي المسلم التاجر والصانع  كن من الأبرار ولاتكن من الفجار…وأدخل الجنة من باب التجارة…وكن كما قال ابن عمر: “التاجر الأمين الصدوق المسلم من الشهداء يوم القيامة”.وكما قال ابن عباس بلفظ: “التاجر الصدوق لا يحجب من أبواب الجنة”….اللهم لا تحجبنا عن الجنة  .أمين

* وأذكر نفسي وإياكم  بما جاء عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال :” لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس”.(الترمذي).

وفى ولفظ “تمام التقوى أن يتقي اللّه حتى يترك ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما”.

** هذا وما توفيقي الا بالله العلى الكبير …سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .* *  وصلى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين *

 




خطبة بعنوان: “الخوف من الله وأثره في استقامة الفرد والمجتمع بين الواقع والمأمول”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 20 من جمادي الأولى 1438هـ – 17 فبراير 2017م

خطبة بعنوان: “الخوف من الله وأثره في استقامة الفرد والمجتمع بين الواقع والمأمول”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 20 من جمادي الأولى 1438هـ – 17 فبراير 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:  

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: منزلة الخوف من الله

العنصر الثاني: الخوف من الله قصص ومواقف وعبر

العنصر الثالث: وسائل استشعار الخوف من الله

العنصر الرابع: ثمرات الخوف من الله

العنصر الخامس: الخوف من الله في حياتنا المعاصرة بيت الواقع والمأمول

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: منزلة الخوف من الله

عباد الله: للخوف من الله منزلة عليا في الإسلام؛ إذ أن حال العبد لا يخلو من حالين هما: الخوف والرجاء؛ فكما أن الإيمان من حيث النعم والنقم ينقسم إلى قسمين: صبرٌ وشكرٌ؛ فكذلك يجب على العبد أن يجمع – في عبادته لربه – بين الخوف والرجاء؛ فهو يحب ربه ويرجوه، ويخافه ويخشاه ولا يعصيه، وهما جناحان لا غنى للعبد عنهما، كجناحي الطائر إذا استويا، استوى الطير وتمَّ طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت؛ ومتى فقد جناحيه, فهو عرضة لكل صائد وكاسر!!

فالخوف والرجاء بالنسبة للمؤمن الحق منهج حياة، فتراه جامعاً بينهما مدة حياته، مغلباً الخوف حال صحته وعافيته، ومغلباً الرجاء حال مرضه وسقمه، فالخوف يحمله على الطاعة، وترك المعصية، والرجاء يحمله على التوبة من الذنب، وإحسان الظن بالرب سبحانه، وهذا هو دأب المؤمنين الصالحين؛ كما أن الخوف شعار الأنبياء، قال الله تبارك وتعالى عنهم: { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (الأنبياء: 90)

ولقد تضافرت النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية التي تدعو إلى الخوف من الله؛ قال تعالى:{ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام:15]. وقال: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}.( الأنعام: 51). وقال الله عز وجل عن عباده الصالحين: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا }[الإنسان:10]. وقال عز وجل: {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ}[النور:37]. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ }[الرعد:21]. لذا فقد جعل الله الخوف منه سبحانه شعبة من شعب الإيمان؛ فقال عز وجل: { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:175]، فالخوف من الله ثمرة حتمية للإيمان وشعبة من شعبه.

كما حفلت السنة النبوية بالكثير من الأحاديث عن الخوف من الله تعالى. فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ:” لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا. قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ”. (البخاري). ” قوله: لهم خنين. أي: بكاء له صوت فيه غنة”.( فتح الباري)

وَعَن أنس قَالَ: دخل النَّبِي عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ: «كَيْفَ تجدك؟» قَالَ: أرجو الله يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ» «الترمذي وابن ماجة بسند حسن». وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ :” إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ ، وَأَسْمَعُ مَا لاَ تَسْمَعُونَ ، إِنَّ السَّمَاءَ أَطَّتْ ، وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلاَّ وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً ، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ ، تَجْأَرُونَ إِلَى اللهِ ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ.” (الترمذي وابن ماجة وأحمد والطبراني والحاكم وصححه). وعَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ بَصُرَ بِجَمَاعَةٍ ، فَقَالَ : ” عَلَامَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ ؟ ” قِيلَ : عَلَى قَبْرٍ يَحْفِرُونَهُ . قَالَ : فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَدَرَ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ مُسْرِعًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْقَبْرِ ، فَجَثَا عَلَيْهِ ، قَالَ : فَاسْتَقْبَلْتُهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ لِأَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ ، فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى مِنْ دُمُوعِهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا ، قَالَ : ” أَيْ إِخْوَانِي ، لِمِثْلِ الْيَوْمِ فَأَعِدُّوا ” . ( أحمد والطبراني والبيهقي بسند حسن ).

أحبتي في الله: إن مخافة الله عز وجل رأس الأمر، إذ هو شعار أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، وكذلك هي شعار الصالحين من بعدهم؛ فالخوف باعث قوي على عبادة الله عز وجل، وسبب في البعد عن معاصيه، ورادع في الكف عن شهوات النفس، فإن النفس الأمارة بالسوء لا يردعها إلا قوة خوف من خالقها سبحانه وتعالى.

فالخوف سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه، والخوف سراج في القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر، ولا يزال الناس على الطريق ما دام معهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا، وما فارق الخوف قلباً إلا وخرب، قال حاتم الأصم : لكل شيء زينة، وزينة العبادة الخوف.

العنصر الثاني: الخوف من الله قصص ومواقف وعبر

عباد الله: في الحقيقة هناك صور كثيرة وعديدة للخائفين من الله تحتاج إلى مجلدات ولا تسعفنا هذه الوريقات في هذه الدقائق؛ ولكني أقتصر على بعضٍ منها على سبيل المثال لا الحصر مما يؤدي إلى الغرض المنشود!!

  • ونحن نعلم أن أول الخائفين من الله والخاشعين والمتقين هو سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم حيث يقول:” أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ”.(مسلم)
  • وهذا أبو بكر الصديق يمر على طيرٍ قد وقع على شجرة فقال: طُوبى لك يا طيرُ تطير فتقع على الشجر ثم تأكل من الثمر ثم تطير ليس عليك حسابٌ ولا عذاب ! ياليتني كُنت مثلك ؛ والله لوددتُ أني كنتُ شجرةً إلى جانتِ الطريق فمر عليَّ بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكني ثم ازدردني ثم أخرجني بعراً ولم أكن بشراً.! وقال عمر: يا ليتني كُنتُ كبشَ أهلي سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم بعض من يحبون فذبحوني لهم فجعلوا بعضي شواء وبعضه قديداً ثم أكلوني ولم أكن بشراً. ! وحفرت الدموع خطين أسودين في وجه الفاروق!! ورُوي عنه أنه قال: “لو نادى منادٍ من السماء: أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلاً واحدًا، لخفت أن أكون أنا هو”. ( التخويف من النار لابن رجب). فانظروا لهذا الخليفة الراشد، وقد شهد له النبي بالجنة يقول أنه يخاف ألا يكون من أهل الجنة، فماذا نقول نحن وقد قصرت بنا أعمالنا، وغلبت علينا الذنوب والمعاصي، ونأمل دخول الجنة مع التقصير في العمل ومحبة طول الأمل؟!!
  • وكان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على القبر يبكي حتى يَبُلَّ لحيته، ويقول: ” لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيَّتُهما يُؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيَّتُهما أصيرُ “!! وأما علي رضي الله عنه فكان يستوحشُ من الدنيا وزهرتِها، ويستأنسُ بالليلِ وظلمتِه، وكان غزيرُ الدمعة، طويلُ الفكرة، ويبكي بكاء الحزين، وكان يقول: آهٍ آه من قِلَّةِ الزاد وبُعْدِ السَّفر ووحْشَةِ الطريق؛ وكان يخرج ذات يوم على أصحابه ويقول: والله! لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلم أر اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، بين أعينهم أمثال ركب المعزة، قد باتوا لله عز وجل سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، تنهمر دموعهم على خدودهم فتبتل منها ثيابهم، فما بال هؤلاء قد أصبحوا غافلين؟!! فما روي ضاحكاً حتى ضربه عبد الرحمن بن ملجم.!!
  • وكان تحت عيني سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مثل الشراك البالي من كثرة الدموع!! وعمران بن حصين رضي الله عنه الذي كان مجاب الدعوة يقول: يا ليتني كنت رماداً تذروه الرياح في يوم عاصف!! وسيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول: لأن أدمع دمعة من خشية الله عز وجل أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار!! والصحابي الجليل شداد بن أوس رضي الله عنه كان إذا أوى إلى فراشه لا يستطيع النوم، ويقول: اللهم إن جهنم لا تدعني أنام!! وأبو عبيدة رضي الله عنه يقول: ودِدْتُ أنِّي كنت كبشاً فيذبحُني أهلي فيأكلون لحمي ويشربون مرقي!! ولما حضرت معاذ بن جبل رضي الله عنه الوفاة جعل يبكي، فقيل له: أتبكي وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت وأنت؟ فقال: ما أبكي جزعاً من الموتِ أَنْ حلَّ بي، ولا دنياً تركتُها بعدي، ولكنْ هُمَا القبضتان، قبضةٌ في النار وقبضةٌ في الجنة فلا أدري في أيِّ القبضتينِ أنا؟!!
  • ورُوي أن أبا هريرة – رضي الله عنه – بكى في مرضه، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: “أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بُعد سفري، وقِلَّة زادي، وإني أمسيت في صعود على جنة أو نار، لا أدري إلى أيتهما يُؤخذ بي”!!

ونحن والله في أشد الحاجة لمثل هذا الكلام أن نستشعره في قلوبنا، فإذا كان هذا الصحابي الجليل وصاحب رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – والحافظ لكثير من أحاديثه، يقول هذا الكلام، فما نقول نحن وقد قلَّت طاعتنا، وكثرت ذنوبنا، فإلى الله المشتكى من أحوالنا؟!!

  • ورُوي أن علي بن الحسين كان إذا توضأ اصفرَّ وتغيَّر، فيقال: مالك؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟ فكيف به لو نظر لحال بعضنا الآن وهم داخلون إلى الصلاة في ضحك وسواليف، وانشغال بالدنيا! بل يدخل الواحد منَّا إلى الصلاة ويخرج، ولم يخشع قلبه أو تدمع عينه، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!
  • وهذا عمر بن عبد العزيز تدخل عليه امرأته فاطمة بنت عبد الملك فتراه قابضاً على لحيته يبكي، فتقول له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟! فيقول لها: يا فاطمة ! لقد وليت من أمر هذه الأمة وفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، واليتيم المكسور، والمضروب المقهور، والأرملة، والمسكين، وفي ذي العيال الكثير، وفي غيرهم وأشباههم في أقطار البلاد وأطراف الأرض، وعلمت أن خصمي دونهم هو محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت أن لا تثبت لي حجة بين يدي الله جل وعلا!!
  • ويقول مالك بن دينار: والله لقد هممت أن آمر إذا أنا مت أن يطرحوني على مزبلة، وأن يضعوا الرماد على وجهي، ويقال: هذا جزاء من عصى الله. فمن رآني لم يعص ربه. ويقول ومالك بن دينار أيضا: لولا أن تكون بدعة لوضعت التراب على رأسي وقلت: أيها الناس! من رآني فلا يعصي ربه، هذا ذل العاصي في دار الدنيا فكيف في الآخرة؟!! وكان يقول: لو أن لي أعواناً لفرقتهم في منارات الدنيا يصيحون في الناس: النار النار، أي: لا تنسوا النار!!! ويقول: لولا أن تكون بدعة لم أسبق إليها عند الموت، فإنه إذا جاءني الموت لوضعت الغل في عنقي وقلت لهم: اسحبوني وامضوا بي كما يمضى بالعبد الآبق إلى سيده !! ويقول أيضاً: بينا أنا أطوف إذا بجويرية صغيرة تقول: يا رب! أفما كان لك أدب تؤدب به من عصاك إلا النار؟ أي: يا رب! أما اخترت عقوبة وأدباً للذي يعصيك غير النار؟ قال: فما زال هذا مقامها إلى الصباح. قال: فلما رأيت هذا من جويرية صغيرة وضعت يدي على رأسي وقلت: ثكلت مالكاً أمه، أفما كان لك أدب تؤدب به من عصاك إلا النار؟!! وكان يقوم الليل يبكي للعزيز الغفار، وهو قابض على لحيته ويقول: يا رب! يا رب! لقد علمت ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين منزل مالك بن دينار ؟!
  • وهذا الربيع بن خثيم حفر قبراً في منزله، وكان ينزل فيه في اليوم مرات، ويقول: يا ربيع! ها قد خرجت، فاعمل لقبر إن نزلت فيه تقول: رب ارجعون، إلى يوم القيامة ولا يستجاب لك!! وهذا ربعي بن خراش -أحد رواة الكتب الستة- يقسم ألا يراه الله ضاحكاً حتى يعلم أي الدارين داره، يقول غاسله: فلما مات تبسم، ولما كان على المغسلة تبسم، ولما وضعناه في قبره تبسم. وهذه كرامة ثابتة!! وهذا الحسن البصري سيد البكائين وصفوه فقالوا: كان إذا تكلم فكأنه شاهد الآخرة، ثم جاء من الآخرة يخبر الناس عنها. وكان إذا بكى فكأن النار لم تخلق إلا له. وكان يبكي ولما سئل عن سبب بكائه وقيل له: يا أبا سعيد ! ما يبكيك قال: وما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي في بعض ذنوبي فقال: افعل ما شئت فلا غفرت لك. ويقول: والله! لا يؤمن أحد بهذا القرآن إلا ذبل، وإلا نحل، وإلا تعب، وإلا ذاب. وعندما قال له رجل: كيف حالك يا أبا سعيد ؟! قال: كيف حال قوم ركبوا سفينة فلما توسطوا البحر تكسرت السفينة وتعلق كل منهم بخشبة؟ قال: في حال شديدة. قال: حالي والله! أشد من حال هؤلاء. وكان صائماً فقدم له ماء ليفطر عليه فلما رآه بكى، فقيل له: لم؟ قال: تذكرت أمنية أهل النار، وقولهم لأهل الجنة: {أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ }.[الأعراف:50].!! أما طاووس بن كيسان سيد العباد، وسيد أهل اليمن، وتلميذ سيدنا عبد الله بن عباس كان إذا مر برواس -الرجل الذي يشوي الرءوس- ووجده قد أخرج رأساً مشوياً غشي عليه، ولا يأكل أولا يتعشى تلك الليلة، وكان إذا أتى إلى مضجعه يقول: طير ذكر جهنم نوم العابدين، ثم يستقبل محرابه إلى الصباح!!
  • أما سفيان الثوري -أمير المؤمنين في الحديث- فكان عجب عجاب، قال عنه الإمام أحمد : سفيان عندي هو الإمام، كان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبول الدم، وكان إذا ذكر الموت لا ينتفع بعلمه أياماً، ويقول: لا أدري، لا أدري. وحمل بوله إلى طبيب في مرضه الأخير فقال: هذا ماء رجل قد أحرق الخوف جوفه، وكان يقول: خفت الله عز وجل خوفاً أعجب كيف ما مت منه، وكان إذا جلس يجلس فزعاً مرعوباً ويقول: اللهم سلم، اللهم سلم. ويقول عبد الرحمن بن مهدي -شيخ الإمام أحمد-: ما صاحبت رجلاً في الناس أرق من سفيان ، كان يقوم من نومه فزعاً مرعوباً ويقول: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم، وإن حاجة سفيان أن تغفر له ذنبه، اللهم لو كان لي عذر في التخلي عن الناس ما أقمت مع الناس طرفة عين.!! ولما سئل سفيان عن سر بكائه قال: لو أعلم أني أموت على التوحيد ما بكيت، وقال: بكينا على الذنوب زماناً، ونحن الآن نبكي على الإسلام، وقال سهل بن عبد الله التستري : خوف الصديقين من سوء الخاتمة ومن مكر الله عز وجل عند كل خطوة وعند كل حركة، وهم الذين عناهم الله عز وجل بقوله: {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون:60]، فـسفيان الثوري الإمام المعظم المبرز يقول: بكينا على الذنوب زماناً، ونحن الآن نبكي على الإسلام. يخشى أن يموت على غير الإسلام. وكان يقول لرجل: تعال لنبكي على علم الله فينا، وماذا سبق القضاء لنا في أم الكتاب، أي: في اللوح المحفوظ، أشقي أم سعيد؟ وليس سوء الخاتمة فقط، وإنما يخافون مما سبق في علم الله لهم، أأشقياء أم سعداء؟!!

أيها المسلمون: هكذا كان حالُ صحابةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم مع ما هم عليه من التقوى، وإخلاصِ العمل، والجهادِ بأموالهم وأنفسهم، وفيهم المبشرون بالجنة، كانوا إذا ذُكِرَ الله هملت أعيُنُهم حتى تبتلَّ جيوبهم، ومَادُوا كما يَميدُ الشجرُ يومَ الريحِ العاصف؛ خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب؛ فانظروا يا إخوة! لتقفوا على حال قسوة قلوبنا، إننا نسمع كلاماً -ورب الكعبة- يذيب الصخور، ويفتت الرمال، ولكنك تنظر إلى كثير من القلوب وكأن أصحابها ما سمعوا شيئاً عن علام الغيوب، نحن أكلتنا الذنوب ومع ذلك قست وتحجرت قلوبنا؛ وجفت عيوننا؛ وخرست ألسنتنا عن الذكر والدعاء؛ فهلا اقتدينا بهؤلاء الأخيار الأطهار الأبرار ؟!! حتى ننجوا من النار ومن عذاب الواحد القهار !!!

العنصر الثالث: وسائل استشعار الخوف من الله

عباد الله: كلٌ منا يتمنى أن يكون خاشعا لله قانتا له خائفا من عقابه وعذابه؛ فكيف نستشعر الخوف من الله في قلوبنا وحياتنا العملية والعبادية والإيمانية؟! أقول تحصيل ذلك بالوسائل والطرق التالية:

أولاً: العلم ومعرفة الله تعالى: فكلما كان الإنسان عالما عارفا بالله كلما كان أشد خشية له؛ ولذلك قال تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (فاطر: 28). يقول ابن القيم رحمه الله: “كلما كان العبد بالله أعلم، كان له أخوف. قال ابن مسعود: “كفى بخشية الله علماً” ونقصان الخوف من الله إنما هو لنقصان معرفة العبد به، فأَعرف الناس أخشاهم لله، ومن عرف الله اشتد حياؤه منه وخوفه له وحبه له، وكلما ازداد معرفة ازداد حياءً وخوفاً وحباً”. (طريق الهجرتين) .

انظر إلى الطبيب, يخاف أن يأكل حبة فاكهة من دون غسيل، لأنه يعرف الجراثيم والأمراض والتهاب الأمعاء، يخاف أن يأكل أكلة غير نظيفة، يعرف مضاعفات هذا الطعام، لذلك لا يخاف إلا عالم !!

ثانياً: قراءة القرآن وتدبر معانيه: قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً . وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً . وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} [الاسراء:107-109]، وقال عز وجل: { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً} [مريم:58]. وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:2]. وهذا هو الرسول الأكرم والمعلم الأعظم يضرب المثل والقدوة في التأثير بالقرآن والتجارب مع آياته الكريمة والخوف والبكاء من خشية الله، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” اقْرَأْ عَلَيَّ؛ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ:{ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا }؛ قَالَ: حَسْبُكَ الْآنَ فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ” (البخاري)؛ أي: يبكي صلى الله عليه وسلم من التأثر بالقرآن والتعايش معه؛ إذ علم أنّه صلى الله عليه وسلم المقصود والمعني بهذه الآية. وعَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ” أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ يَعْنِي يَبْكِي”( أحمد وأبو داود النسائي) ؛ أي: أنّه صلى الله عليه وسلم كان يحدث مثل الهزة عند القراءة لشدة تأثُّره بها، وأزيز المرجل هو صوت الإناء الذي يغلي به الماء!!

وروى أن عمر رضي الله عنه كان يمر بالآية من ورده بالليل فيبكي حتى يسقط على الأرض، ويبقى في البيت يعاد للمرض. وري عنه أنه خرج يَعِسّ المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائما يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ: { والطور } حتى بلغ { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ } قال: قسم -ورب الكعبة-حق. فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث مليا، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه، رضي الله عنه.”( تفسير ابن كثير ).

فهناك تفاعل مع الآيات تدفعهم دفعاً إلى الخوف من الله والبكاء والتأثر بالقرآن؛ وأنا أسألك – أخي القارئ العزيز – هل بكيت وأنت تقرأ القرآن ذات مرّة؟! هل شعر أحد منكم بلذة القرآن وحلاوته؟! هل دخل أحدكم مرة في صلاة القيام وكان ينوي أن يصلي بربع فإذا به لا يستطيع مقاومة حلاوة القرآن فقرأ أكثر من ذلك واستمتع بالقرآن ومناجاة الرحمن؟!

ثالثاً: تعظيم الحرمات: لأن أمرها جاء من الله، { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ } (الحج: 30)، فقبل أن يقدم العبد على معصية أو انتهاك حرمات الله لابد أن يستشعر عظمة هذه الحرمات عند الله؛ فيدفعه الخوف من الله إلى عدم انتهاك هذه الحرمات؛ وإذا كان الفرد يقدس الأوامر البشرية والعسكرية ولا تسول له نفسه أن يقصر فيها ، فمن باب أولى أن يعظم الأوامر الإلهية لكونها صادرة من عظيم، كما قال قتادة: عَظِّموا ما عظم الله، فإنما تُعَظم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل.

رابعاً: تدبر أحوال الخائفين الوجلين: ومطالعة سيرهم وأحوالهم وكيف وصلوا إلى هذه المنزلة بالإيمان والعمل الصالح، وقيام الليل، وصيام النهار، والبكاء من خشية الله؟!! قال الغزالي رحمه الله: “معرفة سير الأنبياء والصحابة فيها التخويف والتحذير، وهو سبب لإثارة الخوف من الله، فإن لم يؤثر في الحال أثر في المآل”. (إحياء علوم الدين). ويقول ابن الجوزي:” عليكم بملاحظة سير السلف، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم.” . إلى أن قال: ” فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم، وحفظهم وعباداتهم، وغرائب علومهم: ما لا يعرفه من لم يطالع، فصرت أستزري ما الناس فيه، وأحتقر همم الطلاب.” (صيد الخاطر)

خامساً: سماع المواعظ المؤثرة والمحاضرات المرققة للقلب: فالنفس إذا أطلقت في ملذات الدنيا وشهواتها جعلت القلب قاسيا؛ وفي هذه الحال يحتاج إلى مواعظ مؤثرة مرققة له؛ وهذا ما سلكه الرسول – صلى الله عليه وسلم – مع صحابته الكرام؛ فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه ـ وهو أحد البكّائين ـ قال: “وَعَظَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب” (أبو داود وابن ماجة والترمذي وصححه). فكثرة المواعظ والدروس والخطب والمحاضرات الدينية تملأ القلب خشية وإخباتا إلى الله تعالى؛ فعَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ:” لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ؟! قَالَ قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا. فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ”( مسلم)، فالصحابة – رضي الله عنهم – كلما جلسوا للعلم ومدارسة القرآن والعبادة ازداد إيمانهم وخوفهم من الله؛ وكذلك كلما خلا المسلم بربه واجتهد في العبادة بعيدا عن الدنيا وشهواتها كلما ازداد إيمانه بالله تعالى !!

سادساً: كثرة ذكر الله والدار الآخرة: فكثرة الذكر تبعث على استحضار جلال الله وعظمته ومراقبته ومحبته والحياء منه، وكل ذلك يبعث على خشيته والخوف منه ومن عذابه ومن حرمانه؛ ومن استقر في قلبه ذكر الدار الآخرة وثوابها، وذكر المعصية والتوعد عليها، وعدم الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح: هاج في قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتى ينجو في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود:103].

هذه هي الوسائل والطرق الموصلة إلى خشية الله والخوف منه فالزموها واعملوا بها قبل أن يفوتكم القطار وقبل أن تندموا ولا ينفع الندم !!

العنصر الرابع: ثمرات الخوف من الله

عباد الله: اعلموا – يرحمكم الله – أن الخوف من الله له ثمرات وفوائد في الدنيا والآخرة منها:

الفوز بمغفرة الله تعالى: فكلما استشعر الإنسان الخوف من الله وعذابه؛ ولام نفسه على ما قصرت في حق الله؛ وخاف لقاء الله كلما كان ذلك أدعى للفوز بمغفرة الله تعالى؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” أسرف رجلٌ على نفسِه؛ فلما حضره الموتُ أوصى بنيه فقال : إذا أنا متُّ فأحرِقوني . ثم اسحقوني . ثم اذروني في الريحِ في البحرِ . فواللهِ ! لئن قدر عليّ ربي ، ليعذبني عذابًا ما عذبه به أحدٌ . قال: ففعلوا ذلك به . فقال للأرضِ : أدي ما أخذتِ . فإذا هو قائمٌ . فقال له : ما حملك على ما صنعتَ ؟ فقال : خشيتُك يا ربِّ ! – أو قال – مخافتُك . فغفر له بذلك”.( البخاري ومسلم)

ومنها: أن الخوف من الله من أسبابِ التمكينِ في الأرض: قال تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ }.[إبراهيم:14].

ومنها: أن الخوف من الله يبعث على العمل الصالح الخالص: فكلما استشعر الإنسان عظمة الله ومراقبته له وأدركه الخوف من عقابه كلما أقبل على العمل الصالح. قال تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا }(الإنسان: 9 ؛ 10 )، وقال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}(النور: 36 ؛ 37).

 ومنها: أن الخائف من الله يُؤمِّنُه الله يوم القيامة: فعن أبي هريرة؛ عن النَّبيِّ عليه السلام يَروي عن ربِّه جلَّ وعلا قال:” وعزَّتي لا أجمَعُ على عبدي خوفَيْنِ وأمنَيْنِ؛ إذا خافني في الدُّنيا أمَّنْتُه يومَ القيامةِ؛ وإذا أمِنَني في الدُّنيا أخَفْتُه يومَ القيامةِ”(ابن حبان والبيهقي بسند حسن)

ومنها: أن الخائف من الله يستظل بظل عرش الرحمن يوم القيامة: فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله: “… وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ……….وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ” ( متفق عليه من حديث أبي هريرة ) ، والعين التي بكت من خشية الله إحدى العينين اللتين لا تمسهما النار.

 ومنها: أنَّ الخوفَ من الله طريقٌ للفوز بالجنة والنجاة من النار: قال الله تبارك وتعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}. [النازعات:40-41]. فالعبد عندما يعلم باطلاع الله تبارك وتعالى عليه فإنه يعظم هذا المقام، فيترك الذنب -وقد أمكنه فعله- خوفاً من الله عز وجل، فيعوضه الله الجنة؛ قال الله تبارك وتعالى: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}. [الرحمن: 46]. يصف النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هاتين الجنتين فيقول: ” جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا؛ وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ؛ وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ”. (متفق عليه)؛ وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ؛ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ؛ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ”.( الترمذي والبيهقي والحاكم وصححه)؛ وعَنْ أَنَسٍ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ:” أَخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ ذَكَرَنِي يَوْمًا أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ”. (الترمذي والبيهقي والحاكم وصححه)؛ وعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه، قال: قالَ رسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «لا َيَلِجُ النَّارَ رَجْلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّه حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْع، وَلا يَجْتَمعُ غُبَارٌ في سَبِيلِ اللَّه ودُخانُ جَهَنَّمَ» (الترمذي والنسائي).

ومنها: أن الخوف من الله يوصل العبد إلى رضا الله عنه: قال تعالى: {جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ. [البينة: 8]. فإذا أردت أن يكون الله عنك راضياً فعليك بخشيته والخوف منه.

ومنها: أن الخوف من الله سببٌ للنجاةِ من كلِّ سوء: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ثلاث منجياتٌ: خشيةُ الله تعالى في السر والعلانية، والعدلُ في الرضا والغضب، والقصدُ في الفقر والغني”.( البزار والبيهقي والطبراني وحسنه المنذري بمجموع طرقه). فإذا خفت الله نجاك من كل مكروه وسوء !!

العنصر الخامس: الخوف من الله في حياتنا المعاصرة بيت الواقع والمأمول

عباد الله: إن من ينظر إلى واقعنا المعاصر يجد أن الخوف من الله يكاد يكون منعدماً – إلا من رحم الله – ويدل على ذلك المجاهرة بالمعاصي والذنوب؛ وانتشار الكبائر والموبقات والمحرمات عيانا بينا دون وازع من دين أو خلق أو ضمير ؛ وكل ذلك يعدونه لا شئ؛ بل أقل من الصغائر؛ وهذا من فعل الفُجَّار؛ فعن عبد الله بن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:” إن المُؤمنَ يَرى ذَنبَهُ كأنَّهُ في أصل جَبَل يَخافُ أن يَقَعَ عَليه؛ وإنّ الفاجرَ يَرى ذُنوبَهُ كَذُباب وَقَعَ عَلى أنفه فقال لَهُ هكذا “( الترمذي وأحمد والبخاري موقوفاً علي ابن مسعود ). وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:” إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُوبِقَاتِ؛ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ”(البخاري). قلت: هذا في عصر أنس فكيف لو رأى زماننا هذا ؟!!

أين نحن من الصحابة الذين كانوا أحرص الناس على العمل الصالح ومع ذلك كانوا أخوف الناس من عدم قبوله عند الله؟!! فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: { وَالَّذِينَ يُؤْتونَ مَا آتوا وقُلوبُهم وَجِلَةٌ }أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟! قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ» . (أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي). فهم يعملون الطاعات ويخافون!! ونحن نبارز الله بالمعاصي والفسق والفجور والعري ونتباهى بذلك تحت ستار الرقي والتحضر والتمدن ولا نخاف الله!!!

أيها المسلمون: إن القاتل لو استشعر عظمة الله وخشيته والخوف منه ومن عقابه ما تجرأ على قتل النفس البريئة بغير ذنب ارتكبته!!!

والسارق لو استشعر عظمة الله وخشيته والخوف منه ومن عقابه ما تجرأ على السرقة!!! والزاني لو استشعر عظمة الله وخشيته والخوف منه ومن عقابه ما تجرأ على الزنا !!! وشارب الخمر لو استشعر عظمة الله وخشيته والخوف منه ومن عقابه ما تجرأ على شربه!! والهارب من العمل لو استشعر عظمة الله وخشيته والخوف منه ومن عقابه لأتقن عمله!! والذي فجر نفسه لو استشعر عظمة الله وخشيته والخوف منه ومن عقابه ما أودى بحياته إلى الجحيم!! وهلم جرا

أحبتي الله: علينا أن نتأسى بسلفنا الصالح في فضيلة الخوف من الله في السر والعلانية؛ في الخلوات والجلوات؛ انظروا إلى الفتيات اللائي تربين على الفضيلة والخوف من الله ومراقبته وإلى فتيات عصرنا ؟!! “فعن أسلم قال :كنت مع عمر بن الخطاب وهو يعس المدينة إذ أعيا فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا ابنتاه، قومي إلى ذلك اللبن، فامذقيه بالماء، فقالت: يا أَمتاه، وما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين؟ فقالت: وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت: لقد أمر منادياً، فنادى ألا يشاب اللبن بالماء. فقالت لها :يا ابنتاه، قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنك في موضع لا يراك عمر ولا منادي عمر، فقالت الصبية لأمها: يا أمتاه والله ما كنت لأطيعه في الملأ واعصيه في الخلاء. وعمر يسمع كل ذلك، فقال: يا أسلم، عَلٍّم الباب، واعرف الموضع، ثم مضى في عسسه، فلما أصبح قال: يا أسلم، امض إلى الموضع، فانظر من القائلة، ومن المقول لها؟ وهل لهم من بعل؟ فأتيت الموضع، فنظرت، فإذا الجارية أيم لا بعل لها، وإذا تيك المرأة ليس لها بعل، فأتيت عمر وأخبرته، فدعا عمر ولده فجمعهم، فقال: هل فيكم من يحتاج إلى زوجة؟ فقال عبد الله: لي زوجة، وقال عبد الرحمن: لي زوجة، وقال عاصم: يا أبتاه، لا زوجة لي، زوجني. فبعث إلى الجارية، فزوجها من عاصم، فولدت لعاصم بنتاً، وولدت الابنة عمر بن العزيز ، رحمة الله عليهم أجمعين.”(الحلية لأبي نعيم)؛ هذه رسالة لكل التجار والبائعين والغشاشين والمحتكرين!!

وهذه صورة أخرى مشرقة حدثت مع ابن عمر حينما وضع اختباراً للرعية ومدى خوفهم من الله ومراقبتهم له!! فقد ” مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِرَاعِي غَنَمٍ, فَقَالَ: يَا رَاعِيَ الْغَنَمِ هَلْ مِنْ جَزْرَةٍ ؟ (الشاة التي تُذبح كالجزور من الإبل) قَالَ الرَّاعِي: لَيْسَ هَا هُنَا رَبُّهَا, فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَقُولُ: أَكَلَهَا الذِّئْبُ , فَرَفَعُ الرَّاعِي رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ, ثُمَّ قَالَ: فَأَيْنَ اللَّهُ ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَأَنَا وَاللَّهِ أَحَقُّ أَنْ أَقُولَ : فَأَيْنَ اللَّهُ ؟ فَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ الرَّاعِي وَاشْتَرَى الْغَنَمَ, فَأَعْتَقَهُ وَأَعْطَاهُ الْغَنَمَ “.( مجمع الزوائد) وزيد في رواية: أعتقت هذه الكلمة في الدنيا، وأرجو الله أن يعتقك بها يوم القيامة. فهذا الراعي لو في زماننا هذا لقال: هات ثمن عشر شياة وأقول لسيدي الذئب أكلها !! أو أتصرف بمعرفتي فهذه مهنتي !! 

أيها المسلمون: ما أسهل انتهاك الحرمات في هذا الزمان !! وما أجرأ الشباب والفتيات على ارتكاب المعاصي والموبقات!! فقد مات عندهم الخوف من الله ومراقبته!! وكل ذلك زوال لحسناتهم مهما عملوا !! فانتهاك هذه الحرمات زوال لكل حسناتك ولو كانت كالجبال!! فَعَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ ، وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهَكُوهَا.( ابن ماجة بسند صحيح)

عباد الله: عليكم بمخافة الله في السر والعلن؛ في القول والفعل؛ في العبادة والطاعة؛ إن فعلتم ذلك أخاف الله منكم كل شيء؛ فعن عمر بن عبدالعزيز، قال: “مَن خاف الله، أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله، خاف من كل شيء”. وإليكم هذه القصة التي تؤيد هذا الكلام؛ فهذا عز الدين بن عبد السلام كان يقول لـنجم الدين ملك مصر: يا نجم الدين ! الخمر تباع في الحانة الفلانية، فقال: هذا كان في أيام أبي، فقال له: أنت ممن يقول الله فيهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}. [الزخرف:23]، فيقولون له: أما خفت نجم الدين أيوب ملك مصر؟!! فيقول: تذكرت هيبة الله عز وجل فصار كالقط أمامي!! ويروى أن الملك العادل ملك مصر كان إذا دخل عليه عبد الغني المقدسي -وكان إماماً عظيماً من أئمة الحديث- يقوم له الملك مرتعداً، فيقولون له: هذا رجل صاحب قرآن وصاحب حديث فلماذا تخاف منه هكذا؟! فيقول: والله! ما دخل علي مرة إلا وخيل إلي أنه سبع!!

هكذا زرع الخوف من الله فيهم القوة في الحق؛ والشجاعة في الحديث؛ واستصغار كل شيء أماهم سوى الله عز وجل!! فهلا طبقنا هذه المعاني في عصرنا هذا حتى نلحق بهم؟!! فكلما زاد خوف العبد من ربِّه، زاد عمله، وقل عُجْبه، وقلت معصيته، وكلما قلَّ خوف العبد من ربِّه، نقص عمله، وزاد عجبه، وكثرت معصيته.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،                              

    كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

                                                                                                                                  د / خالد بدير بدوي  




خطبة الجمعة القادمة: “الخوف من الله وأثره في استقامة الفرد والمجتمع”بتاريخ 20 من جمادي الأولي 1438هـ الموافق 17-2-2017م

خطبة الجمعة القادمة: “الخوف من الله وأثره في استقامة الفرد والمجتمع“بتاريخ 20 من جمادي الأولي 1438هـ الموافق 17-2-2017م.

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:




خطبة بعنوان : “” وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ “، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 20 من جمادي الأولى 1438هـ، الموافق 17 فبراير 2017م

خطبة بعنوان : “” وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ “، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 20 من جمادي الأولى 1438هـ، الموافق 17 فبراير 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

الحمد لله رب العالمين .. يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ..أمان من خافك وملاذ من لجأ إليك فأنت القائل :” وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين  إذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة”( ابن حبان والبزار والبيهقي).

 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه ولي الصالحين أمر عباده بالخوف منه وجعله  شرطاً للإيمان به سبحانه فقال :” إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ” (آل عمران: 175). وقال مناديا ملائكته يا ملائكتي  :”أخرجوا من النار من ذكرني يوماً أو خافني في مقام “( الترمذي).

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه أفضل من خاف ربه وخشيه في مقامه القائل :” لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله”(الترمذي). اللهم صلاة وسلاماً عليك يا سيدي يا رسول الله وعلي آلك وصحبك وسلم تسليماً كثيراً..

 أما  بعد فيقول الله تعالى: “وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ”(الرحمن:46( .

أخوة الإيمان والإسلام :

الله سبحانه وتعالى يخبر إخباراً يَعِد به من خاف مقام ربه بأن له جنتين وهاتان الجنتان بين الله تعالى ما فيهما من النعيم المقيم من المأكول والمشروب والمنكوح ترغيباً لخوف الإنسان مقام ربه أي لخوفه من المقام الذي يقف فيه بين يدي الله عز وجل هذا الخوف الذي يوجب له الاستقامة على دين الله وعبادة الله تعالى حق عبادته لأن من خاف الله عز وجل راقبه وحذر من معاصيه والتزم بطاعته وثواب من أطاع الله سبحانه وتعالى وأتقاه ثوابه الجنة كما قال الله تبارك وتعالى :”وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”(آل عمران/133-134). إلى آخر ما ذكر الله من أوصافهم ..

فضيلة الخوف:

أيها الناس :أمر الله عباده بالخوف منه ، وجعله شرطاً للإيمان به سبحانه فقال :” إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ” (آل عمران: 175). ومدح أهله في كتابه وأثنى عليهم بقوله : ” إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ” إلى أن قال : “أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ” (المؤمنون/ 57-61) ، وبين سبحانه ما أعده الله للخائفين في الآخرة فقال :” ولمن خاف مقام ربه جنتان ” (الرحمن/46).وبين أن الجنة مصير من خافه واتقاه فقال تعالي :”وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى”(النازعات /). وهذا الحديث العظيم يبين منزلة الخوف من الله وأهميتها ، وأنها من أجل المنازل وأنفعها للعبد ، ومن أعظم أسباب الأمن يوم الفزع الأكبر..

أيها الناس :”وعلى قدر العلم والمعرفة بالله يكون الخوف والخشية منه ، قال سبحانه :” إنما يخشى الله من عباده العلماء “(فاطر/ 28) ، ولهذا كان نبينا – صلي الله عليه وسلم أعرف الأمة بالله جل وعلا وأخشاها له كما جاء في الحديث وقال:” لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيراً ، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله”(الترمذي). ولما سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلي الله عليه وسلم  عن قول الله تعالى : ” والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة “(المؤمنون: 60). ، هل هم الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟ قال : ” لا يا بنت الصديق ، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم “( الترمذي). قال الحسن : “عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم ، إن المؤمن جمع إحسانا وخشية ، والمنافق جمع إساءة وأمنا ” .

وروت عائشة رضي الله عنها :”أن رسول الله صلي الله عليه وسلم  كان إذا تغير الهواء وهبت ريح عاصفة يتغير وجهه فيقول ويتردد في الحجرة ويدخل ويخرج كل ذلك خوفاً من عذاب الله””( متفق عليه).

حقيقة الخوف :

أخوة الإيمان : الخوف  من أجلّ منازل العبودية و أنفعها و هي فرض على كل أحد . قال تعالى :” فلا تخافوهم و خافون إن كنتم مؤمنين “، فالخوف شجرة طيبة إذا نبت أصلها في القلب امتدت فروعها إلى الجوارح فأتت أكلها بإذن ربها وأثمرت عملا صالحا وقولاً حسنا وسلوكاً قويما وفعلاً كريما فتخشع الجوارح وينكسر الفؤاد ويرق القلب وتزكو النفس وتجود العين.

.  والخوف هو السوط الذي يسوق النفس إلى الله والدار الآخرة ، وبدونه تركن النفس إلى الدعة والأمن وترك العمل اتكالاً على عفو الله ورحمته ، فإن الآمن لا يعمل ، ولا يمكن أن يجتهد في العمل إلا من أقلقه الخوف وأزعجه ، ولهذا قال من قال من السلف:” الخوف سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه ، وما فارق الخوف قلباً إلا خرب ” وقال آخرون : “الناس على الطريق ما لم يزل الخوف عنهم ، فإذا زال الخوف ضلوا الطريق ” .

 قال أحد الصالحين :” “ومن منازل :”إياك نعبد وإياك نستعين” منزلة الخوف، وهي من أجلِّ منازل الطريق، وأنفعها للقلب، وهي فرض على كل أحد”.وقال الفضيل :” من خاف الله دله الخوف على كل خير.واعلم أن الخوف إذا فارق القلب خَرِب، وتجرأ صاحبه على المعاصي”.

وقال  ذو النون:” الناس على الطريق ما لم يَزُل عنهم الخوف ، فإذا زال الخوف ضلّوا الطريق”.

والخوف ليس مقصودا لذاته ، بل هو وسيلة لغيره ، ولهذا يزول بزوال المخوف ، فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ومنه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم فالخوف المحمود هو ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل ، قال بعض الحكماء : ” ليس الخائف الذى يبكي ويمسح عينيه بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه ” ، ومنه قدر واجب ومستحب ، فالواجب منه ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم ، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثاً للنفوس على التشمير في النوافل ، والبعد عن المكروهات ، وعدم التوسع في فضول المباحات ، كان ذلك مستحباً ، فإن زاد على ذلك ، بحيث أدى إلى اليأس والقنوط والمرض ، وأقعد عن السعي في اكتساب الفضائل كان ذلك هو الخوف المحُرَّم .

الجمع بين الخوف والرجاء :

لا بد للعبد من الجمع بين هذه الأركان الثلاثة ، لأن عبادة الله بالخوف وحده طريقة الخوارج ؛فهم لا يجمعون إليه الحب و الرجاء ؛ و لهذا لا يجدون للعبادة لذة و إليها رغبة ، و هذا يورث اليأس و القنوط من رحمة الله و غايته إساءة الظن بالله و الكفر به سبحانه . و عبادة الله بالرجاء و حده طريقة المرجئة الذين وقعوا في الغرور و الأماني الباطلة و ترك العمل الصالح و غايته الخروج من الملة ، و عبادة الله بالحب وحده طريقة غلاة الصوفية الذين يقولون : نعبد الله لا خوفاً من ناره ، و لا طمعاً في جنته ، و إنما حباً لذاته و هذه طريقة فاسدة لها آثار وخيمة منها الأمن من مكر الله وغايته الزندقة و الخروج من الدين.

قال بعض السلف كلمة مشهورة وهي :”من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق .و من عبده بالخوف وحده فهو حروري – أي خارجي – و من عبده بالرجاء و حده فهو مرجيء ، ومن عبده بالخوف و الحب و الرجاء فهو مؤمن موحد .”

*أنواع الخوف من حيث الحُكم:الخوف المحمود الصادق :” هو ما حال بين صاحبه و بين محارم الله عز و جلّ ، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس و القنوط قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله”.الخوف الواجب :” هو ما حمل على فعل الواجبات و ترك المحرمات”الخوف المستحب :” هو ما حمل على فعل المستحبات و ترك المكروهات” .

*من الأسباب التي تورث الخوف من الله عز و جل:

إجلال الله و تعظيمه و معرفة حقارة النفس وخشية التقصير في الطاعة و التقصير في المعصية .وزيارة المرضى و المصابين و المقابر .وتذكر أن الله شديد العقاب و إذا أخذ الله الظالم لم يفلته  .تذكر الموت و ما فيه . وملاحظة الله و مراقبته .وتذكر الخاتمة .تدبر آيات القرآن الكريم, .المحافظ على الفرائض و التزود من النوافل و ملازمة الذكر ومجالسة الصالحين والاستماع لنصائحهم.

*أثر الخوف في حياتنا الدنيوية :

أيها الناس :

إن الله خلق الخلق؛ ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه؛ ليهابوه ويخافوه خوف الإجلال، ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه؛ ليتَّقوه بصالح الأعمال، ولهذا كرر – سبحانه وتعالى – في كتابه ذكر النار، وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال، وما احتوت عليه من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال، إلى غير ذلك مما فيها من العظائم والأهوال، ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه، والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به ويحبه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه..

عباد الله :إن المؤمن في هذه الحياة لا غنى له عن أمرين؛ حتى يلقى الله – تعالى – الخوف والرجاء، فهو يحب ربه ويرجوه، ويخافه ويخشاه ولا يعصيه، وهما جناحان لا غنى للعبد عنهما، كجناحي الطائر إذا استويا، استوى الطير وتمَّ طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت.

ولقد جاء في السنة موقف من مواقف تعليم النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – لأُمَّته عن هذين الأمرين؛ لكي يقف العبد عندهما ويجعلهما نُصْب عينيه، فلا يغفل عنهما؛ فعن أنس  رضي الله عنه أن النبي  صلَّى الله عليه وسلَّم-:دخل  علي شاب وهو يعالج سكرات الموت فقال كيف  تجدك  قال: أرجو الله يا رسول الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم: “لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو وأمَّنه مما يخاف”( الترمذي، وابن ماجه). ولقد ذكر الله – تعالى – في كتابه آيات كثيرة تدل على عِظَم شأن الخوف، وأنه منزلة لازمة للمؤمن في حياته الدنيا؛ لكي يصل إلى رضا الله – تعالى – وجنته.

ولقد كان خوف إمام المرسلين، وقدوة العالمين نبيِّنا محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – عبرة للمسلمين جميعًا؛ كي يتعلموا منه، ويأخذوا حذرهم من الغفلة والإعراض عن الله، وهو مَن هو بأبي هو وأمي صلَّى الله عليه وسلَّم  الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فعن أبي ذر – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: “إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون؛ أطت السماء وحُقَّ لها أن تئط، والذي نفسي بيده، ما فيها موضع أربعة أصابع، إلا وملك واضع جبهته؛ ساجد لله، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله”، قال أبو ذر: “يا ليتني كنت شجرة تعضد”؛(أحمد والترمذي).

الخوف من الله: تنمية للبلاد والعباد

أخوة الإيمان والإسلام

إنَّ المديرَ في إدارته، والمهندِسَ في مكتبِه، والمبَرْمِج في برمَجته، والمدرِّس في مدرسته، والداعية في مسجده والعامِلَ في معملِه، والشرطيَّ في مخفرِه، والقاضيَ في محكَمَتِه، والصحفيَّ في جريدته، والكاتبَ في كتاباته، والطبيب في عيادته ،والتاجر في متجره .. عمومًا: كلّ مسئول من موقِع مهمَّته؛ كما قال النَّبيُّ – صلَّى الله عليْه وسلَّم:” ألا كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسئول عن رعيَّتِه، فالأميرُ الذي على النَّاس راعٍ، وهو مسئول عن رعيَّته، والرجُل راعٍ على أهل بيْتِه، وهو مسئول عنْهم، والمرأةُ راعية على بيْتِ بعْلِها وولَدِه، وهي مسئولة عنهم، والعبد راعٍ على مال سيِّده، وهو مسئول عنه، ألا فكلُّكم راعٍ ومسئول عن رعيَّته”( مسلم).

كلٌّ في عملِه، لوِ استحضرنا مُراقبةَ الله وعظَمَتَه وجلالَه، وقُدرتَه سبحانه واستحضرنا النفس اللوامة التي تلوم صاحبها علي تقصيره وعدم خوفه من الله  واستحضرنا مقام الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ” ولو علمنا أن الله عاجلاً أم أجلاً  يقتصَّ من عبْدِه الخائن ، من جرَّاء عملٍ يُؤْذي ويهدِّد أمْنَ بلدِه الاقتِصاديّ والاجتِماعي والسياسي، لتحقَّقتْ رفاهية البُلدان، وانتشر العدْل، وسادَ تكافُؤُ الفُرَص، وقلَّت البطالة التي تنهش في فلذات أكْباد أبناء هذه الأُمَّة.

عباد الله :يُخطئ – وربِّ الكعبة – مَن يظنُّ أنَّ القوانين وحدَها هي الزَّاجِرة والرَّادِعة لكلِّ المُخالفات، هل تَمكَّنتْ من قطْعِ الطَّريق على الرَّاشي والمُرْتشي؟! هل منعتِ الزَّانيَ من الزِّنا؟! هلْ منعتِ الفَساد الإداري (البيروقراطيَّة)؟! هل حدَّت من حوادث السَّير؟! هل منَعَتِ الغِشَّ في الأسواق والمؤسَّسات؟! هل قلَّصتْ من عدد الجرائم؟!

كثيرةٌ هي التَّقارير الدَّولية، التي تُرْفَع كلَّ شهْرٍ وكلَّ سنة؛ لقياس مدى تخلُّف وتقدُّم البلْدان والسَّعْي لتنمِيَتها؛ ففي بداية الخمسينيَّات تَمَّ اعتِماد مِعْيار الدَّخْل الفَرْدِي، وفي السبعينيَّات تبنَّت منظَّمة الأُمَم المتَّحدة مِعْيَار إشْباع الحاجيات الأساسيَّة، إلى أن اكتشف المفكِّر الاقتِصادي الهندي “أمارتيا إسين” ما يسمَّى بِمؤشِّر التنمية البشريَّة، الذي يمزج بين ثلاثةِ مستويات أساسيَّة: مستوى المعرفة (الذي يمثل نسبة الأمَّة، نسبة التمدرس)، ومستوى الدَّخْل (الذي يمثل معدَّل النَّاتج الداخلي لبلدٍ معين)، ومستوى الصِّحَّة (الذي يمثِّل معدل أمدَ الحياة لمجتمع معين)، لكن أين التنمية الربانيَّة؟! لمَ الجري وراء السراب؟!

ونقول :” جميلٌ ما قام به الغَرْبُ في مَجال العُمران، لا يُنْكِر ذلك إلا جاحد، لكن – أخي المسلم  – إنَّ كلَّ ذلك، في غياب البعد الإيماني الأخلاقي، والخوف من الله سبحانه المتصرِّف في هذا الكون – يظلُّ استدراجًا؛ فقد قال عليْه صلي الله عليه وسلم :” إذا رأيتَ اللهَ تعالى يعطي العبدَ من الدنيا ما يُحِبُّ، وهو مقيم على معاصيه، فإنَّما ذلك منه استِدراج ثم تلي قول المولي عز وجل:” فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ” (الأنعام/ 44)(أحمدُ بإسنادٍ حسن).

من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه

قاعدة عظيمة وجليلة لِمن فهِمَها وطبَّقها،والعِوَض من الله أنواعٌ مختلفة،وأجلُّ ما يعوّض به: الأنس بالله،ومحبَّته،وطمأنينة القَلْب بذِكْره،وقوَّته،ونشاطه،ورضاه عن ربِّه تبارك وتعالى مع ما يلقاه من جزاءٍ في هذه الدنيا يغدق عليه الخيرات  ومع ما ينتظِره من الجزاء الأوفى في العُقْبى.فحريٌّ بالعاقل الحازم، أن يتبصَّر في الأمور، وينظُر في العواقب، وألا يؤْثِرَ اللَّذَّة الحاضرة الفانية، التي أنعم الله بِها على أهْلِ الباطل من الغرب الحاقد على ديننا وعقيدتنا، على اللَّذَّة الآجلة الدَّائمة الباقية، البدارَ البدارَ

أثر الخوف في حياتنا االدنيوية والأخروية :

إن الخوف من الله له فوائد كثيرة يعود أثرها علي المؤمن  في الدنيا وفي الآخرة منها:

*منزلة لازمة للمؤمن في حياته الدنيا، لكي يصل إلى رضا الله سبحانه والفوز بالجنة والنجاة من النار وهو سبب لسعادة العبد في الدارين.

أما في الدنيا: *

فالخوف من الله دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام. والخوف من الله يثمر محبة الله وطاعته.  

 *وهو صفاء القلب وطهارة النفس. وهو سبب لهداية القلب والخوف من الله يبعد الإنسان عن الوقوع في المعاصي والسيئات والخوف من الله يجعل الإنسان يخلص عمله لله – تعالى – وألا يضيعه بالترك أو المعصية. والخوف من الله يورث المسلم الشفقة على الخلق.ويحمل الإنسان المسلم على التخلُّق بالأخلاق الحسنة، وتجنُّب الكِبْر والعُجْب. يزيد الإيمان والطمأنينة، حيث إذا حصل الموعود وثق المخلوق أكثر، :”بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي”) البقرة /260).

* يبعث على العمل الصالح والإخلاص فيه وعدم طلب المقابل في الدنيا فلا ينقص الأجر في الآخرة.

*يصبح الإنسان ممدوحًا مثنى عليه ويكفيه فخرًا أن يدخل في أصحاب الأسماء والألقاب الشريفة: “إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا”( الأحزاب/ 35).

وفي الآخرة :

يجعل الإنسان في ظل عرش الرحمن  يوم القيامة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ”( البخاري ومسلم).

من أسباب المغفرة. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ، رَغَسَهُ اللَّهُ مَالًا، فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ، قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ، فَفَعَلُوا، فَجَمَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ، فَتَلَقَّاهُ بِرَحْمَتِهِ”( البخاري، باب الخوف من الله).

يؤدي إلى الجنة. فعَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ فَقَدْ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ”( الحاكم).

يرفع الخوف عن الخائف يوم القيامة.والأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة.  فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا، قَالَ: “وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ، إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”( ابن حبان، وابن عساكر).

  • الرضا من الله سبحانه، “رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ”( البينة).

صور خوف الصحابة والسلف الصالح من الله :

ولو تأملت أحوال الصحابة والسلف والصالحين من هذه الأمة لوجدتهم في غاية العمل مع الخوف ، وقد روي عنهم أحوال عجيبة تدل على مدى خوفهم وخشيتهم لله عز وجل مع شدة اجتهادهم وتعبدهم .

 ولقد بلغ سلفنا الصالح مبلغًا عظيمًا في هذا الباب من شدة خوفهم من الله – تعالى

فهذا الصدِّيق رضي الله عنه يقول : ” وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن ” ، وكان أسيفاً كثير البكاء ، وكان يقول : ” ابكوا فان لم تبكوا فتباكوا ” ، وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل ، وكان عمر رضي الله عنه يسقط مغشياً عليه إذا سمع الآية من القرآن ، فيعوده الناس أياماً لا يدرون ما به ، وما هو إلا الخوف ، وكان فى وجهه رضى الله عنه خطان أسودان من البكاء وقال: “لو نادى منادٍ من السماء: أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلاً واحدًا، لخفت أن أكون أنا هو”؛ “التخويف من النار”؛ فانظروا لهذا الخليفة الراشد، وقد شهد له النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – بالجنة يقول إنه يخاف ألا يكون من أهل الجنة، فماذا نقول نحن وقد قصرت بنا أعمالنا، وغلبت علينا الذنوب والمعاصي، ونحن نأمل دخول الجنة مع التقصير في العمل ومحبة طول الأمل.ورُوي عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه قال: “كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه، فقال لي: ضع رأسي، قال: فوضعته على الأرض، فقال: “ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على القبر يبكى حتى تبتل لحيته ، ويقول : ” لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى آيتهما يؤمر بي لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى آيتهما أصير ”

ورُوي أن أبا هريرة – رضي الله عنه – بكى في مرضه، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: “أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بُعد سفري، وقِلَّة زادي، وإني أمسيت في صعود على جنة أو نار، لا أدري إلى أيتهما يُؤخذ بي”. ونحن والله في أشد الحاجة لمثل هذا الكلام أن نستشعره في قلوبنا، فإذا كان هذا الصحابي الجليل وصاحب رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – والحافظ لكثير من أحاديثه، يقول هذا الكلام، فما نقول نحن وقد قلَّت طاعتنا، وكثرت ذنوبنا، فإلى الله المشتكى من أحوالنا.

ورُوي عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال: “إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه جالس في أصل جبل، يخشى أن ينقلب عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه، فقال به هكذا”، ولو نظر كل منَّا لنفسه وحاسبها، لوجد أنه يقع في كثير من المعاصي وهو لا يشعر، وهذا من الغفلة العظيمة عن محاسبة النفس.

ورُوي أن علي بن الحسين كان إذا توضأ اصفرَّ وتغيَّر، فيقال: مالك؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟ فكيف به لو نظر لحال بعضنا الآن وهم داخلون إلى الصلاة في ضحك وسواليف، وانشغال بالدنيا! بل يدخل الواحد منَّا إلى الصلاة ويخرج، ولم يخشع قلبه أو تدمع عينه، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.وتلي قول الله تعالي:” إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ  وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ “(المؤمنون/ 57 – 61).

الخطبة الثانية:

إن الحمد لله،  والصلاة والسلام علي رسول الله. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن التقوى طريق النجاة والفوز بدار النعيم؛ ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا “(الأحزاب: 70 – 71).

فالتقوى هي التي تُسَيِّر العبد إلى الجنة، فتعينه على كل خير، وتصده عن كل شر، وتأخذ بيده إلى فضائل الأعمال وأحسنها، وتمنعه من قبائحها وسيئها، فهي النجاة لكل من تمسك بها في الدنيا، وهي خير زاد لمن أراد الآخرة وسعى لها سعيها.وكما عرفها الإمام علي:” هي العمل بالتنزيل و الخوف من الجليل..والرضا بالقليل الاستعداد بيوم الرحيل

عباد الله :

إن الخوف من الله درجة عظيمة تدل على قوة الإيمان، وها هو الحسن البصري – رحمه الله – يقول: “إن المؤمنين قوم ذلَّت – والله – منهم الأسماع والأبصار والأبدان؛ حتى حسبهم الجاهل مرضى، وهم – والله – أصحاب القلوب، ألا تراه يقول: ” وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ “(فاطر / 34)، والله لقد كابدوا في الدنيا حزنًا شديدًا، وجرى عليهم ما جرى على من كان قبلهم”.وعن عمر بن عبدالعزيز، قال: “مَن خاف الله، أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله، خاف من كل شيء”.

وقال إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار؛ لأن أهل الجنة قالوا: ” وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ “(فاطر / 34).، وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف ألا يكون من أهل الجنة؛ لأنهم قالوا: ” إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ “(الطور/ 26).

وروى حفص بن عمر، قال: بكى الحسن، فقيل: ما يبكيك؟ قال: “أخاف أن يطرحني غدًا في النار ولا يبالي”.وقال يزيد بن حوشب: “ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبدالعزيز، كأن النار لم تخلق إلا لهما”.وقال أبو سليمان الداراني: “أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله – عزَّ وجلَّ – وكل قلب ليس فيه خوف، فهو قلب خرب”.

وفي عهد عمر بن الخطاب :لمَّا نهى عن خلْطِ اللَّبن بالماء، وخرج ذات ليلةٍ في حواشي المدينة، وأسند ظهْرَهُ إلى جدارٍ ليرْتاح، فإذا بامرأةٍ تقول لابنتها: ألا تَمْذُقين اللَّبنَ بالماء؟ فقالت الجارية: كيف أمذُقُ وقد نَهى أميرُ المؤمنين عن المذق؟! فقالت الأم: فما يُدْرِي أميرَ المؤمنين؟ فقالت الجارية: إن كان عُمر لا يعلمُه فإلهُ عمر يعلَم، ما كنت لأفعله وقد نَهى عنه. فوقعتْ مقالتُها من عمر رضي الله عنه فلمَّا أصبح دعا عاصمًا ابنَه فوصفها له ومكانَها، وقال: اذهب يا بنَيَّ فتزوَّجْها، فتزوَّجها عاصمُ بن عُمر، فولدتْ له بنتًا فتزوَّجَها عبدالعزيز بن مَرْوان بن الحَكَم، فأتتْ بِعُمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه.. انظروا معي – – إلى هذا الزَّمان الَّذي كثُر فيه التَّدليس والغِشُّ في الأَسواق، وَما يتْبَع ذلك من مُضارباتٍ اقتصاديَّة تُهدِّد الاقتِصادَ المحلِّي لبلدان العالم الإسلامي؛ وبالتَّالي تَجعلُه لقمةً سائغة لشرِكات النَّهْب العالميَّة دون وازع ديني ودون رقيب ودون ضمير ودون خوف من الله ..وإلي الله المشتكي..

 أخي المسلم إليك هذه القصة التي تدمع لها العيون وتخشع منها القلوب :” قال نافع: خرجت مع ابْنِ عُمر في بعض نواحي المدينة، ومعه أصحابٌ له، فوضعوا سُفرةً، فمرَّ بِهم راعٍ، فقال له عبدالله: هلمَّ يا راعي، فأصِبْ من هذه السُّفرة. فقال: إنِّي صائم.فقال له عبدالله: في مثلِ هذا اليومِ الشَّديد حرُّه، وأنت في هذه الشِّعاب في آثارِ هذِه الغنَم، وبين الجبال ترعى هذه الغنم، وأنت صائم!فقال الراعي: أُبادر أيَّامي الخالية، فعجِب ابنُ عمر

وقال: هل لك أن تبيعَنا شاةً من غنمِك نجتَزِرُها، ونُطْعِمك من لَحمها ما تفطِرُ عليه، ونعطيك ثَمنَها؟ قال: إنَّها ليستْ لي، إنَّها لمولاي.قال: فما عسيْتَ أن يقول لكَ مولاك إن قُلْتَ: أكلها الذئب؟ فمضى الرَّاعي وهو رافعٌ إصبعَه إلى السماء، وهو يقول: فأين الله؟ قال: فلمْ يزل ابنُ عُمر يقول: قال الراعي: فأين الله.فما عدا أن قدِم المدينةَ، فبعث إلى سيِّده فاشترى منه الرَّاعي والغنم، فأعتق الرَّاعيَ، ووهبَ له الغَنم – رحِمه الله. (صفة الصفوة:2 / 188). وهنا درسٌ عظيمُ الأثَر لِمَنْ كان له قلبٌ أو ألقى السَّمع وهُو شهيد، وهو تنمِية الصِّلة بالله وخشْيَته في الغَيْبِ والشَّهادة، وغرْس رُوح المراقبة في النُّفوس، ولله دَرُّ الشَّاعر الذي قال: إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ.. خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ.. وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفَلُ سَاعَةً.. وَلا أَنَّ مَا تُخْفِي عَلَيْهِ يَغِيبُ.

عباد الله :احرصوا – بارك الله – فيكم على الخوف من الله، فمن خافه واتقاه، رضي عنه وأرضاه وأنجاه من سكرات الموت، وعذاب القبر، وكربات يوم العرض.واعلموا أن الدنيا أيام قليلة، وأن من خاف ربه حسن عمله، فاتقوا الله وتزودوا للقاء الله، واحذروا من الغفلة والركون إلى الدنيا، وكثرة المظالم؛ فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل. 

 




خطبة الجمعة القادمة 10 من فبراير 2017م تحت عنوان:الخوف من الله وأثره في استقامة الفرد والمجتمع

الخوف من الله وأثره في استقامة الفرد والمجتمع

  وتؤكد وزارة الأوقاف على جميع السادة الأئمة الالتزام بنص الخطبة أو بجوهرها على أقل تقدير مع الالتزام بضابط الوقت ما بين 15 – 20 دقيقة كحد أقصى ، واثقة في سعة أفقهم العلمي والفكري ، وفهمهم المستنير للدين ، وتفهمهم لما تقتضيه طبيعة المرحلة من ضبط للخطاب الدعوي ، مع استبعاد أي خطيب لا يلتزم بموضوع الخطبة ، وسنقوم لاحقا بنشر نص الخطبة على موقعنا هذا بإذن الله تعالى.




خطبة الجمعة القادمة:”فروض الكفايات ودورها في تحقيق التوازن المجتمعي”بتاريخ 13 من جمادي الأولي 1438هـ الموافق 10-2-2017م

خطبة الجمعة القادمة:”فروض الكفايات ودورها في تحقيق التوازن المجتمعي”بتاريخ 13 من جمادي الأولي 1438هـ الموافق 10-2-2017م.

ولقراءة الخطبة كما يلي:

 




خطبة بعنوان: “فروض الكفاية ودورها في بناء المجتمع”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 13 من جمادي الأولى 1438هـ – 10 فبراير 2017م

خطبة بعنوان: “فروض الكفاية ودورها في بناء المجتمع“، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 13 من جمادي الأولى 1438هـ – 10 فبراير 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:  

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: أهمية فروض الكفاية في الإسلام

العنصر الثاني: صور ومجالات فروض الكفاية

العنصر الثالث: أثر فروض الكفاية في بناء المجتمع

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: أهمية فروض الكفاية في الإسلام

عباد الله: إننا لو نظرنا إلى الفرائض والواجبات التي فرضها الله علينا لوجدنا أنها تنقسم إلى قسمين: فرض عين؛ وفرض كفاية.

وفرض العين هو ما طلبه الشارع من الفرد بعينه طلبا جازما ويثاب فاعله ويعاقب تاركه؛ ومنه العبادات : كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها؛ وهو ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي جاء يسأله عن هذه الفرائض؛ فعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ثَائِرُ الرَّأْسِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ ؟ قَالَ : ” الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ إِلا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا ” ، فَقَالَ : أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ ؟ قَالَ : ” صِيَامُ رَمَضَانَ إِلا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا ” ، قَالَ : أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ ؟ قَالَ : فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرَائِعِ الإِسْلامِ ، قَالَ : وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا ، وَلا أَنْتَقِصُ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ” أَوْ ” دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ” .( متفق عليه ). فمن أدى هذه الفرائض فلنفسه؛ ومن قصر فيها فعلى نفسه أيضاً. {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (فصلت: 46) .

أما فرض الكفاية فهو:”ما طلب الشارع فعله من مجموع المكلفين لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به البعض فقد أُدي الواجب، وسقط الإثم والحرج عن الباقين، وإذا لم يقم به أي فرد من أفراد المكلفين؛ أثموا جميعاً بإهمال هذا الواجب”.(أصول الفقه لعبدالوهاب خلاف).

فالمقصود من فرض الكفاية هو إقامة الفعل واقعاً، بقطع النظر عن فاعله، فمقصود الشارع منه إيجاد الفعل دون تعيين للمنشئ لذلك الفعل، مثل: غسل الميت والصلاة عليه، وإنجاء الغريق، وفضّ الخصومات بين الناس، وإقامة العدل بتولية الولاة الأكفياء القادرين، وغيرها من فروض الكفاية الأخرى، فمقصود الشارع من هذه الفروض مطلق الإيجاد دون نظر إلى ذات الموجد.

كما أنه يأثم جميع المكلفين إن لم يتحقق المقصود من الفعل واقعاً، فالتقصير في إقامة الواجبات الكفائية مؤذن بإلحاق الإثم الأخروي بكافة أفراد الأمة على حد سواء، وفي هذا تعبير عن البعد الاجتماعي لفرض الكفاية، وضرورة وجود تنسيق بين أفراد المجتمع حتى يكفلوا بذلك إقامة الواجبات الكفائية وتطبيقها في حيز الواقع؛ لأن التراخي في إقامة هذه الفرائض سيعود أثره على الجميع، وسيتحمل كافة المكلفين من أفراد الأمة مسؤولية التقصير في أدائها.

وفي هذا – أيضاً – تمييز لفرض الكفاية عن فرض العين الذي يقتصر فيه الإثم على الفرد الذي وقع منه التقصير، ولا يتناول هذا الإثم عموم الأمة وأفراد المجتمع.

وفرض العين لا يمكن أن يتحول إلى فرض كفاية؛ ولكن فرض الكفاية يمكنه أن يتحول إلى فرض عين. مثال ذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا إذا رأيت إنسانا يرتكب معصية وكان لا بد من نهيه ولا يوجد مع ذلك الشخص إلا أنت فبذلك يتحول فرض الكفاية إلى فرض عين عليك.

أحبتي في الله: إن الفقهاء حين قارنوا بين فرض العين وفرض الكفاية من حيث الفضل والأجر قالوا: إن القائم بفروض الكفاية له خيرية عن القائم بفروض العين وذلك لإسقاط الحرج عن جميع المسلمين ..وورد عن إمام الحرمين: “إنه أفضل من فرض العين” بمعنى إنه إذا خير الإنسان بين فرض العين وفرض الكفاية وليس هناك فرصة لفرض العين فعلى الإنسان أن يقوم بفرض الكفاية؛ وله بذلك أجرٌ عظيمٌ عند الله؛ فإنقاذ المشرف على الغرق مثلاً أولى من الصيام في حق صائم لا يتمكن من إنقاذه إلا بالإفطار؛ وصلاة الكسوف لمن قال إنها فرض كفاية حين يخاف فوتها هى أولى من المكتوبة التي لم يضق وقتها.

وأنه إذا كان فرض العين متوجها إلى الإنسان وعلاقته بخالقه فإن فرض الكفاية يتوجه إليه لنفع غيره من سائر المسلمين؛ لذلك فإن فرض الكفاية يتعدى فاعله إلى غيره؛ ففائدته أعم من فرض العين؛ وبالتالي إذا أدى المسلمون فروض الكفاية فإنها سوف تسد جانباً من جوانب حياة المسلمين الحاضرة والمستقبلية.

ومن هنا كان فضل العلم والدعوة إلى الله أعظم أجراً من الانقطاع إلى العبادة مرات ومرات، لذلك قرر الفقهاء أن المتفرغ للعبادة لا يأخذ من الزكاة، بخلاف المتفرغ للعلم، لأنه لا رهبانية في الإسلام، ولأن تفرغ المتعبد لنفسه، وتفرغ طالب العلم لمصلحة الأمة ! ، فقدم العمل المتعدي نفعه إلى الغير؛ على العمل القاصر نفعه على صاحبه، فقيامه بتعليم الناس أولى من العبادة، وذلك لتعدي نفعه وشمول خيره، وهذا الذي جعل الشيطان يفرح بموت العلماء أكثر مما يفرح بموت العباد ، فروي أن جنود الشيطان جاءوا إليه فقالوا له: يا سيدنا نراك تفرح بموت الواحد من العلماء، ولا تفرح بموت آلاف العُبَّاد؟!!! فهذا العابد الذي يعبد الله ليلاً ونهاراً يسبّح ويهلل ويصوم ويتصدق، لا تفرح بموت الألف منهم فرحك بموت الواحد من العلماء. قال: نعم أنا أدلكم على هذا، فذهب إلى عابد فقال له: يا أيها الشيخ هل يقدر الله أن يجعل السماوات في جوف بيضة؟ قال العابد: لا. وهذا جهل كبير. ثم ذهب إلى العالم وقال له: هل يقدر الله أن يجعل السماوات في بيضة؟. قال العالم: نعم، قال: كيف؟ قال: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون، فإذا قال للسماوات: كوني في جوف بيضة كانت، فقال الشيطان لجنوده: انظروا الفرق بين هذا وهذا. انظروا كيف كذب الأول بجهله، وكيف اعتصم الثاني بعلمه، وكيف اهتدى بكلمته أناس كثيرون.

لكل ما سبق يتبين لنا أهمية فروض الكفاية في الإسلام ولا سيما في المجالات الآتي ذكرها في عنصرنا التالي إن شاء الله تعالى.

العنصر الثاني: صور ومجالات فروض الكفاية

عباد الله: إن فروض الكفاية تمتد لتشمل جميع مجالات الحياة الدينية والدنيوية :-

فمنها: إيجاد هيئة لإقامة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: وهذه الهيئة هي التي يقال عنها الاحتساب أو المحتسب؛ وهذا المحتسب قد يكون واحدا وقد يكون متعدداً وقد يكون متطوعاً أو معيناً من قبل الدولة؛ فالمسلمون جميعاً مطالبون بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ}.( آل عمران: 110). فخيرية هذه الأمة لأنها تقيم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

ومنها: إعداد والدعاة والخطباء: وتلبية احتياجاتهم ومتطلباتهم المادية والمعنوية حتى يقوموا بتبليغ الدعوة على أكمل وجه؛ وحتى يتفرغوا لنشر صحيح الدين وقضاياه العصرية المتجددة؛ وكذلك نشر الفكر الوسطي المعتدل؛ وتطهير عقول الشباب من الأفكار المنحرفة المتطرفة؛ وكل هذا لا يتأتى إلا بالتقدير المادي والمعنوي للدعاة؛ فهم حصن وأمان الأمة؛ لأنهم يحملون أشرف رسالة حملها قبلهم رسولنا – صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين!!

ومنها: الجهاد والدفاع عن البلاد وإعداد القوة: وكذلك تعليم وتدريب جيش يدافع عن الأمة؛ فالجهاد والتحصينات يعد من فروض الكفاية؛ لأن الأمة لابد أن تكتفى فى كل مجال يقودها إلى القوة؛ لأنه سبحانه وتعالى طالبها بقوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُم اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ}.(الأنفال: 60). ولم يحدد الله تعالى نوع هذه القوة؛ فهى شاملة لكل قوة تصلح الأمة سواء كانت قوة روحية أم علمية أم فنية أم جسدية. قال الإمام أحمد رضي الله عنه : “الغزو واجب على الناس كلهم ، فإذا غزا بعضهم أجزأ عنهم” .وقال ابن قدامة رحمه الله  في المغني: “والجهاد من فروض الكفايات , في قول عامة أهل العلم “.

ومنها: توفير السكن لمن لا سكن له : وقد كان فى مسجد النبي – صلى الله عليه وسلم – وعلى الرغم من صغر مساحته مكان لمن لا مأوى لهم من المهاجرين والأنصار؛ وهؤلاء أطلق عليهم أهل الصفة؛ حتى إنه من إيثاره لهم على أقاربه لما جاءته السيدة فاطمة رضى الله عنها تطلب منه خادماً يعينها على أعمال المنزل بعد أن شكت ما فعلت الرحا بيديها! قال لها: “لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تلوى بطونهم من الجوع” وهذا يعد نوعاً من أنواع التكافل الاجتماعي والإحساس بالمسئولية ونوعاً من إيواء من لا مأوى له.

ومنها إماطة الأذى عن الطريق: وعدم إلقاء القاذورات على الطرقات وجعل هذه الطرقات صالحة للمشى فيها بدون أذى؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ (البخاري ومسلم).

ومنها: الاهتمام باليتامى والمساكين: الذين لا عائل لهم ولا مأوى؛ والعجزة الذين لا يجدون سبيلاً من أسباب الكسب ؛ وسد الخلات، ودفع حاجات المحتاجين، وإغاثة الملهوفين، وإنقاذ الغرقى؛ وإن هذا المفهوم بلغة العصر، يشمل مؤسسات الإغاثة ومؤسسات الخدمة الاجتماعية والتنمية الاجتماعية، وتأهيل الفقراء علمياً وحرفياً، لتحقيق سد الخلة على الوجه الأكمل، ذلك أن المساعدات المؤقتة تحقق سداً لحاجة جزئية، ولا تدفع الحاجة على وجه الدوام والاستمرار.

بل إن الإسلام يذهب إلى أبعد من ذلك في تفعيل فروض الكفايات من أجل تحقيق التكافل الاجتماعي مراعاة لأحوال الفقراء إذا لم تقم الزكوات بذلك؛ فيفرض على الأغنياء – مع الزكاة – ما يكفي حاجة الفقراء؛ قال ابن حزم:” وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، وإن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف ، والشمس وعيون المارة.” ( المحلى(

ومنها: دفع الضرر: سواء كان هذا الدفع عن طريق رد الأذى أو رد الظلم عن المظلومين أو دفع الضرر عن المضرورين؛ أو إغاثة من يشرف على الهلاك سواء كان مريضاً أو فى لجة أو محرقة أو هدم… كل هذا من فروض الكفايات؛ لهذا فإنه ينبغي على كل إنسان وجد إنساناً مشرفاً على الهلاك أن يغيثه لأن إغاثة المسلم وغير المسلم من الفروض.

ومنها : تزويج العزب والعانس: إذ أن حل مشكلة العنوسة فى المجتمع تدخل فى إطار فروض الكفاية؛ لأن القرآن الكريم قال: {وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.( النور: 32). والخطاب فى الآية الكريمة موجه للأمة كلها؛ فلو عجز إنسان عن تزويج ابنه أو ابنته توجه الأمر إلى الأمة كلها حتى لا يكون فيها عزب ولا عانس. فمصر فيها أكثر من ثلاثة عشر مليون عانس؛ وأيضاً زيادة النسبة فى كثير من الدول الإسلامية إنما هو دليل على إغفال الأمة لفروض الكفاية.

ومنها: غسل الميت والصلاة عليه ودفنه واتباع الجنائز: قال الإمام الشافعي رحمه الله في الأم: “حق على الناس غسل الميت ، والصلاة عليه ودفنه ، لا يسع عامتهم تركه. وإذا قام به من فيه كفاية أجزأ عنهم ، إن شاء الله تعالى” .

ومنها: تعلم العلوم الدنيوية: فكل العلوم تخدم الإسلام ما دامت هذه العلوم نافعة للإنسان فى دينه ودنياه؛ فلولا تعلم الطب ما تعلم الناس كيفية علاج الأبدان؛ وقد كان رسول الله يعالج وكانت امرأة فى عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – تسمى رفيدة صنع لها خيمة فى مسجده فى غزوة الخندق؛ وكانت تمرض فيها سعد بن معاذ سيد الأوس ..فمن فروض الكفاية أن يكون فى الأمة الطبيب والمهندس والاقتصادي والزراعي والكيميائي والصيدلي؛ وما تتم به المعايش كتعلم أحكام البيع والشراء والحرث وتولى الإمامة والشهادة وأدائها والقضاء وإعانة القضاة على استيفاء الحقوق والزراعة والتجارة وتعلم اللغات الأجنبية وتعلم الصنائع والحرف… كل هذه من فروض الكفاية لأن الأمة لا تستطيع أن تحيا وتتقدم بدونها؛ لأنه لو خلت البلاد من أصحاب الحرف والصناعات لدخل الحرج على الجميع.

يقول الإمام الغزالي في الإحياء: “إنه يجب على المتكسب أن يقصد بالقيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات، فإن الصناعات والتجارات؛ لو تركت بطلت المعايش، وهلك أكثر الخلق، فانتظام أمر الكل بتعاون الكل، وتكفل كل فريق بعمل، ولو أقبل كلهم على صنعة واحدة لتعطلت البواقي وهلكوا”أ.ه. وفي هذا توجيه لأرباب الصناعة والتجارة بأن تتوجه هممهم نحو النافع والمثمر من ضروب الصناعات والتجارات؛ لأن تركها مؤذن باختلال أمن المجتمع الاقتصادي وهذا ما قصده بقوله: “لو تركت بطلت المعايش وهلك أكثر الخلق”.

وخلاصة القول: فإن فروض الكفاية تشمل جميع مناحي الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها؛ ولا تسعنا هذه الوريقات في هذه الدقائق في حصر جميع صور فروض الكفاية في جميع هذه المجالات؛ فهي أكثر من أن تحصى؛ وما ذكر على سبيل المثال لا الحصر؛ ويكفي القلادة ما أحاط بالعنق؛ وبذلك نعلم أن من أهم مقاصد الشريعة من فروض الكفاية أن تتحقق للأمة كل مقوماتها المادية والمعنوية والروحية، مقوماتها المعنوية من ناحية الإيمان والأخلاق والثقافة  والعلم، ومقوماتها المادية من الناحية الاقتصادية حتى تتقدم وتنهض ماديا ومعنويا؛ وهذا ما يتبين لنا بوضوح وتفصيل في عنصرنا التالي إن شاء الله تعالى.

العنصر الثالث: أثر فروض الكفاية في بناء المجتمع

عباد الله: إن تفعيل دور فروض الكفايات في كل مجالات الحياة له أثره الفعال في بناء المجتمع؛ فحينما نعد العلماء المتخصصين؛ والأطباء والمهندسين والمعلمين وأصحاب المهن والحرف والصناعات وغيرها من المجالات؛ فإننا بذلك نقيم مجتمعا متوازناً متكافلاً متكافئاً متعاوناً كما ينشده الإسلام.   

وفروض الكفاية هذه لا تسقط عن الأمة إلا في حالتين: الأولى: القيام بها من قبل أحد الأفراد وبذلك رفع الحرج عن مجموع الأمة من ناحية فينال بذلك أجراً عظيماً عند الله؛ ومن ناحية أخرى يعمل على بناء المجتمع وتعاونه وتكافله وسد حاجاته.

 الحالة الثانية: بعدم القدرة على القيام بها؛ وفى الحالة الثانية يجب حض الآخرين على فعلها؛ ويأثم ويعاقب إن لم يفعل ذلك؛ وقد جاء فى القرآن الكريم أن عدم الحض على إطعام المسكين يوجب عقاب الله قال تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ}.( الحاقة: 30 – 34 ).

أيها المسلمون: إن السبب فيما نحن فيه من أزمات وغلاء وتأخر في كل المجالات إنما يرجع إلى إهمال فروض الكفايات؛ فلو أن كل الناس أهملوا العلم فمن للجاهل؟! ولو أن كل الناس أهملوا الطب فمن للمرضى؟!! ولو أن كل الناس أهملوا حق المال فمن للفقراء والمحتاجين؟!! ولو أن كل الناس أهملوا الحرف والصناعات فكيف نتقدم؟!! وهلم جرا !!

لذلك حذرنا النبي – صلى الله عليه وسلم- من الاهتمام بفروض الكفايات في أحد مجالات الحياة وترك المجالات الأخرى؛ لأن ذلك يؤذن بهلاك الأمة وتأخرها. فعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:” إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ؛ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ؛ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ؛ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ؛ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ”. (أبو داود واللفظ له وأحمد والطبراني بسند صحيح) قال صاحب عون المعبود: ” وسبب هذا الذل والله أعلم أنهم لما تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عز الإسلام وإظهاره على كل دين؛ عاملهم الله بنقيضه وهو إنزال الذلة بهم؛ فصاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل التي هي أعز مكان. وفيه توجيه نبوي شريف إلى وجوب الاهتمام بجميع فروض الكفايات وعدم الاقتصار على الزراعة حتى تنهض الأمة ويبني المجتمع.

المصيبة – أيها المسلمون – أن كل فرد يقول نفسي نفسي ؛ وسيقوم بذلك غيري؛ فيُهمل فرض الكفاية ويفوت الغرض المنشود منه ويأثم الجميع!! وإليكم هذه القصة في هذا المضمون: يحكى أنه حدثت مجاعة بقرية؛ فطلب الوالي من أهل القرية طلبًا غريبًا كمحاولة منه لمواجهة خطر القحط والجوع؛ وأخبرهم بأنه سيضع قِدرًا كبيرًا في وسط القرية؛ وأن على كل رجل وامرأة أن يضع في القِدر كوبًا من اللبن بشرط أن يضع كل واحد الكوب متخفيا دون أن يشاهده أحد؛ فهرع الناس لتلبية طلب الوالي؛ فكل منهم تخفى بالليل وسكب الكوب الذي يخصه؛ وفي الصباح فتح الوالي القدر …. وماذا شاهد؟! شاهد القدر وقد امتلأ بالماء!! أين اللبن؟! ولماذا وضع كل واحد من الرعية الماء بدلاً من اللبن؟!

 الإجابة: أن كل واحد من الرعية قال في نفسه: ” إن وضعي لكوب واحد من الماء لن يؤثر على كمية اللبن الكبيرة التي سيضعها أهل القرية “؛ وكل منهم اعتمد على غيره؛ وكل منهم فكر بالطريقة نفسها التي فكر بها أخوه، وظن أنه هو الوحيد الذي سكب ماءً بدلاً من اللبن، والنتيجة التي حدثت: أن الجوع عم هذه القرية ومات الكثيرون منهم ولم يجدوا ما يعينهم وقت الأزمات!!

هل تصدق أنك تملأ الأكواب بالماء في أشد الأوقات التي نحتاج منك أن تملأها باللبن؟! عندما لا تتقن عملك بحجة أنه لن يظهر وسط الأعمال الكثيرة التي سيقوم بها غيرك من الناس فأنت تملأ الأكواب بالماء!!! عندما لا تخلص نيتك في عمل تعمله ظناً منك أن كل الآخرين قد أخلصوا نيتهم وأن ذلك لن يؤثر، فأنت تملأ الأكواب بالماء.!! عندما تحرم فقراء المسلمين من مالك ظناً منك أن غيرك سيتكفل بهم؛ فأنت تملأ الأكواب بالماء..!! عندما تتقاعس عن الدعاء للمسلمين بالنصرة والرحمة والمغفرة ؛ فأنت تملأ الأكواب بالماء..!! عندما تضيع وقتك ولا تستفيد منه بالدراسة والتعلم والدعوة إلى الله تعالى؛ فأنت تملأ الأكواب بالماء..!!

عباد الله: ينبغي على كل فرد من أفراد المجتمع أن يبادر ويسارع إلى تفعيل فروض الكفايات من أجل خدمة وطنه ومجتمعه وبني جنسه؛ ولنا القدوة في سلفنا الصالح – رضي الله عنهم – فقد كانوا دوما في سباق إلى الخيرات ومساعدة ذوي الحاجات والمعدمين؛ فهذا أبوبكر الصديق – رضي الله عنه – الذي ما وَجَد طريقاً علِم أنَّ فيها خيرًا وأجرًا وخدمة للمجتمع إلاَّ سلَكها ومشَى فيها، فحينما وجَّهَ النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – إلى أصحابِه بعضَ الأسئلةِ عن أفعالِ الخيرِ والفروض الكفائية والخدمة اليومية لأفراد المجتمع، كان أبو بكرٍ الصديق هو المجيب، قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ” مَن أصبحَ مِنكُم اليومَ صائمًا؟ “، قال أبو بَكرٍ: أنا، قال: ” فمَن تَبِع مِنكم اليومَ جنازةً؟”، قال أبو بكرٍ: أنا، قال: ” فمَن أَطْعَم منكم اليومَ مِسكينًا؟ “، قال أبو بكر: أنا، قال: ” فمَن عادَ مِنكم اليومَ مريضًا؟”، قال أبو بكر: أَنا، فقال رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ” ما اجْتمَعْنَ في امرئٍ إلاَّ دخَل الجَنَّةَ .”( أخرجه مسلم).

أيها المسلمون: إن التشريع الإسلامي له غايته ومقاصده العظمى في إقرار فروض الكفايات؛ فبها قوام المجتمع وببنيانه؛ وبإهمالها ينهدم المجتمع ولا تقوم له قائمة؛ فتفعيل فروض الكفاية أمانة ومسئولية في رقبة الجميع؛ ولا يتعذر أحد ويقول: نفسي نفسي ؛ فإن الغلاء عم؛ والبلاء طم؛ وهذه رسالة أوجها لي أولاً قبلكم حتى ننهض بديننا وأمتنا ووطننا ومجتمعنا !!

فما أجمل أن نكون جميعا متعاونين متحابين متكافلين؛ فتسود بيننا علاقات الود والمحبة والتراحم والتكافل !!! 

نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من العالمين العاملين؛ وأن يجعل هذا البلد آمنا مطمئنا متحدا متعاونا متكافلا وسائر بلاد المسلمين!!!

الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،                              

    كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

                                                                                                                                  د / خالد بدير بدوي   




خطبة بعنوان : “بتفعيل فروض الكفاية تسترد الأمة عافيتها “، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 13 من جمادي الأولى 1438هـ، الموافق 10 فبراير 2017م

خطبة بعنوان : “بتفعيل فروض الكفاية تسترد الأمة عافيتها  “، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 13 من جمادي الأولى 1438هـ، الموافق 10 فبراير 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

الحمد لله رب العالمين .. يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ..وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه ولي الصالحين ..وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وشفعينا وأستاذنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه طب القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها ونور الأبصار وضيائها محمد صلي الله عليه وسلم القائل :” لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ”(متفق عليه( .

اللهم صلاة وسلاماً عليك يا سيدي يا رسول الله وعلي ألك وصحبك الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً كثيراً أما بعد فيا جماعة الإسلام :

لا تخلو أمة من الأمم ولا مجتمع من المجتمعات من الفقراء والمساكين والمرضى والمحتاجين للكساء والسكن والدواء والتعليم والتوجيه والخلافات والمشاكل والغلاء والعنوسة وغيرها من مناحي الحياة المختلفة وقد تميزت الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم بأنها صاحبة الفقه الجامع والوافى والعلاج الناجع الشافي .

وكان فقه فروض الكفايات هو الفقه المسئول عن سد احتياجات المسلمين عبر قرون طويلة من الزمان لم تشهد فيها الدولة الإسلامية جائعاً ولا معتراً ولا فقيراً. ولكن بعد ذلك عانت الدولة الإسلامية فى فترات مختلفة نتيجة الخلل والتقصير في أداء فروض الكفاية مما نتج عنه أعداد كبيرة من مرضى يحتاجون للعلاج فلا يتداوون وفقراء يمدون يدهم فلا يجدون ومساكين بلا مأوى ولا سكن!! ازادت وارتفعت حالات الطلاق والعنوسة ..حدث غلاء رهيب للأسعار .. الخ وما حدث بسبب إهمال فروض الكفاية إما ظناً بإنه قام بها البعض فسقط عنا ..وإما تهاوناً وتكاسلاً وهملاً وعبثاً..

أخوة الإسلام :

الفروض قسمان :

 أخوة الإسلام  والفقهاء قسموا الفروض إلى فروض كفاية وفروض أعيان التي هي فرض على كل إنسان بعينه فعلى الإنسان أن يصلى ويصوم ويحج إن استطاع بنفسه أما فروض الكفاية فهي فروض مفروضة على الأمة كلها وهى مطلوبة شرعاً من كل مسلم ولكن إذا قام بها بعض أفرادها سقط الإثم عن الباقين ولا يتخلص أى إنسان في الأمة من الإثم والذنب إلا إذا قام أحد منها أو طائفة منها بإنجاز هذا الفرض وكلمة سقط الإثم عن الباقين تعنى:أن الإثم شامل لايسقط ولاتسقط المطالبة به ولا الحساب عليه إلا إذا تأكد الفرد وعلم أن غيره قد قام به.

هل يوجد فرق بين فرض العين وفرض الكفاية ؟

لا فرق بين فرض العين والكفاية من حيث الوجوب، فكلاهما مطلوب من المكلف طلباً جازماً.

أما الفرق بأنه يتميز فرض العين عن الكفاية ـ بأن فرض العين ـ هو الذي طلب الشارع حصوله من كل عين، أي واحد من المكلفين، كالصلاة والصوم والزكاة والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام….إلخ وغير ذلك، أو من عين مخصوصة كالنبي صلي الله عليه وسلم  فيما فرض عليه دون أمته. فرض العين يثاب فاعله وينال الأجر والثواب العظيم،وتاركه يحاسب على تركه لها.

فرض العين لا يمكن أن يتحول إلى فرض كفاية.

أما فرض الكفاية :” فهو ما طلبه من  المجموع  ولم يطلبه من كل فرد من أفراد المكلفين طلباً جازماً .واحد فإن قام العدد الذي يكفي سقط عن الباقين ، وإلا أثموا جميعاً .

أي هو ما قصد الشارع فعله في الجملة، بحيث إذا عمله البعض سقط الطلب الجازم به والإثم عن الباقين، ويتناول ما هو ديني كصلاة الجنازة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودنيوي كالحرف والصنائع. .  

فرض الكفاية يمكنه أن يتحول إلى فرض عين مثال ذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا إذا رأيت إنسانا يرتكب معصية وكان لا بد من نهيه ولا يوجد مع ذالك الشخص إلا أنت فبذلك يتحول فرض الكفاية إلى فرض عين عليك.

 

كنوز الفقه:

  إن فروض الكفاية كنز من كنوز الفقه الإسلامي حيث لم يقصر الأئمة المسلمون فى بيان مجالاتها الواسعة التي تشمل كل شيء في المجتمع فقد فهموا هذا الدين فهماً صحيحاً غير أن الأمة الإسلامية وبكل أسف نست أو تناست هذه الفروض التي قامت عليها الحضارة الإسلامية والوحدة التكافلية التى عمت الأمة الإسلامية. وتنطلق من قوله تعالى:”كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ” وهذه الآية تعنى أن كل فرد في الأمة يدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وقال الرسول:” لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ”(متفق عليه( .

فرض الكفاية أفضل من فرض العين :

 إن الفقهاء حين قارنوا بين فرض العين وفرض الكفاية من حيث الفضل والأجر قالوا: إن القائم بفروض الكفاية له خيرية عن القائم بفروض العين وذلك لإسقاط الحرج عن المسلمين ..وورد عن إمام الحرمين: “إنه أفضل من فرض العين” بمعنى إنه إذا خير الإنسان بين فرض العين وفرض الكفاية وليس هناك فرصة لفرض العين فعلى الإنسان أن يقوم بفرض الكفاية فإنقاذ المشرف على الغرق مثلاً أولى من الصيام فى حق صائم لا يتمكن من إنقاذه إلا بالإفطار وصلاة الكسوف لمن قال إنها فرض كفاية حين يخاف فوتها هى أولى من المكتوبة التى لم يضق وقتها.وقيادة السيارة وتوصيل المسافرين لقضاء حوائجهم ومصالحهم والعمل في الأفران وصناعة الخبز تقدم علي صيام السائق والخباز ..الخ .

أهمية فروض الكفاية :

 إن فرض الكفاية أمر مهم بقصد حصوله دون نظر بالذات إلى فاعله ويقولون هو واجب على الجميع عند الجمهور ويسقط الطلب الجازم والإثم بفعل من يكفى من الأمة ويجب على من ظن أن غيره لا يقوم به أن يكون واجباً عليه هو وإذا بدأ الإنسان فى فرض من فروض الكفاية وجب عليه أن يتمه.. ويقول الرافعي: “فروض الكفاية أمور كلية تتعلق بها مصالح دينية أو دنيوية لا ينتظم الأمر إلا بحصولها وطلب الشارع تحصيلها بلا تكليف أحد بعينه وإذا قام بها من به كفاية سقط الحرج عن الباقين فإن تعطل هذا الفرض أثم كل من قدر عليه إن علم به وكذا إن لم يعلم إن كان قريباً منه ويليق به البحث والمراقبة ويختلف بكل البلد وقد ينتهى خبره إلى سائر البلاد فيجب عليهم جميعاً.

متى يسقط فرض الكفاية؟

 وأجاب أن سقوط فرض الكفاية عن الأمة يكون إما بالقيام به أو بعدم القدرة على القيام به وفى الحالة الثانية يجب حض الآخرين على فعله ولذلك جاء فى القرآن الكريم أن عدم الحض على إطعام المسكين يوجب عقاب الله قال تعالى: “خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ”.

إن الحض متاح ومباح لكل إنسان سواء كان فقيراً أو غنياً فالإنسان مكلف به فإذا حض غيره ولم يستطع أن يقوم به سقط الإثم عنه وفيما يتعلق بالقادر فقال العلماء إنه إذا علم وهو قادر على أن يقوم به ولم يفعل أخذ إثم الأمة كلها وإذا لم يعلم عليه أن يبحث كما يبحث فى تنمية أمواله يبحث أيضاً فى ما تحتاج إليه الأمة وما يحتاج إليه المريض والفقير والمسكين وهذا ما دفع الفقهاء إلى القول بأن دفع الضرر عن المسلمين من فروض الكفاية وأن تخليص بيت المقدس فرض كفاية على الأمة جميعاً وأنها لن تنجو من الإثم ولن يسقط عنها إلا إذا حرر بيت المقدس كذلك دفع الضرر عن العارى والجائع  فرض كفاية على من علم بحاله.

إن إغاثة الملهوف وكسوة العارى وإطعام الجائع وكفالة اليتيم وتعلم الطب والزراعة والتجارة وتعلم اللغات الأجنبية وتعلم الصنائع والحرف… كل هذه من فروض الكفاية لأن الأمة لا تستطيع أن تحيا وتتقدم بدونها كذلك تعليم وتدريب جيش يدافع عن الأمة فالجهاد والتحصينات يعد من فروض الكفاية لأن الأمة لابد أن تكتفى فى كل مجال يقودها إلى القوة لأنه سبحانه وتعالى طالبها بقوله:”وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُم اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ” ولم يحدد الله تعالى نوع هذه القوة فهى شاملة لكل قوة تصلح الأمة سواء كانت قوة روحية أم علمية أم فنية أم جسدية.

و هناك أموراً اختلف فيها العلماء حول كونها فرض كفاية أو سنة كفاية ومثال ذلك الأذان والإقامة فالأذان والإقامة مثلاً شعار يدل على أن أهل هذه المنطقة مسلمون فإذا امتنع الجميع عن إقامة الأذان فإنهم يأثمون جميعاً لأنهم ضيعوا فرضاً من فروض الكفاية وذهب بعض الفقهاء إلى أن الأذان سنة كفاية مثل تشميت العاطس وعيادة المريض وصلاة الجماعة وصلاة العيد وصلاة الكسوف والخُسوف والاستسقاء والاعتكاف فى شهر رمضان.

 **  مسألة مهمة وهى أن محاويج أهل الذمة جعلها فقهاء الأمة مثل محاويج المسلمين لابد أن تقضى من خلال فروض الكفاية حتي من الوقف والنذر وغيرهما وأن هذا الأمر ينفى تماماً ما قد يدعيه البعض من العنصرية والتمييز ويقطع الطريق على من يدعو إلى فتنة طائفية على أساس أن الإسلام قد يحرم أهل الذمة ولكن جاءت هذه الجملة “ومحاويج أهل الذمة” لتكتب بماء الذهب وتنفى أي شبهة مغرضة.

صور من فروض الكفاية :

 أخوة الإيمان والإسلام :

  زيادة علي ما ذكرنا فإن فروض الكفاية   كثيرة فى الأمة ومن بينها – كما ذكر الفقهاء-  **التكافل الاجتماعي والاهتمام باليتامى والمساكين الذين لا عائل لهم ولا مأوى والعجزة الذين لا يجدون سبيلاً من أسباب الكسب يعد أيضا من فروض الكفاية.

والتكافل الاجتماعي و تحقيق حد الكفاية من ناحية المطعومات والمشروبات والملبوسات والنواحى السكنية لجميع فئات المسلمين وهو الأمر الذي لم يتحقق بكل أسف إذ ما زالنا نمد يدنا  لتستجدى الغذاء من الدول غير المسلمة في حين لم يتحقق حتى الآن لبلدان العالم الإسلامي ما بات يعرف بالأمن الغذائي فالأمة مهددة من ناحية النقص المائى فضلا عن تلوثه.

**و توفير المياه النقية الصالحة للاستعمال الآدمي يجب في الأساس على الدولة إضافة إلى أن الأمة كلها مطالبة بتنقية هذه المياه وعدم إلقاء المخلفات الآدمية أو غير الآدمية أو إلقاء مخلفات المصانع والمواد الكيميائية أو الحيوانات النافقة فيها وألا تكون مياه البحار والأنهار وسيلة من وسائل التخلص من الفضلات فى البيوت عن طريق جعل الصرف الصحي يصب في هذه المياه.

**وتوفير السكن لمن لا سكن له يعد فرضاً من فروض الكفاية وقد كان في مسجد النبي –وعلى الرغم من صغر مساحته مكان لمن لا مأوى لهم من المهاجرين والأنصار وهؤلاء أطلق عليهم أهل الصفة حتى إنه من إيثاره لهم على أقاربه لما جاءته السيدة فاطمة رضي الله عنها تطلب منه خادماً يعينها على أعمال المنزل بعد أن شكت ما فعلت الرحا بيديها! قال لها “لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تلوى بطونهم من الجوع” وهذا يعد نوعاً من أنواع التكافل الاجتماعي والإحساس بالمسئولية ونوعاً من إيواء من لا مأوى له.

**وتعبيد الطرق ورصفها والمحافظة عليها و عدم إلقاء القاذورات على الطرقات وجعل هذه الطرقات صالحة للمشى فيها بدون أذى من فروض الكفايات أيضا ولذلك يقول الرسول: “الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله محمد رسول الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق”.

**تعلم علوم التفسير والحديث :و من فروض الكفايات تعلم علوم التفسير والحديث وعلم اللغة والصرف والفقه وعلم الأصول وإقامة من يعلم الناس هذه العلوم.

**تعلم جميع العلوم النافعة :فليس هناك علوم إسلامية وعلوم غير إسلامية وليس هناك ما يسمى بالعلوم الشرعية والعلوم غير الشرعية فكل العلوم تخدم الإسلام ما دامت هذه العلوم نافعة للإنسان في دينه ودنياه فلولا تعلم الطب ما تعلم الناس كيفية علاج الأبدان وقد كان رسول الله يعالج وكانت امرأة في عهد النبي  تسمى رفيدة صنع لها خيمة فى مسجده في غزوة الخندق وكانت تمرض فيها سعد بن معاذ سيد الأوس ..فمن فروض الكفاية أن يكون في الأمة الطبيب والمهندس والاقتصادي والزراعي والكيميائي والصيدلي.

**مرصد للرد علي الشبهات :ومن فروض الكفاية وجود المرصد للرد علي الشبهات التي تلصق بالإسلام والمسلمين وتفعل هذا المرصد وانتقاء القائمين عليه واتصافهم بالعلم والأمانة والكياسة والحصافة ..

** الرد علي الملحدين :ومن فروض الكفايات أيضا تعلم العلوم التى بها يقيم المسلمون الحجة على وحدانية الله تعالى ويردون الشبهات الباطلة خاصة وأن كثيراً من المواقع على الشبكة العنكبوتية تأتي بأفكار مضللة ولهذا فعلى المسلمين أن يعدوا العدة بتعلم الحجج والبراهين لدحض الشبهات التى يريد بها أعداء الإسلام تشكيك المسلمين فى عقائدهم وشريعتهم.

**إعداد العدة :ومن فروض الكفاية :”إعداد العدة والجيش والوقوف بجانبه و تحصين الثغور المُتَاخِمة لبلاد الكفار ووضع العتاد الحربي والجند الكثيف. مطلوب من الأمة أن تكون أمة قوية عسكريا لقول الله تعالي :” وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ (الأنفال/60).  هذا الخطاب ليس موجّه لفرد معين لكن للأمة في مجموعها، فليس الخطاب هنا متوجّه إلى شخص أو الاهتمام.. إنما متوجّه بهدف يجب أن يتحقق، إن الأمة يجب أن تكون قوية من الناحية العسكرية حتى لا يطمع فيها الطامعون، حتى يرهبها الأعداء :”تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ”فإذا أرهبتموهم.. هذا ما يسمس بالسلم المسلح، السلم المسلح أن تكون قويا لا تحارِب ولكن قوتك تجعل الآخرين لا يطمعون في أن يغزوك أو يدخلوا أرضك فهذا..

**مكافحة الفساد و الأمر بالمعروف ومن  أبرز وأهم فروض الكفايات هو مكافحة الفساد و الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر  و هو ما كان يسمي ب:” الاحتساب أو المحتسب “. وهذا المحتسب أو المراقب علي الأسواق فإن السبب الرئيسي في غلاء الأسعار اليوم عدم الرقابة علي الأسعار وترك التجار يفعلون ما يحلو لهم وقد يكون متعدداً وقد يكون متطوعاً أو معيناً من قبل الدولة و قد يكون هذا المحتسب مباحث التموين أو الرقابة الإدارية    وقد يكون المفتش  أو أجهزة المتابعة في كل وزارة أو مديرية أو إدارة  فالمسلمون جميعاً مطالبون بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لقوله تعالى:”كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ”(آل عمران/).  فخيرية هذه الأمة لأنها تقيم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وأشد مانعانيه اليوم هو غياب الضمير وتقاعس المكلف بهذه الأمور عن أداء واجبه فازداد الفساد وعم الجميع وكاد أن يأكل الأخضر واليابس ..

** مجالس الصلح: و من فروض الكفاية  أيضاً الصلح بين الناس  وإقامة من يقضى بين الناس بالعدل والإصلاح بين الناس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين فرضهما الله علي المسلمين .. قال تعالي : ” لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا”(النساء/114).

وهو أفضل عند الله من الصيام والصلاة والصدقة قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :”ألا أخبركم علي ما هو أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلي :”قال :إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هو الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن أقول تحلق الدين “.

داء واجبه

وأنه ليس بالضرورة أن يكون هذا الرجل معيناً من قبل الدولة أو أن يأخذ راتباً على فصل المنازعات بين الناس وإنما المطلوب هو أن يكون هناك إنسان محكم من قبل اثنين يفصل بينهما بشرع الله ويرتضيان حكمه.

كما أن دفع الضرر سواء كان هذا الدفع عن طريق رد الأذى أو رد الظلم عن المظلومين أو دفع الضرر عن المضرورين أو إغاثة من يشرف على الهلاك سواء كان مريضاً أو فى لجة أو محرقة أو هدم… كل هذا من فروض الكفايات لهذا فإنه ينبغي على كل إنسان وجد إنساناً مشرفاً على الهلاك أن يغيثه لأن إغاثة المسلم وغير المسلم من الفروض.

علاج الخلافات الزوجية ومن فروض الكفاية علاج الخلافات الزوجية لقول الله تعالي :” وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً “( النساء /34).

إن الحياة الزوجية لا تخلوا من مشاكل يومية والعاقل الذي يتغلب عليها ويعالجها بهدوء لتسير عجلة الحياة الزوجية ولتستمر كما أرادها الخالق لتعمير الكون ولكي تسير الحياة وتستمر كما أرادها الله فلا يعرف الزوج أن له القوامة كما قال الله عز وجل”الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ”( النساء/33).

والوعظ والهجر والضرب علاج  بشروطهم وهذا العلاج ينفع في بعض الحالات مع بعض النفوس الشاذة المتمردة التي لا تفهم الحسنى ولا ينفع معها الجميل وقد تناول المريض الدواء المر ولكنه يتحمله حتى يعالج ويشفى من مرضه .. “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً “(النساء /35). ومهمة الحكمين مهمة شاقة فإنهما يجب عليهما أن يختليا بالزوج ويتعرفا أسباب الخلاف ويذكراه بمصير الأولاد وحسن العشرة بينهما وبالمصاهرة وبالفصل الذي بينهما وعلى الحكم من أهل الزوجة أن يختلي بها ويشترط أن يكون من المحارم ويتعرف منها أسباب الخلاف وأن يذكرها بالله وحسن الصحبة وكل شيء حسن فعله الزوج معها إن كانت قد نسيت بطبيعتها وكفرت بالعشرة كما يذكرها نتيجة الطلاق وما فيه من متاعب ونظرة المجتمع للمطلقة ومصير الأولاد إن كان بينهما أولاد وهكذا سلامة النية : والحكمان إذا أرادوا صلحاً وأخلصوا النية لله كان توفيق الله حليفهما وكانت هداية الله لكل من الزوجين أما إذا أراد طرف والطرف الآخر لم يرد إلا الطلاق فليس هناك توفيق بينهما..

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين ..والصلاة والسلام علي المبعوث رحمة للعالمين ..أما بعد فيا أخوة الإيمان والإسلام .لازلنا نواصل الحديث عن أهمية فروض الكفاية

** وعلي الجملة : ففروض الكفايات تتسع لتشمل شتى مجالات الحياة وأنه إذا كان فرض العين متوجها إلى الإنسان وعلاقته بخالقه فإن فرض الكفاية يتوجه إليه لنفع غيره من سائر المسلمين لذلك فإن فرض الكفاية يتعدى فاعله إلى غيره ففائدته أعم من فرض العين وبالتالى إذا أدى المسلمون فروض الكفاية فإنها سوف تسد جانباً من جوانب حياة المسلمين الحاضرة والمستقبلية.فروض الكفاية تشمل مناحي الحياة وكل ما تتم به المعايش كالبيع والشراء والحرث والطب وتولى الإمامة والشهادة وأدائها والقضاء وإعانة القضاة على استيفاء الحقوق وحتى تزويج العزب والعانس إذ أن حل مشكلة العنوسة فى المجتمع تدخل في إطار فروض الكفاية لأن القرآن الكريم قال:”وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” والخطاب في الآية الكريمة موجه للأمة كلها فلو عجز إنسان عن تزويج ابنه أو ابنته توجه الأمر إلى الأمة كلها حتى لا يكون فيها عزب ولا عانس إن  وجود 11 مليون عانس فى مصر ووجود 200ألف حالة ظلاق بالمحاكم مثلا وأيضاً زيادة النسبة في كثير من الدول الإسلامية إنما هو دليل على إغفال الأمة لفروض الكفاية.  

الحقيقة أن مجالات فروض الكفاية تشمل الحياة كلها، كان  الشيخ محمد الغزالي رحمه الله يعيب على العلماء أنهم إذا ذكروا فروض الكفاية ذكروا مسألة.. يعني تغسيل الميت وتكفينه وصلاه الجنازة عليه وهذه وكأن هذه هي كل فروض الكفاية، حقيقة فروض الكفاية تشمل كل أمور الدين والدنيا، يعني لابد أن تتكامل للأمة مقومات حياتها بحيث تتحقق شخصيتها الدينية، هذه أمة قامت على أساس ديني من وحي الله عز وجل، أمة ارتبطت بالسماء، فالجانب الديني لابد أن يتوافر، لابد أن تتوافر لها المساجد التي تصلي فيها ولابد أن تتوافر.. من فروض الكفاية صلاة الجماعة، الأذان، الإقامة، الدروس الدينية وهذه لها.. يعني العلماء عندهم قاعدة تقول ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ولذلك هذا يرتبط بإقامة مؤسسات تُخرِّج للناس أئمة وخطباء ووعاظ إلى آخره،فالجانب الديني لابد أن يتوافر للأمة كل ما تحتاج إليه الأمة في دينها، لابد أن يكون لها علماء متبحرون في الدين، يعني مش بس مجرد علماء سطحيين أو يعرفوا قليل، لابد أن يعرف الدين بفروعه المختلفة، التفسير والحديث والعقيدة والفقه وأصول الفقه والأخلاق، هذه الأشياء كلها لابد.. وقالوا لابد أن يصل فيها إلى درجة من التبحّر والتعمّق بحيث يصل إلى درجة الاجتهاد والاستنباط، لأن العلماء قالوا إن وصول العالم إلى مرتبة الاجتهاد هو فرض كفاية، يعني الأمة لابد أن يكون فيها عدد من المجتهدين بحيث إذا عرضت عليهم المشكلات المستجدة للحياة الإسلامية سواء في الأمور المدنية، في الأمور السياسية، في الأمور الدستورية، في الأمور الجنائية، في العلاقات الدولية، في هذه الأمور كلها لابد أن يوجد من العلماء مَن يكونوا مقتدرين.

أخوة الإيمان والإسلام :

  السبب فى تدهور واقع المسلمين  اليوم عن ركب الصدارة  هو تخليهم عن تطبيق دينهم وفقه فروض الكفايات وتطبيقها.حيث  إن الكفار سبقوا المسلمين في التقدم والتكنولوجيا عندما سخروا الكون والأرض والبحار وكل شيء لخدمة دنياهم بينما ظل المسلمون لا يعرفون شيئاً عن أساليب الفقه الكونى والتكنولوجي الذي يعلمهم كيف يقرأون الكون قراءة ربانية وليست قراءة مادية ليصنعوا بها الحياة ومن خلالها يتعاملون مع الطاقات التى أخرجها الله لهم من السماء والأرض والبحار والمحيطات.

أخوة الإسلام :

كيف طبق صحابة النبى صلي الله عليه وسلم  والخلفاء الراشدون والتابعون فروض الكفاية وكيف أنهم قننوا هذا الفقه فكان لهم نظامهم السياسي والإداري المستمد من الكتاب والسنة وكانت عصورهم أبهى عصور التكافل الاجتماعي والقوة والعظمة السياسية والاجتماعية.

و إغفال المسلمين لفقه فروض الكفايات تسبب في تقهقرهم وتخلفهم اليوم حيث إن  أداءهم لهذه الفروض في الماضي كانت سبباً في ريادتهم وتصدرهم الموكب ..

   وتطبيقاتها اليوم كفيلة بصناعة الإنسان وصناعة الحضارة وأنه بتطبيق هذه الفروض يتحقق التقدم والمنافسة فى السباق الحضارى وأن التكافل الاجتماعي ما هو إلا جزء من هذه الفروض التي لو طبقت لتغير واقع البشرية ولأصبحت الأمة الإسلامية خير أمة  أخرجت للناس.

والجميع مطالبون بتطبيق فروض الكفاية فهذه مسؤولية الأمة جميعا،ولا يقول أحد بأن المسؤولية على العلماء والعلماء يقولون المسؤولية على الحكام والحكام يقولوا المسؤولية على الاستعمار وكل واحد يفر.. كل الأمة مسؤولة ولكن ، أصحاب القدرة العقلية والعلمية والمالية عليهم مسؤولية أكبر، أولوا الأمر الذين ولا هم الله أمر قيادة الأمة ومسئولين.. عليهم الأمر الأكثر، إحنا كلنا الأمة العربية والأمة الإسلامية كلنا موصومين بأننا في دائرة التخلف، من البلاد النامية أو من العالم الثالث، لابد أن نتجاوز هذا وأن تنهض الأمة من غفوتها وتصحو وتستفيق قبل أن نستيقظ  جميعاً علي زلزال يدمر كياننا :” ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين“(الذاريات).




خطبة الجمعة القادمة:”الشهامة والنجدة وإغاثة الملهوف”بتاريخ 6 من جمادي الأولي 1438هـ الموافق 3-2-2017م

خطبة الجمعة القادمة:”الشهامة والنجدة وإغاثة الملهوف”بتاريخ 6 من جمادي الأولي 1438هـ الموافق 3-2-2017م.

ولقراءة الخطبة كما يلي:




خطبة بعنوان: “توحيد الصفوف نحو خلق الشهامة وإغاثة الملهوف”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 6 من جمادي الأولى 1438هـ – 3 فبراير 2017م

خطبة بعنوان: “توحيد الصفوف نحو خلق الشهامة وإغاثة الملهوف”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 6 من جمادي الأولى 1438هـ – 3 فبراير 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:  

  عناصر الخطبة:

العنصر الأول: دعوة الإسلام إلى الشهامة والرجولة والنخوة

العنصر الثاني: فضل إغاثة الملهوف وقضاء الحوائج

العنصر الثالث: حاجة المجتمع المعاصر إلى إغاثة الملهوفين

     المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: دعوة الإسلام إلى الشهامة والرجولة والنخوة

عباد الله: إن الإسلام يحث أفراده على التحلي بمكارم الأخلاق والقيم النبيلة ومعالي الأمور ؛ ومن أهم هذه القيم والمبادئ الشهامة والرجولة.

والشَّهامة هي: الحِرص على الأمور العظام؛ توقعًا للذِّكر الجميل عند الحقِّ والخلق. وقيل هي: عزَّة النَّفس وحرصها على مباشرة أمور عظيمة، تَستتبع الذِّكر الجميل.

وبما أنَّ العرب في بداياتهم عاشوا في مجتمعاتٍ بدوية وصحاري؛ أي: إنَّهم عاشوا حياةً صعبة نِسبة إلى غيرهم من المجتمعات؛ فقد تربَّت لديهم بعض الصِّفات المميَّزة؛ كالكرم والشَّهامة، والنَّخوة والرجولة والشَّجاعة، وهذه الصِّفات ظهرَت نظرًا لصعوبة العيش؛ بحيث اكتشف الإنسان العربي أنَّ عليه أن يساعِد غيرَه ليحصل على المساعدة ويستمر في البقاء هو وغيرُه، وفيما بعدُ تمَّ توارث هذه الصِّفات حتى أصبحَت عاداتٍ متعارَفًا عليها ويشتهر بها العرب.

أيها المسلمون: إن أصحاب النجدة والمروءة والشهامة لا تسمح لهم نفوسهم بالتأخر أو التردد عند رؤية ذوي الحاجات؛ فيتطوعون بإنجاز وقضاء حوائجهم طلبًا للأجر والثواب من الله تعالى. وانظر إلى الشهم الكريم نبي الله موسى عليه السلام، حين فرَّ هاربًا من بطش فرعون، وقد أصابه الإعياء والتعب، فلما ورد ماء مدين ووجد الناس يسقون، وجد امرأتين قد تنحيتا جانبًا تنتظران أن يفرغ الرجال حتى تسقيا، فلما عرف حاجتهما لم ينتظر منهما طلبًا، بل تقدم بنفسه وسقى لهما: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.[القصص: 23، 24]. قال الحجازي: ” فثار موسى، وتحرَّكَت فيه عوامل الشَّهامة والرجولة، وسقى لهما، وأدلى بدلوه بين دلاء الرِّجال حتى شربَت ماشيتهما”.(التفسير الواضح). وهكذا أصحاب النجدة والمروة يندفعون دفعا نحو المكرمات ومنها إغاثة الملهوفين وذوي الحاجات.

ولقد ضرب لنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أروع الأمثلة في الشهامة والشجاعة؛ كما شهد له بذلك صحابته الكرام؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ» وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ: «لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا» قَالَ: «وَجَدْنَاهُ بَحْرًا، أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ» قَالَ: وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ. (متفق عليه واللفظ لمسلم)

يقول الإمام النووي:” قوله : ” كان رسول صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وكان أجود الناس ، وكان أشجع الناس إلخ “

فيه بيان ما أكرمه الله تعالى به من جميل الصفات ، وأن هذه صفات كمال . وقوله : ( يبطأ ) معناه يعرف بالبطء ، والعجز ، وسوء السير . قوله صلى الله عليه وسلم : ( لم تراعوا ) أي روعا مستقرا أو روعا يضركم . وفيه فوائد : منها بيان شجاعته صلى الله عليه وسلم من شدة عجلته في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم ، وبحيث كشف الحال ، ورجع قبل وصول الناس . وفيه بيان عظيم بركته ومعجزته في انقلاب الفرس سريعا بعد أن كان يبطأ ، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( وجدناه بحرا ) أي واسع الجري . ” (شرح النووى على مسلم) وقال القرطبي:” في هذا الحديث ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد جمع له من جودة ركوب الخيل، والشَّجَاعَة، والشهامة، والانتهاض الغائي في الحروب، والفروسية وأهوالها، ما لم يكن عند أحد من الناس، ولذلك قال أصحابه عنه: إنه كان أشجع الناس، وأجرأ الناس في حال الباس، ولذلك قالوا: إن الشجاع منهم كان الذي يلوذ بجنابه إذا التحمت الحروب، وناهيك به؛ فإنه ما ولَّى قطُّ منهزمًا، ولا تحدث أحد عنه قط بفرار”. [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم] .

وما أجمل شهامة ورجولة ونخوة عثمان بن طلحة في موقفه مع السيدة أم سلمة – رضي الله عنها – في حادث الهجرة؛ وأترك المجال للسيدة أُمّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ، تصور هذه الشهامة والرجولة فتقول”: لَمّا أَجْمَعَ أَبُو سَلَمَةَ الْخُرُوجَ إلَى الْمَدِينَةِ رَحَلَ لِي بَعِيرَهُ ثُمّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ وَحَمَلَ مَعِي ابْنِي سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي حِجْرِي ، ثُمّ خَرَجَ بِي يَقُودُ بِي بَعِيرَهُ فَلَمّا رَأَتْهُ رِجَالُ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ قَامُوا إلَيْهِ فَقَالُوا هَذِهِ نَفْسُك غَلَبْتنَا عَلَيْهَا ، أَرَأَيْت صَاحِبَتَك هَذِهِ ؟ عَلَامَ نَتْرُكُك تَسِيرُ بِهَا فِي الْبِلَادِ ؟ قَالَتْ فَنَزَعُوا خِطَامَ الْبَعِيرِ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذُونِي مِنْهُ . قَالَتْ وَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ ، رَهْطُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالُوا : لَا وَاَللّهِ لَا نَتْرُكُ ابْنَنَا عِنْدَهَا إذْ نَزَعْتُمُوهَا مِنْ صَاحِبِنَا . قَالَتْ فَتَجَاذَبُوا بَنِي سَلَمَةَ بَيْنَهُمْ حَتّى خَلَعُوا يَدَهُ وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ ، وَحَبَسَنِي بَنُو الْمُغِيرَةِ عِنْدَهُمْ وَانْطَلَقَ زَوْجِي أَبُو سَلَمَةَ إلَى الْمَدِينَةِ . قَالَتْ فَفَرّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي وَبَيْنَ ابْنِي . قَالَتْ فَكُنْت أَخْرُجُ كُلّ غَدَاةٍ فَأَجْلِسُ بِالْأَبْطُحِ فَمَا أَزَالُ أَبْكِي ، حَتّى أَمْسَى سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حَتّى مَرّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمّي ، أَحَدُ بَنِي الْمُغِيرَةِ فَرَأَى مَا بِي فَرَحِمَنِي فَقَالَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ أَلَا تُخْرِجُونَ هَذِهِ الْمِسْكِينَةَ فَرّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا قَالَتْ فَقَالُوا لِي : الْحَقِي بِزَوْجِك إنْ شِئْت . قَالَتْ وَرَدّ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ إلَيّ عِنْدَ ذَلِكَ ابْنِي . قَالَتْ فَارْتَحَلْت بَعِيرِي ثُمّ أَخَذْت ابْنِي فَوَضَعْته فِي حِجْرِي ، ثُمّ خَرَجْت أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ . قَالَتْ وَمَا مَعِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللّهِ . قَالَتْ فَقُلْت : أَتَبَلّغُ بِمَنْ لَقِيتُ حَتّى أَقْدَمَ عَلَيّ زَوْجِي ، حَتّى إذَا كُنْت بِالتّنْعِيمِ لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَخَا بَنِي عَبْدِ الدّارِ فَقَالَ لِي : إلَى أَيْنَ يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيّةَ ؟ قَالَتْ فَقُلْت : أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ . قَالَ أَوَمَا مَعَك أَحَدٌ ؟ قَالَتْ فَقُلْت : لَا وَاَللّهِ إلّا اللّهُ وَبُنَيّ هَذَا . قَالَ وَاَللّهِ مَا لَك مِنْ مَتْرَكٍ فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْبَعِيرِ فَانْطَلَقَ مَعِي يَهْوِي بِي ، فَوَاَللّهِ مَا صَحِبْت رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ قَطّ ، أَرَى أَنّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ كَانَ إذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَنَاخَ بِي ، ثُمّ اسْتَأْخَرَ عَنّي ، حَتّى إذَا نَزَلْت اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي ، فَحَطّ عَنْهُ ثُمّ قَيّدَهُ فِي الشّجَرَةِ ، ثُمّ تَنَحّى وَقَالَ ارْكَبِي . فَإِذَا رَكِبْت وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ فَقَادَهُ حَتّى يَنْزِلَ بِي . فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتّى أَقْدَمَنِي الْمَدِينَةَ ، فَلَمّا نَظَرَ إلَى قَرْيَةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ قَالَ زَوْجُك فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ – وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ بِهَا نَازِلًا – فَادْخُلِيهَا عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ ثُمّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى مَكّةَ . قَالَ فَكَانَتْ تَقُولُ وَاَللّهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الْإِسْلَامِ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ آلَ أَبِي سَلَمَةَ ، وَمَا رَأَيْت صَاحِبًا قَطّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَة”.(سيرة ابن هشام )

هذه شهامة ورجولة عثمان بن طلحة؛ ومع ذلك لم يكن مسلما حينئذٍ ؛ فهلا اعتبرنا بذلك وطبقناه في واقعنا المعاصر ؟!!

أيها المسلمون: علينا أن نربي أولادنا على الرجولة والشهامة والشجاعة – بدلا من أن نربيهم على الخوف والذعر والخنوع والسلاسل والحظَّاظات؛ وتشبه الرجال بالنساء في اللباس، كلبس الذهب والحرير؛ يقول ابن القيم: ” حرم الذهب لما يورثه بملامسته للبدن من الأنوثة والتخنث، وضد الشهامة والرجولة.”- فأولادنا جيل المستقبل وأمل الأمة؛ وليكن قدوتنا نبينا – صلى الله عليه وسلم – الذي ربى الصغير قبل الكبير على هذه القيم والمبادئ؛ وما أجمل هذا الموقف الشجاع الجرئ الشهم الذي قام به فتيان تربيا في مدرسة الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ” إِنِّي لَفِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ الْتَفَتُّ , فَإِذَا عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَتَيَانِ حَدِيثَا السِّنِّ , فَكَأَنِّي لَمْ آمَنْ بِمَكَانِهِمَا إِذْ قَالَ لِي أَحَدُهُمَا سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ: يَا عَمِّ أَرِنِي أَبَا جَهْلٍ ، فَقُلْتُ : يَا ابْنَ أَخِي وَمَا تَصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ : عَاهَدْتُ اللَّهَ إِنْ رَأَيْتُهُ أَنْ أَقْتُلَهُ أَوْ أَمُوتَ دُونَهُ ، فَقَالَ لِي : الْآخَرُ سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ مِثْلَهُ ، قَالَ : فَمَا سَرَّنِي أَنِّي بَيْنَ رَجُلَيْنِ مَكَانَهُمَا , فَأَشَرْتُ لَهُمَا إِلَيْهِ فَشَدَّا عَلَيْهِ مِثْلَ الصَّقْرَيْنِ حَتَّى ضَرَبَاهُ وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ ” . (البخاري). قال ابن حجر: ” قوله الصقرين.. شبههما به لما اشتهر عنه من الشَّجَاعَة، والشهامة، والإقدام على الصيد، ولأنه إذا تشبث بشيء لم يفارقه حتى يأخذه”. ( فتح الباري)

هؤلاء قد تربوا على الشجاعة والشهامة والرجولة؛ أما نحن فقد ربينا أولادنا – صغارا وكبارا – على الفزع والخوف من القطط والكلاب والعفاريت؛ فهل تنهض الأمة وتقوم حضارة ويستتب أمن على أيدي هؤلاء ؟!!!

أحبتي في الله: ومن مظاهر الشهامة والرجولة والنخوة والمروءة في الإسلام الحياء والحفاظ على الأعراض؛ وما غيرة وشهامة سعد بن عبادة عنا ببعيد؛ فعَنْ الْمُغِيرَة قَالَ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ! وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ “. (متفق عليه)؛ وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ” لما نَزَلَتْ { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } قال سعدُ بنُ عُبادةَ وهو سيِّدُ الأنصارِ : أهكذا نَزَلَتْ يا رسولَ اللهِ؟! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : يا مَعشرَ الأنصارِ ألا تسمعونَ إلى ما يقولُ سيدُكُم!! قالوا : يا رسولَ اللهِ لا تلُمْهُ فإنه رجُلٌ غَيورٌ واللهِ ما تزَّوج امرأةً قطُّ إلا بِكرًا ؛ وما طلَّق امرأةً له قَطُّ فاجترأ رجُلٌ مِنَّا على أنْ يتزوجَها من شِدَّةِ غَيرَتِه. فقال سعدٌ : واللهِ يا رسولَ اللهِ إني لأعلمُ أنها حقٌّ وأنها من اللهِ تعالى ولكنِّي قد تعجبتُ أني لو وجَدتُ لَكَاعٍا تَفَخَّذَهَا رجُلٌ لم يكنْ لي أن أُهيجَه ولا أُحركه حتى آتيَ بأربعةِ شُهداءَ فواللهِ لا آتي بِهِمْ حتَّى يَقْضِيَ حاجتَه”. ( أحمد واللفظ له وأبو داود والحاكم وصححه).

إن سعداً يعلم تمام العلم أن هذا أمر الله وتشريعه؛ ومع ذلك دعته شدة رجولته وشهامته وغيرته أن يقول هذا الكلام !! لذلك شُرع اللعان حفاظاً على هذه النخوة والشهامة والرجولة؛ فالقذف يكون بين الناس عامة؛ أما بين الزوجين فشرع اللعان!! فأين نحن من هذه الشهامة والرجولة والنخوة والغيرة؛ انظروا إلى النساء والفتيات والبنات الكاسيات العاريات يمشين مع أزواجهن وآبائهن دون نخوة ولا حياء؛ ويفتخر بذلك أهلها وزوجها تحت ستار الرقي والتحضر والموضة ؟!!

العنصر الثاني: فضل إغاثة الملهوف وقضاء الحوائج

عباد الله: إن إغاثة الملهوف وإنعاش المكروب وإعانة أهل الحاجات سلوك إسلامي أصيل، وخلق نبوي قويم، تقتضيه الأخوة الصادقة، وتدفع إليه المروءة ومكارم الأخلاق.

وقد كانت حياة نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – خير مثال يحتذى به في كل شيء، ولاسيما في إغاثة الملهوف وتقديم العون لكل من يحتاج إليه، حتى لقد عرف بذلك قبل البعثة وبعدها ؛ ونحن نعلم قول السيدة خديجة فيه لما نزل عليه الوحي وجاء يرجف فؤاده:” كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ؛ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ؛ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ؛ وَتَقْرِي الضَّيْفَ؛ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ”. ( متفق عليه )

ولقد تضافرت النصوص النبوية التي تحث على إغاثة الملهوفين ومساعدة المنكوبين وتضميد جراح المكلومين؛ فعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ. فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ. قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ. ». ( متفق عليه )؛ وعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ فقَالَ:” إِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَجْلِسُوا فَاهْدُوا السَّبِيلَ؛ وَرُدُّوا السلام؛ وأغيثوا الملهوف”. ( أحمد وابن حبان )؛ وعَنْ أَبي هُريرة رَضِي اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ؛ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ , وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ”.( متفق عليه) .

عباد الله: ما أجمل أن يسعى الإنسان في قضاء حوائج المسلمين وتفريج كروبهم وتقديم يد العون لهم؛ فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ؛ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ؛ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”.(متفق عليه) . وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ”(مسلم). قال الإمام النووي: ” فيه فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة وغير ذلك، وفضل الستر على المسلمين، وفضل إنظار المعسر.” (شرح النووي على مسلم.)

ومن هذه الفضائل- أيضا- هذا الحديث العظيم الذي يرغب في قضاء الحاجة ومساعدة الآخرين وينشط المسلم لفعل الخير فعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٍ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دِينًا ، أَوْ تُطْرَدُ عَنْهُ جُوعًا ، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ، يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ ، شَهْرًا ؛ وَمَنَ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ , وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامِ.” (رواه ابن أبي الدنيا في كتاب: قضاء الحوائج، والطبراني وغيرهما، وحسنه الألباني.)

إن للاعتكاف فضلاً عظيمًا وأجرًا كبيرًا، كيف لا وقد فرَّغ المسلم نفسه لربه، وقطع علائقه بالدنيا، لكنَّ الذي يقضي حوائج الناس أعظم من المعتكف أجرًا . ولأجل هذا المعنى لما أمر الحسن رضي الله عنه ثابتًا البناني بالمشي في حاجة قال ثابت:  إني معتكف. فقال له: يا أعمش! أما تعلم أن مشيك في قضاء حاجة أخيك المسلم خير لك…”.

عباد الله: إن قضاء الحوائج وإغاثة الملهوف وصنع المعروف للآخرين سبيل إلى حسن الخاتمة؛ فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ”. ( الطبراني والهيثمي وقال: إسناده حسن). والمصرع: هو مكان الموت، فيقي الله من يحسن إلى الناس بقضاء حوائجهم من الموت في مكان سيء أو هيئة سيئة أو ميتة سيئة.

كل هذه النصوص وغيرها الكثير الهدف منها جعل المسلمين جميعاً ذكوراً وإناثاً يشعرون بروح الجماعة الواحدة المرتبطة ببعضها البعض مادياً ومعنوياً؛ فهم كالفرد الواحد وكالجسد الواحد؛ تسعد الأعضاء كلها بسعادته وتحزن لحزنه، فعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :”مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”(مسلم)

أيها المسلمون: لقد كان الصالحون من هذه الأمة، إذا وجدوا فرصة لنفع الخلق، وإغاثة ملهوفهم، فرحوا لذلك فرحاً شديداً، وعدوا ذلك من أفضل أيامهم فلله درهم! كم شيدوا من المكارم؟! وكم بذلوا من معروف؟! فهذا سفيان الثوري -رحمه الله- ينشرح إذا رأى سائلاً على بابه ! ويقول: “مرحباً بمن جاء يغسل ذنوبي” . وكان الفضيل بن عياض – رحمه الله – يقول:” نعم السائلون، يحملون أزوادنا إلى الآخرة، بغير أجرة حتى يضعوها في الميزان ” 

لذلك كثرت أقوال السلف حول الحث على فعل الخير وقضاء الحوائج وإغاثة الملهوف؛ وتقديم يد العون والمساعدة للآخرين؛ يقول الحسن البصري رحمه الله: ” لأن أقضي حاجة لأخ أحب إليَّ من أن أصلي ألف ركعة، ولأن أقضي حاجة لأخ أحب إليَّ من أن أعتكف شهرين”. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهراً أو جمعة أو ما شاء الله أحب إليَّ من حجة، وَلَطَبَقٌ بدرهم أهديه إلى أخ لي في الله أحب إليَّ من دينار أنفقه في سبيل الله”.

فهلا اقتدينا بهؤلاء الغر الميامين في إغاثة الملهوفين وقضاء حوائج المحتاجين !!

اقض الحوائج ما استطعت …………………….. وكن لهمِّ أخيك فارج

فلخير أيــــــام الفـــــــــــــــــتى ………………………. يوم قضى فيه الحوائج

أحبتي في الله: كم حرمنا أنفسنا من أبواب الخير العظيمة يوم انكفأنا على ذواتنا، ولم نلتفت إلى المنكوبين والمحتاجين والمعسرين، أنك لا تكاد تجد حياً من أحيائنا يخلو من معسر بنار الديون يتلفع، أو مكروب بسيط المدلهمات يتوجع، أومن مصاب بلهيب الأسقام يتروع!! ومع هذا قليل هم أولئك الذين أسعدهم الله –تعالى- بقضاء حاجات العباد، وإغاثة ملهوفهم، والإحسان إلى ضعيفهم.

وأخيرًا فإن إغاثة الملهوف وإعانة المحتاج هي من قبيل شكر الله تعالى على نعمه، وبالشكر تدوم النعم، فمن كثرت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، فإن قام بما يجب لله فيها عرضها للدوام والبقاء، وإن لم يقم فيها بما يجب الله عرضها للزوال، نعوذ بالله من زوال نعمه، وتحول عافيته . اللهم آمين؛؛؛

العنصر الثالث: حاجة المجتمع المعاصر إلى إغاثة الملهوفين

عباد الله: إن المجتمع في هذه الظروف الراهنة والأزمات الطاحنة والأسعار القاتلة يحتاج إلى رجالٍ ذوي شهامة وشجاعة وكرم وعطاء وسخاء؛ يحتاج إلى إحساس الغني بالفقير والقوي بالضعيف والشريف بالوضيع؛ يحتاج إلى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه –  الذي كان يحمل أهلَه، وأولاده زمنَ الرمادة، على شِدَّة وشَظَف العيش؛ عمر الذي دخَل يومًا على ابنه عبدالله، فوجدَه يأكُل شرائحَ لحْم، فلامه، وقال له: ألا إنَّك ابنُ أمير المؤمنين، تأكُل لحْمًا، والناس في خَصاصة! ألاَ خُبزًا ومِلحًا، ألا خبزًا ومِلحًا.

 ورأى يومًا بطيخةً في يدِ ولدٍ من أولاده، فصاح به: بخٍ بخٍ يا ابنَ أمير المؤمنين، تأكل الفاكهةَ وأمَّة محمَّد هَزْلَى!

 كان -رضي الله عنه- يؤثِر بطعامه الآخرين على نفسه، أمَرَ يومًا بنَحْر جزور، وتوزيع لحمِه على أهل المدينة، وعندما جلَس عمرُ لغدائه، وجَدَ سنامَ الجذور وكبدَه على مائدته، وهما أطيبُ ما فيه، فسأل: مِن أين هذا؟ فقالوا: مِن الجزور الذي ذُبِح اليوم، فأزاحه بيده، وقال: بئس الوالي أنا، إن طعمتُ طيبَها، وتركتُ للناس كراديسَها؛ يعني: عظامها، ثم أمر بمأدبته المعهودة، خبز يابس وزَيْت، فجعل يكسِر الخبز ويثرده بالزَّيت، ولم يكملْ هذه الوجبة المتواضعة؛ لأنَّه تذكر أهل بيتٍ لم يأتِهم منذ ثلاثة أيام، فأمر خادمَه بحمْل الطعام إلى ذلك البيت.

وخطَب – رضي الله عنه – الناسَ عامَ الرمادة، فقَرْقَر بطنُه وأمعاؤه من الجوع، حتى سَمعتِ الرعية قرقرةَ بطنه، فطعَن بإصْبعه في بطْنه، وقال: قرقِرْ أو لا تقرقِر، والله لا تشبعْ حتى يشبعَ أطفالُ المسلمين.

هذا هو الفاروق، هذا هو ابن الخطَّاب، الذي حَكَم دِيارَ الإسلام من مشرِقها إلى مغربها، فليأتِ لنا التاريخ، ولتحضر لنا البشرية بمِثْل عمر، عَقمتِ النِّساء أن يلدنَ مثلك يا عمر!!

يَا مَنْ يَرَى عُمَرًا تَكْسُوهُ بُرْدَتُهُ ……………………..وَالزَّيْتُ أُدْمٌ لَهُ وَالْكُوخُ مَأْوَاهُ

يَهْتَزُّ كِسْرَى عَلَى كُرْسِيِّهِ فَرَقًا ……………………..مِنْ خَوْفِهِ وَمُلُوكُ الرُّومِ تَخْشَاهُ

روى ابنُ كثيرٍ في “تاريخه”: “أنَّ عمر – رضي الله عنه – عسَّ ذاتَ ليلة عام الرَّمادة، وقد بلَغ بالناسِ الجهْد كلَّ مبْلَغ، فلم يَسمع أحدًا يضحَك، ولم يسمع متحدِّثًا في منزله، ولم يرَ سائلاً، فتعجَّب وسأل، فقيل: يا أميرَ المؤمنين، قد سألوا فلم يجدوا، فقَطَعوا السؤال، فهم في هَمٍّ وضِيق، لا يتحدَّثون ولا يضحكون ؛ فما بات حتى أسعدهم بصناعة موائد الطعام لآلاف البشر في الغداء والعشاء . ذكر ابن سعد: أنَّ عمر – رضي الله عنه – سأل يومًا: أحْصُوا مَن تعشَّى عندنا، فأحصَوْهم فكانوا سبعةَ آلاف، وفي ليلةٍ أخرى عشرة آلاف. واستمرَّتِ القدور العُمرية الضَّخْمة تستعِرُ نارُها من بعد الفجْر إلى المساء، وكان عمر – رضي الله عنه – يُرسِل إلى الناس مؤنةَ شهر ممَّا يصله من الأمصار. فهل هذه المواقف تحرك القلوب القاسية والأفئدة المتحجرة ؟!!

قِفْ أَيُّهَا التَّارِيخُ سَجِّلْ صَفْحَةً ………………….. غَرَّاءَ تَنْطِقُ بِالخُلُودِ الكَامِلِ

حَرِّكْ بِسِيرَتِهِ الْقُلُوبَ فَقَدْ قَسَتْ  ……………….. وَعَدَتْ بِقَسْوَتِهَا كَصُمِّ جَنَادِلِ

أخي المسلم: كيف تجد قلبك إذا سألك سائل.. أو قرع بابك ملهوف؟!

هل فكرت يومًأ وأنت تتناول غداءك.. أو تشرب ماء باردًا.. أو تتقلب في وثير فراشك..؟!!

 هل فكرت – أصلحك الله – في جوعى لا يجدون غذاءً مثل غذائك؟! أو ظمأى لا يجدون ماء باردًا مثل مائك؟! أو مشردين لا يجدون فراشًا وثيرًا مثل فراشك؟!

فكم من عبد بسط الله له في رزقه.. ولكن المسكين نسي جوع الجائعين.. وآلام المشردين.. وجزع الثكالى المحرومين.. وأنين الضعفاء المضرورين.. وبكاء اليتامى الخائفين..

فحري بأمثال هؤلاء أن يتفقدهم الناس ويكفونهم ذاك السؤال، وما أحسن ما قاله معمر – رحمه الله – : ” من أقبح المعروف أن تحوج السائل إلى أن يسأل وهو خجل منك، فلا يجئ معروفك قدر ما قاسى من الحياء، وكان الأولى أن تتفقد حال أخيك وترسل إليه ما يحتاج، ولا تحوجه إلى السؤال”.

أحبتى في الله: إن الذي يطلب العون قد يكون مظلومًا أو عاجزًا أو مكروبًا، وفي كل الأحوال فإن إعانته وقضاء حاجته فيها تفريج لكربته، وفي مقابل ذلك تكفل الله لمن فرج كربة الملهوف أن يفرج عنه كربة من كربات يوم القيامة!!

فأين أنت أخي المسلم أختي المسلمة غدًا من ذلك الثواب العظيم؟!

فهل يعجزك يا طالب الحسنات؛ أن تعين محتاجًا.. أو تغيث ملهوفًا؟!

هل يعجزك أن تمسح دمعة محزون بلقمة أو ثوب تقدمهما له؟!

أما سمعت بقصة ذلك الرجل؛ الذي كان يخفف ويتجاوز عمن اقترض منه؟!

أتدري كيف كانت نهاية قصته؟! فلتسمع القصة من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم!

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:”  كَانَ الرَّجُلُ يُدَايِنُ النَّاسَ؛ فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا. قَالَ: فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ”. [ البخاري ومسلم] وفي رواية للبخاري: « فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ !».

فتأمل – هداني الله وإياك – كيف نال هذا الرجل؛ ذاك الثواب العظيم، مع قلة عمله!

أيها المسلمون: علينا أن نغير ما بأنفسنا حتى يغير الله حالنا !! { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } (الرعد: 11).

نغير ما بي أنفسنا من الشح والبخل إلى البذل والإنفاق والسخاء؛ نغير ما بي أنفسنا من الغش والاحتكار وأكل أموال الباطل إلى الصدق والأمانة في البيع والشراء.

 نغير ما بي أنفسنا من الجبن والخور والهوان إلى الشجاعة والقوة والشهامة.

 نغير ما بي أنفسنا من حب الذات إلى حب الآخرين.

 نغير ما بي أنفسنا من الانغلاق على أنفسنا إلى الوقوف جانب الملهوفين والمنكوبين والمعوزين والمحتاجين……..إلخ

أحبتى في الله: هذه رسالة أوجهها لي أولاً ثم لكم ثانياً ؛ وأسأل الله أن يجعل ما قلناه وما سمعناه حجة لنا لا علينا يوم القيامة إنه خير مسئول، وأقرب مجيب؛؛؛

الدعاء؛؛؛؛؛؛؛                                                          وأقم الصلاة؛؛؛؛                                          

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

                                                                                                                                         د / خالد بدير بدوي

 




خطبة بعنوان : “من أخلاق الإسلام الشهامة ونخوة الرجولة “، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 6 من جمادي الأولى 1438هـ، الموافق 3 فبراير 2017م

خطبة بعنوان : “من أخلاق الإسلام الشهامة ونخوة الرجولة “، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 6 من جمادي الأولى 1438هـ، الموافق 3 فبراير 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

 الحمد لله رب العالمين .. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونسأله التوفيق والسداد والعفاف والغني والتقي من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له مرشداً.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه القائل  : “الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”(البخاري ومسلم ). اللهم صلاة وسلاماً عليك يا سيدي يا رسول الله وعلي آلك وصحبك وسلم تسليماً كثيراً أما بعد فيا جماعة الإسلام ..

لازلنا نواصل الحديث حول أخلاق الإسلام ورسول الإسلام الذي قال :”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” وفي رواية صالح الأخلاق “وسواء مكارم أو صالح فما أحوجنا لأن نتأسي بأخلاقه صلي الله عليه وسلم ولاسيما في أيام ذهبت فيه  أخلاق كثير من الناس وأصبح منهجهم ما قاله الشاعر الذي حبسه عمر بن الخطاب علي هذه المقولة :” دع المكارم لا ترحل لبغيتها ..وأقعد فإنما أنت الطاعم الكاسي “.

أخوة الإيمان والإسلام :.

وإذا أردنا أن نتحدث عن خلق من أخلاق الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم نأخذ خلق الشهامة ونخوة الرجولة التي اكتسبها الرسول صلي الله عليه وسلم من مجتمعه وثقلها بالأقوال والأفعال فكان سيد الرجال محمد صلي الله عليه وسلم مات أبوه وهو في بطن أمه فلم يري والده ولما ولد اليتيم وبلغ من العمر ست سنوات ، أخذته أمه ( آمنة بنت وهب ) لزيارة قبر أبيه ، ومعها جاريتها(أم أيمن ) بركة الحبشية ،وفي طريق العودة ، وعند قرية تسمى (الأبواء ) بالقرب من المدينة ،نامت السيدة( آمنة بنت وهب) تشكو ألماً ألم بها ،لم تكن تعلم أنها النهاية ،هي لاتريد أن تفارق وحيدها ،ولكن الله يفعل مايريد ، ولما علمت أنها النهاية ضمت وحيدها إلى صدرها وقالت له : يا (محمد) كن رجلاً ؛ لأنني سأموت ،ثم فارقت وحيدها ،وقامت ( أم أيمن ) بحفر قبر لها ودفنتها ، وأهالت التراب على أعظم بطن ، أنجب أعظم مخلوق .ولعل كلمات أمه (يا محمد كن رجلا) كانت ترن في أذنيه دائما ، فكان رسول الله سيد الرجال ، كان رجلا في طفولته ، ورجلا في صباه ، ورجلا في شبابه ، ورجلا في شيخوخته ، وكان بين الناس رجلا ، وبين الرجال بطلا ، وبين الأبطال مثلا .

(كان رجلا في طفولته )فكانت ترضعه ( حليمة السعدية ) وكانت تلقمه ثديها الأيمن ، فيرضع ،فتديره على ثديها الأيسر فيأبى أن يلتقمه ، لأنه يعلم أن له أخا في الرضاع ، يرضع معه ، فيترك له حقه في الرضاع ، ولا يعتدي عليه فيتركه جائعاً ، حتى وهو طفل فهو رجل ، يعلمنا ألا يعتدي بعضنا على حقوق الآخرين ، كما يفعل هؤلاء الجشعون الطماعون ،الذين لا يراعون الله في غيرهم ويريدون أن يأخذوا حقوق غيرهم عنوة ، ويظنون أنهم مخلدون في الدنيا، وأنهم يفعلون لأولادهم مايغنيهم بعد موتهم ولا يتقون الله :” ولا يرقبون في مؤمن إلا و لا ذمة أولئك هم المعتدون “

أيها الرجال :

وبما أنَّ العرب في بداياتهم عاشوا في مجتمعاتٍ بدوية وصحاري؛ أي: إنَّهم عاشوا حياةً صعبة نِسبة إلى غيرهم من المجتمعات؛ فقد تربَّت لديهم بعض الصِّفات المميَّزة؛ كالكرم والشَّهامة، والنَّخوة والشَّجاعة،وغيرُه، وفيما بعدُ تمَّ توارث هذه الصِّفات حتى أصبحَت عاداتٍ متعارَفًا عليها ويشتهر بها العرب؛ فمثلًا أي زائر غريب لمجتمع عربي يلاحِظ أنَّ هذا المجتمع بالحدِّ الأدنى يمتلِك صفةَ النَّخوة، وهي عِبارة عن صِفة يكون فيها الفرد قابلًا لتقديم المساعدة دون أي مقابل، ويقوم بنصر المظلوم ولو على حِساب نفسه، وهي تشبه صِفةَ الإيثار، بينما هي بالمعنى الأشمل لها تحتوي على الإيثار والشَّهامة في نفس الوقت، وهي صفةٌ جيدة يمتدح كل مَن يحملها ويتم تعزيزها دائمًا لدى الفرد.

ومن أهمِّ الصِّفات العربية الأصيلة والأخلاق الإسلامية التي تُميِّز المجتمع، والتي نحن بصدد الحديث عنها: النخوة والشهامة، فما هي؟

الشَّهامة هي: الحرص على الأعمال العِظام؛ توقُّعًا للأحدوثة الجميلة، وقيل: الشَّهامة هي: الحِرص على الأمور العظام؛ توقعًا للذِّكر الجميل عند الحقِّ والخلق..

وقيل هي: عزَّة النَّفس وحرصها على مباشرة أمور عظيمة، تَستتبع الذِّكر الجميل.

النَّخوَة: الحماسة والمُروءة. النَّخوَة: العظمةُ والتكبُّر.

والنَّخوة على أكثر الأقوال رجوحًا عند أهل اللُّغة مختصَّة بالرِّجال دون النِّساء، فهي تعتبر من تمام الرُّجولة، بل قد يعتبرها الكثيرون أنَّها هي ميزان الرجولة؛ فالنَّخوة هي كل ما تحمله النَّفس من طبائع حميدة تحمل صاحبها على أفضل الأخلاق وأحسن العادات وأطيب الكلام، وهي تؤدِّب صاحبها بكلِّ أدب رفيع، وهي أيضًا هبته لنصرة كل حق. النَّخوة هي مقياس الرُّجولة عند الكثير من شعوب الأرض، ولذا خُصَّ بها الرجال دون النِّساء، وهي خُلُق عربيٌّ أصيل منذ فجر التاريخ، وقد حث الدِّين الإسلامي الحنيف على كل خُلق كريم، وكلما زادت أخلاقُ المرء وعاداته الطيبة زادَت نخوته، فالنَّخوة هي التطبيق العملي حين الحاجة لِما هو مخزون في النفس من صلاحٍ في الأخلاق.

أخوة الإيمان:

ولو أردنا أن نأخذ أمثلة علي ذلك من كتاب الله وسنة رسوله لوجدنا الكثير والكثير  خذنا علي ذلك أدلة من القرآن والسنة و

قال تعالى:”وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ”(القصص/ 23- 24).

قال الحجازي: فثار موسى، وتحركت فيه عوامل الشهامة والرجولة، وسقى لهما، وأدلى بدلوه بين دلاء الرجال حتى شربت ماشيتهما “(التفسير الواضح).

و في السنة النبوية المطهرة : فقد كان للنبيِّ صلي الله عليه وسلم  النَّصيبُ الأوفى من هذه الصِّفة، فكان صلوات الله وسلامه عليه أحسَنَ النَّاس، وأجودَ الناس، وأشجع الناس، قال: وقد فَزع أهلُ المدينة ليلة سمعوا صوتًا، وقد تلقَّاهم النبيُّ صلي الله عليه وسلم  على فرَس لأبي طلحة عري، وهو متقلِّد سيفه، فقال: “لم تراعوا، لم تراعوا” هي كلمة تقال عند تسكين الروع تأنيسًا، وإظهارًا للرفق بالمخاطب. (فتح الباري).. وعن أبي إسحاق قال سأل رجل البراءَ رضي الله عنه، فقال: يا أبا عمارة أَوَلَّيتم يوم حنين؟قال البراء وأنا أسمع: أما رسولُ الله صلي الله عليه وسلم  لم يُوَلِّ يومئذٍ، كان أبو سفيان بن الحارث آخذًا بعنان بغلته، فلمَّا غشيه المشركون نزل، فجعل يقول:”أنا النبيُّ لا كَذِب، أنا ابن عبدالمطَّلب  “.

قال القرطبي: في هذا الحديث ما يدل على أن النبي صلي الله عليه وسلم كان قد جمع له من جودة ركوب الخيل، والشَّجَاعَة، والشهامة، والانتهاض الغائي في الحروب، والفروسية وأهوالها، ما لم يكن عند أحد من الناس، ولذلك قال أصحابه عنه: إنه كان أشجع الناس، وأجرأ الناس في حال البأس، ولذلك قالوا: إن الشجاع منهم كان الذي يلوذ بجنابه إذا التحمت الحروب، وناهيك به؛ فإنه ما ولَّى قطُّ منهزمًا، ولا تحدث أحد عنه قط بفرار (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم) .

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “إنَّ النبي صلي الله عليه وسلم  لما رأى من الناس إدبارًا، قال: اللهم سبع كسبع يوسف سبع كسبع يوسف: أي: اجعل سنيهم سبعًا، أو ليكن سبعًا، ويُروى سبع بالرفع، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: البلاء المطلوب عليهم سبع سنين، كالسنين السبع التي كانت في زمن يوسف، وهي السبع الشداد التي أصابهم فيها القحط، أو يكون المعنى: المدعو عليهم قحط كقحط يوسف.) فأخذتهم سنة حصّت: حصت بحاء وصاد مشددة مهملتين أي: استأصلت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف الجيف: وينظر أحدهم إلى السماء، فيرى الدخان من الجوع، فأتاه أبو سفيان، فقال:” يا محمد، إنك تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم، وإنَّ قومك قد هلكوا، فادع الله لهم”( البخاري ومسلم واللفظ للبخاري).

قال ابن حجر: قوله: فقيل: يا رسول الله استسق الله لمضر؛ فإنها قد هلكت. إنَّما قال لمضر؛ لأن غالبهم كان بالقرب من مياه الحجاز، وكان الدعاء بالقحط على قريش وهم سكان مكة فسرى القحط إلى من حولهم، فحسن أن يطلب الدعاء لهم، ولعل السائل عدل عن التعبير بقريش؛ لئلا يذكرهم فيذكِّر بجرمهم، فقال: لمضر؛ ليندرجوا فيهم، ويشير أيضًا إلى أنَّ غير المدعو عليهم قد هلكوا بجريرتهم، وقد وقع في الرواية الأخيرة: وإن قومك هلكوا.

ولا منافاة بينهما؛ لأنَّ مُضر أيضًا قومه وقد تقدم في المناقب أنه صلي الله عليه وسلم  كان من  مضر، قوله فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم  لمضر: إنك لجريء، أي: أتأمرني أن أستسقي لمضر مع ما هم عليه من المعصية والإشراك به؟! (فتح الباري) .

فالنبي صلي الله عليه وسلم  رغم عداوة قريش وإيذائها للمؤمنين، لما جاءه أبو سفيان يطلب منه الاستسقاء لم يرفض لحسن خلقه، وشهامته، ورغبته في هدايتهم، فإنَّ الشهامة ومكارم الأخلاق مع الأعداء، لها أثر كبير في ذهاب العداوة، أو تخفيفها.

نماذج من الصحابة رضي الله عنهم في الشهامة:

عن عبدالرحمن بن عوف قال: (إنِّي لفي الصفِّ يوم بدر؛ إذ التفتُّ فإذا عن يميني وعن يساري فَتَيان حديثا السنِّ، فكأني لم آمَن بمكانهما؛ إذ قال لي أحدُهما سرًّا مِن صاحبه: يا عم، أرِني أبا جهل، فقلتُ: يا بن أخي، وما تصنع به؟ قال: عاهدتُ اللهَ إن رأيتُه أن أقتله، أو أموت دونه، فقال لي الآخر سرًّا من صاحبه مثله، فما سرَّني أني بين رجلين مكانهما، فأشرتُ لهما إليه، فشدَّا عليه مثل الصَّقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء).

وعن أسلم مولى عمر قال: (خرجتُ مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى السوق، فلحقَت عمرَ امرأةٌ شابَّة، فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي وترك صبيةً صغارًا، والله ما ينضجون كراعًا، ولا لهم زرع ولا ضَرْع، وخشيتُ أن تأكلهم الضَّبُع، وأنا بنتُ خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهِد أبي الحديبية مع النبيِّ صلي الله عليه وسلم ، فوقف معها عمر ولم يمضِ، ثمَّ قال: مرحبًا بنسَبٍ قريب، ثمَّ انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطًا في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعامًا، وحمل بينهما نفقة وثيابًا، ثمَّ ناولها بخطامه، ثمَّ قال: اقتاديه، فلن يفنى حتى يأتيكم اللهُ بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرتَ لها؟ قال عمر: ثكلتك أمُّك، والله إنِّي لأرى أبا هذه وأخاها، قد حاصرا حصنًا زمانًا فافتتحاه، ثمَّ أصبحنا نستفيء سهمانهما فيه”.

حادثة تبيِّن لنا شهامةَ عثمان بن طلحة رضي الله عنه، تقول أمُّ سلمة رضي الله عنها:وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت: ففرّق بيني وبين زوجي وبين ابني، قالت: فكنتُ أخرج كلَّ غداة فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي سنةً أو قريبًا منها، حتى مرَّ بي رجلٌ من بني عمِّي أحد بني المغيرة، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تُخرِجون هذه المسكينة، فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها، قالت: فقالوا: الحقي بزوجك إن شئتِ، قالت: وردَّ بنو عبدا لأسد إليَّ عند ذلك ابني، قالت: فارتحلتُ بعيري ثمَّ أخذتُ ابني فوضعتُه في حجري، ثمَّ خرجتُ أريد زوجي بالمدينة، قالت: وما معي أحدٌ مِن خلق الله، قالت: قلتُ: أتبلَّغ بمن لقيتُ حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنتُ بالتنعيم لقيتُ عثمانَ بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار، فقال: أين يا بنت أبي أميَّة؟ قالت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أوما معك أحد؟ قلتُ: لا والله إلَّا الله وابني هذا، قال: والله ما لك من مَتْرَكٍ، فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي به، فوالله ما صحبتُ رجلًا من العرب قط أرى أنَّه كان أكرمَ منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثمَّ استأخر عنِّي، حتى إذا نزلنا استأخر ببعيري فحطَّ عنه، ثمَّ قيَّده في الشجرة، ثم تنحَّى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثمَّ استأخر عنِّي، فقال: اركبي، فإذا ركبتُ فاستويتُ على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقاد بي حتى ينزل بي، فلم يزل يَصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلمَّا نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية – وكان أبو سلمة بها نازلًا – فادخليها على برَكة الله، ثمَّ انصرف راجعًا إلى مكَّة، قال: وكانت تقول: ما أعلم أهلَ بيتٍ في الإسلام أصابهم ما أصاب آلَ أبي سلمة،وما رأيتُ صاحبًا قط كان أكرمَ من عثمان بن طلحة“.

أخوة الإيمان والإسلام :

**ومن فوائد الشهامة :

أنها من مكارم الأخلاق الفاضلة ومن صفات الرجال العظماء فهي تشيع المحبة في النفوس وتزيل العداوة بين الناس و فيها حفظ الأعراض، ونشر الأمن في المجتمع. وهي  علامة على علو النفس وشرف الهمة .

** موانع اكتساب صفة الشهامة:

والذي يمنع الرجل أن تكون فيه تلك الصفة  وهذا الخلق الحميد  قسوة القلب والأنانية، وخذلان المسلمين، واللامبالاة بمعاناتهم: لأنَّ خذلان المسلم لأخيه المسلم أمر تنكره الشريعة، وإن من حق المسلم على المسلم أن لا يخذله، وهو إن حدث ذريعة لخذلان المسلمين جميعًا حيث تنتشر عدوى الأنانية وحب الذات، وإيثار الراحة والمصلحة الخاصة على مشاركة الغير آلامهم وآمالهم، فيكثر التَّنصل من المسؤولية بين المسلمين، حتى يقضي عليهم أعداؤهم واحدًا تلو الآخر، فتموت فيهم خلال الآباء، والشهامة، ونجدة الملهوف، وإغاثة المنكوب، وسوف يجنح المظلوم والضعيف إلى الأعداء طوعًا أو كرهًا، لما يقع به من ضيم وما يصيبه من خذلان من إخوانه ثم ينزوي بعيدًا عنهم، وتنقطع عرى الأخوة بينه وبين من خذلوه وأسلموه للأعداء “(الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية) .

ومن موانعها الجبن والبخل: فالشهامة إنما تقوم على الشَّجَاعَة لنجدة المحتاج، والكرم لإعانة أصحاب الحاجات، فمن فقدهما ضعفت شهامته، وماتت مروءته.فمن هذه العوامل الذل والهوان وضعف النفس: فالإنسان الذليل والأمة الذليلة أبعد الناس عن النصرة، وتلبية نداء الإغاثة؛ ففاقد الشيء لا يعطيه.ومنها الحقد والعداوة والبغضاء ومنها تشبه الرجال بالنساء في اللباس، كلبس الذهب والحرير: قال ابن القيم: حرم الذهب  لما يورثه بملامسته للبدن من الأنوثة والتخنث، وضد الشهامة والرجولة ” (زاد المعاد) .

** الوسائل المعينة على اكتساب صفة الشهامة:

الصبر: قال الراغب الأصفهاني: الصبر يزيل الجزع، ويورث الشهامة المختصة بالرجولية ..

الشَّجَاعَة:والشجاعة من  الأمور التي تدل صاحبها علي الشهامة والرجولة والمرؤة .. وعلو الهمة وشرف النفس: فمن سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة، مركز السالب والموجب في شخصك، الرقيب على جوارحك، كبر الهمة يجلب لك بإذن الله خيرًا غير مجذوذ؛ لترقى إلى درجات الكمال، فيجري في عروقك دم الشهامة، والركض في ميدان العلم والعمل، فلا يراك الناس واقفًا إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطًا يديك إلا لمهمات الأمور.و العدل والإنصاف. من  الأمور التي تدل صاحبها علي الشهامة والرجولة والمرؤة ..ومصاحبة ذوي الشهامة والنجدة. من  الأمور التي تساعد  صاحبها علي الشهامة والرجولة والمرؤة ..

ومنها الإيمان بالقضاء والقدر: فمن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: أنه يدفع الإنسان إلى العمل والإنتاج والقوة والشهامة؛ فالمجاهد في سبيل الله يمضي في جهاده ولا يهاب الموت؛ لأنه يعلم أن الموت لا بد منه، وأنه إذا جاء لا يؤخر؛ لا يمنع منه حصون ولا جنود، {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ(النساء/78).

وقال تعالي:”قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ”(آل عمران/154). وهكذا حينما يستشعر المجاهد هذه الدفعات القوية من الإيمان بالقدر؛ يمضي في جهاده حتى يتحقق النصر على الأعداء، وتتوفر القوة للإسلام والمسلمين.

انعدام الرجولة
من أعظم الأسباب التي يعاني منها العالم الإسلامي اليوم  ومن أكثر الأسباب التي أدت إلى خذلان المسلمين وتفسيم البلاد في أكثر أقطار الإسلام مشكلة انعدام الرجولةو أن الرجولة تلاشت وأن الرجولة فقدت الكثير من خصائصها ومعانيها كثير يقول :”أنا رجل ولكن أين هي الرجولة ؟ أين مضمون الرجولة ؟ أين خصائص الرجولة ؟
الرجولة ليست شوارب مبرومة ..الرجولة ليست لحى مسدولة ..الرجولة ليست عضلات مفتولة ..الرجولة ليست في المظاهر البراقة ولا في المناصب الرنانة .. الرجولة ليست في المال فلم يصنع المال رجالاً الرجولة أعظم من ذلك وأجل .. الرجولة أكبر من ذلك وأحكم ,وما أحوج أمة محمد صلي الله عليه وسلم  في هذه الأيام وفي هذه الأجيال الرقيقة الرخوة إلى رجال يحملون راية الدين .. اجتمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم مع مجموعة كبيرة من المهاجرين والأنصار فقال لهم: “تمنوا فتمنى أحدهم أن يسيل دمه في سبيل الله وتمنى الآخر أن ينفق ماله في سبيل الله وهكذا كل واحد يقول أمنية حتى وصل الدور على سيدنا ” عمر بن الخطاب ” فقالوا : “تمنى أنت يا أمير المؤمنين فماذا تمنى رضي الله عنه ؟
قال أتمنى ملأ هذه الحجرة رجالا من أمثال ” أبي عبيدة بن الجراحأنصر بهم دين الله وأعز بهم كلمة حبيبه ومصطفاه صلي الله عليه وسلم  هذا الذي نريده

أخوة الإيمان والإسلام :

أسباب مشاكلنا اليوم ومنها كثرة الطلاق انعدام الرجولة وتلاشيها  :

وإذا أردت أن تعرف سر أسرار مشاكلنا فتش عن المرأة إذا سألتني عن النساء لماذا استأسدت وتنمرت ؟  إذا سألتني لماذا تجبر البنت أباها على أن تفعل ما تريد ؟  إذا سألتني لماذا أكثر النساء الآن يقدن الرجال من أذنابهن ؟  إذا سألتني عن الخيانة لماذا كثرت ؟ عن الفواحش لماذا انتشرت ؟ عن الأخلاق لماذا تزلزلت ؟ أقول لك:كل ذلك لأن الرجولة قد قهرت ولأن الرجولة قد ضيعت  ولأن الرجولة قد تلاشت ..إّذا سألت عن سبب أكثر من 200ألف حالة طلاق وخلع في المحاكم من السبب الرئيسي فيها لقلت لك :” لأننا أهملنا ديننا فساءت أحوالنا ويوم أن فقد الرجل حقوقه وتركها ظناً منه أن ذلك التمدين .. ومن يوم أن نسينا تعاليم الإسلام  :”خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”  تفسخت العلاقات الأسرية ..ومن يوم أن ترك الرجل حق القوامة التي  أعطاها  الله له بشروطها وحقوقها فأبي إلا أن يغير فطرة الله التي فطر الناس عليها وأصر على أن يتخنث ويتشبه بالمرأة والرسول صلي الله عليه وسلم يقول  ” لعن المتشبهين من الرجال بالنساء “ (النسائي). أعطاه الله القيادة ليكون قائداً محنكاً ورجلاً حصيفاً  فترك القيادة وأصر على أن يكون منقاداً ويجلس في المقاعد الخلفية..وأعطاه الله السيادة ..والقرآن تحدث عن ذلك فقال :”وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ”( يوسف /25]فترك  السيادة على أن يكون سيدة ..وأعطاه الله كل مقومات القوامة من رجولة وشهامة وقوة ولكنه أبي  وبدل  نعمة الله كفراً “.أمره الله أن يقي نفسه وأهله ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ” فأبي  كل ذلك وأصر على دخول النار بما قدمت يداه .

أخوة الإيمان والإسلام : ما من شك أن انهيار قوامة الرجل داخل البيت وتحويل الدفة إلى المرأة له مساوئ خطيرة منها :1- فقدان الرجل لرجولته وتسلط المرأة على الرجل حتى يصبح القرار داخل البيت لها.2- سوء تربية الأولاد .3- انتشار المعاصي والمنكرات أخطرها التبرج .4- فقدان القدوة داخل البيت فتتربى البنات الصغار على الرزيلة  والأولاد على الجبن والعقوق وضعف الشخصية .

أيها الرجال :” ولنا أن  نعرف أن حق قوامة الرجل على المرأة أن له القرار الأخير والرأي المطاع في كل شئون البيت والأسرة  بعد استشارتها في بعض الأمور .. وهذه القوامة والرياسة ليست من فراغ وإنما هي لأسباب ذكرها القرآن الكريم في أمرين حيث قال تعالى :”الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ”( النساء /34).فالقرآن الكريم هنا يقرر حقيقة هامة وهي أن البيت كالمجتمع تماماً يحتاج إلى قيادة وأن يكون شخص ما فيه هو المسئول الأول يحسم الأمور إذا لم يتم الاتفاق وقد جعل الله ذلك للرجل لأمرين :الأول : لأنه هو الذي يتولى الإنفاق على البيت والمرأة .الثاني : بما فضله الله عز وجل على المرأة ، وهذا التفضيل إنما يتمثل في الجسم وطبيعة كل منهما فالمرأة تتسم برقة العاطفة ونعومة الملمس وعزوبة الحديث وغلبة الحياء وكثرة الخجل وقلة الجلد وضعف التحمل .. بعكس الرجل تماماً يكون عنده شدة وخشونة وقوة تحمل وصبر على المكاره من المرأة وإذا حدث غير ذلك يكون رجلاً متخنثاً متشبهاً بالنساء والرسول صلي الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال “ (البخاري).

أخوة الإيمان والإسلام :

من التمس امرأة خالية من العيوب لا يجد أبداً ومن التمس امرأة هكذا فقد التمس المحال يقول صلي الله عليه وسلم  :” كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع ” آسية بنت مزاحم ، ومريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد “ (الشيخان). وقد جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستشيره في طلاق زوجته فقال له عمر لا تفعل فقال له الرجل إني لا أحبها فقال له عمر ويحك ألم تبنى البيوت إلا على الحب ؟ إنما تبنى على الرعاية والتراحم والتعاطف . القوامة حق من حقوق الرجل أعطاه الله له بشروطها وحقوقها وواجباتها فإذا استخدم هذا الحق كما أمر الله عز وجل انصلح حال الأسرة وإلا فسدت وفسد المجتمع كله .ونقول لهذا الرجل :لابد أن تعرف حقوق القوامة :

لم تكن القوامة بحال فخراً وكسباً سبق الرجل إليه وإنما هي جملة أعباء لا تقوى عليها المرأة بجانب وظيفتها الخطيرة وكما أن على القوامة أعباء فلها حقوق أشار إليها الإمام الغزالي نجملها فيما يلي :الحزم : يجب أن يتصف به الرجل الذي يصون أسرته من الانحرافات ويضمن لها السلوك القويم . وإن أشد ما نعانيه اليوم أن يتمايع الرجل ويتخنث في بيته ومع امرأته فتستهتر به ويأتي ذئب بشري من خارج البيت يفترس الزوجة ويفسدها على زوجها كما نسمع ونرى من مشاكل لا حصر لها ولا عد :وهنا يقول الإمام الغزالي : يجب على الرجل أن يكون حازماً مع زوجته ليس له أن يتبسط في الدعابة والموافقة بإتباع هوى المرأة إلى حد يفسد خلقها ويفقد بالكلية هيبته عندها بل عليه أن يراعي الاعتدال فيه فلا يدع الهيبة والانقباض إذا رأى منكراً ولا يفتح باب المساعدة على المنكرات .

وأورد قول الحسن :” والله ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا كبه الله في النار ” وقول عمر بن الخطاب ” خالفوا النساء فإن في خلافهن بركة ” وما ورد في الأثر :” تعس عبد الزوجة فإن الله ملكه المرأة فملكها نفسه”ويقول صلي الله عليه وسلم  :” لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة “(البخاري).  والله عز وجل هو الذي جعل الرجل قيم وجعله سيداً في قوله تعالى “وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ”( يوسف /25] فإذا انقلب السيد مسخراً فقد بدل نعمة الله كفراً:فالقوامة : مأخوذة من القيام أي الفعل الذي يتحقق به النهوض ، ويتعدى إلى المسئولية كما يتعدى إلى السياسة والتدبير كما تتعدى القوامة إلى  التزين والتجمل وكذا يقال لمن يهتم بأمر نفسه ووجاهته قيم …ومن هنا نعرف أن حق قوامة الرجل على المرأة أن له القرار الأخير والرأي المطاع في كل شئون البيت والأسرة وهذه القوامة والرياسة ليست من فراغ وإنما هي لأسباب ذكرها القرآن الكريم في أمرين حيث قال تعالى :”الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ”( النساء /34].

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين ..أما بعد.

أيها الرجال :أي خلق من الأخلاق أيا كان إذا قرأت عنه  في كتب الأخلاق  وكتب الفلسفة الأخلاقية والإسلامية  تجد أن كل الأخلاق مردها إلى الرجولة  لما تسأل عن المروءة أقول لك :”إن المروءة هي كمال الرجولة..  الشهامة هي كمال الرجولة  علو الهمة هي كمال الرجولة
أي خلق من الأخلاق الشهامة النجدة النخوة إغاثة الملهوف الشجاعة التضحية البذل الإستقامة كل ذلك يرجع إلى جهود الرجال لذلك قال رجل ممن قرأ هذا الدين وأعجب بتعاليم سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم  : وياله من دين لو كان له رجال” رجال يحققون فعلا معنى الرجولة وصفات الرجولة.. فليست الرجولة في الإسلام إساءة الرجل لأهل بيته وليست بكلام فقط وإنما الرجل برعايته لبيته  وأسرته..وأن يعلم زوجته مالها من حقوق وما عليها من واجبات

كما بينها لنا الرسول صلي الله عليه وسلم  في الحديث حقوق الزوج على زوجته وتجدها تتمثل في الآتي :

أولاً : العفة :وتتمثل في معاشرة الرجل لزوجته وأن لا تمنعه هذا الحق حتى لا ينظر إلى النساء الأجنبيات وأن يغض بصره …ثانياً : القناعة : أن تكون المرأة قانعة بما في بيت زوجها فلا تعطي منه شيئاً إلا بإذنه وإن كان قليلاً فلا تشتكي العوز والحاجة .فقد هم رجل من السلف بالسفر فكره جيرانه سفره فقالوا لزوجته لم ترضين سفره ولم يدع لك نفقة فقالت زوجي قد عرفته أكالاً وما عرفته رزاقاً سيذهب الأكال ويبقى الرزاق “.ثالثاً: الطاعة :فيما لا معصية فلا تصوم تطوعاً إلا بإذنه وعلى هذا تقاس كل الأعمال أما الفرائض فليس للزوج إذن في ذلك .رابعا: الإذعان :أن تذعن المرأة لأمر زوجها فإذا نهاها عن الخروج لا تخرج وإذا أرادت الخروج لابد من الاستئذان فإذا أذن لها وإلا فلا خروج حتى لا تعرض نفسها لغضب الله ولعنة الملائكة .. إلا للضرورة الشديدة والملحة. والنبي صلي الله عليه وسلم  كان قدوة مثلى في نبل المعاملة وكرم العشرة الزوجية ، وهو القائل :”خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”(الترمذي). ويقول مرشداً الأزواج إلى أن حسن العشرة الزوجية من الإيمان :” أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله “(الترمذي والحاكم).

أخوة الإيمان والإسلام : 

وقد أوجب الإسلام على الرجل أن يحسن معاملة زوجته واعتبر إكرامه لها مقياساً لكرم أصله وشرف منبته ورجولته كما اعتبر إهانته لها دليلاً على لؤمه وخسته :” ما أكرم النساء إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم “.وقد كرر الرسول صلي الله عليه وسلم  الوصية بالنساء حيث يقول: ” استوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقومه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء “ (البخاري).

ولقد كان رسولنا صلي الله عليه وسلم مع أهله طيب العشرة حسن الخلق كريم الجانب دائم البشر يضاحك نساءه ويتلطف معهن ويدخل السرور على قلوبهن بالكلمة الطيبة والمداعبة …وكان صلي الله عليه وسلم يسابق السيدة عائشة ويتظاهر أمامها بالعجز حتى يدخل السرور على نفسها .. وقد سابقها ذات يوم فسبقته ولما كثر لحمها سابقها … وقال لها هذه بتلك “(أبو داود والنسائي).وكانت تضربه إحداهن في صدره وتراها أمها فتنهرها على ذلك فيقول لها دعيها فإنهن يصنعن أكثر من ذلك”(إحياء علوم الدين للغزالي). والرجل المتعجرف الذي يستحي من ملاحقة زوجته أمام الآخرين يظن أن الرجولة في ذلك وأنه عار في حقه .. فهو مخطئ والرجل الذي يعامل زوجته بلطف ورفق فهو مخطئ .. وهذا ظن خاطئ. تلك هي توجيهات الإسلام الكفيلة بخلق أسرة صالحة .. لتكون نواة لمجتمع صالح وعماداً لوطن قوي تحميه  رجالآً يصنعون مجد أمة .

اللهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً. اللهم أرزقنا كمال الرجولة يارب العالمين. 




خطبة بعنوان : “الأمن وأثرة في تحقيق التنمية والازدهار”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 29 من ربيع الآخر 1438هـ، الموافق 27 يناير 2017م

خطبة بعنوان : “الأمن وأثرة في تحقيق التنمية والازدهار”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 29 من ربيع الآخر 1438هـ، الموافق 27 يناير 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

 

         الحمد لله رب العالمين.. يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك..

نحمده سبحانه وتعالي  علي نعمة الأمن والإيمان والسلامة والإسلام وكفي بها نعم ..

     وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين .وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه  القائل: ”  من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها”(الترمذي).اللهم صلي علي محمد وعلي آله وصحبه وسلم . أما بعد

فيقول تعالي :” مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ” (النمل/89).

أخوة الإيمان والإسلام :

إن قضية الأمن تعد قضية جوهرية بالنسبة لكل الأمم والشعوب,فإذا انعدم الأمن في مجتمع ما لا يمكن أن يتحقق لهذا المجتمع أي تقدم أو تنمية علي أي مستوي من المستويات,ولا يمكن لأي شعب أن يبني حضارة أو يحدث تطوراَ علمياَ أو أدبيياَ أو تنمية اقتصادية بدون الأمن .

والبديل للأمن هو الخوف والتوجس والريبة والفوضي والعدوان علي حقوق الإنسان فرداًَ كان أم جماعة.

ومن أجل ذلك وجدنا القرآن الكريم يهتم بإبراز قيمة الأمن لما لها من أهمية بالغة في حياة الأمم والشعوب والأفراد والجماعات .وقد ورد مفهوم الأمن في كثير من آيات القرآن الكريم في مقابل الخوف .ومن ذلك قوله تعالي:” وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْد ِخَوْفِهِمْ أَمْنًا”(النور/55).

وقوله تعالي :” وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ”(النمل/89).وقوله:”يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ”(القصص/31).

ويقول الله تعالي:”وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَو رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا”.(النساء/83).

والأمر الجدير بالذكر في هذا المقام أن مصطلح الأمن يشترك في أصله الاشتقاقي مع الإيمان والأمانة .وهذا أمر له دلالته .فالمؤمن لا يخاف إلا الله ولا يخشي أحداَ سواه.فالإيمان الحقيقي من شأنه أن يملأ القلب والعقل ثقة بالله وعونه ونصره طالما كان المؤمن أميناَ علي عقيدته وقيمه الأخلاقية ,وفي هذا الصدد يقول الله تعالي:”الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ”(الأنعام/82).        

 أخوة الإيمان والإسلام :

أهمية الأمن :

    إن الأمن لا يعني مجرد السلامة البدنية والجسدية للفرد، بل هو حالة شعورية من الرضا النفسي الناشئ عن الإيمان بالله، والاطمئنان إلى سيادة الحق والقانون، وضمان حق التعلم والرعاية الصحية والاجتماعية، وضمان حرية التفكير والتعبير، وحفظ الكرامة الإنسانية، وضمان التساوي في الفرص بين الجميع في الحصول على المناصب والوظائف والأعمال، والقبول بدور الفرد في تحقيق التنمية لنفسه ولوطنه ولأمته، وتعزيز الانتماء للوطن، وتأكيد الثقة والأمل في النظر إلى المستقبل.

    وقد كان الإسلام واضحًا غاية الوضوح، وهو يمنع ويحرم كافة أشكال التخويف للمسلم، بدءًا من تحريم تخويفه وتهديده بالقتل، وانتهاءً بتحريم ترويعه ولو على سبيل الهزل والمداعبة، فقال صلي  الله عليه وسلم : “لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا” (أبو داود).

وهذا هو ما يدفع الشخص إلى الإيجابية، والمشاركة الفاعلة، والإبداع في عملية التنمية والازدهار، وبذل أقصى الجهد، وتقديم أنْفَس التضحيات لحماية الدولة التي يعيش فيها. وهذا الشعور إذا تحقَّق للأفراد والهيئات داخل دولة ما؛ كفيل بالحفاظ على السيادة الوطنية، وتحقيق التقدم العلمي والاقتصادي، وتمكين التفوق العسكري، وحريٌّ بأن يدفع الأمة إلى موقع الصدارة، ويحقق لها كل الآمال في النهضة والتقدم.

فاهتم الإسلام بالأمن الاقتصادي المتمثِّل في عدالة توزيع الثروة حتي لا يكون هناك غني متخم بالشبع وفقير مدقع لا يجد ما يسد به رمقه ، وما يستر به جسده فقال تعالي ” كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ “(الحشر).

ولذلك اهتم الإسلام بوضع القاعدة التي لها الأثر الأكبر في الارتفاع بالمستوى المعيشي للفرد  لينفق ذوا سعة علي الأولاد والأسرة بدعوته إلى الإنفاق حسب الوسع والطاقة .

قال تعالي:”  لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ   اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا “(الطلاق/7).  

 ففي الآية بيان الموازنة بين الدخل والاستهلاك ، فالنفقة على قدر حاجة البيت ، وعلى قدر حالة الزوج إعساراً أو إيساراً ، فهو لا يكلف الزوج أن ينفق فوق طاقته ، ولا يقبل منه أقل من متطلبات حياة أسرته ، واجتناب التبذير والإسراف وتضييع الأموال ، وصرفها في أمور لا تستحق الصرف.

ولا شك أن كثيراً من الدراسات الاقتصادية أكدت أن الأسباب الرئيسية للانحرافات الاجتماعية التي تقوض الأمن في المجتمع تنبع جميعها من العوامل الاقتصادية . وأن كثيرا من الشرور تصاحب الفقر عادة، ولذلك كان للفقر أثرا واضحا في انحراف أو استقامة أفراد الأسرة .
والفقر يوصف بأنه الحالة التي لا يكفي فيها دخل الأسرة عن إشباع حاجاتها الأساسية المتغيرة للمحافظة على بنائها المادي والنفسي والاجتماعي والتعليمي ، فالفقر هو الذي يحرم الأسرة من المشاركة الاجتماعية.

 أخوة الإيمان والإسلام

سبل تحقيق الأمن :        

    ولما دعي الإسلام لتحقيق الأمن والأمان وجدناه يقف بحزم تجاه هؤلاء الذين يروعون الأمنين ويخربون في الأرض”إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواأَوْيُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ  لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ” (المائدة/33).

ونهي الإسلام عن الفتنة: بكل صورها وأشكالها “وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِين ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”(الأنفال/25).

كما أمر بالتصدي لها فقال تعالي :” وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ “(الأنفال /39).

كما حذر الإسلام من إشاعة الفتنة في المجتمع لأنها ستفرق المجتمع وتشيع فيه الفوضي فعن أهبان بن صيفي.عن النبي صلي الله عليه وسلم :” إنه ستكون فرقة واختلاف فإذا كان كذلك فاكسر سيفك واتخذ سيفا من خشب واقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية.(أحمد). ‌  

وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الفتنة دائماَ ” اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من عذاب النار وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات .”(أحمد وصححه الألباني).

وقال صلي الله عليه وسلم :”إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي قيل أفرأيت إن دخل علي بيتي قال كن كابن آدم”(صحيح الجامع).‌وورد أيضاَ عن أنس رضي الله عنه “الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها.(تخريج السيوطي).

 

  كما حذر من كفر هذه النعمة وجحودها والتفريط فيها فقال تعالي :”وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ”(النحل/112).    

كما عمل الإسلام علي إقامة الحدود وإقامة العدل في المجتمع وحرص علي أن يكون القضاء نزيهاَ شامخاَ حتي إذا ما أخذ المظلوم حقه من الظالم أطمئن وشعر بالأمن والأمان .. فلا يثور ولا يغضب وإذا ما ثار سرعان ما يهدأ بسبب شعوره بالعدل..

   كما عمل الإسلام علي محاربة الفساد بكل أشكاله وألوانه فنظر إلي الموظف علي أنه  بشر يصيب ويخطيء ولابد من رعايته خلقياَ ومعيشياَ وصحياَ وتأمينياَ.

و اهتم الإسلام بالجيوش والقوات التي تؤمن الحدود وتحمي البلاد في الخارج والداخل..

كما اهتم الإسلام بحماية العقيدة من الزيغ والشطط والغلو فدعي إلي الوسطية وعدم المغالاة وحذر من الفرق الضالة ..فعن أنس. يقول صلي الله عليه وسلم :”إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة”.(صحيح).   

    و عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار قيل يا رسول الله من هم قال الجماعة”(صححه الألباني ).

   أخوة الإيمان والإسلام :

إن كلمة الأمن خفيفة على اللسان ،عميقة في الوجدان ، مطمئنة للأبدان ، إنها نعمة عظمى، وغاية أسمى، يسعى إليها كل إنسان، بل هو مطلب أساسي لا تستقيم الحياة بدونه، وضعه الله جنباً لجنب مع مطلب الغذاء ، بل قدّمه عليه تارات لأهميته.قال تعالى:”  وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَااللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ”(النحل /112).

وقال تعالي:” أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” (القصص : 57  ).

  إن الأمن هو غاية المنى التي يسعى كل فرد للاستظلال بظلاله ولا حياة مع الخوف الذي تتحول الدنيا فيه إلى أرض مسبعة يفترس القوي فيها الضعيف ،وتصبح الحياة ظلمات بعضها فوق بعض .

  إن الحياة مع الأمن تصير جنات، ظلالها وارفة ، يتبوأ الإنسان فيها حياة طيبة مباركة ، ويعيش عيشة راضية ، يثمر وينتج ، يصان عرضه وأرضه ، ودينه وماله ، ودمه،وأهله ونفسه وجميع من حوله ، يحمى ولا يهدد، يتفيأ ظلال الحرية، آمنا في جميع أحواله كل ذلك في ظل الإسلام بالعمل بكل ما يرضي الله، حتى يتم لهم الأمن في الآخرة بنيل رضا الله وثوابه . إن الأمن المطلوب هو الأمن على الحياة الطيبة في الدنيا، والأمن بحصول النجاة من غضب الله في الآخرة .

   قال تعال:”الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ”(الأنعام/82).    

لماذا كان لهم ذلك ؟ لأنهم خافوا مقام ربهم فجعل الأمن عاقبة أمرهم ..قال الله تعالي :”وعزتي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع فيه عبادي وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع فيه عبادي “. ( صححه الألباني ) .

وفي رواية أخري:” يقول الله عز وجل :”  وعزتي وجلالي  لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين إذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة”(صححه الألباني).  

    إن الأمن يلزم لكل نبضة حياة ، وحركة بناء ، ولكل كيان اجتماعي كبر أم صغر ، يحتاج إليه الأفراد كما تحتاجه الجماعات .

أخوة الإيمان والإسلام :

الحاجة إلي الأمن :

    إن الأمن حاجة إنسانية، وضرورة بشرية، وغريزة فطرية، لا تتحقق السعادة بدونه، ولا يدوم الاستقرار مع فقده، لأن مصالح الفرد والمجتمع مرهونة بتوفيره، ذلك لأن الأمن للفرد والمجتمع والدولة من أهم ما تقوم عليه الحياة ، إذ به يطمئن الناس على دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم ويتجه تفكيرهم إلى ما يرفع شأن مجتمعهم وينهض بأمتهم.

إن الأمن يحقق راحة في البال، وانشراحاً في الصدر، وشعوراً بالسعادة واستظلالاً بالطمأنينة والسكينة ، يشعر في ظلة المرء بأنه محمي مصان بفضل الله تعالى ثم بفضل من تسبب في استتبابه فينطلق في هذا الجو الآمن إلى عبادة ربه على الوجه الصحيح ، وإلى عمارة الكون بتحقيق مصالحه، أما إذا خيم الخوف وزال الأمن فإن المصالح تتعطل والقدرة على حسن العبادة تتزعزع لأنّ ” ثبات الأمن وتأكيده ، وتوفير الأمان وتعميمه هو المرتكز والأساس لكل عوامل البناء والتنمية، وتحقيق النهضة الشاملة وبدون ذلك يستوطن الخوف وتعم الفوضى ويشع الضياع فتفقد الأمة أساس البناء وأسباب البقاء” .

إن حاجة الأمن تظهر في الأمور الآتية :

  • تكمن أهميته والحاجة إليه في أن الله تعالى لما أنزل آدم من الجنة بين له ما يتحقق به أسباب الأمن قال تعالى:” قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (البقرة/ 38).
  • .إن أمن الإنسان على نفسه وماله وعرضه شرط في التكليف بالعبادات .
  • إن من لم يأمن على نفسه باستعمال الماء أو خاف لحوق الضرر به من الوصول إليه تنقل إلى التيمم .

    4- يسقط عن المكلف استقبال القبلة عند عدم الأمن.وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ” (النساء /102).

    5-يشترط لوجوب الحج أمن الطريق .

  لقول الله تعالى: “ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ “(آل عمران : 97).

 أي فرض الله على الناس حج البيت من استطاع منهم إليه سبيلا. و تتحقق الاستطاعة التي هي شرط من شروط الوجوب بما يأتي:  

1 – أن يكون المكلف صحيح البدن، فإن عجز عن الحج لشيخوخته، أو زمانة، أو مرض لا يرجى شفاؤه، لزمه إحجاج غيره عنه إن كان له مال..

 2 – أن تكون الطريق آمنة، بحيث يأمن الحاج على نفسه وماله.فلو خاف على نفسه من قطاع الطريق، أو وباء، أو خاف على ماله من أن يسلب منه، فهو ممن لم يستطع إليه سبيلا. كما ذهب الشافعي وغيره، إلى اعتباره عذرا مسقطا للحج، وإن قل المأخوذ. (فقه السنة – (1 / 630).

    6-كما أجاز الشرع التلفظ بكلمة الكفر عند عدم الأمن مادام القلب مطمئناً .

قال تعالي: “إِلَّا مَنْ  أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ”(النحل/ 106).

وقد عد النبي صلي الله عليه وسلم  الأمن من أعظم النعم وأحد حاجات الإنسان الأساسية إذ جاء عنه قوله (من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها “(صححه الألباني). ‌

أهمية نعمة الأمن وتقديمها علي سائر النعم

الأمن والأمان نعمة من الله عزوجل ما بعدها نعمة فهي من أجل نعم الله علي بني خلقه لأن الإنسان إن لم يكن في أمن واستقرار وطمأنينة لا هنأ بعيش ولا ينعم بحياة.. حيث ذكر الله عزوجل الأمن علي لسان خليل الله إبراهيم في القرآن الكريم أكثر من مرة فتارة:

 يقدمه علي الرزق

فيقول تعالي:”وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..”(البقرة/126).

هذا هو الدعاء الأول ,قال ابن كثير:”اجعل هذه البقعة بلدا َأمناَ,وناسب هذا لأنه قبل بناء الكعبة ..

وتارة يقدمه علي العقيدة

 فيقول تعالي:”وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ”(إبراهيم/35). 

وناسب هذا هناك ,وكأنه وقع دعاء في مرة ثانية بعد بناء البيت ,واستقرار أهله به بعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سناَ من إسماعيل .(ابن كثير 1/251).   

وتقديم  خليل الله إبراهيم في دعائه نعمة الأمن علي غيرها من النعم لأنها أعظم أنواع النعم ولأنها إذا فقدها الإنسان اضطرب فكره وصعب عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو الدنيا بنفس مطمئنة ، وبقلب خال من المنغصات المزعجات .

وأيضاَ قدم طلب الأمن للبقعة التي وضع فيها هاجر وإسماعيل قبل طلب الرزق ,لأن الأمن مقدم علي الرزق ,وظلت مكة تنعم بالأمن ببركة دعوة الخليل حتي جاءها رسولنا صلي الله عليه وسلم وهم علي شركهم ,والله يؤمنهم ,ولما دعاهم الرسول إلي الإسلام خافوا من إتباعه أن يفقدوا هذا الأمن ,فعاب الله سبحانه عليهم ذلك كيف يؤمنهم وهم علي شركهم ولا يؤمنهم إذا اتبعوا الرسول صلي الله عليه وسلم :”وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ   نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ”(القصص/57).    

كما قدم المولي عز وجل نعمة الأمن علي الهداية

فالمؤمن الموحد بالله يركن إلي ركن شديد ,فلا يخاف ,فهو في أمن دائم ,وهو الأحق بالأمن ,لأنه يعلم أنه سوف يحصل علي إحدى الحسنيين :النصر أو الشهادة,وهو لم يجعل لربه نداَ ولا شريكاَ ولا شبيهاَ ولا نظيراَ قال تعالي:”الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ   الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ “(الأنعام/82).

  وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال لما نزلت الآية شق ذلك علي الناس ,وقالوا يا رسول الله ,أينا لم يظلم نفسه ؟قال :إنه ليس الذي تعنونه ,ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح :”يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ   بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ “إنما هو الشرك “.(البخاري).

والمؤمن وإن كان في أمن إلا أنه يسعي أيضاَ لتحصيل أسباب الأمن ,ولا يفرط في هذه الأسباب فعن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عائشة قالت : ” سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة قال ليت رجلاَ صالحا يحرسني الليلة قالت فبينا نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة السلاح فقال من هذا فقال سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك فقال سعد وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام “(قال الترمذي: حسن صحيح).

وكان النبي صلي الله عليه وسلم يُحرس حتي نزلت الآية في المائدة,عن عائشة قالت :  كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية ” وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ” (المائدة: 67).   فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله “(الترمذي).

فالمؤمن آمن ويؤمن إخوانه المؤمنين ما استطاع إلي ذلك سبيلاَ,وهذا هو قول يوسف الصديق لإخوته :” ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ”(يوسف/99).

أي :آمنين من المكاره والقحط ومن السوء,وكان دخولهم مصر بركة لأهلها وزاد من أمنها قال ابن كثير:”إن الله رفع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قدوم يعقوب عليهم,كما رفع السنين التي دعا بها رسول الله صلي الله عليه وسلم علي أهل مكة حين قال :”اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف .”(متفق عليه).ثم لما تضرعوا إليه واستشفعوا لديه ,وأرسلوا أبا سفيان في ذلك فدعا لهم,فرفع عنهم بقية ذلك ببركة دعائه عليه السلام .(ابن كثير 2/660). 

   كما قدم المولي عزوجل الأمن من الخوف :علي الجوع والفقر وموت الأهل والأحبة وتلف الزروع والثمار فقال تعالي :”وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ”(البقرة/155-157).  

والمعنى : ولنصيبنكم بشيء من الخوف وبشيء من الجوع ، وبشيء من النقص في الأنفس والأموال والثمرات ، ليظهر هل تصبرون أو لا تصبرون ، فنرتب الثواب على الصبر والثبات على الطاعة ، ونرتب العقاب على الجزع وعدم التسليم لأمر الله – تعالى – .(الوسيط د/سيد طنطاوي).

الأمن مقدم علي الصحة :

في الحديث الصحيح :” من أصبح منكم أمناً في سربه  معافاً في بدنه عنده قوت .. فقدم الرسول صلي الله عليه وسلم الأمن علي الصحة والعافية ..

      وقال الإِمام الرازي:”سئل بعض العلماء : الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال الأمن أفضل ، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان ، ولا يمنعها هذا الكسر من الإِقبال على الرعى والأكل والشرب .

ولو أنها ربطت – وهى سليمة – في موضع ، وربط بالقرب منها ذئب ، فإنها تمسك عن الأكل والشرب ، وقد تستمر على ذلك إلى أن تموت .

      وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف ، أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد . لذلك قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :”من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها”(الترمذي وصححه الألباني).‌ 

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين ..أمابعد فياجماعة الإسلام

وقرن المولي عزوجل الإطعام والأمن

فمن البديهيات التي لا يختلف عليها العقلاء؛ أنه لا يمكن أن تقوم حياة إنسانية كريمة إلا في ظلال أمنٍ وافرٍ، يطمئن الإنسان معه على نفسه وأسرته ومعاشه، ويتمكَّن في ظله من توظيف ملكاته وإطلاق قدراته للبناء والإبداع، وقد جمع الله في الامتنان على قريش بين نعمتَي الأمن والإطعام؛ ليبيِّن أن إحداهما لا تقلُّ أهمية عن الأخرى، ولا تُغني عنها،وأمرهم الله سبحانه وتعالي أمراَ جازماَ بالتوحيد ومتابعة النبي صلي الله عليه وسلم ,وأن ذلك أقل ما يكون في مقابلة نعمة الأمن التي يشعرون بها دون غيرهم من العرب فقال تعالى:”فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ .الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ”(قريش/4,3).

وقرن الإسلام والإيمان بالأمن

 فقال صلي الله عليه وسلم : “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ” (الترمذي وصححه).   المسلم الحقيقي الذي تظهر عليه آثار الإسلام وشعائره وأماراته، هو الذي يكف أذى لسانه ويده عن المسلمين، فلا يصل إلى المسلمين منه إلا الخير والمعروف.

وفي واقع المسلمين اليوم قد تجد الرجل محافظاً على أداء الصلاة في وقتها، وقد تجده يؤدى حق الله في ماله فيدفع الزكاة المفروضة، وقد يزيد عليها معواناً للناس يسعى في قضاء حوائجهم، وقد تجده من حجاج بيت الله الحرام ومن عُمّارة، ولكن مع هذا الخير كله قد تجده لا يحكم لسانه ولا يملك زمامه، فينفلت منه لسانه فيقع في أعراض الناس ويمزق لحومهم!! فلا يستطيع أن يملك لسانه عن السب والشتم واللعن.

والنبي صلي الله عليه وسلم  يقول: “ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء”، وقد تجد الرجل مع ما فيه من الخير والصلاح لا يملك لسانه عن الغيبة والنميمة، ولا يملكه عن شهادة الزور وقول الزور، وقد لا يكلف لسانه عن همز الناس ولمزهم، فيجره لسانه ويوقعه في كثير من الأخطاء والبلايا، فمثل هذا النوع من الناس قد فقد صفة من أبرز وأهم صفات المسلم الحقيقي.

وهناك نوع آخر من المسلمين يختلف عن النوع السابق فقد تجده يحكم لسانه ويقل به الكلام، ولكنه يؤذى المسلمين بيده، فيضرب بيده أبدان المسلمين، اعتدى على أموالهم فيسرقهم، أو يسلبهم حقوقهم أو يظلمهم فهذا أيضاً قد فقد إمارة من الإمارات الظاهرة التي تدل على إسلام المرء وعلى إيمانه.

وعلى هذا فلا يكتمل إسلام عبد حتى يحب المسلمين ويترك إيذاءهم بلسانه، ويترك إيذاءهم بيده ولا يتم إسلام عبد وأيمانه حتى يشغل لسانه في الأعمال التي يكون فيها نفع له في الدنيا والآخرة، فيُعمل لسانه في تلاوة كتاب الله وفي ذكره سبحانه وتعالى، ويُعمل بلسانه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر العلم النافع أو تقديم النصيحة والمشورة المفيدة النافعة وغير ذلك من المصالح التي تعود بالنفع العاجل على المرء وعلى إخوانه المسلمين.

ولو تحقق أن كف المسلم لسانه عن إيذاء الناس وكف يده كذلك عن إيذاء الناس فلا يكسب بيده شراً وإنما يُعملها في الخير والنفع، ولو تحقق هذا لصار المسلم آمناً في سفره وفي إقامته وفي بيته وخارج بيته ولصار مجتمع المسلمين مجتمعاً فاضلاً على ما يحب الله ورسوله.ولساد الأمن والأمان مجتمع الإسلام.

من ملك الأمن ملك الدنيا بحذافيرها:

أيها الناس:

بين لطلاب الدنيا أن من يمتلك نعمة الأمن والأمان يمتلك الدنيا بحذافيرها فقال صلي الله عليه وسلم : ”  من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها”(الترمذي). فهؤلاء الذين يجرون خلف الدنيا والمال نقول لهم لو أنكم تمتلكون أموال قارون وقصور فرعون وضاعت منكم نعمة الأمن فلا قيمة لأموالكم وقصوركم وخدمكم وحشمكم ولا قيمة لكم بدون الأمن والأمان ..

أخوة الإيمان والإسلام :

هذا هو الإسلام دين السلام، السلام الذي يتحقق به الأمن، فيعيش العبد آمنا في حياته، يؤدي ما افترضه الله عليه حتى ينقضي وقته في الدنيا، فينتقل من أمن في دنياه الى أمن في آخرته كما قال تعالي :” مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ” (النمل/89). فالمسلم ينشر الأمن في الدنيا، ويعمل على ترسيخه، ويجتهد للحفاظ عليه، حتى يلقى الله تعالى وتقول له الملائكة كما قال تعالي:”ادخلوها بسلام آمنين” (الحج/46).

فاللهم آمنا في أوطاننا، واصرف عنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله رب العالمين.




خطبة جمعة بعنوان: نعمة الأمن والأمان في الإسلام، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح

خطبة جمعة بعنوان: نعمة الأمن والأمان  في الإسلام، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح

لتحميل الخطبة بصيغة وورد أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي: 

الحمدُ لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين، والناس أجمعين، أن يذكروا نعمه عليهم، فقال تعالى مخاطباً المؤمنين:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ” [المائدة/11]. وقال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ” [فاطر/3].  وإن من أعظم نعم الله التي يجب أن نذكرها ونُذكِّر بها: نعمة الأمن والأمان  فالأمن نعمة من الله عزوجل ما بعدها نعمة بل هي من أجل نعم الله علي بني خلقه لأن الإنسان إن لم يكن في أمن واستقرار وطمأنينة لا يهنأ بعيش ولا ينعم بحياة..

**دعوة الإسلام لتحقيق الأمن والأمان :

     و لقد دعي الإسلام  لتحقيق الأمن ووقف بحزم تجاه هؤلاء الذين يروعون الآمنين ويخربون في الأرض فقال تعالي “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ  لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  (المائدة/33).

فالإسلام دين الأمن ولا يمكن أن يتحقق الأمن للناس إلا إذا أخذوا بتعاليم هذا الدين العظيم، فقد حرم قتل النفس، وسرقة المال وأكله بالباطل، وآذي الجارقال صلى الله عليه وسلم: “وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ ” . قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائقَه”( البخاري ومسلم). وقوله صلي الله عليه وسلم :”لا يحل لمسلم أن يروع مسلما”  وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  “من أشار على أخيه بحديدة لعنته الملائكة”(الترمذي).

“وقوله : ” من نظر إلى أخيه نظرةً يخيفه بها أخافه الله يوم القيامة “(البيهقي) .وقوله:”من حمل علينا السلاح فليس منا ” (البخاري ومسلم).وقوله: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ، ولا يحقره ، التقوى هاهنا ، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه“( صحيح ).

ولعن صلى الله عليه وسلم من أشار بالسلاح لأخيه المسلم، وحرم علينا الجنة حتى نؤمن ويحب بعضنا بعضاً، وأخبر بأن ذلك يتحقق بإفشاء السلام الذي يأمن الناس معه، وهو من شعائر الإسلام العظيمة، وقال: “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ”( البخاري ومسلم).

وقال في حق الكافر المعاهد: “مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا”( البخاري). وقال: “أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوْ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”( أبو داود).

وقال صلي الله عليه وسلم :”من روع مؤمنا لم يؤمن الله روعته يوم القيامة ومن سعى بمؤمن أقامه الله مقام ذل وخزي يوم القيامة .”(السيوطي  ).

وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”لا يحل لمسلم أن يروع مسلما “( أبو داود).  

** قيمة و أهمية نعمة الأمن:

ولأهمية الأمن أكرم الله به أولياءه في دار كرامته؛ لأنه لو فُقد فُقد النعيم، قال رب العالمين: “ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ” (الحجر: 46) وقال:”يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ” (الدخان /55). وقال: “وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ” (سبأ : 37).

ومما يدل على أهميته قول نبينا صلى الله عليه وسلم: “مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا”( الترمذي).

** إنّ نعمة الأمن أعظم من جميع نعم الله عز وجل وتقدم عليها :

حيث ذكر الله عزوجل الأمن علي لسان خليل الله إبراهيم في القرآن الكريم أكثر من مرة فتارة:

=  يقدمه علي الرزق  فيقول تعالي:”وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..”(البقرة/126).

هذا هو الدعاء الأول ,قال ابن كثير:”اجعل هذه البقعة بلدا َأمناَ,وناسب هذا لأنه قبل بناء الكعبة .. فبدأ بالأمن قبل الرزق لسببين:

الأول: لأن استتباب الأمن سبب للرزق، فإذا شاع الأمن واستتبَّ ضرب الناس في الأرض، وهذا مما يدر عليهم رزق ربهم ويفتح أبوابه، ولا يكون ذلك إذا فُقد الأمن.

الثاني: ولأنه لا يطيب طعام ولا يُنتفع بنعمة رزق إذا فقد الأمن.

فمن من الناس أحاط به الخوف من كل مكان، وتبدد الأمن من حياته ثم وجد لذة بمشروب أو مطعوم؟!

ولقائل أن يقول: فلماذا قدم الرزق على الأمن في سورة قريش؟

فالجواب: أن هذه السورة خطاب للمشركين، وعند مخاطبة هؤلاء يحسن البدء بالقليل قبل الكثير، وباليسير  قبل العظيم..

= وتارة يقدمه علي العقيدة:

 فيقول تعالي:”وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ”(إبراهيم/35). 

وناسب هذا هناك ,وكأنه وقع دعاء في مرة ثانية بعد بناء البيت ,واستقرار أهله به بعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سناَ من إسماعيل .(ابن كثير 1/251).   

وتقديم   المولي عز وجل   نعمة الأمن علي لسان خليل الله إبراهيم في دعائه علي غيرها من النعم لأنها أعظم أنواع النعم ولأنها إذا فقدها الإنسان اضطرب فكره وصعب عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو الدنيا بنفس مطمئنة ، وبقلب خال من المنغصات المزعجات .

وأيضاَ قدم طلب الأمن للبقعة التي وضع فيها هاجر وإسماعيل قبل طلب الرزق ,لأن الأمن مقدم علي الرزق ,وظلت مكة تنعم بالأمن ببركة دعوة الخليل حتي جاءها رسولنا صلي الله عليه وسلم وهم علي شركهم ,والله يؤمنهم ,ولما دعاهم الرسول إلي الإسلام خافوا من إتباعه أن يفقدوا هذا الأمن ,فعاب الله سبحانه عليهم ذلك كيف يؤمنهم وهم علي شركهم ولا يؤمنهم إذا اتبعوا الرسول صلي الله عليه وسلم :”وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ   نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ”(القصص/57).    

= كما قدم المولي عز وجل نعمة الأمن علي الهداية:

فالمؤمن الموحد بالله يركن إلي ركن شديد ,فلا يخاف ,فهو في أمن دائم ,وهو الأحق بالأمن ,لأنه يعلم أنه سوف يحصل علي إحدى الحسنيين :النصر أو الشهادة,وهو لم يجعل لربه نداَ ولا شريكاَ ولا شبيهاَ ولا نظيراَ قال تعالي:”الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ   الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ “(الأنعام/82).

  وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال لما نزلت الآية شق ذلك علي الناس ,وقالوا يا رسول الله ,أينا لم يظلم نفسه ؟قال :إنه ليس الذي تعنونه ,ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح :”يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ   بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ “إنما هو الشرك “.(البخاري).

= والأمن مقدم علي الصحة:

      قال الإِمام الرازي:”سئل بعض العلماء : الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال الأمن أفضل ، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان ، ولا يمنعها هذا الكسر من الإِقبال على الرعى والأكل والشرب .

ولو أنها ربطت – وهى سليمة – فى موضع ، وربط بالقرب منها ذئب ، فإنها تمسك عن الأكل والشرب ، وقد تستمر على ذلك إلى أن تموت .

      وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف ، أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد . لذلك قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :”من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها”(الترمذي  ).‌ 

وقرن المولي عزوجل الإطعام والأمن:

فمن البديهيات التي لا يختلف عليها العقلاء؛ أنه لا يمكن أن تقوم حياة إنسانية كريمة إلا في ظلال أمنٍ وافرٍ، يطمئن الإنسان معه على نفسه وأسرته ومعاشه، ويتمكَّن في ظله من توظيف ملكاته وإطلاق قدراته للبناء والإبداع، وقد جمع الله في الامتنان على قريش بين نعمتَي الأمن والإطعام؛ ليبيِّن أن إحداهما لا تقلُّ أهمية عن الأخرى، ولا تُغني عنها،وأمرهم الله سبحانه وتعالي أمراَ جازماَ بالتوحيد ومتابعة النبي صلي الله عليه وسلم ,وأن ذلك أقل ما يكون في مقابلة نعمة الأمن التي يشعرون بها دون غيرهم من العرب فقال تعالى:”فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ .الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ”(قريش/4,3).

= وقرن النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان بالأمن:

 فقال صلى الله عليه وسلم: “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ” (الترمذي).   المسلم الحقيقي الذي تظهر عليه آثار الإسلام وشعائره وأماراته، هو الذي يكف أذى لسانه ويده عن المسلمين، فلا يصل إلى المسلمين منه إلا الخير والمعروف.

وفي واقع المسلمين اليوم قد تجد الرجل محافظاً على أداء الصلاة في وقتها، وقد تجده يؤدى حق الله في ماله فيدفع الزكاة المفروضة، وقد يزيد عليها معواناً للناس يسعى في قضاء حوائجهم، وقد تجده من حجاج بيت الله الحرام ومن عُمّارة، ولكن مع هذا الخير كله قد تجده لا يحكم لسانه ولا يملك زمامه، فينفلت منه لسانه فيقع في أعراض الناس ويمزق لحومهم!! فلا يستطيع أن يملك لسانه عن السب والشتم واللعن.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:”ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء”وقد تجد الرجل مع ما فيه من الخير والصلاح لا يملك لسانه عن الغيبة والنميمة،ولا يملكه عن شهادة الزور وقول الزور،وقد لا يكف لسانه عن همز الناس ولمزهم،فيجره لسانه ويوقعه في كثير من الأخطاء والبلايا،فمثل هذا النوع من الناس قد فقد صفة من أبرز وأهم صفات المسلم الحقيقي.

وهناك نوع آخر من المسلمين يختلف عن النوع السابق فقد تجده يحكم لسانه ويقل به الكلام، ولكنه يؤذى المسلمين بيده، فيضرب بيده أبدان المسلمين، اعتدى على أموالهم فيسرقهم، أو يسلبهم حقوقهم أو يظلمهم فهذا أيضاً قد فقد إمارة من الإمارات الظاهرة التي تدل على إسلام المرء وعلى إيمانه.

وعلى هذا فلا يكتمل إسلام عبد حتى يحب المسلمين ويترك إيذاءهم بلسانه، ويترك إيذاءهم بيده ولا يتم إسلام عبد وأيمانه حتى يشغل لسانه في الأعمال التي يكون فيها نفع له في الدنيا والآخرة، فيُعمل لسانه في تلاوة كتاب الله وفي ذكره سبحانه وتعالى، ويُعمل بلسانه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر العلم النافع أو تقديم النصيحة والمشورة المفيدة النافعة وغير ذلك من المصالح التي تعود بالنفع العاجل على المرء وعلى إخوانه المسلمين.

ولو تحقق أن كف المسلم لسانه عن إيذاء الناس وكف يده كذلك عن إيذاء الناس فلا يكسب بيده شراً وإنما يُعملها في الخير والنفع، ولو تحقق هذا لصار المسلم آمناً في سفره وفي إقامته وفي بيته وخارج بيته ولصار مجتمع المسلمين مجتمعاً فاضلاً على ما يحب الله ورسوله.ولساد الأمن والأمان مجتمع الإسلام.

**  بيان قيمة الأمن وأهميته في الازدهار الاقتصادي:

كما صار من الوضوح بمكان ارتباط سائر أنواع الأمن بعضها ببعض، فلا أمنَ اجتماعيًّا من غير أمن اقتصادي ففي مجال الأمن الاقتصادي :فإن قوامه في الإسلام ضمان حد”الكفاية “لكل فرد ,أي المستوي اللائق للمعيشة ,وليس مجرد “حد الكفاف”أي المستوي الأدنى للمعيشة مما عبرت عنه الآية الكريمة:”وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ”(المعارج/25,24).  وقوله تعالي:” وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ “(النور/33). فحيازة البعض للمال في الإسلام ليست امتلاكاً وإنما هي أمانة ومسئولية  لأنه خليفة علي هذا المال وقوله تعالي :”آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ “(الحديد/7).وقوله تعالي:”ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ”(التكاثر/8).

ومن هنا جاء قول الرسول صلي الله عليه وسلم :”..أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم “(أبوداود  ).

   وقول الخليفة الرابع علي بن أبي طالب :”إن الله فرض علي الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم”(المحلي لابن حزم /221وما بعدها ). فالأمن الاقتصادي المتمثِّل في عدالة توزيع الثروة،  كما دعي الإسلام إلي كل وسائل الأمن والاستقرار من أجل مزيد من الازدهار الاقتصادي والغني حيث أنه لا بأس بالغني لمن اتقي والعشرة المبشرون بالجنة كان من بينهم تسعة من أغني أغنياء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ..

قال تعالى:”وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ” (القصص/57).

وفي دولة سبأ كان الأمنُ أحدَ أهم أسباب الازدهار الاقتصادي “وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ” (سبأ/18)، وقد دلَّت سائر أحداث التاريخ البعيد والقريب على أن الحضارة لا تزدهر، وأن الأمم لا ترتقي ولا تتقدم إلا في ظلال الاستقرار الذي ينشأ عن استتباب الأمن للأفراد وللجماعات وللأمم.

**وفي مجال الأمن الاجتماعي:

فإن قوامه في الإسلام حفظ التوازن بين أفراد المجتمع بحيث لا يجوز أن تستأثر فئة قليلة من الناس بخيرات المجتمع مما عبرت عنه الآية الكريمة:” كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ “(الحشر/7). ولأن الإسلام دين الجماعة ..ولأن فلسفته في التشريع قد جمعت بين المسئولية الفردية:”  وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى “(الأنعام/164). وقال تعالي:” مَنْ يَعْمَلْ   سُوءًا يُجْزَ بِهِ “(النساء/123).وبين المسئولية الاجتماعية والمجتمعية حيث توجه الخطاب إلي الناس والأمة والجماعة في غالب آيات الخطاب بالقرآن الكريم..

وفي هذه الفلسفة التشريعية تجاورت وتزاملت الفروض والتكاليف الفردية –العينية- مع الفروض والتكاليف الكفائية- الجماعية والاجتماعية والمجتمعية –وتوجه الخطاب التكليفي إلي الفرد وإلي الجماعة (الأمة والناس).

لهذه الحكمة كان الأمن في الإسلام اجتماعياً ومجتمعياً,واستحال أن تقف آفاقه عند حدود الفرد ,دون الاجتماع الشامل للأفراد ضمن الجماعة ..ذلك أن الإنسان –كفرد- مدني واجتماعي ومجتمعي بطبعه وحكم حاجاته..وأمنه الحقيقي ,وإن بدأ بدائرته الفردية ,فإنه لا يستقيم ولا يتحقق ولا يدوم إلا إذا عمت آفاقه الاجتماع والجماعة والعمران ..

 وعن هذه الحقيقة من حقائق الرؤية الإسلامية للأمن الاجتماعي والمجتمعي يتحدث الإمام أبو الحسن الماوردي (364-450هـ974-1058م) فيقول:والإنسان مطبوع الافتقار إلي جنسه واستعانته صفة لازمة لطبعه وخلقه قائمة في جوهره ..ولذلك ,فإن صلاح الدنيا يعتبر من وجهين :أولهما :ما ينتظم به أمور جملتها.والثاني:ما يصلح به حال كل واحد من أهلها.فهما شيئان لا صلاح لأحدهما إلا بصاحبه..

والماوردي عندما حدد قواعد صلاح الدنيا وانتظام عمرانها ,وهي عنده ستة أشياء في قواعدها ,وإن تفرعت :1- دين متبع..2- وسلطان قاهر(أي دولة قوية).3- وعدل شامل.4-وأمن عام .5- وخصب دائم.6- وأمل فسيح. فإن الماوردي قد جعل الأمن العام القاعدة الرابعة من قواعد صلاح الدنيا وانتظام العمران ,وعن هذه القاعدة الرابعة يقول:”..وأما القاعدة الرابعة ,فهي أمن عام تطمئن إليه النفوس ,وتنتشر به الهمم ,ويسكن فيه البريء ,ويأنس به الضعيف ,فليس لخائف راحة ,ولا لحاذر طمأنينة.وقد قال بعض الحكماء:”الأمن أهنأ عيش,والعمل أقوي جيش,لأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم ,ويحجزهم عن تصرفهم ,ويكفهم عن أسباب المواد التي بها قوام أودهم ,وانتظام جملتهم ..والأمن المطلق :ما عم..(أدب الدين والدنيا /135-144)(مقومات الأمن المجتمعي في الإسلام /76-79-المجلس الأعلى للشئون الإسلامية العدد158).

** وفي بيان قيمة الأمن وأهميته جعله المولي في بيوته:

وعلي رأس المساجد الحرم المكي قال تعالي:”إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ”(آل عمران/97,96). 

” وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ”  .أى من التجأ إليه أمن من التعرض له بالأذى أو القتل قال – تعالى – : ” أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ “وفي ذلك إجابة لسيدنا إبراهيم حيث قال – كما حكى القرآن عنه – : ” رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام” ولا شك أن فى أمن من دخل هذا البيت أكبر آية على تعظيمه وعلى علو مكانته عند الله؛ لأنه موضع أمان الناس فى بيئة تغرى بالاعتداء لخلوها من الزرع والنبات .

** والعبادة لا يتأتى القيام بها على وجهها إلا في ظل الأمن:

= فالصلاة قال الله عنها:”حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْرُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ“(البقرة/238-239 ). وقال: “.. فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا“(النساء:  103). وقوله: “فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ”أي: أدوها بكمالها وصفتها التامة.

 = ومن شروط وجوب الحج: الأمن، فإذا وجد الإنسان نفقة الحج ولم يكن الطريق إليه آمناً فلا يجب عليه الحج قولاً واحداً، قال الله تعالى: ” فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ” (البقرة: 196). ولما أخبر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم بأنهم سيدخلون البيت الحرام ويؤدون نسكهم بعدما صدهم المشركون عنه قرن ذلك بالأمن فقال: ” لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا” (الفتح: 27) .

= وإن انتشار الدعوة الإسلامية المباركة يكون في وقت الأمن أكثر من غيره من الأوقات..

قال الله تعالى عن موسى عليه السلام: “فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ” (يونس: 83). ولكن لما أغرق الله فرعون ودمَّر ما كان يصنعه وقومه دخل كثير من الناس في دين الله، ففي حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه سواداً عظيماً قال: “وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ، فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ” (البخاري ومسلم).

= وانظروا كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى الحديبية كان معه خمسمائة وألف من أصحابه، فلمَّا انعقد الصُّلح وكان من بنوده: وقف الحرب عشر سنوات يأمن فيها الناس،دخل كثير منهم في دين الله، فبعد عامين وبضعة أشهر خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة عشرة آلاف من المسلمين.

 ** وفي بيان قيمة الأمن وأهميته مد الله به عباده المؤمنين عند الموت :

وتأمين الله وأمنه سابغ علي المؤمن في دنياه وأخراه ,فعندما يأمر ملائكته بقبض عبده المؤمن ,أمرهم بأن يبشروه بالأمن ,وعدم الخوف والحزن قال تعالي:”  إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ”(فصلت/30).

أى : إن الذين قالوا ربنا الله باعتقاد جازم ، ثم استقاموا على طاعته فى جميع الأحوال ، تتنزل عليهم من ربهم الملائكة ، لتقول لهم فى ساعة احتضارهم وعند مفارقتهم الدنيا ، وفى كل حال من أحوالهم : لا تخافوا – أيها المؤمنون الصادقون – مما أنتم قادمون عليه فى المستقبل ، ولا تحزنوا على ما فارقتموه من أموال أو أولاد .(الوسيط د/سيد طنطاوي).

فلا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون اليوم كما في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه:”إن الملائكة تقول لروح المؤمن :أخرجي أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه ,أخرجي إلي روح وريحان ورب غير غضبان”(ابن ماجه  ).

** وفي بيان قيمة الأمن مد به عباده يوم الفزع الأكبر:

لأن الأمن من أعظم النعم عندما يفزع الخلق يوم القيامة يؤمن الله سبحانه أولياءه حيث يقول :”وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي   الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ”(النمل /87). وقال تعالي:” مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ”(النمل/89). قال ابن كثير:قال ابن عباس رضي الله عنهما من جاء بالإخلاص أو هي لا إله إلا الله لقوله تعالي :”لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ “(الأنبياء/103).  وقوله:” أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ   اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ”(فصلت/40).

**وفي بيان قيمة الأمن وأهميته أن الملائكة تبشرهم بالجنة:

وتبشرهم الملائكة بالأمن والأمان عند دخولهم الجنات قال تعالي:”إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ “(الحجر/ 46,45). أي أمنين من كل خوف وفزع ,ولا تخافوا إخراجاَ ولا انقطاعاَ ولا فناءَ وبسلام أي سالمين من الآفات مسلم عليكم من الملائكة قال تعالي:”وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا   زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ”(سبأ/37).

أي في المنازل العالية أمنون من كل بأس وخوف وآذي ومن كل شر يحذر منه وقوله تعالي:”  إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ”(الدخان/51).أمنوا فيها من الموت ,ومن كل هم وحزن وجوع وتعب ونصب ومن الشياطين وكيدهم وسائر الآفات والمصائب قال تعالي:”  يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ”(الدخان/55).

لا يخافون انقطاع الثمار والفواكه مهما طلبوا أُحضر لهم ,أمنون من الموت وأخيه”النوم”ومن الهرم ,وعن جابر بن عبد الله سئل النبي صلي الله عليه وسلم :”أينام أهل الجنة ؟فقال :”النوم أخو الموت ,وأهل الجنة لا ينامون”(صحيح ).     

و عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” ينادي مناد إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله تعالى”وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون”.(الأعراف/43).(مسلم).

** والأمن مطلب الناس جميعاً:

= فإبراهيم عليه السلام يدعو الله أن يجعل بلده آمناً “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ” (إبراهيم: 35).

= ويوسف عليه السلام يطلب من والديه دخول مصر مخبراً باستتباب الأمن بها “فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ ” (يوسف: 99).

= ولمَّا خاف موسى أعلمه ربه أنه من الآمنين ليهدأ رَوْعه، وتسكن نفسه”وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ”(القصص: 31).

= ولما رحم النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة يوم فتحها ذكرهم بما ينالون به الأمن؛ مما يدل على أهميته لدى المؤمنين والكافرين، فقال: “من دخَل دارَ أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقَى السّلاحَ فهو آمن، ومن دخل المسجدَ فهو آمن” ( مسلم).

 

 

 

 

الخطبة الثانية :

الحمد لله وكفي وسلاماً علي عباده الذين اصطفي ..أما بعد : فيا جماعة الإسلام . لازلنا نواصل الحديث حول نعمة الأمن والأمان في الإسلام ..  وعن دعوة ووسائل وأدوات الإسلام للمحافظة علي الأمن  وتحقيقه  ومنها :”

= شكر الله عليها وإدامة ذلك.

فالنعم تثبت بالشكر وتذهب بالجحود، وفي القرآن الكريم حكاية ما قاله موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم لقومه:”وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ” (إبراهيم: 7).

= تحقيق توحيد الله تعالى.

 فالتوحيد أمن في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى:” وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” (النور: 55). فلا أمن إلا بإقامة العبادة الخالية من شوائب الشرك ؛ فلا يُدعى غير الله، ولا يُستغاث إلا بالله،ولا حلف إلا بالله .. وغير ذلك من صور الشرك الأكبر المخرج عن دين الإسلام والبدع التي ما أنزل الله لها من برهان.

وأما في الآخرة فقد قال الله تعالى: “الذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ” (الأنعام : 82). مهتدون في الدنيا ، آمنون في الآخرة .

=  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى :” فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ” (الأعراف : 165). وسكت عمن سكت ولن ينكر، ولم يخبر بحالهم.

= الدعاء.

وقد كَانَ نبينا صلى الله عليه وسلم إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: “اللَّهُ أَكْبَرُ. اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وترضى. رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللَّهُ”( الترمذي).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح “اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي”( أبو داود).

 ومن دعائه عليه الصلاة والسلام قوله :”اللهم إني أسألك الأمن يوم الخوف”(البخاري ).

=وتحقيقاَ للأمن نهي الإسلام عن الفتنة:

بكل صورها وأشكالها “وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”(الأنفال/25).  كما أمر بالتصدي لها فقال تعالي :” وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ “(الأنفال /39).

= وتحقيقاَ للأمن نهي الإسلام عن الفساد:

قال الله تعالي:”ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”(الروم/41).    

أي  ظَهَرَ الفَسَادُ فِي العَالَمِ بالفِتَنِ والحُروبِ والاضْطِرابَات . . وذَلكَ بِسَببِ مَا اقتَرَفَهَ النَّاسُ منَ الظُّلمِ ، وانتِهَاكِ الحُرُمَاتِ ، والتَّنَكُّرِ لِلدِّينِ ، وَنِسيَانِ يومِ الحِسَابِ فانْطَلَقَت النُّفُوسُ مِنْ عِقَالِها ، وَعَاثَتْ فِي الأَرضِ فَسَاداً بِلاَ وَازعٍ وَلا رَقيبٍ منْ ضَميرٍ أَوْ وُجدَانٍ أو حَيَاءٍ أَو حِسَابٍ لدِينٍ ، فأَذَاقَهُم اللهُ جزاءَ بعضِ ما عَمِلُوا مِنَ المَعَاصِي والآثَامِ ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ ، وَيَكُفُّونَ عَنِ الضَّلالِ والغِوايةِ ، وَيَتَذَكَّرُونَ يومَ الحِسَابِ .

وفي حقيقة الأمر أن الفساد دمار للأفراد والمجتمعات والأمم وقد أشار الرسول صلي الله عليه وسلم إلي ذلك وضرب مثلاَ بأن الناس جميعاَ في سفينة واحدة فهي تسير عندما يتحقق العدل والطهر والنقاء والتمسك بمكارم الأخلاق ..ولكن عندما ينحرف طائفة في المجتمع وتعيث في الأرض فساداَ ولم يقم من يأخذ علي أيديهم ويمنعهم عن هذا الفساد وهذا الانحراف تغرق السفينة بالجميع وهذا ما يبينه رسول الله صلي الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة منها:

  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا ” (البخاري).  فقد حرم الإسلام الغلول وهو الاختلاس من المال العام..

= وتحقيقاَ للأمن نهي الإسلام عن كفر النعمة وبطر المعيشة:

قال تعالي:”وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ” (النحل/112).

و المعنى : وجعل الله قرية موصوفة بهذه الصفات مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم بهذه النعم ، فلم يشكروا الله – تعالى – عليها ، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر .وقوله:”كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً” أى : كانت تعيش فى أمان لا يشوبه خوف ، وفى سكون واطمئنان لا يخالطهما فزع أو انزعاج : .

= وعلي الجملة تحقيقاً للأمن نهي الإسلام عن كل ما يكدر صفو المجتمع  من ظلم وطمع وجشع  وشائعات وفساد ذات البين وسخرية ولمز وغيبة ونميمة وحقد وحسد وكذب وزور وبهتان والعصبية والتعصب والتنطع والتشدد .. الخ.  هذه الأخلاق الذميمة ودعي إلي مكارم الأخلاق ..