خطبة الجمعة القادمة:”حقوق الأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة”بتاريخ 3 من رجب 1438هـ الموافق 31 -3-2017م

خطبة الجمعة القادمة:”حقوق الأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة”بتاريخ 3 من رجب 1438هـ الموافق 31 -3-2017م.

 




خطبة بعنوان :”كفالة اليتيم وثمرتها في الدنيا والآخرة”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 3 من رجب 1438هـ – 31 مارس 2017م

خطبة بعنوان :”كفالة اليتيم وثمرتها في الدنيا والآخرة”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 3 من رجب 1438هـ – 31 مارس 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:   

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: عناية الإسلام باليتيم

العنصر الثاني: أيتام صنعوا التاريخ

العنصر الثالث: قصص وعبر عن كفالة اليتيم

العنصر الرابع: فوائد وثمرات كفالة اليتيم في الدنيا والآخرة

العنصر الخامس: واجبنا نحو اليتيم

 المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: عناية الإسلام باليتيم

عباد الله: لقد اعتنى الإسلام عناية بالغةً باليتيم؛ لأن اليتيم فقد جهة الحنان والعطف والشفقة؛ وقبل أن نخوض في الحديث عن اليتيم ومكانته وعناية الإسلام به نقف قليلا مع تعريف اليتيم عند العلماء.

فاليتيم في كتب اللغة هو: الفرد من كل شيء، وكلُّ شيءٍ يَعِزُّ نَظيرُه، يقال: بيت يتيم، وبلد يتيم، ودُرة يتيمة، واليتيم من الناس: مَن فقَدَ أباه، ومن البهائم: مَن فقَد أمَّه؛ وذلك لأن الكفالة في الإنسان منوطة بالأب، فكان فاقد الأب يتيمًا دون مَن فقد أمه، وعلى العكس في البهائم، لأن الكفالة منوطة بالأم؛ لذلك من فقد أمه كان يتيمًا؛ ويستمر اليتم حتي البلوغ؛ فاليتيم عند الفقهاء هو مَن فقد أباه ما لم يبلغ الحُلُم، فإذا بلغ الحُلُم زال عنه اليُتم؛ لذلك قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ”.( أبوداود بسند صحيح ).

ولقد اهتم الإسلام اهتماما كبيراً باليتامى لأنهم جيل الأمة وأمل المستقبل؛ ولأنه من العوامل الأساسية في انحراف الولد مصيبة اليتم التي تعتري الصغار وهم في زهرة العمر، فهذا اليتيم الذي مات أبوه وهو صغير إذا لم يجد اليد الحانية التي تحنو إليه، والقلب الرحيم الذي يعطف عليه، فلاشك أن هذا اليتيم سيدرج نحو الانحراف ويخطو شيئاً فشيئاً نحو الإجرام، لذلك حثنا صلى الله عليه وسلم على رعايته وكفالته حيث قال: ” أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى”. (البخاري)؛ قال ابن عبد البر:” في هذا الحديث فضل عظيم في كافل اليتيم وضمه إلى بنيه ومائدته، وأنفق عليه من طوله، نال ذلك، وحسبك بها فضيلة وقربة من منزل النبي – صلى الله عليه وسلم – في الجنة، فليس بين الوسطى والسبابة في الطول ولا في اللصوق كثير، وإن كان نسبة ذلك من سعة الجنة كثير”. (الاستذكار). وقال ابن بطال:” حق على كل مؤمن يسمع هذا الحديث أن يرغب فى العمل به ليكون فى الجنة رفيقا للنبى عليه السلام ولجماعة النبيين والمرسلين – صلوات الله عليهم أجمعين – ولا منزلة عند الله فى الآخرة أفضل من مرافقة الأنبياء.”(شرح البخاري).

ولمكانة اليتيم واهتمام الإسلام به تضافرت الآيات الكريمات التي تتحدث عن اليتامى وحقوقهم؛ فقد ذُكرت مادة ( اليتم ) بجميع مشتقاتها في اثنتين وعشرين آية، حيث ذُكِرت كلمة (يتيم) بالإفراد ثماني مرات، وبالتثنية مرة واحدة، وبالجمع (يتامى) أربع عشرة مرة، ولعل الحكمة في ذلك دعوة المجتمع إلى العناية باليتامى فرادى وجماعات؛ فعلى سبيل الفرد أن يكفل كل واحد من أفراد المجتمع يتيما؛ وعلى سبيل الجمع أن يكفل المجتمع أيتامه بإنشاء دور وجمعيات مخصصة لكفالة ورعاية اليتامى؛ فذلك من فروض الكفايات؛ وهذا من شمولية وعمومية الأسلوب القرآني لاستغراق جميع الأفراد من النوع والجنس الواحد !! ومن هذه الآيات قوله تعالى: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ } [النساء: 36]، وقوله: { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } [الإنسان: 8]، وقوله: { أوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ } [البلد: 14، 15]، وقوله: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ } [البقرة: 220]. ولما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – قد نشأ يتيمًا، بيَّن الله بأنه قد أنعم عليه، وكفله، وأغناه؛ فقال: { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى } [الضحى: 6 – 8]. وصدق من قال:

كفاك بالعلم في الأُمِّيِّ معجزةً * * * في الجاهلية والتأديب في اليتمِ

ذُكِرتَ بِاليُتمِ في القُرآنِ تَكرِمَةً *** وَقيمَةُ اللُؤلُؤِ المَكنونِ في اليُتُمِ

وقد ذم الله – تعالى – أولئك الذين يهينون اليتيم ولا يكرمونه؛ بل يزجرونه ويدفعونه عن حقِّه، وجعل ذلك من صفات غير المؤمنين المكذِّبين بيوم الدين؛ حتى لا يتشبَّه بهم المؤمنون؛ قال – تعالى -: { أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } [الماعون: 1 – 3]، وقال – تعالى -: { كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ } [الفجر: 17].

لذلك وقف القرآن مهددًا ومحذرًا هؤلاء الأولياءَ المتجاوزين مغبة هذا التعدي الوقح، ومبيِّنًا عِظمَ هذا الذنب الكبير؛ فيصوِّر مشهدًا مرعبًا، مشهد النار وهى تتأجج في بطون هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا؛ فيقول – تعالى -: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } [النساء: 10]. قال السدي : يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه يعرفه من رآه يأكل مال اليتيم.

ولهذا بعدما نزلت هذه الآية مباشرة، بادر كلُّ مَن عنده مالٌ ليتيم، فعزل طعامه وشرابه، واجتنبوا أمورهم؛ نظرًا لما في هذا التحذير من عقاب صارم ينتظر آكل مال اليتيم. فقد روى أبو داود – بسند حسن – عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: “لمَّا أَنزَلَ اللَّهُ – عز وجل -: { وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [الأنعام: 152]، و{ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا… } الآيةَ، انطلَقَ كل مَن كان عنده يتيمٌ، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل من طعامه، فيحبس له، حتى يأكله أو يفسد، فاشتدَّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأنزل الله – عز وجل -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ } [البقرة: 220]، فخلطوا طعامهم بطعامه، وشرابهم بشرابه”. ( تفسير ابن كثير )

أيها المسلمون: وإذا كان الإسلام قد رغب في كفالة اليتيم وإعطائه حقوقه؛ ففي مقابل ذلك رهَّب من أكل مال اليتيم أو هضم حقوقه بأي وسيلة كانت؛ بل عُد أكل مال اليتيم من الكبائر المهلكات؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : ” الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ”.(متفق عليه) . ولخطورة ذلك الأمر ، وجه صلى الله عليه وسلم من كان ضعيفاً من الصحابة ألا يتولين مال يتيم ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا ؛ وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي ؛ لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ”. ( مسلم ) .

ولقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حق الضعيفين : اليتيم والمرأة من أولى الحقوق بالرعاية والعناية , فعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:” اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ : حَقَّ الْيَتِيمِ ، وَحَقَّ الْمَرْأَةِ”. ( أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه).

العنصر الثاني: أيتام صنعوا التاريخ

عباد الله: لقد أثبت لنا التاريخ أن هناك أيتاماً عظاماً صنعوا التاريخ وسطروه بماء من ذهب؛ ويأتي على رأس القائمة سيد الأيتام وقدوة الأنام صلى الله عليه وسلم، فقد تُوفى أبوه قبل أن يُولد، وتُوفيت أمه وهو فى السادسة من عمره؛ وتربي في كفالة جده عبدالمطلب ثم عمه أبي طالب؛ فغير – صلى الله عليه وسلم- مجرى التاريخ؛ وأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور .

حَسْبُ اليتيم سعادةً أنَّ الذي * * * نشرَ الهُدَى في الناسِ عاشَ يَتيما

ومن هؤلاء: الصحابي الجليل أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ونقلًا له؛ نشأ يتيمًا، وقدم المدينة فأسلم، ولزم صحبة النبي صلى الله عليه وسلم.

ومنهم: الإمام الشافعي رحمه الله: الذي أسس علم أصول الفقه؛ وأسس مذهبه الخاص به؛ يقول عن نفسه: “حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين”. فمَن الذي رباه؟! اسمع وهو يُحدث عن نفسه فيقول: “كنتُ يتيمًا في حجر أمي، ولم يكن لها ما تعطيه للمعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، وأخفف عنه”. ويقول – أيضا – رحمه الله: “نشأت يتيمًا وأنا بالشام، فجهَّزَتْني أمي للسفر إلى مكة لطلب العلم وأنا ابن عَشْر سنين”.

ومنهم: الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: كان يتيمًا، توفي أبوه وعمره ثلاث سنوات، فمن الذي اعتنى به؟ إنها أمه، فقد حفظ القرآن وعمره عشر سنين؛ هذا الإمام اليتيم أعز الله به الأمة حين وقعت المحنة، فكان عظيمًا.

ومنهم: الإمام الأوزاعي رحمه الله: كان يتيمًا في حجر أمه، تنقُلُه من بلد إلى بلد ليتعلم، حتى بلغ من العلم مبلغًا عظيمًا.

ومنهم: الإمام البخاري رحمه الله: حبرُ الإسلام، صاحب أصح كتاب على وجه الأرض بعد كتاب الله، ولد في بخارى، ونشأ يتيمًا.

ومنهم: القاضي أبو يوسف رحمه الله: صاحب الإمام أبي حنيفة وأشهر تلاميذه، وقد نشأ وعاش يتيمًا فقيرًا معدمًا، لكنه كان من أعظم القضاة في الأمة الإسلامية، حتى قال عنه الإمام ابن عبد البر رحمه الله: “وهو أولُ مَن لُقِّب بقاضي القضاةِ”.

ومنهم: الحافظ ابن حجر العَسْقلاني رحمه الله: نشأ الحافظُ ابن حجر يتيمًا، مات أبوه، وماتت أمه قبل ذلك وهو طفل.

 قال الشمس السخاويُّ تلميذ الحافظ ابن حجر: “وزادت تصانيفُه – التي معظمها في فنون الحديث، وفيها من فنون الأدب والفقه وغير ذلك – على مائة وخمسين تصنيفًا، رُزِق فيها من السَّعد والقَبول، خصوصًا فتح الباري بشرح البخاري، الذي لم يسبق نظيره أمرًا عجبًا”، وقد بلغت مصنفاته أكثر من اثنين وثلاثين ومائة تصنيف.

ومنهم: الإمام ابن الجوزي رحمه الله: كان أولُ مجلس يتكلم فيه ابن الجوزي على المنبر يعِظُ الناس وعمره إذ ذاك ثلاث عَشْرة سنة، وكان يومًا مشهودًا، صاحب التصانيف الغزيرة ؛ قال الحافظ شمس الدين الذهبي: “وما علمت أحدًا من العلماء صنَّف ما صنَّف هذا الرجل، مات أبوه وله ثلاث سنين، فربَّتْه عمتُه، وأقاربه”؛ وحضر مجلسَه ملوكٌ ووزراء، بل وخلفاء، ويقال في بعض المجالس: حضره مائة ألف.

ومنهم: ابن المُلَقِّن رحمه الله: مِن أكابر العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال، له نحو ثلاثمائة مصنَّف، مات أبوه وله مِن العمر سنة واحدة، فتزوجت أمه بشيخ كان يلقِّن القرآن، فنشأ في بيته، فعُرِف بابن الملقن، نسبة إليه.

ومنهم: جَلَال الدين السيوطي: إمام حافظ مؤرِّخٌ أديب، له نحو600 مصنف، نشأ في القاهرة يتيمًا، مات والده وله خمسُ سنوات.

ومنهم: الشاعر أبو الطيِّب المتنبِّي رحمه الله: نشأ يتيمًا، وتوفِّيت أمه وهو صغير، فكفَلَتْه جدتُه لأمه، وكان أعظمَ شعراء عصره، وأكثرهم تمكنًا باللغة العربية وبقواعدها، حتى قيل: إنه نظم الشعر صبيًّا، وقد اشتهر بحدة الذكاء والشجاعة. ومِن شعره:

فالخيلُ والليلُ والبَيْداءُ تعرِفُني ♦♦♦ والسيفُ والرُّمحُ والقِرطاسُ والقلَمُ

ومن الأيتام المعاصرين شاعر النيل حافظ إبراهيم، والمجاهد الفلسطيني الشهيد أحمد ياسين، والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات؛ والشيخ عبدالرزاق السنهوري أحد أهم أعلام الفقه والقانون في مصر والوطن عربي ؛ وغيرهم كثير مما لا يتسع المقام لذكرهم.

ومنهم – الفقير إلى عفو مولاه- كاتب هذه الكلمات؛ حيث مات والدي – رحمه الله – وما زلت رضيعاً؛ ولم يشملني حنانه وعطفه ورعايته ورحمته؛ ولم تكتحل عيناي بالنظر إليه؛ وقد لمست ألم ووحشة اليتم ولا سيما في الصبا بين الزملاء والأقران في مراحل التعليم الأساسية؛ فليحمد كل واحد منا ربه على وجود نعمة الأبوين وليقم بحقهما؛ كما يجب علينا أن نعوض ما افتقدناه من عطف وحنان وشفقة ورحمة لأبنائنا وبناتنا ؛ وجميع الأيتام في مجتمعنا؛ حتى نكون رفقاء نبينا صلى الله عليه وسلم في الجنة!!!

 

العنصر الثالث: قصص وعبر عن كفالة اليتيم

عباد الله: تعالوا لنقف مع حضراتكم في هذا العنصر حول قصص السابقين عن كفالة الأيتام وأثر ذلك في حياتهم:

القصة الأولى: تصدق على يتيم بعذق فأبدله الله به عذقا في الجنة.

فروى عن سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ : ” أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ عَتَبَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ : أَنَّهُ خَاصَمَ يَتِيمًا لَهُ فِي عذْقِ نَخْلَةٍ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي لُبَابَةَ بِالْعذْقِ ؛ فَضَجَّ الْيَتِيمُ وَاشْتَكَى إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي لُبَابَةَ : ” هَبْ لِي هَذَا الْعذْقَ يَا أَبَا لُبَابَةَ ؛ لِكَيْ نَرُدَّهُ إِلَى الْيَتِيمِ ” . فَأَبَى أَبُو لُبَابَةَ أَنْ يَهَبَهُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يَا أَبَا لُبَابَةَ ، أَعْطِهِ هَذَا الْيَتِيمَ وَلَكَ مِثْلُهُ فِي الْجَنَّةِ ” . فَأَبَى أَبُو لُبَابَةَ أَنْ يُعْطِيَهُ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أَرَأَيْتَ إِنِ ابْتَعْتُ هَذَا الْعَذْقَ فَأَعْطَيْتُ الْيَتِيمَ ؛ أَلِي مِثْلُهُ فِي الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” نَعَمْ ” . فَانْطَلَقَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَهُوَ ابْنُ الدَّحْدَاحَةِ ، حَتَّى لَقِيَ أَبَا لُبَابَةَ فَقَالَ : يَا أَبَا لُبَابَةَ ، أَبْتَاعُ مِنْكَ هَذَا الْعذْقَ بِحَدِيقَتِي ، وَكَانَتْ لَهُ حَدِيقَةُ نَخْلٍ . فَقَالَ أَبُو لُبَابَةَ : نَعَمْ ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُ بِحَدِيقَةٍ . فَلَمْ يَلْبَثِ ابْنُ الدَّحْدَاحَةِ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ شَهِيدًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” رُبَّ عذْقٍ مُذَلَّلٍ لِابْنِ الدَّحْدَاحَةِ فِي الْجَنَّةِ ” .( البيهقى واللفظ له والطبراني والحاكم وصححه)

القصة الثانية: تصدقت على أيتام فأخذت الأجر مرتين:

فالصحابة – رضي الله عنهم – كانوا يضمون الأيتام إلى أسرهم؛ فعَنْ زَيْنَبَ، امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَصَدَّقْنَ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي عَنِّي وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ، قَالَتْ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتِي حَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ تَسْأَلَانِكَ: أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا، عَلَى أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا؟ وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ هُمَا؟» فَقَالَ: امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟» قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ “.(متفق عليه)

القصة الثالثة: كفل أسرة يتيمة فعوضه الله قصراً في الجنة.

ومما جاء في فضل الإحسان إلى الأرملة واليتيم عن بعض العلويين؛ وكان نازلا ببلخ من بلاد العجم وله زوجة علوية وله منها بنات وكانوا في سعة ونعمة؛ فمات الزوج وأصاب المرأة وبناتها بعده الفقر والقلة؛ فخرجت ببناتها إلى بلدة أخرى خوف شماتة الأعداء؛ واتفق خروجها في شدة البرد؛ فلما دخلت ذلك البلد أدخلت بناتها في بعض المساجد المهجورة؛ ومضت تحتال لهم في القوت؛ فمرت بجمعين جمع على رجل مسلم وهو شيخ البلد؛ وجمع على رجل مجوسي وهو ضامن البلد؛ فبدأت بالمسلم وشرحت حالها له وقالت: أنا امرأة علوية ومعي بنات أيتام أدخلتهم بعض المساجد المهجورة؛ وأريد الليلة قوتهم. فقال لها: أقيمي عندي البينة أنك علوية شريفة!! فقالت: أنا امرأة غريبة ما في البلد من يعرفني!! فأعرض عنها؛ فمضت من عنده منكسرة القلب؛ فجاءت إلى ذلك الرجل المجوسي فشرحت له حالها وأخبرته أن معها بنات أيتام وهي امرأة شريفة غريبة؛ وقصت عليه ما جرى لها مع الشيخ المسلم؛ فقام وأرسل بعض نسائه وأتوا بها وبناتها إلى داره؛ فأطعمهن أطيب الطعام وألبسهن أفخر اللباس وباتوا عنده في نعمة وكرامة؛ قال: فلما انتصف الليل رأى ذلك الشيخ المسلم في منامه كأن القيامة قد قامت وقد عقد اللواء على رأس النبي صلى الله عليه وسلم وإذا القصر من الزمرد الأخضر شرفاته من اللؤلؤ والياقوت وفيه قباب اللؤلؤ والمرجان!! فقال: يا رسول الله لمن هذا القصر؟ قال لرجل مسلم موحد! فقال: يا رسول الله أنا رجل مسلم موحد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقم عندي البينة أنك مسلم موحد!! قال فبقي متحيرا؛ فقال له صلى الله عليه وسلم لما قصدتك المرأة العلوية قلت أقيمي عندي البينة أنك علوية!! فكذا أنت أقم عندي البينة أنك مسلم!! فانتبه الرجل حزينا على رده المرأة خائبة؛ ثم جعل يطوف بالبلد ويسأل عنها حتى دل عليها أنها عند المجوسي؛ فأرسل إليه فأتاه فقال له: أريد منك المرأة الشريفة العلوية وبناتها! فقال: ما إلى هذا من سبيل وقد لحقني من بركاتهم ما لحقني!! قال: خذ مني ألف دينار وسلمهن إلي!! فقال: لا أفعل. فقال: لا بد منهن. فقال: الذي تريده أنت أنا أحق به! والقصر الذي رأيته في منامك خلق لي!! أتدل علي بالإسلام فوالله ما نمت البارحة أنا وأهل داري حتى أسلمنا كلنا على يد العلوية؛ ورأيت مثل الذي رأيت في منامك!! وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: العلوية وبناتها عندك؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: القصر لك ولأهل دارك؛ وأنت وأهل دارك من أهل الجنة؛ خلقك الله مؤمنا في الأزل! قال: فانصرف المسلم وبه من الحزن والكآبة ما لا يعلمه إلا الله!! فانظر رحمك الله إلى بركة الإحسان إلى الأرملة والأيتام ما أعقب صاحبه من الكرامة في الدنيا. ( الكبائر للذهبي).

القصة الرابعة: كفل أسرة يتيمة فرافق النبي – صلى الله عليه وسلم – في الجنة:

هذه قصة واقعية حدثت مع أحد الدعاة في الكويت. يقول الداعية: بينما أنا نائم إذ رأيت الرسول يقول لي: “أخبر فلان بن فلان الفلاني أنه من أهل الجنة”، فلما استيقظت وقد حفر اسم الرجل في ذاكرتي، لكني تعجبت من الأمر لأني لا أعرف رجلا بهذا الاسم، ولم أفعل شيئا لعدم معرفتي بالرجل، لكني كنت في ضيق كوني لم أجد طريقة لتنفيذ أمر رسول الله.

لأني أعلم أن رؤياه حق وأنه يقع علي تنفيذ ما أمرني به؛ وفي ليلة تالية رأيت رسول الله ثانية وردد علي ما قال في الرؤيا الأولى “أخبر فلان بن فلان الفلاني أنه من أهل الجنة” استيقظت وبدأت أسأل وأتحرى أمر الرجل بحثت في دليل الهاتف، وسألت الاستعلامات، بل طلبت من بعض الإخوة في دوائر الأحوال المدنية أن يستطلعوا لي هذا الأمر، وكل محاولاتي باءت بالفشل.

ومرت أيام وأنا أكثر من دعاء الله أن يعرفني بهذا الرجل، وكنت أكثر من الصلاة على النبي محمد، ومرت أيام وأنا على هذا الحال، حتى رأيت رسول الله في رؤيا ثالثة يقول لي: “أخبر فلان بن فلان الفلاني في مدينة الرياض وعنوانه كذا أنه من أهل الجنة” ؛ لقد سرت عني هذه الرؤية، ولم أتردد في السفر إلى الرياض للبحث عن هذا الرجل المبارك، ولما وصلت العنوان، وسألت عن الرجل في حيه، دلني جيرانه عليه، طرقت بابه، ففتح لي رجل عادي المظهر، فسألته: أين أجد فلان بن فلان الفلاني؟ قال: أنا هو تفضل ؛ قصصت على الرجل القصة فأجهش في البكاء وأعلن توبة إلى الله من كل الذنوب والمعاصي. سألته: بالله عليك أخبرني بسرِّك، هل تقوم بعمل معين حتى تكون من أهل الجنة؟ فأطرق الرجل وقال بعد تردد: أقول لك على شرط ألا تذكر اسمي بين الناس، فإنه لا يعلم سري إلا الله، فوافقت دون تردد. قال لي: كان لي جار له زوجة وعيال وتوفاه الله، وأنا رجل موظف لكني أشعر بحاجة هذه العائلة فأقسم راتبي إلى نصفين أعطيهم نصفه دون أن يعرفوا من الذي ينفق عليهم، ولا يعلم أحد بهذا حتى زوجتي. عندها عرفت السر فإن هذا الرجل كان مخلصا وصادقا في كفالة هؤلاء الأيتام، وأنفق من أعز ماله على قلته. فاستحق أن يكون رفيق رسول الله صلى الله عليه وسلم.أ.ه

القصة الخامسة: كفلت يتيما فشفي مريضها: تقول الكافلة: عانت والدتي من مرض دام ثلاثين عاماً تعبنا فيه من التردد على المستشفيات، ثم وفقني الله تعالى لكفالة يتيم في جمعية الأيتام، وبعدها بتوفيق من الله الشافي تحسنت صحة والدتي، وسخر الله لي أشخاصاً أنا في أمس الحاجة إليهم، والفضل لله وحده ..

القصة السادسة: كفلت يتيما فبورك في رزقها: تقول هذه الكافلة: أنا موظفة منذ عدة سنوات، وعلى الرغم من أن مرتبي ليس بالقليل، إلا أنه لا يتبقى منه شيء لأدخره ، ومنذ أن وقعت على ورقة كفالة ( أمر مستديم ) بارك الله لي في رزقي والحمد لله . حيث أصرف على نفسي ويبقى من الراتب ما يكفيني حتى الشهر القادم .

القصة السابعة: تبرعت من أجل شفاء ابنتها فشفاها الله :

تقول المسئولة في دار الأيتام: زارتنا أم ومعها ابنتها ذات الثلاث سنوات ، وجلست وعيونها تغرق بالدموع، ووجهها شاحب من الهموم التي ألمت بها وقالت لي: خرجت قبل قليل من عند الطبيب وقد أخبرني أن ابنتي مصابة بثقب في القلب . وقد حزنتُ لحال ابنتها وهي تئن من المرض، ثم سألتني ما هي المشاريع الموجودة في الجمعية ؟ فشرحت لها ووضحت كل مشروع وما له من الأجر ، فوافقت على كفالة يتيم ، وعرضت عليها نماذج طلب كفالة اليتيم ، ثم بدأت بإجراءات الكفالة وطلبت مني أن أدون اسم الكفالة باسم ابنتها فلانة ، فقالت : أسأل المولى بها حفظ ابنتي ودفع البلاء والكرب عنها، وفي كل شهر تأتي وتدفع مبلغاً زهيداً وتذهب ، وفي ذلك الشهر زادت المبلغ عن المعتاد وقالت وهي تبكي: إن سبب زيادة المبلغ هو أن ابنتي تحسنت حالتها وشفاها الله والحمد لله .. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” داووا مرضاكم بالصدقة ” ( أبو داود في المراسيل والطبراني والبيهقي بسند صحيح).

وهكذا – أيها المسلمون- كانت كفالة اليتيم سبباً في سعة الرزق وشفاء المرضى وقضاء الحوائج كما سيأتي مفصلاً في عنصرنا التالي.

العنصر الرابع: فوائد وثمرات كفالة اليتيم في الدنيا والآخرة

عباد الله: لكفالة اليتيم فوائد وثمرات كبيرة في الدنيا والآخرة منها:

– صحبة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في الجنّة: ( أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) وكفى بذلك شرفا وفخرا.

– ومنها: بناء مجتمع سليم خال من الحقد والكراهيّة، وتسوده روح المحبّة والودّ والتعاون. قال صلى الله عليه وسلم: ” مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”( البخاري ومسلم ).

– ومنها: أن كفالة اليتيم والمسح على رأسه وتطييب خاطره يرقّق القلب ويزيل عنه القسوة. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ:” امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ”.(أحمد وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح)، ورتب على ذلك الأجر العظيم، حيث يكسب المرء بكل شعرة يمسح فيها على رأس ذلك اليتيم حسنة، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ؛ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا لِلَّهِ؛ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ”.(أحمد والترمذي وقال: هذا حديث غريب).

– ومنها: أن كفالة اليتيم تعود على الكافل بالخير العميم في الدّنيا بزيادة الرزق وشفاء المرضى وقضاء الحوائج وتفريج الكرب . فعن أبي الدرداء قال : أتى النبي صلى الله عليه و سلم رجل يشكو قسوة قلبه قال : ”  أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ؟ ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك؛ يلن قلبك وتدرك حاجتك “.( الطبراني بسند حسن). قال المناوي :” قوله : ( وتدرك حاجتك )أي فإنك إن أحسنت إليه وفعلت ما ذكر يحصل لك لين القلب وتظفر بالبغية ، وفيه حث على الإحسان إلى اليتيم ومعاملته بمزيد الرعاية والتعظيم وإكرامه لله تعالى خالصًا”.(فيض القدير)

– ومنها: أن البيت الذي فيه يتيم يحسن إليه هو من أفضل البيت وأخيرها عند الله. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ:” خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ”. (ابن ماجة والبخاري في الأدب المفرد بسند ضعيف ) .

-ومنها: أن كفالة اليتيم دليل على صلاح المرأة؛ فإذا مات زوجها وعالت أولادها نالت خيريّتها في الدّنيا؛ وفوزها بالجنّة ومصاحبة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في الآخرة.

– ومنها: أن في كفالة اليتيم حفظاً لذريتك من بعدك وقيام الآخرين بالإحسان إلى أيتامك. قال تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } (النساء: 9). فالجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان.

هذه ثمرات وفوائد كفالة اليتيم في الدنيا والآخرة؛ فاعلموها واعملوا من أجلها لتفوزوا بسعادة العاجل والآجل !!

العنصر الخامس: واجبنا نحو اليتيم

عباد الله: يجب علينا فرادى وجماعات أن نقوم بحقوق اليتامى من الرعاية والحضانة والتربية والتعليم والكفالة؛ لأن كفالة اليتيم تساهم في بناء مجتمع سليم خال من الحقد والكراهيّة، وتسوده روح المحبّة والودّ؛ وإذا أهمل شأن اليتيم، وفقد رعاية المسلمين وحمايتهم وقع فريسة للضالين الفاسدين ولأعداء الإسلام الآثمين، ووجهوه إلى مالا يرضي الله والرسول؛ مستغلين ضعفه وفقره وضياعه ملوحين له بالمغريات الزائفة حتى يصلوا به إلى ضياع أكبر. يقول الإمام الرازي – رحمه الله- : ” اعلم أن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز : أحدهما : الصغر ، والثاني : عدم المنفق ، ولا شك أن من هذا حاله كان في غاية العجز واستحقاق الرحمة”.( التفسير الكبير). ويقول أ.د/ محمد سيد طنطاوي – رحمه الله-:” وإنما اعتنى الإِسلام برعاية اليتيم لصغره وعجزه عن القيام بمصالحه ، ولأن عدم رعايته سيؤدى إلى شيوع الفاحشة فى الأمة؛ ذلك لأن اليتيم إنسان فقد العائل والنصير منذ صغره ، فإذا نشأ فى بيئة ترعاه وتكرمه وتعوضه عما فقده من عطف أبيه ، شب محبا لمن حوله وللمجتمع الذى يعيش فيه ؛ وإذا نشأ فى بيئته تقهره وتذله وتظلمه نظر إلى من حوله وإلى المجتمع كله نظرة العدو إلى عدوه ، وصار من الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون؛ لأنه سيقول لنفسه : إذا كان الناس لم يحسنوا إلى فلماذا أحسن إليهم؟ وإذا كانوا قد حرمونى حقى الذى منحه الله لى ، فلماذا أعطيهم شيئا من خيرى وبرى؟ لهذه الأسباب وغيرها أمر الإِسلام أتباعه برعاية اليتيم وإكرامه وصيانة حقوقه من أى اعتداء أو ظلم “.( التفسير الوسيط).

عباد الله: إن المجتمع يعج بقطاعٍ كبيرٍ من الأرامل واليتامى؛ كلهم يشكوننا جميعاً بلسان حالهم إلى الله؛ كم من أرملة مات زوجها تاركاً لها أولاداً صغاراً لا تملك لهم ولا لنفسها قوتاً ولا غذاءً؟! كم من أرملة تنام وأطفالها لا يجدون من يشبع جوعتهم أو يمسح دمعتهم؟! كم من يتيم ينظر إلى آباء أصحابه وكل أب يضع يده فى يد ولده ليشتري له كسوة أو طعاماً وهو مكسور الجناح لا يجد يداً رحيمة تمسك بيده؟! يا ترى ما ذنب اليتيم؟! لماذا قست القلوب؟! لماذا جفت منابع الرحمة هكذا؟! أهذه أخلاق قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر؟!

فعليكم أن تقوموا بكفالة الأيتام ورعايتهم فهم أمانة في أعناقكم؛ واعلموا أن كل ما تنفقونه على اليتيم تجدونه وافراً عظيماً عند الله. { وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا }.(المزمل: 20). ولقد ضرب لنا سلفنا الصالح أروع الأمثلة في ذلك. ” فعن حماد بن أبي حنيفة قال: قالت مولاة لداود الطائي: يا داود لو طبخت لك دسماً. قال: فافعلي. فطبخت له شحماً ثم جاءته به. فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان؟! قالت: على حالهم. قال: اذهبي به إليهم فقالت له: فديتك إنما تأكل هذا الخبز بالماء؟! قال: إني إذا أكلته كان في الحش وإذا أكله هؤلاء الأيتام كان عند الله مذخوراً “. ( صفة الصفوة لابن الجوزي).

أيها المسلمون: لقد انتشر في زماننا هذا نوع آخر من اليتم وهو اليتم الحكمي لا الحقيقي؛ حيث إن الأبوين موجودان ولكن وجودهما كعدمه؛ وذلك لإهمال أولادهما من تغذية الجانب الروحي؛ فيخرج جيل خواء فارغ؛ فإذا قصرت الأم في الواجب التربوي نحو أولادها، وإذا أهمل الأب مسؤولية التوجيه والتربية نحو أولاده، فلاشك أن الأبناء سينشأون نشأة اليتامى ويعيشون عيشة المتشردين، وصدق القائل:

ليس اليتيم من انتهى أبواه من …… هـــم الحياة وخلفاه ذليلاً

إن الـيـتيم الـــــــــــذي تـلقــــــى لـــه………أمّاً تخلت أو أباً مشغولاً

فارحموا أولادكم يا أطهر أمة، ويا أكرم رجال، ويا أنقى أمهات، من يُتم الأخلاق، فإنَّ هذه ثلمة تربوية لا يسدها شيء ما تعاقبت الأيام إنْ بدا نقصها في أطوار التربية الأولى!! أولادنا مُحتاجون إلى مَن يُربي عقولهم وأفكارَهم وقلوبَهم وضمائرهم بعيدًا عن التشابه في تربية الدَّواب، أو تربية الأشكال – وإلاَّ فهم أشباه الأيتام – فإنَّ الإنسان يرقى أجواز العُلا بروحه لا بجسمه وصورته.

الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،                        كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير




خطبة بعنوان :” فَأَمَّا الْيَتِيـمَ فَلَا تَقْهَـرْ”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 3 من رجب 1438هـ، الموافق 31 مارس 2017م

خطبة بعنوان :فَأَمَّا الْيَتِيـمَ فَلَا تَقْهَـرْ، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 3 من رجب 1438هـ، الموافق 31 مارس 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

الحمد لله رب العالمين .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه أجزل الخير للطائعين كافلي اليتامى والمساكين ..وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، سيد الهداة الصادقين، وقدوة العاملين بإحسانٍ إلى يوم الدين القائل :”مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلاَّ لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِى الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ وَفَرَّقَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.”( أحمد).. اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد فيا جماعة الإسلام :

يقول الله تعالي لنبيه صلي الله عليه وسلم :” فَأَمَّا الْيَتِيـمَ فَلَا تَقْهَـرْ(الضحي/9).

إخوة الإيمان :” إنَّ اليتامى في قلب المجتمع المسلم يمثلون نقطة مُضيئة بالحسنات، والأجور العاليات، من ربِّ الأرض والسموات، وذلك لمن نَظَرَ إلى الأمر بعين قلبه، وألقى سمعه إلى أمر الله – تعالى – وبيان رسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم – وإحساسُهُ الإيمانيُّ حاضرٌ لا يغيب.

وإن الإحسان إلى اليتيم خلق إسلامي رفيع حثنا الإسلام عليه وندبنا إليه , بل وجعله من أفضل الأعمال وأزكاها , قال تعالى : ” لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ”( البقرة/177).

من هو اليتيم :

إخوة الإيمان اليتيم من البشر: مَن فَقَدَ أباه وهو دون الحُلُم، ومن فَقَدَ أبويه فهو لطيم، واليتيم من الطير أو الوحش مَن فقد أُمَّه، وأما عن اليُتْمِ في اللغة، فله معانٍ قد تتعدد منها:

  • الغفلة، وذلك ببيان حال اليتيم أنَّ كافله وراعيه يَموت حين يفقد والدَه نَبْعَ الحنان والرعاية، وغطاء الأسرة الساجي، ثم يكون بعد ذلك محتاجًا إلى من يهتم به وقت ما تغافل عنه الناس، وانشغلوا كلٌّ بما يغنيه..

ومن معاني اليتم: الانفراد، يقول الناس في أمثالهم: هذه دُرَّة يتيمة؛ أي: إنَّها شيء منفرد، وهذا عالم يتيم في بابه؛ أي: إنَّه لا يوجد له نظير، وهذا إنسان يتيم في أخلاقه، بمعنى عَزَّ أن يوجد مثله.

  • ومن معاني اليتم: الفقد، بمعنى أنَّ اليتيم يفقد حاجيَّات يجدها غيره، يفقد ثوبًا يريد أن يسترَ به بدنَه، أو يفقد معنًى يُكسبه الشعور بالثِّقة وعدم الاضطراب، أو ربَّما يفقد مالاً يريد أن يحقق به مصلحة أو يدرك به مآرب أخرى.

أيتام وأباؤهم أحياء

وهناك أيتام يُقاسون اليتم على معنى آخر، في قلب مُجمعاتنا الكبيرة والصَّغيرة على السواء، لهم آباء ولهم أمَّهات؛ لكنهم – مع الأسف – يتجرَّعون مرارات اليتم، ويَشعرون به، ذلكم الذين يعالج آباؤهم وأمهاتهم أمورَهم من زوايا مادية أو شكلية أو مظهرية، و يهتمون فقط بملء بطونهم من جوع، أو بسترة أجسامهم من عراء، ثم لا يأبهون – بعد ذلك – بتطلعات الرُّوح وملء شآبيب القلوب رِيًًّا وحنانًا، وحشو الجنان آدابًا وأخلاقًا، وببقية أمور التربية والتعليم والإصلاح، فتنشأ أجيالٌ فاقدة لحسن الخلق، بعيدةً عن ساحات المساجد، تربيها الأيام والليالي، ولا تربيها صيحات المنابر، ولا تلاوات المحاريب؛ لأنَّ الوالدين لم يكونا أَدِلاَّءَ خيرٍٍ على طريق المسجد، فصار الوالدُ والوالدة عائقًا وسببًا في عدم إكرام الأولاد، وحسن تربيتهم في الإسلام، مع أنَّهم نشؤوا على قوة البدن، لكنَّهم في ميدان التربية الخلقيَّة والرُّوحية

أيتام، وفي ذلك قول أمير الشعراء:

لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِن هَمِّ الْحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيــــلاً

فَأَصَابَ بِالدُّنْيَا الْحَكِيمَةِ مِنْهُمَا وَبِحُسِنِ تَرْبِيَةِ الزَّمَانِ بَدِيلاَ

إِنَّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَه أُمًّا تَخَلَّتْ أَوْ أَبًا مَشْغُـــــــــولاَ

إِنَّ الْمُقَصِّرَ قَدْ يَحُولُ وَلَنْ تَرَى لِجَهَالَةِ الطَّبْعِ الْغَبِيِّ مُحِيلاَ

حينما يترك الوالدُ ولدَه للشوارع والشاشات وعروضها الفاسدة، تُجَمِّلُ في المخيلة الساذجة منازعَ الحمق والفساد، وحثالة الأفكار، ورَدِيء الفلسفات، ثم يَمتطي هذا الوالد صهوة الفخر الكذوب، ويقول: أنا ربيت أولادي أفضلَ تربية وأكملها، ونحن بدورنا نؤكد ونوقن أن أولادَه يعانون اليُتْمَ من أعمق معانيه.

أو حينما يكون هذا الوالد ذاته سببًا في فساد أولاده، يشكل لهم القُدوة السيئة في أبهى حللها، كأنْ يكون كذابًا، فيتعلمون منه الكذب، أو مختالاً بطرًا يتشربون منه الكبر والخيلاء والاستطالة على عباد الله، أو يأكل الحرام، ولا يبالي من أيِّ طريق قد جمع أرزاقه، فينشأ أولاده وقد مردوا منذ أزمان على أشباه هذه المعاني يومًا بعد يوم، فيترسب في قرائحهم أنَّ هذا هو الحق، وأنَّ غيره هو عين الباطل، وحال الوالد والولد ..

أولادنا مُحتاجون إلى مَن يُربي عقولهم وأفكارَهم وقلوبَهم وضمائرهم بعيدًا عن التشابه في تربية الدَّواب، أو تربية الأشكال – وإلاَّ فهم أشباه الأيتام – فإنَّ الإنسان يرقى أجواز العُلا بروحه لا بجسمه وصورته.

أولادنا في أمس الحاجة إلي نظرة عطف وحنان ورعاية تشملهم جميعاً .. لأن حال الكثير من اليتامى اليوم كما صوره القائل :”

يمشي اليتيم وكل شيء ضده *** والناس تغلق دونه أبوابها.

وتراه ممقوتاً وليس بمذنب***ويرى العداوة لا يرى أسبابها.

حتى الكلاب إذا رأت ذا ثروة ***خضعت لديه وحركت أذنابها.

وإذا رأت يومـاً يتيمــــاً عابراً*** نبحت عليه وكشرت أنيابها.

يُتْمُ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – :”

يتم النبي صلي الله عليه وسلم تكريمٌ إلهي، وقد تشرَّف معنى اليتم ذاته؛ لما نسب إلى الحبيب سيدنا محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال الله – تعالى: ” أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى “(الضحى/ 6). ذاك لأنَّه في حياة النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – تكريم وكمال نعمة إلهيَّة، أما في حياة الناس فهو نقص، فالشعور باليتم ينقض الظهور القويَّة، ويربك المشاعر، ويمعن في تذكير النفس بالاحتياج والضجر، وذلك بعد رحيل الوالد في بني البشر؛ حيث يفقد اليتيم بعده مصدر الحنان الفطري الدَّائم، والذي يُمثل قمة العطاء بلا حدود، فالوالد بفطرته لا يهنأ ولا يستريحُ إلا مع أولاده – غالبًا – ولا يفرح إلا لهم وبهم؛ بل يقدم إرضاءَهم – أحيانًا – على رضا نفسه، ..

أمَّا اليتم في حياة الحبيب سيدنا محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقد تَمَيَّز بحيازة الكمال في التربية برعاية ربِّه له، والذي خاطبه – سبحانه – في معرض المنِّ والتَّذكير بالنِّعمة في قوله – تعالى -: ” أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى “(الضحى/6). رَغْمَ أنه انتقل – صلَّى الله عليه وسلَّم – في أطوار الرعاية الأولى بين حنان الأم الذي لم يدُم سوى ست سنوات من عمره المبارك، وبين رعاية الجد عبدالمطلب، والتي لم تدم بعد فَقْدِ الوالدة سوى عامين، ثم كانت الكفالة من عَمِّه أبي طالب، حتَّى شبَّ عن الطوق، ودخل في سن الشباب – صلَّى الله عليه وسلَّم – وليست هذه مصادفة وقعت في قلب الأحداث، بل إنَّها من القدر السعيد المُعَدِّ لرسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال الله – تعالى -:” إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ”(القمر/ 49). ، فلا يحدث في ملك الله إلا ما أراد، وشاءت إرادة العَلِي القدير أنْ ينشأ سيد الناس يتيمًا؛ ليجيره رب الناس من شدَّة اليتم وزيغ الآراء؛ طلبًا للهداية إلى طريقةٍ لإصلاح الذين يرتعون في عمايات الجاهليَّة، ثم أغناه الله – تعالى – به عن كل معين ونصير؛ قال تعالى:” أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى  وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى “(الضحى: 6-8). فهذا من صور الإعداد الخاص والعناية العظمى بسيد البشر – صلَّى الله عليه وسلَّم – من قِبَلِ ربه ومولاه؛ لذا كان أدبه هو الكامل الجمَّ الذي وسع كل مؤالف ومجانف؛ لأنَّه حاز حدود مراقي العُلا في تربيته؛ لأن ربَّه – سبحانه – هو الذي تولاه؛ لهذا على كلِّ عاقل أنْ يعلمَ أنَّ تربية الرجال ناقصة والكمال لله، فلا تقل: “رباني أبي”، ولكن قل: “رباني الإسلام”، إن استطعت أن تكمِّل النواقص في تربية الآباء، والله معين.

حث القرآن الكريم علي الإحسان إلي اليتامي :

أخوة الإيمان والإسلام :ولقد أكد القرآن الكريم على حقيقة الإحسان إلى اليتيم , وعدم الاعتداء على ماله , قال تعالى : ” وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (الأنعام/ 153). وقال : ” وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا” ( الإسراء/34).

كما أكد الإسلام على أن إكرام اليتيم سبيل إلى الفوز بالجنة , قال تعالى في وصف المؤمنين المتقين :”وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا “(الإنسان/8-12(.

وأكد القرآن كذلك على أن الله تعالى يحفظ حق اليتيم ويبقى صلاح الوالدين له بعد الممات , قال تعالى : ” وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً” (الكهف /82).

وحذر القرآن من إهانة اليتيم وأذاه بأي نوع من الاهانة والأذى , قال سبحانه: ” فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ “( الفجر/15-18). وقال تعالي : ” فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ”(الضحى/9) وقال تعالي :” أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ “( الماعون/1-2). أي: يظلمه ويهينه بأي صورة.

وقد حذر القرآن الكريم ونعي علي من يأكل أموال اليتامى ظلماً قال الله – تعالى -:” إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا” (النساء: 10). إنَّ كلمات القرآن بهذا الصدد تصور مشهدًا صعبًا عجيبًا عصيًّا على التخيُّل من شديد آلامه؛فهل لأحد طاقة علي أن يأكل النار.. فما بال أكلة أموال اليتامى لا يلتزمون بأوامر الله – تعالى – القائل: ” وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا “(النساء: 6).

بل أمر المولي عز وجل في القرآن الكريم  بإعطائهم حقوقَهم كاملة العد والقيمة بلا إبطاء؛ قال الله – تعالى -: ” وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا “(النساء: 2)، فوصف أكل أموالهم بالظلم الكبير، الذي لا يعلم حدوده إلا الله – تعالى – ولهذا كان جزاء من يأكلون أموال اليتامى عاقبة الخسار والنَّدم.

 ومن أجلِّ المواقف الإيمانيَّة للصحابة الكرام الوقَّافين عند حدود الله، وطوع أمره: ما ورد عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: “لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ :” وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ “(الإسراء: 34).  و” إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا “. [النساء: 10] الْآيَةَ، انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ، فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِنْ طَعَامِهِ، فَيُحْبَسُ لَهُ؛ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَنْزَلَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ -: “… وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ… ” (البقرة: 220)، فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِ”؛ (سنن أبي داوود).

فضل الإحسان إلي اليتامي في السنة المطهرة :

أيها الناس :” الأيتام هم رافدٌ من روافدِ السعادة في مجتمع المسلمين؛ لأنَّهم يملئون فراغًا روحيًّا صاديًا عند مَن أكرمه الله – تعالى – برقة القلب لهم، والحُنُوِّ الدائم عليهم، فهم من أسباب رقة القلوب الحاضرة، والنُّفوس الشاكرة، ويجمعون – مع ذلك – أرواحًا من شتاتها في بوتقة الإيمان؛ لصيانة سلامة المجتمع وحصاد الحسنات، تلك التي تأتلف على سَوْقِ الأفراح إلى القلوب التي يحتويها اليتم، فيتحول الأسى والحرمان إلى مُرُوج من العطاء والإكرام، بعيدًا عن الأحزان.

لهذا؛ كان الحديث عن اليتامى مُتْرَعًا بالبركات، دَرْجَ القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكيف لا، وقد أفاض الله – تعالى – الحديث عنهم في غير موضعكما استمعنا أنفاً ، وفصَّل النبي الكريم – صلَّى الله عليه وسلَّم – حُقُوقهم، وحثَّ على الوفاء بها، بل حذَّر من المساس بأموالهم وأكلها بالباطل؟! فلا جَرْمَ أنْ أكرمَ بيوت الخلق تلك التي فيها أيتامٌ مكرمون” .

أحباب رسول الله :” لقد جاء الإسلام واليتيم ليس له حظ في الحياة فأمر بإكرامه والإحسان إليه ,حينما هاجر المسلمون إلى الحبشة وأرادت قريش إرجاعهم , وقف جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أمام النجاشي ملك الحبشة يشرح له محاسن الإسلام وأخلاقياته السامية فَقَالَ لَهُ : أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ، نَعْبُدُ الأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولاً مِنَّا ، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَحْنُ نَعْبُدُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنْ ا لْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ ، وَقَوْلِ الزُّورِ ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ ، لاَ نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاَةِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَالصِّيَامِ . ( أحمد وابن خزيمة).

أخوة الإيمان والإسلام :” قد جعل الإسلام من السبع الموبقات التي توبق صاحبها وتدخله نار جهنم :” أكل مال اليتيم “.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم  ، قَالَ: ” اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاللهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاَتِ. “.( البخاري ومسلم). عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ :” وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ” وَ:” إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا”. قَالَ اجْتَنَبَ النَّاسُ مَالَ الْيَتِيمِ وَطَعَامَهُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِىِّ صلي الله عليه وسلم  فَأَنْزَلَ اللَّهُ :”وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ” إِلَى قَوْلِهِ :” لأَعْنَتَكُمْ “( أحمد وأبو داود).

قال الشاعر : تنتهب مال اليتامى ظالما * * * ودع الربا فكلاهما فسقان

وقد تمادى بعض الذين ظلموا أنفسهم بإيذاء اليتامى، بعد أن أكرمهم الله – تعالى – بأن جعلهم مسئولين عنهم، كأعمامهم، أو أزواج أمَّهاتهم، فساموهم سوء العذاب، وحوَّلوا حياة أيتامهم إلى جحيم لا يطاق، وأكلوا أموالهم، وواقعُ الحياة زاخر بأمواج البشر الذين آذوا اليتامى، وكانوا لهم في الأرض فتنة، وقصص الأشقياء بظُلمهم مَروية في سمع الأيام غير مطويَّة، نقرؤها بمداد الأسى على صفحات الجرائد، ونراها على الشاشات، ونطالع فصولاً حيَّةً من هذا اللؤم الاجتماعي الرخيص في بيوت الجيران أحيانًا، فأين هم من تحذير النبي الكريم – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنِّي أحرِّج حقَّ الضَّعيفين: اليتيمِ والمرأةِ””( أحمد وابن ماجه ).

أخوة الإيمان والإسلام :كما أكد الإسلام على أن إكرام اليتيم سبيل إلى الفوز بالجنة .فقد جعل النبي صلي الله عليه وسلم  حق الضعيفين : اليتيم والمرأة من أولى الحقوق بالرعاية والعناية , عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم : “اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ : حَقَّ الْيَتِيمِ ، وَحَقَّ الْمَرْأَةِ”.(النسائي).

كما قال الشاعر:

كفاك بالعلم في الأُمِّيِّ معجزةً * * * في الجاهلية والتأديب في اليتمِ

ذُكِرتَ بِاليُتمِ في القُرآنِ تَكرِمَةً *** وَقيمَةُ اللُؤلُؤِ المَكنونِ في اليُتُمِ

أخوة الإيمان والإسلام :”كافل اليتيم يصحب الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في الجنّة، وكفى بذلك شرفاً وفخراً .فقد جعل صلي الله عليه وسلم  كافل اليتيم مرافقاً ومصاحباً له في الجنة , فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ , قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله , صلي الله عليه وسلم :” أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِى الْجَنَّةِ , وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى , وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَلِيلاً.”( اْحمد والبخاري ). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم : كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ ، أَوْ لِغَيْرِهِ ، أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ ، إِذَا اتَّقَى اللهَ. وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. “( أحمد ومسلم ).

قال : كعب بن مالك : أول أمر عتب على أبي لبابة أنه كان بينه و بين يتيم عذق ، فاختصما إلى النبي صلي الله عليه وسلم  ، فقضى النبي صلي الله عليه وسلم  لأبي لبابة ، فبكى اليتيم ، فقال النبي صلي الله عليه وسلم  : “دعه له “، فأبى ، قال : ” فأعطه إياه و لك مثله في الجنة “، فأبى فانطلق ابن الدحداح فقال لأبي لبابة : بعني العذق بحديقتين . قال : نعم . ثم انطلق إلى النبي صلي الله عليه وسلم  فقال : يا رسول الله ! أرأيت إن أعطيت هذا اليتيم هذا العذق ، ألي مثله في الجنة ؟ قال : نعم ، فأعطاه إياه ، قال : فكان النبي صلي الله عليه وسلم  يقول :” كم من عذق دواح لأبي الدحداح في الجنة “(أحمد والحاكم).

أخوة الإيمان والإسلام : ” كفالة اليتيم والمسح على رأسه وتطييب خاطره يرقّق القلب ويزيل عنه القسوة” . فقد جعل الإسلام ذلك سبباً لجلاء ومعالجة قسوة القلب ,

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلي الله عليه وسلم  قَسْوَةَ قَلْبِهِ ، فَقَالَ لَهُ : إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ.”( أحمد ).

وعَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم  قَالَ:” مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلاَّ لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِى الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ وَفَرَّقَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.”( أحمد).

*كفالة اليتيم دليل على صلاح المرأة إذا مات زوجها فعالت أولادها وخيريّتها في الدّنيا وفوزها بالجنّة ومصاحبة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في الآخرة. قال رسول الله صلي الله عليه وسلم  أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة وأومأ يزيد بالوسطى والسبابة امرأة أمت من زوجها ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا”(أبو داود(.

وخير البيوت البيت الذي فيه يتيم يكرم وشرها البيت الذي فيه يتيم يهان , فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ بِإِصْبَعَيْهُ :أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا ،وَهُوَ يُشِيرُ بِإِصْبُعَيْهِ”(البُخاري وابن ماجة).

 الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين ..أما بعد فيا جماعة الإسلام ..

لقد جاء الإسلام واليتيم ليس له حظ في الحياة فأمر بإكرامه والإحسان إليه ,حينما هاجر المسلمون إلى الحبشة وأرادت قريش إرجاعهم , وقف جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أمام النجاشي ملك الحبشة يشرح له محاسن الإسلام وأخلاقياته السامية فَقَالَ لَهُ : أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ، نَعْبُدُ الأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولاً مِنَّا ، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَحْنُ نَعْبُدُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ ، وَقَوْلِ الزُّورِ ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ ، لاَ نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاَةِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَالصِّيَامِ . ( أحمد وابن خزيمة).

ولقد جاء في فضل الإحسان إلى الأرملة واليتيم :” أن امرأة مسلمة مات زوجها وأصابها وبناتها بعده الفقر والقلة فخرجت ببناتها إلى بلدة أخرى خوف شماتة الأعداء واتفق خروجها في شدة البرد فلما دخلت ذلك البلد أدخلت بناتها في بعض المساجد المهجورة ومضت تحتال لهم في القوت فمرت برجل وشرحت حالها له وقالت أنا امرأة مسلمة ومعي بنات أيتام أدخلتهم بعض المساجد المهجورة وأريد الليلة قوتهم فقال لها أقيمي عندي البينة إنك مسلمة شريفة فقالت أنا امرأة غريبة ما في البلد من يعرفني فأعرض عنها ..

فمضت من عنده منكسرة القلب فجاءت إلى رجل مجوسي فشرحت له حالها وأخبرته أن معها بنات أيتام وهي امرأة شريفة غريبة وقصت عليه ما جرى لها مع الشيخ المسلم فقام وأرسل بعض نسائه وأتوا بها وبناتها إلى داره فأطعمهن أطيب الطعام وألبسهن أفخر اللباس وباتوا عنده في نعمة وكرامة قال فلما انتصف الليل رأى ذلك

الشيخ المسلم في منامه كأن القيامة قد قامت وقد عقد اللواء على رأس النبي وإذا القصر من الزمرد الأخضر شرفاته من اللؤلؤ والياقوت وفيه قباب اللؤلؤ والمرجان فقال يا رسول الله لمن هذا القصر قال لرجل مسلم موحد فقال يا رسول الله أنا رجل مسلم موحد فقال رسول الله أقم عندي البينة أنك مسلم موحد قال فبقي متحيراً فقال له

لما قصدتك المرأة المسلمة الموحدة قلت أقيمي عندي البينة إنك فكذا أنت أقم عندي البينة إنك مسلم فانتبه الرجل حزينا على رده المرأة خائبة ثم جعل يطوف بالبلد ويسأل عنها حتى دل عليها أنها عند المجوسي فأرسل إليه فأتاه فقال له أريد منك المرأة الشريفة المسلمة وبناتها فقال ما إلى هذا من سبيل وقد لحقني من بركاتهم ما لحقني قال خذ مني ألف دينار وسلمهن إلي فقال لا أفعل فقال لا بد منهن فقال الذي تريده أنت أنا أحق به والقصر الذي رأيته في منامك خلق لي أتدل علي بالإسلام فو الله ما نمت البارحة أنا وأهل داري حتى أسلمنا كلنا على يد هذه المرأة ورأيت مثل الذي رأيت في منامك وقال لي رسول الله المسلمة وبناتها عندك قلت نعم يا رسول الله قال القصر لك ولأهل دارك وأنت وأهل دارك من أهل الجنة خلقك الله مؤمنا في الأزل قال فانصرف المسلم وبه من الحزن والكآبة ما لا يعلمه إلا الله فانظر رحمك الله إلى بركة الإحسان إلى الأرملة والأيتام ما أعقب صاحبه من الكرامة في الدنيا.( الذهبي : الكبائر (.

إخوة الإيمان والإسلام :” وعلي الجملة فإن من فضائل كفالة اليتيم :

  • كفالة اليتيم صدقة يضاعف لها الأجر إن كانت على الأقرباء”أجر الصّدقة وأجر القرابة”.
  • كفالة اليتيم والإنفاق عليه دليل طبع سليم وفطرة نقيّة.
  • كفالة اليتيم تعود على الكافل بالخير العميم في الدّنيا فضلا عن الآخرة.
  • كفالة اليتيم تساهم في بناء مجتمع سليم خال من الحقد والكراهيّة، وتسوده روح المحبّة والودّ.
  • في إكرام اليتيم والقيام بأمره إكرام لمن شارك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في صفة اليتم، وفي هذا دليل على محبّته صلّى اللّه عليه وسلّم.
  • كفالة اليتيم تزكي المال وتطهّره وتجعله نعم الصّاحب للمسلم.
  • كفالة اليتيم من الأخلاق الحميدة الّتي أقرّها الإسلام وامتدح أهلها .
  • في كفالة اليتيم بركة تحلّ على الكافل وتزيد من رزقه.

اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار..اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه .. اللهم أتنا في الدنيا حسنة والآخرة حسنة وقنا عذاب النار..وقوموا إلي صلاتكم يرحمكم الله ..وأقم الصلاة ..

 




خطبة الجمعة القادمة:”سماحة الإسلام ونبذه لكل ألوان العنف”بتاريخ 25 من جمادي الأخري 1438هـ الموافق 24 -3-2017م

خطبة الجمعة القادمة:”سماحة الإسلام ونبذه لكل ألوان العنف”بتاريخ 25 من جمادي الأخري 1438هـ الموافق 24 -3-2017م.

 




خطبة بعنوان: “السماحة في الإسلام وأثرها في سعادة الفرد والمجتمع”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 25 من جمادي الأخرى 1438هـ -24 مارس 2017م

خطبة بعنوان: “السماحة في الإسلام وأثرها في سعادة الفرد والمجتمع“، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 25 من جمادي الأخرى 1438هـ -24  مارس 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:   

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: الإسلام دين السماحة

العنصر الثاني: مظاهر وصور السماحة في الإسلام

العنصر الثالث: فوائد وثمرات السماحة في الدنيا والآخرة

العنصر الرابع: حاجة المجتمع المعاصر إلى السماحة

 المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: الإسلام دين السماحة

عباد الله: إن الدين الإسلامي دين السماحة، فهو مبني في تشريعاته وأحكامه على اليسر والمسامحة، وقد أمر الشارع الحكيم أفراده بأخذ العفو والمسامحة في كل الأمور والتعاملات. قال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]. قال السعدي: “هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع النَّاس، وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ينبغي أن يعامل به النَّاس، أن يأخذ العفو، أي: ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق… ويتجاوز عن تقصيرهم، ويغض طرفه عن نقصهم”.أ.ه

فالسماحة هي طيب في النفس عن كرم وسخاء، وهي انشراح في الصدر عن تقى ونقاء، وهي لين في الجانب عن سهولة ويسر، وهي بشاشة في الوجه عن طلاقة وبشر، هي ذلة على المؤمنين دون ضعف ومهانة، وهي صدق في التعامل دون غبن وخيانة، هي تيسير في الدعوة إلى الله دون مجاملة ومداهنة، وهي انقياد لدين الله دون تشدد ورهبنة.

إن السماحة لباب الإسلام وزينة الأنام، وهي ذروة سنام الأخلاق، وأشهر علامات الوفاق..كم فتحت بها قلوب ، وكم رفعت أصحابها عند علام الغيوب ؛ فما أحب صاحبها عند الناس ، بل وأعظم منه عند رب الناس!!

كما حثت السنة النبوية على التحلي بخلق السماحة؛ فعن ابن عباس- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «اسمح يسمح لك»)( رواه أحمد )؛ بل عدها النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان؛ فقد سئل صلى الله عليه وسلم عن أفضل الإيمان؟ فقال: ” الصبر والسماحة “. (أحمد والبيهقي بسند حسن).

على أن السماحة لا تعني الضعف والهوان والذل والصغار؛ وإنما تعني العزة والكرامة؛ وهذه المعاني للسماحة قد وقف أمامها الغربيون عجباً ! يبين الشاعر غوته ملامح هذا التسامح في كتابه (أخلاق المسلمين) فيقول: “للحق أقول : إن تسامح المسلم ليس من ضعف، ولكن المسلم يتسامح مع اعتزازه بدينه، وتمسكه بعقيدته”

أحبتي في الله: وإذا كان الإسلام يحث أفراده على السماحة والرفق واللين؛ فقد نهاهم عن الشدة والغلظة؛ لذلك نفى الله عن رسوله الفظاظة وغلظة القلب، فقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159]. يقول الإمام السعدي: ” أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك. وَلَوْ كُنتَ فَظًّا أي: سيئ الخلق غَلِيظَ الْقَلْبِ أي: قاسيه، لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ لأنَّ هذا يُنفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيِّئ.”( تفسير السعدي)

إن استعمال الرفق في الأمور يؤدي إلى أحسن النتائج وأطيب العواقب ويبارك الله في هذا السلوك وينفع به. أما استعمال العنف والشدة والغلظة تفسد الأمور وتصعبها على أصحابها وتجعل النتائج عكسية، ويحرم الخير من ترك الرفق؛ وترفع البركة في عمله؛ ويصعب عليه الأمر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ”(مسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم:”إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ” (مسلم)، كما أن الرفق له أثر حسن في التأليف بين القلوب والإصلاح بين المتخاصمين وهداية الكفار واستياقهم إلى حظيرة الإسلام والبركة في الرزق والأجل. فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا:”إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَار”(أحمد بسند صحيح).

عباد الله: السماحة السماحة تفلحوا ؛ السماحة السماحة تسعدوا ؛ السماحة السماحة تغنموا !!

وما أجمل قول الإمام الشافعي في ديوانه:

وكنْ رجلًا على الأهوالِ جلدًا …………………. وشيمتُكَ السَّمَاحَةُ والوفاءُ

وإن كثرت عيوبُكَ في البرايا …………………… وسَرَّك أَنْ يَكونَ لها غِطَاءُ

تَسَتَّر بالسَّخَاءِ فكُلُّ عَـــــيْبٍ …………………… يُغـــــــــطِّيه كما قيلَ السَّخاءُ

ولا ترجُ السَّمَاحَةَ مِن بخيلٍ ……………………. فَما في النَّارِ لِلظْمآنِ مَاءُ

العنصر الثاني: مظاهر وصور السماحة في الإسلام

عباد الله: للسماحة صور ومظاهر عديدة تشمل جميع مجالات الحياة وتتمثل فيما يلي:

– السماحة في البيع والشراء : وذلك بأن لا يكون البائع مغاليًا في الربح، ومكثرًا في المساومة، بل عليه أن يكون كريم النفس؛ وبالمقابل على المشتري أيضًا أن يتساهل، وأن لا يدقق في الفروق القليلة، وأن يكون كريمًا مع البائع وخاصة إذا كان فقيرًا ؛ فيتحلى كل من البائع والمشتري بالسماحة . فعَن جابر أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “رحِم الله رجلاً سمحًا إذا باع وإذا اشتَرى وإذا اقتَضَى”.( البخاري). يقول الإمام ابن حجر:” فيه الحض على السماحة في المعاملة ، واستعمال معالي الأخلاق ، وترك المشاحة ، والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة وأخذ العفو منهم.” ( فتح الباري). وقال المناوي: “وهذا مسوق للحث على المسامحة في المعاملة، وترك المشاححة والتضييق في الطلب، والتَّخلُّق بمكارم الأخلاق، وقال القاضي: رتَّب الدعاء على ذلك؛ ليدل على أنَّ السهولة والتسامح سبب لاستحقاق الدعاء، ويكون أهلًا للرحمة والاقتضاء والتقاضي، وهو طلب قضاء الحق”. (فيض القدير).

– السماحة في القضاء والاقتضاء: وذلك بأن يتسم المسلم بالسماحة في اقتضائه دينه؛ وأن يسقطه عن غريمه إن كان معسراً ؛ ففي صحيح الإمام مسلم أنّ أبا اليسر – أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم- ذهب ليأخذ حقاً من رجل، فجاءه إلى بيته، فقال: أثمّ هو؟، قالوا: لا، فخرج ابن له صغير، قال: أين أبوك؟، قال: لما سمع صوتك دخل أريكة أمي، فناداه، فقال: يا فلان، قد علمتُ أين أنت فاخرج! فلما خرج، قال: لماذا اختبأت عني؟، قال: خشيت أن أحدثك، فأكذبك، وأن أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت رجلاً معسرًا، فقال: له آلله، قال: آلله، قال: آلله، قال: آلله، قال: آلله، قال: آلله، حلفه ثلاثاً، ثم أتى بصحيفته فمحاها، وقال له: إن وجدت قضاءً فاقضِ، وإلا فأنت في حل، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: “من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله”. إنها الجنة، إنها تربية محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه ؛ فهل نحن نتصف بالسماحة ؟!

أحبتي في الله: لقد ضرب لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أروع الأمثلة في سماحة القضاء والاقتضاء . فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِنٌّ مِنْ الْإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ : ” أَعْطُوهُ . فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا فَقَالَ : أَعْطُوهُ . فَقَالَ : أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللَّهُ بِكَ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً ” .(متفق عليه)

كما ضرب لنا السلف الصالح أروع الأمثلة في التسامح والرحمة في القضاء والاقتضاء؛ فقد روي في ذلك أن أبا قتادة رضي الله عنه كان له دين على رجل ، وكان يأتيه يتقاضاه فيختبئ منه ، فجاء ذات يوم فخرج إليه فقال: ما يغيبك عني ؟ فقال: إني معسر وليس عندي شيء ، قال : آلله  إنك معسر؟ قال : نعم ، فبكي أبو قتادة ، ثم قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:” من نفس عن غريمه أو محا عنه ، كان في ظل العرش يوم القيامة.”( أحمد والدارمي)

-السماحة مع من سبّك أو شتمك أو آذاك : ومن المعلوم أن رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – المثل الأعلى في العفو والسماحة مع قومه؛ وشواهد ذلك كثيرة؛ فقد آذاه قومه وطردوه من وطنه وأحب البلاد إليه؛ ومع ذلك لما رجع وفتحها عفا عنهم وسامحهم فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء!! وكان قادرا على أن يبيدهم عن آخرهم!! ولما نزل جبريل يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين ( الجبلين) رفض وعفا عنهم وسامحهم وقال: يا أخي يا جبريل لا تفعل؛ اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون. والرجل الذي أشهر سيفه وقال: من يمنعك منى؟ والرجل الذي جاء يتقاضاه فأغلظ ؛ والرجل الذي قال أعطنى يا محمد من المال فإنه ليس مالك ولا مال أبيك؛ والرجل الذي بال في المسجد . وغيرها من المواقف التى تدل على سماحة وعفو وحلم النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه!!

 فيجب عليك أخي المسلم أن تجعل خلق المسامحة منهج حياة تطبقها على أرض الواقع، فلا تطلق لسانك سباً وشتماً في الآخرين، بل تتحلى بالحلم والصبر والسماحة، وأن الله سيوكل ملكاً يدافع عنك، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ ، وَقَعَ رَجُلٌ بِأَبِي بَكْرٍ فَآذَاهُ ، فَصَمَتَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، ثُمَّ آذَاهُ الثَّانِيَةَ ، فَصَمَتَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ آذَاهُ الثَّالِثَةَ ، فَانْتَصَرَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ انْتَصَرَ أَبُو بَكْرٍ , فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَوَجَدْتَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” نَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُكَذِّبُهُ بِمَا قَالَ لَكَ ، فَلَمَّا انْتَصَرْتَ وَقَعَ الشَّيْطَانُ ، فَلَمْ أَكُنْ لأَجْلِسَ إِذْ وَقَعَ الشَّيْطَانُ “( أحمد وأبوداود بسند حسن )

ولذلك ضرب بالأحنف بن قيس المثل في الحلم  والصفح والتسامح، فقيل له: كيف وصلت إلى هذه المنزلة؟ فقال: ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث : إن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضّلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه.

وأن تمتثل قوله تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}( الأعراف: 199)، لما نزلت هذه الآية سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – جبريل عنها فقال : ” لا أعلم حتى أسأل . ثم رجع فقال : إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك “.( تفسير ابن كثير)

وهذا صديق هذه الأمة، أبو بكر رضي الله تعالى عنه، كان يتصدق على رجل فقير من قرابته، كان ينفق عليه، فلما وقعت حادثة الإفك، كان هذا الرجل ممن خاض في عرض ابنة الصديق رضي الله عنها، وتكلم بالظلم والخطأ، فلما برأها الله من فوق سبع سماوات، وإذا بصديق الأمة يعيد عليه صدقته ونفقته، على هذا الفقير من أقاربه، أيُّ سماحة هذه وقد فعل ما فعل، أتدري لماذا؟، لأن الله قال له: { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [النور: 22]، حتى لو كنتَ قد أحسنتَ له بهذا الإحسان، وهو أساء إليك بهذه الإساءة، سامح، لعل الله أن يغفر لك ما هو أكبر من هذا وأعظم، فيما فعلت في حقه سبحانه.

– السماحة مع غير المسلمين في السلم والحرب: ففي الحرب التي تأكل الأخضر واليابس وتزهق فيها الأرواح وتدمر المدن والقرى ويموت الصغير والكبير؛ أمر الإسلام بالسماحة والعدل وحرم الظلم. فقد روى مسلم في صحيحه عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ” كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا”

فلا يجوز أن يُقصد بالقتال مَن ليسوا بأهل له، كالنِّساء والأطفال والشُّيوخ، والزَّمنى والعُمي والعَجَزة، والذين لا يُباشرونه عادةً كالرُّهبان والفلاَّحين، إلاَّ إذا اشترك هؤلاء في القِتال وبدؤوا هم بالاعتداء، فعندها يجوز قتالُهم.

هذه السماحة في حال الحرب فما بالك في حال السلم؟!!

أترك الشهادة للغربيين المنصفين وتصويرهم لهذه السماحة والتي تعاملوا من خلالها مع المسلمين والنصارى في الدول الغربية. يقول غوستاف لوبون في ” مجلة التمدن الإسلامي: ” إن المسلمين وحدهم هم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وبين روح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى وإنهم مع حملهم السيف فقد تركوا الناس أحرارا في تمسكهم بدينهم ؛ وكل ما جاء في الإسلام يرمي إلى الصلاح والإصلاح ، والصلاح أنشودة المؤمن ، وهو الذي أدعو إليه المسيحيين” .

ويقول توماس أرنولد في كتابه الدعوة الإسلامية : ” لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحيين بتسامح عظيم منذ القرن الأول للهجرة ، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة ، ونستطيع أن نحكم بحق أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام قد اعتنقته عن اختيار وإرادة وأن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات المسلمين لشاهد على هذا التسامح “

بعد كل هذا – والحق ما شهدت به الأعداء – يأتي حاسد حاقد على الإسلام ليقول: إن الإسلام دين تطرف وعنف وإرهاب؟!!

عباد الله: إن سماحة الإسلام لم تقتصرِ على النهي عن الاعتداء على بني البَشر فقط؛ وإنَّما تجاوز ذلك ليشملَ النهي عن الإتلاف، وقطع الشَّجر، وقتْل الحيوانات، وتخريب الممتلكات والمنشآت العامة، وهذا سُموٌّ أخلاقي لم تعرفْ له البشرية مثيلاً في تاريخها قديمًا وحديثًا!!

فإذا كانت سماحة الإسلام مع غير المسلمين بهذه العظمة والسمو فإن السماحة بين المسلمين أنفسهم يجب أن ترتقي أعلاء من ذلك؛ فالمجتمع المسلم يجب أن يعيش أبناؤه في حب وتسامح وتراحم وأن يسود حياتهم اللين والسهولة واليسر والتسامح؛ أما العنف والشدة والحقد ودوافع الانتقام والكراهية فتنذر بالهلاك وتقطع الأرحام وتكثر الصراعات وتنزع الرحمة ويحل الشقاء ويذهب الخير بين الناس وتقوض مجتمعات بسبب ذلك وتتلاشى أمم وتنهار حضارات …

العنصر الثالث: فوائد وثمرات السماحة في الدنيا والآخرة

عباد الله: إن للسماحة فوائد وثمرات كثيرة تعود على صاحبها بالخير والبركة في الدنيا؛ والفوز بمرضاة الله في الآخرة ومن هذه الفوائد:

محبة الناس للمسامح: فيستطيع سمح النفس الهين اللين، أن يظفر بأكبر قسط من محبة النَّاس له، وثقة النَّاس به؛ لأنه يعاملهم بالسَّمَاحَة والبشر ولين الجانب، والتغاضي عن السيئات والنقائص، فإذا دعاه الواجب إلى تقديم النصح، كان في نصحه رفيقًا لـيِّنًا، سمحًا هيِّنًا، يسر بالنصيحة، ولا يريد الفضيحة، يسد الثغرات، ولا ينشر الزلَّات والعثرات؛ فإذا باع كان سمحًا، وإذا اشترى كان سمحًا، وإذا أخذ كان سمحًا، وإذا أعطى كان سمحًا، وإذا قضى ما عليه كان سمحًا، وإذا اقتضى ما له كان سمحًا؛ فينعم بالخير الدنيوي بتسامحه؛ وذلك لأنَّ النَّاس يحبون المتسامح الهيِّن الليِّن، فيميلون إلى التعامل معه، فيكثر عليه الخير بكثرة محبيه والواثقين به؛ فتربح تجارته وينمو ماله؛ ويحظى برضا الله والناس؛ فيسعد في دنياه وأخراه .

شهادة الناس للمسامح عند موته: فالرجل المسامح الهين اللين المشهور بحسن خلقه بين الناس؛ يحظى بشهادة الناس له عند موته ويكثر المصلون على جنازته فيكون ذلك سبباً في وجوب الجنة له. فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ” مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ . قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي ، مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ!!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ” ( متفق عليه واللفظ لمسلم )  وعن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، قُلْنَا وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ قُلْتُ: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ” ( البخاري).

السماحة من مكفرات الذنوب : فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :” كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ؛ فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا؛ فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ”.(متفق عليه). فقد تجاوز الله عنه لأنه تجاوز عن العباد فكان الجزاء من جنس العمل. يقول الإمام النووي: ” والتَّجاوز والتَّجوز معناهما، المسامحة في الاقتضاء، والاستيفاء، وقبول ما فيه نقص يسير، وفي هذه الأحاديث فضل إنظار المعسر والوضع عنه، إمَّا كل الدين، وإما بعضه من كثير، أو قليل، وفضل المسامحة في الاقتضاء وفي الاستيفاء، سواء استوفي من موسر أو معسر، وفضل الوضع من الدين، وأنَّه لا يحتقر شيء من أفعال الخير، فلعله سبب السعادة والرَّحْمَة”. (شرح النووي).

السماحة تجلب رحمة الله: فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى”. (البخاري)

السماحة منجاة من كرب يوم القيامة : قال صلى الله عليه وسلم:” مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ “، وقال أيضاً :” مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ ” ( رواهما مسلم)

السماحة تُحرّم صاحبها على النار : فعن جابر قال قال صلى الله عليه وسلم :” ألَا أُخبِرُكم على مَن تحرُمُ النَّارُ غدًا؟! على كلِّ هيِّنٍ ليِّنٍ سهلٍ قريبٍ “. (ابن حبان والطبراني).

وهكذا – أيها المسلمون- يفوز المسامح بخيري الدنيا والآخرة؛ والفرصة أمامكم فهل أنتم فاعلون؟!!

العنصر الرابع: حاجة المجتمع المعاصر إلى السماحة

أيها المسلمون: إن الأمة الإسلامية في هذه الظروف القاسية والغلاء الفاحش في افتقار إلى خلق السماحة؛ لأن المسامح كريم الطبع عفيف النفس؛ يعم خيره وبركته كل مكان؛ وما أجمل وصف الأستاذ عبدالرحمن حبنكة الميداني للنفس السمحة حيث يقول: ” والنفس السَّمحة كالأرض الطَّيِّـبَة الهيِّنَة المستوية، فهي لكل ما يراد منها من خير صالحة، إن أردت عبورها هانت، وإن أردت حرثها وزراعتها لانت، وإن أردت البناء فيها سهلت، وإن شئت النوم عليها تمهدت”.( الأخلاق الإسلامية)

وهكذا يكون سمح النفس طلق الوجه باسمًا مشرق المحيَّا، بخلاف النكد الصعب، حتى يبدو كأنه قَرِف من كل شيء، فإذا واجه النَّاس واجههم بهيئة منقبضة، لا انبساط فيها ولا بشر، وإذا اجتمع معهم،لم يشاركهم بمشاعره ولا بحواسِّه، وكان بينهم كأنه غريب عنهم وهم غرباء عنه؛ وهذا الوضع يجعله ممقوتًا مكروهًا بعيدًا عن قلوب النَّاس؛ لأنَّه وضع يلازمه في معظم أحواله بسبب نكد نفسه الملازم له.

أحبتي في الله: إن خلق السماحة لا يظهر إلا عند التعامل بالدرهم والدينار، إنك حينما تجلس مع أحد يقول لك كلاما معسولا تحسبه صالحا تقيا ورعا؛ ولكن حينما تعامله بالدينار والدرهم تظهر حقيقته؛ لذلك قيل ( الدين المعاملة ) وهذه الأخلاق والمعاملة السمحة كان يطبقها النبي – صلى الله عليه وسلم- على أرض الواقع، حتى أصبحت منهج حياة. فعَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَبْتُ أَنَا وَمَخْرَفَةُ الْعَبْدِيُّ بَزًّا مِنْ هَجَرَ؛ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ بِمِنًى وَوَزَّانٌ يَزِنُ بِالْأَجْرِ؛ فَاشْتَرَى مِنَّا سَرَاوِيلَ؛ فَقَالَ لِلْوَزَّانِ:” زِنْ وَأَرْجِحْ “. ( أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وصححه). فكان صلى الله عليه وسلم يعطي زيادة في ثمن السلعة تسامحاً منه وكرماً، لأن الدنيا لا تساوي عنده شيئاً .

وأما في القضاء، فقد كان صلى الله عليه وسلم نموذجاً فريداً، فقد ضرب لنا أروع الأمثلة في سماحة القضاء والاقتضاء . فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِنٌّ مِنْ الْإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ : ” أَعْطُوهُ . فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا فَقَالَ: أَعْطُوهُ . فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللَّهُ بِكَ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً ” .(متفق عليه)

بهذه الأخلاق السمحة كان الرجل لا يكاد يعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا ويسلم إن كان كافراً، أو يزيد إيمانه إن كان مسلماً، إننا يجب أن نكون دعاة بتعاملنا وتسامحنا قبل أقوالنا، يجب أن نكون سمحاء رحماء بإخواننا حتى تسود المودة، وينتشر الإخاء، لأن غياب التسامح يمزق شملنا، ويفرق جمعنا !!

انظروا إلى سلفنا الصالح ومدى سماحتهم مع من عاملهم؟!! روي أن قيس بن عبادة – وكان من الأجواد المعروفين – مرض يوماً فاستبطأ إخوانه في عيادته، فسأل عنهم فقيل له : إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين!! فقال أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة!! ثم أمر منادياً ينادي: من كان عليه لقيس مال فهو منه في حل، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه لكثرة من عاده وزاره!!

هكذا فلتكن الأخلاق، هكذا فليكن الصفح، وهكذا فلتكن السماحة، أين هذه السماحة العالية من الفظاظة الظاهرة على وجوه بعض الموظفين والعاملين؟!! وهذا الصلفُ البين في تعامل بعض أصحاب رؤوس الأموال والقادرين!! وهذه الشدة التي تنفر منها الطباع في الأقوال والأفعال!! فهي ليست من ديننا في شيء، وليست من أخلاق المؤمنين في شيء !!

أخي المسلم: هل أنت ممن يتصف بخلق السماحة ؟! إذا بعت، إذا اشتريت، إذا أخذت أجرة عملك، إذا دفعت للأُجراء أجرهم، هل أنت ممن يتصف بهذا الخلق؟، تجد بعض الناس -سبحان الله – إذا باع، نزّل للناس من الثمن دون أن يطالبوه، وزاد لهم في السلعة، وتبسّم في وجوههم، فإذا بالقلوب مقبلة على الشراء منه، محبة له، وترى بعض الناس إذا باع، ما أنقص من الثمن قرشاً، ولا زاد في السلعة شيئًا، وفوق هذا إذا كاسرته أو فاوضته، رد عليك بكلمة قاسية، فنفرت القلوب منه، ففاز ذاك بمحبة الناس، ورواج ببضاعته، ومحبة رب الناس قبل ذلك، وباء هذا بعداوة الناس، وبوار تجارته، وفقد هذا الخلق الذي أحبه الله سبحانه.

عباد الله: كثير من الناس يقول الكلمة الشائعة والمعروفة : إنني أعامل فلانا بمعاملته، أعامله بغلظة وعنف وشدة!! ولكني أقول لك: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به؛ فعاملهم بطبعك لا بطبعهم . وأذكر لكم هذه القصة الرائعة في هذا المضمون: جلس عجوز حكيم على ضفة نهر وفجأة لمح قطاً وقع في الماء، وأخذ القط يتخبط؛ محاولاً أن ينقذ نفسه من الغرق؛ فقرر الرجل أن ينقذه؛ ومدّ له يده فخمشه القط؛ فسحب الرجل يده صارخاً من شدّة الألم؛ ولكن لم تمض سوى دقيقة واحدة حتى مدّ يده ثانية لينقذه، فخمشه القط مرة أخرى؛ فسحب يده مرة أخرى صارخاً من شدة الألم ؛ وبعد دقيقة راح يحاول للمرة الثالثة !!   على مقربة منه كان يجلس رجل آخر ويراقب ما يحدث ؛ فصرخ الرجل: أيها الحكيم ، لم تتعظ من المرة الأولى ولا من المرة الثانية ، وها أنت تحاول إنقاذه للمرة الثالثة ؟لم يأبه الحكيم لتوبيخ الرجل ، وظل يحاول حتى نجح في إنقاذ القط ، ثم مشى الحكيم باتجاه ذلك الرجل قائلاً : يا بني … من طبع القط أن يخمش ومن طبعي أنا أن أُحب وأعطف وأسامح ؛ فلماذا تريدني أن أسمح لطبعه أن يتغلب على طبعي !!؟ يا بني : عامل الناس بطبعك لا بطبعهم!!

عباد الله: ما أحوجنا إلى الخلق الجليل في زمن بلغ فيه البغض غايته، ورفع فيه الحسد رايته، ما أحوجنا إلى السهولة واليسر، والسماحة والتجاوز، حتى نعيش في هذه الدنيا بهناء، ونكون يوم القيامة سعداء !!

اللهم طهر قلوبنا من النفاق؛ وألسنتنا من الكذب؛ وأعيننا من الخيانة؛ وارزقنا السماحة في أقوالنا وأفعالنا وتعاملاتنا؛ اللهم آمين؛؛؛؛

الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،                              

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي




خطبة بعنوان : “سماحة الإسلام ونبذه لكل ألوان العنف”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 25 من جمادي الأخري 1438هـ، الموافق 24 مارس 2017م

خطبة بعنوان : “سماحة الإسلام ونبذه لكل ألوان العنف“، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 25 من جمادي الأخري 1438هـ، الموافق 24 مارس 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

الحمد لله رب العالمين .. إن الحمد لله نحمده سبحانه وتعالي ونسعينه ونستهديه ونسأله التوفيق والسداد والعفاف والغني والتقي والهدي .. من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه ولي الصالحين ..وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله القائل :” رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى”(البخاري). اللهم صلاة وسلاماً عليك يا سيدي يا رسول الله وعلي ألك وصحبك وسلم .أما بعد فيا جماعة الإسلام:”

جعل الله تعالى الدين الإسلامي خاتم الأديان ومحمدا صلي الله عليه وسلم  خاتم المرسلين  لذا فقد اختص الله تعالى الإسلام بخصائص الكمال والتمام؛ ليصلح لكل زمان ومكان قال تعالى: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا“(المائدة/3).

فدلت الآية الكريمة على كمال الدين وتمام النعمة، كما أن الله تعالى ارتضاه لنا فمن تمسك به وسار على نهجه مطبقا أحكامه فقد اهتدى إلى مرضاة الله وفاز برضوانه.وامتدح نبي الإسلام ورباه وأدبه فأحسن تأديبه فقال :”وإنك لعلي خلق عظيم “(القلم/4).

أخوة الإيمان والإسلام : إن هذا الدين العالمي الذي يخاطب الناس كافة، بجميع أعراقهم وأطيافهم، في كل أرجاء الأرض عالج جميع أمورنا الدينية والدنيوية الروحية والمادية دقها وجلها خاصها وعامها سرها وعلنها تميز بخصائص منها: السماحة واليسر ونبذه للعنف. سماحة القوي ويسر المعتدل لا سماحة الخانع الذليل ولا يسر المضيع للدين، فتمثلت سماحة الإسلام في العقيدة والعبادة والمعاملات والأخلاق وسائر تشريعاته مع المسلم وغير المسلم، فجاءت تعليمه تتفق وطبيعة الإنسان قال تعالى: “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”(البقرة /286) :” لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا”(الطلاق /7). “يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا”(النساء/28).

أحباب رسول الله : ما المقصود بالسماحة

السماحة لغة: مدلولها ما ذكر ابن فارس في معجم مقاييس اللغة أن:” السين والميم والحاء أصل صحيح يدل على سلاسة وسهولة . والمسامحة : المساهلة . وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم : “أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة “(البخاري). قال ابن حجر : السمحة : السهلة ، أي أنها مبنية على السهولة .

وأنشد ثعلب في هذا المعنى:”

ولكن إذا ما جل خطب فسامحت *** به النفس يوماً  كان للكره أذهبا.

وقولهم: الحنيفيّة السّمحة ليس فيها ضيق ولا شدّة.والسماحة تشمل أصول الدين وفروعه وصورها لا تحصر ، فعقيدة الإسلام سمحة وشريعته سمحة ، وتمتد صور السماحة إلى المعاملة ، قال صلي الله عليه وسلم  :” رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى “وبوب البخاري رحمه الله للسماحة في هذا الحديث بالسهولة فقال : باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ، قال ابن حجر : “وفي الحديث : الحث على السماحة في المعاملة واستعمال معالي الأخلاق وترك المشاحة والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة وأخذ العفو منهم

السماحة اصطلاحا: على وجهين:الأوّل: ما ذكره الجرجانيّ من أنّ المراد بها: بذل ما لا يجب تفضّلا، أو ما ذكره ابن الأثير من أنّ المقصود بها: الجود عن كرم وسخاء .الآخر: في معنى التّسامح مع الغير في المعاملات المختلفة ويكون ذلك بتيسير الأمور والملاينة فيها الّتي تتجلّى في التّيسير وعدم القهر، وسماحة المسلمين الّتي تبدو في تعاملاتهم المختلفة سواء مع بعضهم البعض، أو مع غيرهم من أصحاب الفكر والمنهج الأخر.

أيها الناس :” والسماحة لا تعني الضعف والإسلام يأبى الضيم ويرفض لأتباعه الذل والهوان والمؤمن عزيز بإيمانه وإسلامه قوي بهما ، ومن يظنون السماحة والصفح والحلم والعفو ضعفا لا يدركون عظمة هذا الدين . والسماحة كبقية المعاني العظيمة التي جاء بها الإسلام كالوسطية والتيسير والعدل والعفو والصفح وغير ذلك لها ضابطها الشرعي الذي إن حادت عنه كانت عقبة كئودا في فهم طبيعة الإسلام. وقال الفاروق عمر ابن الخطّاب رضي الله عنه ” لقد كنّا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام ، فإذا ابتغينا العزة بغيره ِ أذلنا الله

فيا أخا الإسلام :

 كنْ رجلًا على الأهوالِ جلدًا

وشيمتُكَ السَّمَاحَةُ والوفاءُ

وإن كثرت عيوبُكَ في البرايا

وسَرَّك أَنْ يَكونَ لها غِطَاءُ

تَسَتَّر بالسَّخَاءِ فكُلُّ عَيْبٍ

يُغطِّيه كما قيلَ السَّخاءُ

ولا ترجُ السَّمَاحَةَ مِن بخيلٍ

فما في النَّارِ لِلظْمآنِ مَاء

ربى الإسلام أبناءه على السماحة وحب الخير للناس جميعا ونبذ العنف ما بين المسلم والمسلم ومع غير المسلم ممن لا يحملون الضغينة ويسالمون المسلمين قال النبي صلي الله عليه وسلم :”اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد والشكر” (النسائي). فمن طبيعة النّفس السمحة أن يكون صاحبها هيّنا ليّنا إذا رأى أذى يلحق أحدا من عباد الله رثى له، وواساه في مصيبته، ودعا الله: أن يغفر ذنبه، ويكشف كربه، وتذكر مناشدة النبي صلي الله عليه وسلم :”إن تغفر اللهم تغفر جما *** وأي عبد لك ما ألما”

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم  قال: “إنَّكَم لن تَسَعُوا الناسَ بأموالِكم، ولكن يَسَعُهم منكم بسطُ الوجهِ وحسنُ الخُلُقِ”(البخاري والترمذي).

انظر لسماحة نبي الله يوسف عليه السلام مع أخوته بعدما كان منهم كما أخبرنا الله تعالى: “قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”(يوسف/92). وسماحة النبي صلي الله عليه وسلم  مع أهل مكة بعدما من الله عليه بفتحها قال:”اذهبوا فأنتم الطلقاء”(ابن إسحاق ). ، وعيادته للفتى اليهودي في مرضه الأخير ووقوفه لما مرت جنازة الرجل اليهودي، وعن أبي هريرة رضى الله عنه قيل : يا رسولَ اللهِ! ادْعُ على المشركين. قال :”إني لم أُبعَثْ لعَّانًا وإنما بُعِثتُ رحمةً”(مسلم). ورفقه بالأعرابي الذي بال في المسجد ونهي الصحابة أن يتناولوه قائلاًدعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء ، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين”)البخاري).

أهمية سماحة الإسلام :

أيها الأحباب :” كان بناء دين الإسلام منذ ظهوره على اليسر قال صلي الله عليه وسلم  :” إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه”(البخاري). . وفي هذا الدين من السماحة والسهولة ومن اليسر والرحمة ما يتوافق مع عالميته وخلوده وهو ما يجعله صالحا لكل زمان ومكان لسائر الأمم والشعوب ، فالسماحة تتواءم مع عالمية الإسلام ، وخطاب الدعوة في القرآن والسنة يؤكد ذلك حيث جاءت النصوص تدعو الناس أن ينضموا تحت لواء واحد وأن يتنافسوا على معيار الإسلام الخالد وهو التقوى قال تعالى : ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ “( الحجرات / 13) . لقد جاء الإسلام في فترة جاهلية أهدرت كرامة الإنسان وحريته فأعاد الإسلام بناء الإنسان من جديد ونظم علاقته بربه وعلاقته بالآخرين

وجاءت نصوص القرآن الكريم تقرر أن الخلاف باق بقاء الإنسان على هذه الأرض ، وأن التعدد والتنوع في أخلاق وسمات البشر مما مضى به القدر الإلهي فسنة الله تعالى في خلقه أن تنوعت أجناسهم وألسنتهم وألوانهم كما تنوعت دياناتهم ، ولذلك فإن عيش المسلم ينبغي أن يكون في ضوء هذه الحقيقة التي تزخر بها آيات عديدة كقوله تعالى :” وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا”( يونس /99). وقوله :” وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ   إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ “(  هود/ 118-119).

سماحة في العقيدة : أيها الأحباب :”إن دين الإسلام دين سماحة ويسر في عقيدته وعباداته ومعاملاته وآدابه وسائر تشريعاته فعقيدته لا تقوم على فلسفة معقدة أو تسليم مطلق أو مخالفة للفطرة والعقل ، فأطلق القرآن الكريم الحرية للمرء للتدبر والتفكر في نفسه ، وفي ملكوت السماوات والأرض ، ودعا الناس إلى الإيمان بالله وحده وفي القرآن الكريم ما لا يحصى من الآيات الداعية إلى الإيمان يستوي في فهمها العامة والخاصة حيث دعت كل أحد إلى التجرد من الهوى والتقليد وخاطبت عقولهم وفطرهم ، وهي مع ذلك لا تكرههم على الإيمان :” وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها “( الكهف / 29) . وفي القرآن العظيم من الآيات الدالة على أن أصحاب العقول السليمة والألباب المستقيمة إذا حكموا عقولهم واستجابوا لفطرتهم وتخلصوا من ريقة التقليد فإنهم ينقادون إلى هذا الدين عن طواعية ورغبة ولم يجبروا علي شيء..

ومن المقرر عند الفقهاء أنه لو أكره أحد على الإسلام فإنه لا يصح إسلامه . قال في المغني : “وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعا” . ولذلك فإنه إذا عاد إلى دينه بعد زوال الإكراه لم يحكم بردته ، ولا يجوز قتله ولا إكراهه على الإسلام ، ونقل ابن قدامة إجماع أهل العلم على أن الذمي إذا أقام على ما عوهد عليه والمستأمن ، لا يجوز نقض عهده ولا إكراهه على ما لم يلتزمه .

سماحة في العبادة : وإذا ما انتقل المرء إلى العبادات فإنه سيرى فيه صوراً من سماحة الإسلام ويسره في سائر العبادات ففي الطهارة جاء التيسير والسماحة في المسح على الخفين وفي التيمم قال صلي الله عليه وسلم:”وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا” ودعا الله تعالى عباده إلى شكر هذه النعمة قال تعالى في ختام آية الوضوء ومشروعية التيمم عند فقد الماء أو تعذر استعماله:” مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”(المائدة /6) قال ابن كثير رحمه الله :” أي لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة

وفي الصلاة يصليها المرء بحسب قدرته قائما أو قاعدا وفي أي مكان وشرع فيها الجمع والقصر عند السفر والجمع عند الحاجة ، وفي الصوم كالتيسير على المريض والمسافر وكذا بقية أركان الإسلام فالزكاة على من ملك نصابا وحال عليه الحول ، والحج مرة في العمر لمن استطاع .

وشريعة التعبد في الإسلام لا تقتصر على عمل دون آخر بل كل عمل يقوم به العبد عبادة فهو يميط الأذى عن الطريق عبادة واللقمة يضعها في فم زوجته عبادة ويمسك لسانه عن قول الغيبة والكذب عبادة ويكرم ضيفه عبادة ويعود المريض عبادة ويقوم بكل فعل جميل مما هو مشروع لنفسه أو لغيره ويكون له عبادة وكل عمل أريد به وجه الله فهو عبادة .

 سماحة في المعاملة :إخوة الإسلام :”  أما في مجال المعاملات والآداب فتتجلى صور عظيمة من السماحة ، فلقد بني الإسلام شريعة التسامح في علاقاته على أساس متين فلم يضق ذرعا بالأديان السابقة ، وشرع للمسلم أن يكون حسن المعاملة رقيق الجانب لين القول مع المسلمين وغير المسلمين فيحسن جوارهم ويقبل ضيافتهم ويصاهرهم حتى تختلط الأسرة وتمتزج الدماء.

وشرع الإسلام مواساة غير المسلمين بالمال عند الحاجة فشرع للمسلم أن يعطيهم من الصدقة ويهدى إليهم ويقبل هديتهم ويواسيهم عند المصيبة ويعود مريضهم ويهنئهم بما تشرع فيه التهنئة كالتهنئة بالمولود والزواج ويناديهم بأسمائهم المحببة إليهم تأليفا لهم.

ومن سماحة الإسلام في المعاملة أن شرع العدل مع المخالف وجعل ذلك دليلا على التقوى التي رتب عليها أعظم الجزاء قال تعالى : “يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى”( المائدة / 8).

ولذا فإن من يتأمل أحكام الإسلام وتاريخ المسلمين يجد أنه لا يمكن أن يقوم مجتمع تحترم فيه الحقوق والواجبات كما في دولة الإسلام ، وفي أوج عزة دولة الإسلام وقوتها كان يوجد من غير المسلمين العلماء والأدباء والأطباء والنابغون في مختلف الفنون والأعمال ، وهل يمكن أن يكون لهؤلاء ظهور ونبوغ في أعمالهم لولا سماحة الإسلام ونبذه للتعصب الديني .

إن المعاهد في بلد الإسلام لا يعيش على هامش المجتمع بل يشارك ويخالط أفراد المجتمع ، وقد يسند إليه بعض الأعمال التي هي من صميم عمل أهل الإسلام ، فقد جوز الخرقي أن يكون الكافر من العاملين على الزكاة ، وذكر في المغني أنها إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ؛ لأن الله تعالى قال : “وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا “( التوبة / 60). وهذا لفظ عام يدخل فيه أي عامل على أي صفة كانت ولأن ما يأخذ على العمالة أجرة لعمله فلم يمنع من أخذه كسائر الإجارات . بل صرح الإمام الماوردي بجواز أن يتولى الذمي وزارة التنفيذ دون وزارة التفويض . لقد أطلق الإسلام على غير المسلمين الذين لهم ذمة أهل الذمة وعاملهم بها وهي تعني : العهد والأمان والضمان ، والحرمة والحق وهو عهد منسوب إلى الله عز وجل وإلى الرسول صلي الله عليه وسلم  قال ابن الأثير : “وسمي أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم”

سماحة النبي صلي الله عليه وسلم  في معاملة غير المسلمين:”

إخوة الإسلام :” بعث الله تعالى نبيه  صلي الله عليه وسلم  رحمة للعالمين ، وهو صلي الله عليه وسلم  مثال للكمال البشري في حياته كلها ، مثال للكمال في علاقته بربه وفي علاقته بالناس كلهم بمختلف أجناسهم وأعمارهم وألوانهم ، مسلمين وغير مسلمين ، قال جابر بن عبد الله رضى الله عنه كان رسول الله صلي الله عليه وسلم:” رجلا سهلا قال النووي : “أي سهل الخلق كريم الشمائل لطيفا ميسرا في الخلق

وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما خير رسول الله صلي الله عليه وسلم  بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما انتقم رسول الله صلي الله عليه وسلم  لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها . بمثل هذه القيم كانت دعوة النبي صلي الله عليه وسلم  يسر في كل شيء ، وذود عن حرمات الله لا عن عرض الدنيا أو أهواء النفوس .

وتعدد صور السماحة في هدي النبي صلي الله عليه وسلم  مع غير المسلمين وشواهد ذلك من سيرته لا تحصر وأذكر منها ما يلي:”

قال صلي الله عليه وسلم  : “لا يرحم الله من لا يرحم الناس وكلمة الناس هنا تشمل كل أحد من الناس ، دون اعتبار لجنسهم أو دينهم وجاءت النصوص في باب الرحمة مطلقة ، وقد ساق البخاري في باب رحمة الناس والبهائم حديث النبي صلى الله عليه وسلم :” ما من مسلم غرس غرسا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة”( النسائي). فدين الإسلام دين السماحة والرحمة يسع الناس كلهم ويغمرهم بالرحمة والإحسان .

*تجاوزه عن مخالفيه ممن ناصبوا له العداء فقد كانت سماحته يوم الفتح غاية ما يمكن أن يصل إليه صفح البشر وعفوهم فكان موقفه ممن كانوا حربا على الدعوة ولم يضعوا سيوفهم بعد عن حربها أن قال لهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء .

*وكان من سماحة النبي صلي الله عليه وسلم  أن يخاطب مخالفيه باللين من القول تأليفاً لهم ، كما تظهر سماحة النبي صلي الله عليه وسلم  مع غير المسلمين في كتبه إليهم حيث تضمنت هذه الكتب دعوتهم إلى الإسلام بألطف أسلوب وأبلغ عبارة..

*وكان صلي الله عليه وسلم  يغشى مخالفيه في دورهم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينا نحن في المسجد إذ خرج إلينا رسول الله صلي الله عليه وسلم  فقال :” انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئناهم فقام رسول الله صلي الله عليه وسلم  فناداهم فقال : ” يا معشر يهود أسلموا تسلموا ” فقالوا : قد بلغت يا أبا القاسم . . الحديث . وعاد صلي الله عليه وسلم  يهودياً ، كما في البخاري عن أنس رضى الله عنه أن غلاما ليهود كان يخدم النبي صلي الله عليه وسلم  فمرض فأتاه النبي صلي الله عليه وسلم  يعوده فقال : ( أسلم ) فأسلم .

وكان صلي الله عليه وسلم  يعامل مخالفيه من غير المسلمين في البيع والشراء والأخذ والعطاء ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت :” توفي النبي صلي الله عليه وسلم  ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين . يعني : صاعا من شعير .

وكان صلي الله عليه وسلم  يأمر بصلة القريب وإن كان غير مسلم فقال لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما : صلي أمك .

وفي المدينة حيث تأسس المجتمع الإسلامي الأول وعاش في كنفه اليهود بعهد مع المسلمين وكان صلي الله عليه وسلم  غاية في الحلم معهم والسماحة في معاملتهم حتى نقضوا العهد وخانوا رسول الله صلي الله عليه وسلم  ، أما من يعيشون بين المسلمين يحترمون قيمهم ومجتمعهم فلهم الضمان النبوي ، فقد ضمن صلى الله عليه وسلم لمن عاش بين ظهراني المسلمين بعهد وبقي على عهده أن يحظى بمحاجة النبي صلي الله عليه وسلم  لمن ظلمه فقال صلي الله عليه وسلم  : ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة . وشدد الوعيد على من هتك حرمة دمائهم فقال صلى الله عليه وسلم : من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما تلك صور من سماحة النبي صلي الله عليه وسلم  مع غير المسلمين وهو ما سار عليه الصحابة رضي الله عنهم والتابعون من بعدهم ..

سماحة الصحابة والتابعين :

إخوة الإسلام :”و تاريخ الإسلام شاهد على أن المسلمين لم يكرهوا أحدا في أي فترة من فترات التاريخ على ترك دينه ، فالإسلام دين العقل والفطرة ولا يقبل من أحد أن يدخله مكرها ، تحدى الأولين والآخرين بمعجزته الخالدة ، ولم يعرف في تاريخ المسلمين الطويل أنهم ضيقوا على اليهود والنصارى أو غيرهم أو أنهم أجبروا أحداً من أي طائفة من الطوائف اليهودية أو النصرانية على اعتناق الإسلام . يقول توماس آرنولد:”لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام غير المسلمين على قبول الإسلام أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي ” لقد كان عهد الخلفاء الراشدين امتداداً لعهد النبي صلي الله عليه وسلم  وشهد صورا من سماحة الإسلام في معاملة غير المسلمين من إعانتهم بالمال أو النفس عند الحاجة ، ومن كفالة العاجز منهم عن العمل أو كبير السن ، وغير ذلك . وهذا هو ما سار عليه الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم في صدر الإسلام في معاملتهم لأهل الذمة ، وأسوق هنا بعض الشواهد والأمثلة التي تبين سماحة الصحابة رضي الله عنهم في معاملة غير المسلمين .

في خلافة أبي بكر رضى الله عنه كتب خالد بن الوليد رضى الله عنه في عقد الذمة لأهل الحيرة بالعراق- وكانوا من النصارى:” وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله”

وأوصى عمر رضى الله عنه الخليفة من بعده بأهل الذمة أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم .

ومر عمر بن الخطاب رضى الله عنه بباب قوم وعليه سائل يسأل : شيخ كبير ضرير البصر ، فضرب عضده من خلفه وقال : من أي أهل الكتاب أنت؟ قال : يهودي ، قال : فما ألجأك إلى ما أرى ؟ قال : أسأل الجزية والحاجة والسن ، قال : فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال : انظر هذا وضرباءه  فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم” إنما الصدقات للفقراء والمساكين ” والفقراء هم المسلمون ، وهذا من المساكين من أهل الكتاب ، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه.

 

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين .أما بعد فيا جماعة الإسلام :

دحض شبهات

يتعرض دين الإسلام كل لحظة لاتهامات وافتراءات ومن الشبهات التي تعرض الآن :”أن دين الإسلام دين إرهاب ودين تطرف ودين لا يعرف السماحة ولا يعرف الرحمة والرفق بل هو دين متعطش للدماء يهوى تمزيق الأشلاء… إلى غير ذلك من الكلمات فى هذا الجانب المؤثر”.

وللرد علي هذه الشبهة نقول وبالله التوفيق :” إن الإسلام ليس صناعة بشرية وليس قانون وضعي من وضع أهل الأرض بل الإسلام دين الله الذي خلق الخلق وهو وحده جل وعلا الذي يعلم ما يسعد الخلق وما يشقيهم قال تعالى:” أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ”(الملك/14).

والإسلام دين الله بل هو دين الله لجميع الرسل والأنبياء ..

فالإسلام دين نوح المسلم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حيث قال تعالى:“وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ”(يونس/72).

والإسلام دين إبراهيم المسلم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حيث قال تعالى:”رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ “(البقرة/128).

والإسلام دين يعقوب المسلم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حيث قال الله تعالى حكاية عنه:.“أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِك َإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ”(البقرة/133).

والإسلام دين موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حيث قال الله تعالى حكاية عنه:” وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ”(يونس/84).

والإسلام دين عيسى المسلم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حيث قال الله تعالى حكاية عنه:“فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَال َالْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ “(آل عمران/52).

والإسلام دين يوسف المسلم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حيث قال الله تعالى حكاية عنه:.“رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيث ِفَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ “(يوسف/106).

والإسلام دين سليمان المسلم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حيث قال الله تعالى حكاية عن ملكة سبأ:” قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ  إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ”(سبأ/29-31).

والإسلام دين الجن المسلم حيث قال الله تعالى حكاية عنهم:” .وَأَنَّا مِنَّا المسلمون وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً  وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّم َحَطَباً”(الجن/14-15).

والإسلام دين لبنة التمام ومسك الختام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام حيث قال الله تعالى:.“الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً”(المائدة/6). :”إنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ”(آل عمران/19).

ومن سمي يقول الله تعالي :” وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ “(آل عمران/85).

فالإسلام ليس صناعة بشرية ليس قانون وضعى وليس مجموعة من البنود أو القوانين التى ينبغى أن تُعرض على أصحاب العقول هنا أو هنالك والإسلام ليس قضية للنقاش بل هو سيّد كل نقاش والحاكم لكل قضية تطرح للنقاش فالإسلام واضح المعالم.

نقول  بكل عز وشرف “مسلمون لا نخجل أبدًا من أسلامنا ولا نستحي أبدًا من أي جانب من جوانب هذا الدين العظيم

جاء الإسلام ليخرج الناس من الظلمات التى استحقت به البشرية مقت الله وغضبه حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم أي غضب عليهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب(مسلم).

أيها الأخوة المؤمنون:” الإسلام صمّام آمان ،هداية للحيارى ،نور لمن يعيشون في الظلام ،الإسلام شعلة توقد ما ذنب هذا الدين وما ذنب أتباعه من المسلمين إذا وجد في البشر من يعشقون سياسة إطفاء المصابيح.

نقول  :”بكل ثقة نحن المسلمين نحمل مشاعل الهداية ومصابيح النور لمن يعيشون فى الظلام وأنا أريد أن أضيء لمن يتعثرون ويتكفأون على الطريق بكل رحمة ورفق وتواضع فأنا أمشى فى الطرقات والشوارع أريد بنية صادقة وأدب جمّ وتواضع أن نضىء الطريق والدرب لمن يعيش فى هذا الظلام الدامس الحالك وآخذ بيد كل من يتعثر على الطريق فيخرج علىَّ رجل أعمى البصيرة وأعمى البصر ويريد أن يطفئ مصباح حتى يُحرم أولئك الذين يعيشون فى الظلام ثم تزداد غباوته ويزاد حمقه فيه جمع لىَّ ويريد تحطيم مصباحى بالكلية فهو لا يريد أن يجعله منطفئًا بل يريد تحطيمه بالكلية.

هل إذا دافعت عن هذا النور الذي أحمله لمن يعيشون فى الظلام هل بذلك أكون إرهابيًا أكون متطرفًا أكون اُصولى أكون فوضويًا أكون رجعيًا أكون متخلفًا إلى أخر هذه التهم المعلبة ويجرد الإسلام من معالم الرحمة والسماحة إلى غير ذلك!!!!! أي عقل هذا أنا أخاطب العقلاء في أي دين كانوا ولا حرج لا من ناحية اللغة ولا من ناحية الاصطلاح أن نطلق الدين على كل الشرائع ردوا علينا ردًا عقليًا منضبطًا..

نعم نحن نحارب من اعتدي علينا ولسنا كما يزعمون لا نحمل سيوفاً .. لماذا يعاب علينا ونحن لا نتحرك لا بأسلحة ولا دبابات ولا طائرات ولا قنابل جرثومية ولا قنابل نووية ولا بأسلحة محرمة دولية ؟؟؟

والله الذي لا إله غيره ما عرِفت الأرض ديناً كالإسلام فالدين عند الله الإسلام وإذا أطلقنا لفظة الدين على كل الشرائع فما عرفت أفضل من الإسلام برفقه ورحمته وكلكم يعرف ويحفظ أن زانية دخلت الجنة لأنها رحمت كلباً وامرأة دخلت النار بأنها عذبت قطة والحديثان في الصحيحين).

الفضل ماشهدت به الأعداء:

إخوة الإيمان والإسلام  :” وأبلغ رد علي هذه الفرية ما شهد به غير المسلمين ..فسماحة الإسلام في المعاملة في كتابات غير المسلمين منذ فجر الدعوة الإسلامية كانت شهادة خصومها ظاهرة بينة إذ رأوا من سماحة هذا الدين وتيسيره ما بهر عقولهم  ورأوا من سلوك أهله ما دعاهم إليه ، فاستجابت نفوس الكثيرين إليه وإلى أهله وإن لم يؤمنوا به ، فدون التاريخ شهاداتهم له ولأهله بحسن المعاملة والسماحة العظيمة .

فمن ذلك ما كتبه نصارى الشام في صدر الإسلام حيث كتب النصارى في الشام سنة 13هـ إلى أبي عبيدة بن الجراح رضى الله عنه يقولون : “يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا “.

واستمر هذا النهج في معاملة غير المسلمين عبر تاريخ الإسلام . ففي الوقت الحاضر يعيش طوائف عديدة من النصارى في بلاد الشام ومصر وبلاد المغرب العربي وهي شاهد على سماحة الإسلام جعلت المستشرق الإنجليزي توماس آرنولد يقول :” إن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسام . ويقول أيضا : “لما كان المسيحيون يعيشون في مجتمعهم آمنين على حياتهم وممتلكاتهم ناعمين بمثل هذا التسامح الذي منحهم حرية التفكير الديني تمتعوا وخاصة في المدن بحالة من الرفاهية والرخاء في الأيام الأولى من الخلافة” وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه : “العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام فالمسيحيون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة للتعصب الديني وأفظعها سمح لهم جميعا دون أي عائق يمنعهم

ممارسة شعائر دينهم وترك المسلمون لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى ، أوليس هذا منتهى التسامح ؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال ومتى ؟ ومن ذا الذي لم يتنفس الصعداء بعد الاضطهاد البيزنطي الصارخ وبعد فظائع الأسبان واضطهاد اليهود . إن السادة والحكام المسلمين الجدد لم يزجوا أنفسهم في شئون تلك الشعوب الداخلية . فبطريرك بيت المقدس يكتب في القرن التاسع لأخيه بطريرك القسطنطينية عن العرب : إنهم يمتازون بالعدل ولا يظلموننا البتة وهم لا يستخدمون معنا أي عنف”

ويقول المستشرق بارتولد : ” إن النصارى كانوا أحسن حالا تحت حكم المسلمين إذ أن المسلمين اتبعوا في معاملاتهم الدينية والاقتصادية لأهل الذمة مبدأ الرعاية والتساهل

ويقول بول فندلي وهو عضو سابق في الكونجرس الأمريكي : على المسلمين الإعلان جهرا عن هويتهم الإسلامية والبحث عن وسائل تمكنهم من عرض حقيقة دينهم على غير المسلمين . . ولا يجدر بهم انتظار حدوث أزمة كي يعلموا الآخرين بحقيقة دينهم . . لا بد للمسلمين أن يجاهروا بإسلامهم مجاهرة يكون سلوكهم الحسن معها وإنجازاتهم المجدية سبيلا للتعرف على الإسلام.

وكانت سماحة الإسلام سببا في إسلام الشاعر الأمريكي رونالد ركويل فقال بعد أن أشهر إسلامه : “لقد راعني حقا تلك السماحة التي يعامل بها الإسلام مخالفيه سماحة في السلم وسماحة في الحرب والجانب الإنساني في الإسلام واضح في كل وصاياه “.

وكتب القمص :” انجلوس جرجس في جريدة الأهرام المصرية مقالاً في 26فبراير 2017م تحت عنوان محنة الأقباط في العريش :” وفى أواخر القرن الثامن عشر وفد علماء الحملة الفرنسية وكتبوا كتابهم الشهير”وصف مصر” وكتبوا فيه عن الأقباط الآتي: “يكون القبط جزءا من كيان الأمة فى بلد مقهور.. إن جماعتهم الصغيرة بفضل بعض التعاليم المستمدة من الأخلاق الإنجيلية تعطى مصر صورة الوحدة والتناسق وهى صورة نادرة تماماً فى أماكن خربها الطغيان”وبعد قرن من الزمن سجل المعتمد البريطاني اللورد كرومر فشل السياسة الإنجليزية فى مصر فى كتابه “مصر الحديثة” ويقول: “إن الفارق الوحيد بين القبطى والمسلم هو أن الأول يصلى فى كنيسة والثاني يصلى فى مسجد” تلك هى هوية مصر التى حفظت مصر وقوام الدولة المصرية عبر التاريخ.

إخوة الإسلام:” إن عظمة هذا الدين لا تخفى إلا على من جهل حقيقة الإسلام أو عميت بصيرته عنه أو كان به لوثة من هوى أو حقد مقيت ، وإلا فإن سماحة الإسلام في المعاملة وتيسيره في كل أموره ، ظاهر بأدنى تأمل لمن طلب الحق وسعى إلى بلوغه والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

 




خطبة بعنوان: دور المرأة والأم في بناء المجتمع”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 18 من جمادي الأخرى 1438هـ – 17 مارس 2017م

خطبة بعنوان: دور المرأة والأم في بناء المجتمع”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 18 من جمادي الأخرى 1438هـ – 17  مارس 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:  

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: مكانة المرأة بين إهانة الجاهلية وتكريم الإسلام

العنصر الثاني: بر الأم بين الماضي والحاضر

العنصر الثالث: دور الأم في بناء المجتمع

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: مكانة المرأة بين إهانة الجاهلية وتكريم الإسلام

عباد الله: إننا لو نظرنا إلى مكانة المرأة عند الأمم السابقة قبل عصر الإسلام لوجدنا أنه لم تمر حضارة من الحضارات الغابرة ، إلا وسقت المرأة ألوان العذاب ، وأصناف الظلم والقهر. وسأقف سريعا مع نظرة هذه الحضارات للمرأة.

فعند الإغريقيين قالوا عنها : شجرة مسمومة ، وقالوا هي رجس من عمل الشيطان ، وتباع كأي سلعة متاع.

وعند الرومان قالوا عنها : ليس لها روح ، وكان من صور عذابها أن يصب عليها الزيت الحار ، وتسحب بالخيول حتى الموت.

وعند الصينيين قالوا عنها : مياه مؤلمة تغسل السعادة ، وللصيني الحق أن يدفن زوجته حية ، وإذا مات حُق لأهله أن يرثوه فيها.

وعند الهنود قالوا عنها : ليس الموت ، والجحيم ، والسم ، والأفاعي ، والنار ، أسوأ من المرأة ، بل وليس للمرأة الحق عند الهنود أن تعيش بعد ممات زوجها ، بل يجب أن تحرق معه.

وعند الفرس : أباحوا الزواج من المحرمات دون استثناء ، ويجوز للفارسي أن يحكم على زوجته بالموت.

وعند اليهود : قالوا عنها : لعنة لأنها سبب الغواية ، ونجسة في حال حيضها ، ويجوز لأبيها بيعها.

وعند النصارى : قالوا عنها: أنها خلقت لخدمة الرجل فحسب.

وعند العرب قبل الإسلام : تبغض بغض الموت، بل يؤدي الحال إلى وأدها، أي دفنها حية أو قذفها في بئر بصورة تذيب القلوب الميتة.

ولم يكن للمرأة حق الإرث، وكانوا يقولون في ذلك: لا يرثنا إلا من يحمل السيف؛ ‫ولم يكن للزوجة صداق ولا مهر عند بعض القبائل في الجاهلية؛ بل كان يشتري الزوج زوجته إذا دفع ثمنها لأبيها كما تشترى البهيمة!! وكان العرب في الجاهلية يُكرهون إماءهم على الزنا، ويأخذون أجورهم ؛ ولم يكن للمرأة على زوجها أي حق، وليس للطلاق عدد محدود، وليس لتعدد الزوجات عدد معين، وكانوا إذا مات الرجل، وله زوجة وأولاد من غيرها، كان الولد الأكبر أحق بزوجة أبيه من غيره، فهو يعتبرها إرثًا كبقية أموال أبيه!.

فجاء الإسلام فرفض ذلك وأبطله وفرض لها حقوقها ونظم وضعها في الطلاق والزواج والعدة بطريقة تحفظ كرامتها وعفتها وطهارتها !! وسأطوف سريعا مع حضراتكم حول مظاهر تكريم الإسلام للمرأة في جميع مراحلها العمرية منذ ولادتها طفلة حتى شيخوختها.

فالمسلمة في طفولتها لها حق الرضاع، والرعاية، وإحسان التربية، وهي في ذلك الوقت قرة العين، وثمرة الفؤاد لوالديها وإخوانها.

وإذا كبرت فهي معززة مكرمة؛ يغار عليها وليها، ويحوطها برعايته، فلا يرضى أن تمتد إليها أيد بسوء، ولا ألسنة بأذى، ولا أعين بخيانة.

وإذا تزوجت كان ذلك بكلمة الله، وميثاقه الغليظ؛ فتكون في بيت الزوج بأعز جوار، وأمنع ذمار، وواجب على زوجها إكرامها، والإحسان إليها، وكف الأذى عنها. وإذا كانت أماً كان برُّها مقروناً بحق الله-تعالى-وعقوقها والإساءة إليها مقروناً بالشرك بالله، والفساد في الأرض. وإذا كانت أختاً فهي التي أُمر المسلم بصلتها، وإكرامها، والغيرة عليها. وإذا كانت خالة كانت بمنزلة الأم في البر والصلة.

وإذا كانت جدة، أو كبيرة في السن زادت قيمتها لدى أولادها، وأحفادها، وجميع أقاربها؛ فلا يكاد يرد لها طلب، ولا يُسَفَّه لها رأي.

وإذا كانت بعيدة عن الإنسان لا يدنيها قرابة أو جوار كان له حق الإسلام العام من كف الأذى، وغض البصر ونحو ذلك.

وكل مرحلة من المراحل السابقة في التكريم والعناية لها أدلتها من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة – مما لا يتسع المقام لذكرها – وأنت بذلك خبير. فهل هناك ديانة أو مجتمعات على وجه الأرض نالت فيه المرأة مثل هذا التكريم ؟!!!

وقد لخص أحدهم  فضل المرأة ومكانتها في جميع مراحل عمرها السابقة بقوله: ما رأيت كالأنثى فضلاً .. تُدخِلُ أباها الجنةَ طفلة .. وتُكملُ نصف دين زوجها شابة .. والجنةُ تحت قدميها أُمّاً ..!! وما أجمل قول عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في المقارنة بين وضع المرأة في الجاهلية والإسلام :” وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ”. ( البخاري)

لذلك من رزق بهن كن سترا له من النار وسبيلا له إلى الجنة؛ وفي ذلك يقول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ” ( متفق عليه).

وما أجمل قول الإمام الشافعي رحمه الله : ” البنون نعم، والبنات حسنات، والله عز وجل يحاسب على النِعم، ويجازي على الحسنات “

لذلك كانوا يقدمون التهنئة لمن رزق ببنت؛ فقد كتب أحد الأدباء رسالة إلى صديق له يهنئه بالبنت يقول :” أهلا وسهلا بعقيلة النساء ، وأم الأبناء ، وجالبة الأصهار ، والأولاد الأطهار ؛ والمبشرة بإخوة يتناسقون ، ونجباء يتلاحقون.”

فلو كـــــــــان النساء كمن ذكــــــــــــرن………. لفضلت النساء على الرجال

وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ ………وما التذكير فخر للهلال

عباد الله: وإذا كان الإسلام قد رفع مكانة المرأة عموماً؛ فإنه قد رفع مكانة الأم خاصة لدورها البارز في بناء المجتمع؛ لذك أكد النبي صلى الله عليه وسلم على حسن صحبة الأم ثلاث مرات والأب مرة واحدة ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ” ( متفق عليه )

يقول ابن بطال – رحمه الله – ” في هذا الحديث دليل أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاث أمثال محبة الأب، لأن عليه السلام كرر الأم ثلاث مرات، وذكر الأب في المرة الرابعة فقط، وإذا تؤمل هذا المعنى شهد له العيان، وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم“.

العنصر الثاني: بر الأم بين الماضي والحاضر

أيها المسلمون: إذا كانت الأمة تحتفل بعيد الأم واليوم المخصص لها؛ فإننا نقف في هذه اللحظات لنعرض صوراً لبر الأم عند سلفنا الصالح مقارنة بصور البر للأمهات في واقعنا المعاصر .

فقد أمرنا الشارع الحكيم ببر الوالدين عموما والأم خصوصاً لأنها هي مصدر الحنان والرعاية والعطاء بلا حدود؛ قال تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [الإسراء: 23-24]. وقال: { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } (لقمان: 14) . فانظر رحمك الله كيف قرن شكرهما بشكره. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها أي إحداهما. قول الله تعالى: ” أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ” فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه. الثانية قول الله تعالى: ” وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ” فمن صلى ولم يزك لم يقبل منه. الثالثة قول الله تعالى: ” أن اشكر لي ولوالديك ” فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه. ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين ” .(البزار والبيهقي بسند حسن)

ولفضل الأم جعل الإسلام برها جهاداً في سبيل الله وطريقاً إلى الجنة؛ فقد جاء رجل إلى النبي “صلى الله عليه وسلم” فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو, وقد جئت أستشيرك, فقال: «هل لك من أم؟» قال: نعم، قال: «فالزمها فإن الجنة عند رجليها».( أحمد والنسائي).

ومن عجيب ما جاء به الإسلام أنه أمر ببر الأم، حتى وإن كانت مشركة, فقد سألت أسماء بنت أبى بكر النبي “صلى الله عليه وسلم” عن صلة أمها المشركة، وكانت قدمت عليها, فقال لها: «نعم, صلي أمك».(متفق عليه)

أيها المسلمون: وإذا كان الإسلام أعلى من شأن الأم وأعطى لها هذه المكانة العليا فحري بنا أن نقوم ببرها وودها ورعايتها كما كان يفعل سلفنا الصالح وشواهد ذلك عديدة وكثيرة.

فقد رأى ابن عمر رضي الله عنهما رجلا يطوف بالكعبة حاملا أمه على رقبته فقال : يا ابن عمر أترى أني جزيتها ؟ قال : لا! ولا بطلقة واحدة ولكنك أحسنت والله يثيبك على القليل كثيرا .

وروى عن رجل من التابعين يقال له حيوة بن شريح إمامٌ محدثٌ وراويةٌ فقيهٌ كان يجلس في درسه مئات من طلبة العلم ينقلون عنه علم رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم وحديثه، وبينما هو يلقي الدرس وفي الدرس مئاتُ طلبة العلم تفتح أمه الباب عليه وتقول له: يا حيوة قم وألقِ الشعير إلى الدجاج؛ فيقوم حيوة بن شريح القاضي إلى مكان الدجاج فيعلفه ثم يعود إلى درسه ولا يتأفف عن أمه.

وكان علي بن الحسن: لا يأكل مع والديه فقيل له في ذلك؟! فقال: لأنه ربما يكون بين يدي لقمة أطيب مما يكون بين أيديهما وهما يتمنيان ذلك , فإذا أكلت بخست بحقهما!!

ولشدة برهم بأمهم كانوا يؤثرونها بحسناتهم. “قال ابن المبارك : لو كنت مغتابا لاغتبت أمي فإنها أحق بحسناتي”.(فيض القدير للمناوي)

وهذا أبو هريرة كانت أمّه في بيت وهو في آخر، فإذا أراد أن يخرج وقف على بابها فقال: السّلام عليك يا أمّاه ورحمة الله وبركاته. فتقول: وعليك يا بنيّ ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحمك الله كما ربّيتني صغيرا. فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيرا. (الأدب المفرد للبخاري)

وعن محمد بن المنكدر رحمه الله تعالى أنه قال: “بِتُّ أَغْمِزُ رِجْلَ أُمِّي، وَأخي عُمَرُ يُصَلِّي الليلُ ، وَمَا أُحِبُّ أنَّ لَيْلَتِي بِلَيْلَتِهِ” ؛ أغمز: أي أدلكها لمرض أصابها. أي واحد يبر أمه والآخر بطاعة ربه فكان يرى أن بر أمه أعظم من طاعة ربه!!

لذلك قال ابن عبّاس- رضي الله عنهما-:” إنّي لا أعلم عملا أقرب إلى الله- عزّ وجلّ- من برّ الوالدة” (الأدب المفرد للبخاري).

وعن عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة فقلت : من هذا ؟ قالوا : حارثة بن النعمان » ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كذلكم البر كذلكم البر »(الحاكم وصححه) وكان حارثة أبرّ النّاس بأمّه.

وقال حميد: لما ماتت أم أياس بن معاوية: بكى , فقيل له: ما يبكيك؟ قال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة , وأُغلق أحدهما.

وأختم صور بر الأم عند سلفنا الصالح بهذه القصة الجميلة التي تنبأ بها النبي صلى الله عليه وسلم للتابعي الجليل أويس بن عامر الذي أصبح مجاب الدعوة من كثرة بره لأمه.

فعنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ :  كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ سَأَلَهُمْ : أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ : أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : مِنْ مُرَادٍ ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ لَكَ وَالِدَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ”  يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ ، مِنْ مُرَادٍ ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ . فَاسْتَغْفِرْ لِي . فَاسْتَغْفَرَ لَهُ .”(مسلم). قال القاضي عياض:” وقول النبى – عليه الصلاة والسلام – فيه: ” له والدة، هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره “: إشارة إلى إجابة دعوته وعظيم مكانته عند ربه، وأنه لا يخيب أمله فيه، ولا يكذب ظنه به، ولا يرد دعوته ورغبته وعزيمته وقسمه فى سؤاله بصدق توكله عليه وتفويضه إليه، وقيل: معنى ” أقسم على الله “: وعى، و” أبره ” أجابه، وفيه فضل بر الوالدين، وعظيم أجر البر بهما.” أ.ه. وقال النووي: ” هذه منقبة ظاهرة لأويس رضي الله عنه . وفيه استحباب طلب الدعاء والاستغفار من أهل الصلاح ، وإن كان الطالب أفضل منهم .”

هكذا علمنا السلف الصالح رضي الله عنهم بحياتهم العملية كيف نبر أمهاتنا وكيف نعظم قدرها وهي الأم التي صنعت الرجال؟!!

عباد الله: اعلموا أن الجزاء من جنس العمل في البر والعقوق؛ فمن بر أمه بره أبناؤه؛ ومن عق أمه عقه أبناؤه؛ فكما تدين تدان. وإليكم هذه القصة: روى أن العوام بن حوشب قال : نزلت مرة حيا وإلى جانب ذلك الحي مقبرة ، فلما كان بعد العصر انشق منها قبر فخرج رجل رأسه رأس حمار وجسده جسد إنسان فنهق ثلاث نهقات ثم انطبق عليه القبر ، فإذا عجوز تغزل شعرا أو صوفا فقالت امرأة : تري تلك العجوز ؟ قلت : ما لها ؟ قالت تلك أم هذا ، قلت وما كان قضيته ؟ قالت كان يشرب الخمر فإذا راح تقول له أمه : يا بني اتق الله إلى متى تشرب هذا الخمر ؟ فيقول لها : إنما أنت تنهقين كما ينهق الحمار ؛ قالت فمات بعد العصر ، قالت فهو يشق عنه القبر بعد العصر كل يوم فينهق ثلاث نهقات ثم ينطبق عليه القبر ” .(الأصبهاني وحسن القصة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب)

وهناك قصة مشهورة على ألسنة الخطباء والوعاظ وهي قصة علقمة الذي  عجز لسانه عن نطق كلمة التوحيد عند الاحتضار لأنه كان يعقه أمه؛ فدعى الرسول أمه وأمرها أن ترضى عنه أو يحرق بالنار فرضيت فأطلق لسانه!!  هذه القصة لم تثبت فانتبه!!

أحبتي في الله: تعالوا بنا لنقف ونطوف سريعاً مع واقعنا المعاصر وما يحدث فيه من عقوق وموت الضمائر والقلوب.

هذه قصة واقعية يرويها أحدهم قائلاً: كنت على شاطئ البحر فرأيت امرأة كبيرة في السن جالسة على ذلك الشاطئ تجاوزت الساعة الثانية عشرة مساءً ؛ فقربت منها مع أسرتي ونزلت من سيارتي … أتيت عند هذه المرأة , فقلت لها : يا والدة من تنتظرين ؟!

قالت : انتظر ابني ذهب وسيأتي بعد قليل … يقول الراوي : شككت في أمر هذه المرأة .. وأصابني ريب في بقائها في هذا المكان !! الوقت متأخر ولا أظن أن أحد سيأتي بعد هذا الوقت !!…يقول : انتظرت ساعة كاملة ولم يأت أحد … فأتيت لها مرة أخرى فقالت : يا ولدي .. ولدي ذهب وسيأتي الآن!! يقول : فنظرت فإذا بورقه بجانب هذه المرأة . فقلت : لو سمحت أريد أن اقرأ هذه الورقة . قالت : إن هذه الورقة وضعها ابني وقال : أي واحد يأتي فأعطه هذه الورقة. يقول الراوي : قرأت هذه الورقة … فماذا مكتوب فيها ؟

مكتوب فيها : ( إلى من يجد هذه المرأة الرجاء أن يأخذها إلى دار العجزة والمسنين ). عجباً لحال هؤلاء !!

قصة أخرى: رجل أصابه الكبر الشديد وتجاوز التسعين من العمر؛ فأصبح في بعض الأحيان يفقد وعيه ويفقد الذاكرة حتى يصبح كالمجنون تذهب الذاكرة وتعود .. لقد قام بتزويج أبنائه الثلاثة وأسكنهم في نفس البيت؛ ولكن كانت زوجات أبنائه قد تضايقوا من وجود هذا الأب ..فوضع البنات خطة لطرد هذا الأب وأقنعن الأزواج بالذهاب به إلى دار العجزة والمسنين؛ وفعلاً استجاب هؤلاء الأبناء – عليهم من الله ما يستحقون – وذهبوا بوالدهم إلى دار العجزة والمسنين؛ وقالوا للمسئولين: إن هذا الرجل وجدناه في الطريق ونريد أن نكسب الأجر فوضعناه عندكم في دار العجزة. رحبت دار العجزة بهذا الأمر على أنه فعلا رجل في الطريق ليس له أحد إلا هؤلاء جاءوا به إلى هذا المكان . قالوا للبواب المسئول : إذا مات هذا الرجل فهذا رقم البيت ورقم الجوال فاتصل علينا. ما هي إلا لحظات وتعود الذاكرة إلى هذا الأب وينادي أبناءه يا فلان يا فلان أحضروا لي ماءً أريد أن أتوضأ !! جاء المسئول والممرضون عند هذا الأب الكبير قالوا : أنت في دار العجزة. قال : متى أتيت إلى هنا ؟! قالوا : أتيت في يوم كذا وكذا وذكروا أوصاف الأبناء الذين جاءوا به . قال هؤلاء أبنائي ورفع يديه ودعا عليهم.. اللهم كما فعلو بي هذا الفعل اللهم فأرني وجوههم تلتهب ناراً يوم القيامة؛ اللهم أحرمهم من الجنة يا رب العالمين!! وينادي المدير المسئول ويكتب جميع عقاراته وأملاكه وقفاً لهذه الدار؛  ولم يتحمل هذه الصدمة وتوفي مباشره .

فرح الأبناء بعدما اتصل عليهم هذا البواب وأعطوه مبلغاً من المال؛ فجاءوا فرحين؛ ولكن تفاجؤوا  إذ برجال الأمن يوقفونهم عند المحكمة ليخبروهم أن هذه الأملاك كلها أصبحت ملكاً لدار العجزة؛ ويجب عليهم أن يخرجوا من هذه الشقق التي كانوا يسكنون فيها؛ هذا في الدنيا فضلا عن العقاب المعد لهم في  الآخرة !!

قصة ثالثة: امرأة عجوز ذهب بها ابنها إلى الوادي عند الذئاب يريد الانتقام منها , وتسمع المرأة أصوات الذئاب , فلما رجع الابن ندم على فعلته فرجع وتنكر في هيئته حتى لا تعرفه أمه .. فغير صوته وغير هيئته …فاقترب منها. قالت له يا أخ : لو سمحت هناك ولدي ذهب من هذا الطريق انتبه عليه لا تأكله الذئاب!!..يا سبحان الله!! … يريد أن يقتلها وهي ترحمه خوفاً عليه من الذئاب!!

أيها المسلمون: لا تظنون هذه القصص من الخيال؛ والله في البيوت أعظم من ذلك , واسألوا المحاكم وزوروا المستشفيات ودور المسنين ترون العجب العجاب !!

والله إن كثرة العقوق في المجتمع دليل وبرهان وعلامة على قرب قيام الساعة كما جاء في حديث جبريل عليه السلام في قوله:” فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ؟ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ!! قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا”. (البخاري ومسلم).قال الحافظ ابن حجر في معنى تلد الأمة ربتها:” أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام ؛ فأطلق عليه ربها مجازا لذلك . أو المراد بالرب المربي فيكون حقيقة ، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه ؛ ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة . ومحصلة الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربى مربيا والسافل عاليا ، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى أن تصير الحفاة ملوك الأرض .”(فتح الباري)

العنصر الثالث: دور الأم في بناء المجتمع

عباد الله: إن للأم دوراً كبيراً في بناء المجتمع؛ لأنها تمثل نصف الأمة؛ فإذا كان الإسلام رفع من شأنها ومكانتها وكرمها أيما تكريم؛ وعني بها كل هذه العناية, وقرر لها كل هذه الحقوق, واجب عليها أن تحسن تربية أبنائها, فتغرس فيهم الفضائل, وتبغضهم في الرذائل, وتدفعهم دفعا إلى الجد والاجتهاد والعمل من أجل بناء المجتمع؛ وتعودهم على طاعة الله, وتشجعهم على نصرة الحق, ولا تثبطهم عن الجهاد, استجابةً لعاطفة الأمومة في صدرها, بل تغلب نداء الحق على نداء العاطفة.

ولقد ضربت لنا الأمهات الخالدات أروع الأمثلة في التربية والتعليم وبناء المجتمع؛ فلقد رأينا أمًا مؤمنة كالخنساء في معركة القادسية تحرض أبناءها الأربعة, وتوصيهم بالإقدام والثبات في كلمات بليغة رائعة, وما إن انتهت المعركة حتى نعوا إليها جميعًا, فما ولولت ولا صاحت, بل قالت في رضا ويقين: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم في سبيله!!

وهذه أم سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث لما مات أبوه انقطع عن طلب العلم فترك حلقة شيخه في رواية الحديث النبوي الشريف فقالت له أمه: لم فعلت ذلك؟! قال: أريد أن أعمل وأنفق على البيت!! فقالت له أمه: عد إلى طلب العلم والزم حلقة شيخك وأنا أكفيك بمغزلي!! فكانت الأم تغزل الصوف وتبيعه في السوق وتنفق على ولدها سفيان حتى صار أمير المؤمنين في الحديث!!

كما كان للمرأة دور هام في الدفاع عن وطنها، وأرضها، وشعبها، كما طلب ذلك من الرجل، وقد أقرّ النبى، صلى الله عليه وسلم، مشاركة النساء فى الجهاد والغزوات، بل غزت المرأة مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كأم سليم بن ملحان، وأم حرام بنت ملحان، وأم الحارث الأنصارية، والرُّبَيِّع بنت معوذ، وأم سنان الأسلمية، وأم سليط، وليلى الغفارية، وكعيبة بنت سعيد الأسلمية، وحمنة بنت جحش، ورفيدة الأنصارية، وأم زياد الأشجعية وغيرهن كثيرات.

أما ميدان العلم فنبغ فى مختلف مراحل التاريخ الإسلامي الآلاف من العالمات المتفوقات فى أنواع العلوم وفروع المعرفة وحقول الثقافة العربية والإسلامية، وقد ترجم ابن حجر فى كتابه «الإصابة»، لثلاث وأربعين وخمسمائة وألف امرأة، منهن الفقيهات والمحدثات والأديبات.

ولقد تفوقت المرأة المسلمة على الرجل فى جوانب كثيرة فى علوم الحضارة الإسلامية، خاصة فى جانب علم الحديث ومعرفة رواته، ويسجل تلك الشهادة أئمة علم الحديث والمصطلح، فيقول الإمام الذهبى: «وما علمت فى النساء من اتهمت ولا من تركوها». «ميزان الاعتدال فى نقد الرجال، للإمام الذهبى».

وقد ضربت لنا عائشة رضي الله عنها أروع المثل في إقبال المرأة المسلمة على التعلم فقد كانت رضي الله عنها تمتاز بعلمها الغزير الواسع في مختلف نواحي العلوم كالحديث، والطب، والشعر، والفقه والفرائض .

والأمثلة على دور المرأة في بناء المجتمع في العهد السابق كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.

أيها المسلمون: إن المرأة نصف الأمة، بل هي بمنزلة القلب منها، فإذا صلحت صلحت الأمة، وإذا فسدت فسدت الأمة، وقد أدرك هذا العلماء فقالوا: إنك إن علمت فتاةً علمت أسرةً؛ ويكفى أنها تحمل مسؤولية كبيرة في تربية شباب المستقبل ، ورجالات الأمة ، فهي المحضن الخصب الذي يخرج منه إلى الحياة أولئك الأبطال ، والذي لولاها بعد الله لخرجن نماذج كرتونية ضعيفة هزيلة .

يقول الكاتب التركي عزيز نيسين حول المرأة: ” كلما قدّمتم للمرأة شيئاً تعيده إليكم مضاعفاً بمراتٍ عديدة…

إن قدّمتم لها نطفةً تعيدها إليكم طفلاً ؛ وإن قدّمتم لها بيتاً تعيده إليكم عشّاً دافئاً ؛ وإن قدّمتم لها خضاراً تعيدها إليكم طعاماً شهياً ؛ وإن قدّمتم لها ابتسامةً تقدّم لكم قلباً ؛ دائماً تعيد ما تقدّمونه لها مضاعفاً وكبيراً.. لهذا السبب إن رميتموها بحفنة طينٍ عليكم أن تكونوا مستعدين للغرق في مستنقع ستعدّه لكم “.

أحبتي في الله: إن للأم دورًا كبيرًا في رعاية الأولاد – منذ ولادتهم – وفي تشكيل أخلاقهم وسلوكهم، وما أجمل عبارة : ” إن وراء كل رجل عظيم امرأة أعظم”، وكما قيل : “الرجال لا يولدون بل يُصنعون”. وكما قال الشاعر:    

وينشأُ ناشئُ الفتيانِ مِنا …………… على ما كان عَوَّدَهُ أبُوه

فيجب على الأم أن تربي أبناءها على الأخلاق والقيم؛ والعلم والعمل؛ لأن الولد ذكراً كان أو أنثي يتطبع بطباع الأم وأخلاقها؛ فتغرس فيه الخير وتنزع منه كل شهر؛ وصدق الشاعر اللبناني ( أحمد تقي الدين ) حيث يقول:

والأُم أَولى الوالـــدَيْن بوِلْــــــدِها……………..تَسقيه من دم قلبها الخفّاق

الأم مدرسةُ البــــــــنينَ وحسبُهم…………….أن يغتدوا من ثديها المهراق

هي تُرضعُ الأجسامَ والأرواحَ ما……………في صدرها من صحة وخَلاق

فإذا هي انحّطتْ فنشءٌ خــــــاملٌ………….. وإذا ارتقتْ بشِّرْ بنشءٍ راقي

الطفلُ مثلُ الشمعِ لَدْنٌ فاْطبعي………………يا أُمُّ فيه محاسنَ الأّخلاق

أما إهمال تربية الأبناء فجريمة يترتب عليها أَوْخَم العواقب على حد قول الشاعر:

إهمالُ تربية البنين جريمةٌ …………..عادت على الآباء بالنكبات

وأختم اللقاء بقصة في الإهمال من جانب الأم: سرق رجل مالاً كثيرًا، وقُدّم للحد فطلب أمه، ولما جاءت دعاها ليقبلها، ثم عضها عضة شديدة، فقيل له ما حملك على ذلك؟ قال: سرقت بيضة وأنا صغير، فشجعتني وأقرتني على الجريمة حتى أفضت بي إلى ما أنا عليه الآن!!

أيها المسلمون: وهكذا تظهر أهمية المرأة كزوجة وأم ومربية أجيال؛ فعليها أن تغرس في أولادها منهج نبينا – صلى الله عليه وسلم- في جميع شئون الحياة، وذلك بتعليمهم آداب الصلاة والصوم والاستئذان ودخول البت وخروجه، وآداب الطعام والشراب، واحترام الكبير وتوقيره؛ وتحمل مصاعب الحياة؛ والجد والعمل من أجل بناء الأسرة والوطن؛ وغير ذلك من الآداب التي حثتا عليها الشارع الحكيم.

الدعاء……..                                                      وأقم الصلاة،،،،

 كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

 د / خالد بدير بدوي

 

 




خطبة الجمعة القادمة:”دور المرأة في بناء المجتمع”بتاريخ 18 من جمادي الأخري 1438هـ الموافق 17-3-2017م

خطبة الجمعة القادمة:”دور المرأة في بناء المجتمع”بتاريخ 18 من جمادي الأخري 1438هـ الموافق 17-3-2017م.

 




خطبة بعنوان : “دور المرأة في بناء مجتمع الإسلام”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 18 من جمادي الأخري 1438هـ، الموافق 17 مارس 2017م

خطبة بعنوان : “دور المرأة في بناء مجتمع  الإسلام“، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 18 من جمادي الأخري 1438هـ، الموافق 17 مارس 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

الحمد لله رب العالمين  ، حمد الذاكرين الشاكرين الموحدين بالله رب العالمين .القائل :”وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ “( البقرة /228].واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ “(الحشر /18].وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبد الله ورسوله القائل :”خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”(الترمذي). اللهم صلاة وسلاماً عليك يا سيدي يا رسول الله وعلى آلك وصحبك وسلم ..أما بعد فيا جماعة الإسلام :

يقول الله  تعالي “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ “(1الحجرات /13].

أخوة الإيمان والإسلام ..

من تعقيدات الحضارة الحديثة أن صار للمرأة قضية يكثر حولها الجدل والنقاش والأخذ والرد ، فهؤلاء أعداء الإسلام الذين ينادون بتحرير المرأة ويثرن الضجيج حول الظلم الواقع بها حتى أنه ليخيل إليك أن هناك معسكرات للاعتقال تساق إليها المرأة في القيود والسلاسل حيث تسجن وتعذب وتضرب وعندما تحاول معرفة ذلك لا ترى شيئاً.

ولما نقل دعاة تحرير المرأة هذه القضية إلينا -كما قلت- لم ينقلوها على أنها قضية مظلوم يُنتَصَرُ له، بل نقلت على أنها قضية امرأة مقابل رجل، وقضية ذكر مقابل أنثى؛ وهكذا استطاعوا أن يمزقوا المجتمع وأن يوجدوا هذه الفرقة بينه ليتمزق، فأي مكان للرجل فيه موضع قدم قيل: وأين مكان المرأة؟!وقيل للمرأة: وأين دورك؟!وأي مكان للمرأة، يقال للرجل: لماذا يترك المكان للنساء فقط؟وهكذا حتى تتناحر المجتمعات، والمجتمعات الغربية من المعلوم أنها مجتمعات متفككة لا روابط فيها، فإذا بلغت الفتاة الثامنة عشرة تطرد من بيت أهلها، وتعيش كما تشاء وأينما تشاء مع من تشاء، وكذلك الحال مع الشاب من الذكور، وومن هنا فإن كل جماعة وفئة في المجتمع تحتاج إلى تكتل تنظم تحت لوائه لتنتصر إذا ظلمت من قبل الآخرين، ولذا نجد العمال لهم تكتلات مقابل أصحاب رءوس الأموال، والطلاب لهم تكتلات مقابل الجامعات، النساء أيضاً لابد أن يتكتلن وإلا ضِعْنَ، فتتكتل النساء ويجتمعن وينشئن الجمعيات. لأن المرأة إن لم تكن في جمعية فلن تجد من يطالب بحقها؛ لأنها ستكون ضائعة في حكم القانون!! فلا بد أن تتكتل، ومن هنا تكونت الحركات والجمعيات النسائية وما أشبه ذلك.

 

 

وحديثنا إليكم اليوم عن دور المرأة في الإسلام وكيف كرم الإسلام المرأة ..على عكس اعتقاد البعض .فقد كفل الإسلام  للمرأة كافّة حقوقها، ومنحها مكانةً عظيمةً سواءً أكانت أمّاً، أو زوجةً، أو بنتاً، أو أختاً، فلها ما لها من الحقوق وعليها ما عليها من الواجبات، بل وأعطاها ميّزاتٍ إضافيّةٍ عن الرَّجل بأنْ جعلها الأمّ الّتي تكون الجنّة تحت أقدامها، وأعطاها من الحسنات ما استحقّت عندما تقوم برعاية بيتها وتهيئته على أحسن وجهٍ، وزوجها عندما تسانده وتقف معه في السّراء والضّراء، وتخفّف عنه عبء وظيفته وتعب يومه، وأولادها الّذين تسعى جاهدةً على تربيتهم تربيةً صالحة.

وقبل الحديث عن هذا الأمر لابد أن نلقي نظرة سريعة حول ما يتصل بالمساواة بين الرجل والمرأة في تشريع الإسلام :فهذه قضية ترددت فيها كل القوانين والأنظمة البشرية وما زالت تتردى معها أحوال المرأة بالرغم من التقدم الهائل الذي أحرزته الدولة التي تدعي التقدم والمدنية :وإذا نظرنا لوجدنا أنه لا يتحقق للمرأة تلك المساواة الحقيقية إلا في ظل الإسلام :

أخوة الإسلام : فالمرأة مساوية للرجل فيما يلي :

1- في أصل الخلقة :”يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ “( الحجرات /13).

2- وفي القيمة الإنسانية : حيث لا تفاضل بين الجنسين في الإسلام إلا في ميزان التقوى:” إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ( الحجرات  /13).

3– الثواب والعقاب الإلهي :”مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ “(  النحل  /97).

4- في المسئولية الجنائية كذلك:” وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (المائدة /38).

وكل ما يترتب على هذه الأسس للتساوي فهما فيه سواء لا فرق لأحدهما على الآخر وفيما عدا ذلك تبقى الخلافات والفوارق الخلقية بين الرجل والمرأة .

ما يتصل بحرية المرأة :

أخوة الإيمان :” فالمرأة في نظر الإسلام ليست كماً مهملاً ولا جسداً يباع ويشترى ولا هي سقط متاع ولا هي مخلوق نجس ولا هي نذير شؤم ونحس ولا هي تقتل مع زوجها إذا مات ولا هي تدفن حية وهو ما يسمى بالوأد .كما أنها ليست وسيلة إمتاع وتسلية المجتمع للرجال كما هو مشاهد في بعض المجتمعات المعاصرة. ولنستعرض بإيجاز بعض ملامح حرية المرأة في الإسلام :

1) حرية العقيدة

أيها الناس :” للمرأة كامل حريتها في العقيدة التي تحب أن تعتنقها بمعنى أنه ليس من مبادئ هذا الدين إجبار المرأة غير المسلمة وكذلك الرجل غير المسلم على اعتناق دين الإسلام فهي إما أن تعتنقه بمحض إرادتها وكامل حريتها وإقتناعها وإما أن تظل في مجتمع المسلمين على عقيدتها وتعامل معاملة الذميين :”لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ “(البقرة /256). لكن إذا اعتنقت الإسلام ليس لها أن تعدل عنه إلى غيره وإلا اعتبرت مرتدة وتعامل معاملة المرتدين عن الإسلام ، فهي إن تزوجت بمسلم وأحبت أن تظل على ديانتها اليهودية أو المسيحية فلها ذلك وليس لزوجها إجبارها على الدخول في الإسلام :”الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ “(المائدة /5).

2) حريتها في زواجها إنشاء وإنهاء :

بمعنى أنه عند تزوج المرأة لابد من موافقتها على الزواج من هذا الرجل الذي يريد الزواج منها ولابد أن تكون هذه الموافقة صريحة لا إكراه فيها ولا إجبار .ففي الحديث الشريف :” لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن “.(البخاري).

وروى أن فتاة إلى النبي صلي الله عليه وسلم  فقالت :” إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع به خسيسته ” يغطي نقصه وفقره ” قال فجعل الأمر إليها فقالت قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء شيء ” (النسائي وبن ماجة).

3) رؤية خاطبها

أحباب رسول الله :” وقد أعطاها المشرع حق رؤية خاطبها ، وتعرفه معرفة يقينية وتعرفه وتقتنع به وبإمكان الحياة معه ولولا حق الرؤية والمعرفة لكانتا هذه الموافقة شكلية وبلا مضمون وإذا لم توافق وامتنع إتمام هذا الزواج الذي لا ترغب فيه المرأة.

4- اختيار الرجل الصالح :

أيها الناس :” وللمرأة الحق في اختيار الرجل الصالح  وأرشد الإسلام إلى هذا الأمر فقال صلي الله عليه وسلم  ” إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير “ (الترمذي).

وأية فتنة أن تقع الفتاة المؤمنة المتدينة في عصمة رجل متحلل أو زوج ملحد لا يرغب في مؤمنة إلاً ولا ذمة ولا يقيم للشرف والغيرة والعرض وزناً ولا اعتباراً وأيه فتنة أعظم على المرأة الصالحة من أن تقع في عصمة زوج إباحي فاجر يكرهها على السفور والاختلاط ويجبرها على شرب الخمر ومراقصة الرجال .

اختيار على أساس الأصل والشرف وكما حث الإسلام الرجل على أن يختار زوجته أصيلة وشريفة ومتدينة أعطى أيضاً للمرأة هذا الحق ولقد نوه النبي صلي الله عليه وسلم  عن اختلاف معادن الناس حين قال :” تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه “(البخاري وغيره).  ولهذا حض عليه الصلاة والسلام كل راغب في الزواج أن يكون الانتقاء في الزواج على أساس الأصالة والشرف والصلاح والطيب .

5- المهر :

أخوة الإيمان والإسلام :” كما أعطى الإسلام حرية للمرأة في أن تأخذ المهر تكريماً لها وإيناساً لوحشتها تلبية لغريزة حب التملك المتأصلة فيها وإعانة لها على الانتقال إلى حياة الزوجية حيث تتملك ما يزوق لها . قال تعالى  :”وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً“( النساء /4). فللمرأة أن تأخذ مهرها سواء كان قليلاً أو كثيراً حسب الحالة ونهاها الإسلام أن تبالغ في ذلك حين قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :”  أعظم النساء بركة أيسرهن صداقاً” (أحمد والبيهقي). هذا المهر أو الجهاز تملكه المرأة كما تملك أي مال لها وليس لزوجها الحق في الولاية عليه كله ولا بعضه”.

6- حق الخلع :

أخوة الإيمان والإسلام:”  وللمرأة الحق في زواجها إنشاءً وعرفنا ذلك . ولها الحق في زواجها إنهاءً بمعنى أن المرأة إذا تزوجت واكتشفت أن هذا الزواج لا يمكنها الحياة في ظله أو أن الحياة بعد فترة انقلبت بين الزوجين إلى شقاء وجحيم  أو غير ذلك من الصور وطلبت المرأة من الزوج أن يفترقا فأبى : هنا لا يقبل الإسلام أن يكره المرأة على البقاء مع مثل هذا الرجل الذي لا يرضاه ولا تحب البقاء معه فيعطيها حرية حرية إنها هذا الزواج ، نعم يعطيها حرية إنهاء هذا الزواج بنفسها وهو ما يسمى بالخلع ” :

وصورته أن تفتدي المرأة نفسها من زوجها على مال يأخذه منها سواء كان هو المهر الذي دفعه لها أو أقل منه أو كثر أو غير ذلك ثم يخلعها وبذلك تكون حرة من هذه الزيجة التي لا تحب الاستمرار فيها ولو امتنع ذلك اجبر قانوناً “.

}الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (البقرة /229).

ويروى أنه قد جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم  فقالت يا رسول الله : “ثابت بن قيس ما عبت عليه في خلق ولا دين ولكني أكرهه في الإسلام فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم :” أتردين عليه حديقته ؟ قالت نعم قال رسول الله صلي الله عليه وسلم  : اقبل الحديقة وطلقها تطليقه “ (البخاري).

7) حق التملك :

وللمرأة أيها الأحباب :” حق التملك وحريتها في التصرف فيما تملكه :”لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( النساء/7).ولا سلطان لأحد ولا ولاية عليها تحول بينها وبين والدها أو أخيها أو زوجها أو ابنها في هذه التصرفات المالية إلا إذا أدت إلى خروجها عن طاعة الله أو طاعة زوجها أو الإهمال في حقوقه عليها فله أن يقومها في هذه الحالة. (كتاب الخطب /عبد الناصر بليح).

ولسنا بحاجة إلى أن نستعرض قضية المرأة عبر التاريخ، ولكن يكفي أن نعلم أنه إلى القرن السابع عشر الميلادي في أوروبا كان من حق الرجل أن يبيع زوجته، وقد حصل ذلك، ولم تكن المرأة تملك شيئاً حتى القرن العشرين، وإلى هذه اللحظة لا تزال دول أوروبية معروفة إلى اليوم بأنها لا تعطي المرأة حق الانتخابات، فهي

ليست محسوبة من ضمن الشعب الذي يحق له أن ينتخب، وإلى هذه اللحظة لا تملك المرأة أن تستقل باسمها، وإنما بمجرد أن تتزوج أي زوج فإنها تصبح تابعة له بالاسم، وفي كثير من الدول لا يحق للمرأة أن تتملك شيئاً أبداً، فضلاً عن أنهم كانوا على حال أشد من ذلك فيما هو ثابت في نظرياتهم الفلسفية منذ عهد اليونان، فقد كان فلاسفة اليونان يكتبون -وكتاباتهم موجودة إلى اليوم- ويتساءلون هل المرأة إنسان أم لا؟!(دور المرأة في بناء المجتمع –سفرالحوالي).

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين .أما بعد فيا جماعة الإسلام .

دور المرأة في بناء  المجتمع

تلعب المرأة دوراً حيوياً وفعّالاً في بناء المجتمع، فهي اللّبنة الأساسيّة فيه، وهي كالبِذرة الّتي تُنتج ثماراً تصلُح بصلاحها وتفسد بفسادها؛ لِذا علينا أنْ لا نغفل عن دور المرأة في المجتمع، وأنْ نُعطيها كامل حقوقها، ونَضمن لها كرامتها، فهي من تَبني الأجيال ذكوراً وإناثا لِينهضوا بحضارتهم، ويصنعوا مستقبلاً واعداً لبلادهم.  فللمرأة دور كبير في المجتمع صلاحاً وفساداً،  وإذا تتبعنا هذا ما كفانا وقت . ولكن نقول وبالله التوفيق .

نماذج من المرأة في صدر الإسلام :

أخوة الإسلام :” يقول الله تبارك وتعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر(المؤمنون/71). إن الإسلام لا يريد دفن طاقات المرأة وسلب أي دور لها في المجتمع، بل العكس تماماً فهو يريد أن يفعّل طاقات المرأة في الاتجاه الصحيح، لتكون عنصراً فعالاً له دوره الإيجابي والبناء في المجتمع، فالفعالية في المجتمع ليست خاصة بالرجال بل هي تكليف للمؤمنات كما كانت تكليفاً للمؤمنين يؤهل الإسلام المرأة لأن يكون لها ـ كالرجل ـ دور في جميع الأمور، فكما يؤدي الرجل دوراً في جميع الأمور، فالمرأة أيضاً تمتلك مثل هذا الدوروإن التاريخ ليروي لنا قصص كثيراً من السيدات شاركن في العمل وركوب البحر مع الغزاة ..

وقد حفل العهد النبوي بنماذج مشرقة لنساء قدمن تراثاً فقهياً متميزاً‏;فقد كانت المرأة حاضرة في المجتمع العلمي منذ اللحظة الأولي لظهور الإسلام,فكانت تتعلم وتعلم وتفتي,وكان حرص النساء علي العلم الشرعي والاهتمام به في ذلك العهد واضحاً جلياً,حتي إن النساء قلن لرسول الله صلي الله عليه وسلم اجعل لنا يوما كما جعلته للرجال..

وكان أكثر الصحابيات علماً بالفقه أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن; وخاصة عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب بنت جحش, وممن اشتهر عنهن الفتيا من غيرهن فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه وسلم وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما, وها هي أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها فقيهة أهل المدينة وأكثرهن تلقيا للعلم; قال عنها صلي الله عليه وسلم:فضل عائشة علي النساء كفضل الثريد علي سائر الطعام,”( البخاري).  فقد كانت رضي الله عنها من أعلم الناس بأحكام الإسلام,قال عنها الإمام الزهري:لو جمع علم عائشة إلي علم جميع النساء لكان علم عائشة “(أفضل,الإجابة للزركشي ص56).

أم سلمة :”وكانت رضي الله عنها ذات رأي رجيح وأخذ الرسول صلي الله عليه وسلم برأيها يوم الحديبية حين لم يرض الكثير من المسلمين ببعض شروط الصلح فنصحته بأن لايكلم أحد حتى ينحر ويحلق ويخرج إليهم ولما رأوه قاموا وحلقوا ونحروا تأسياً به صلي الله عليه وسلم   واشتهرت أم سلمة رضي الله عنها بعد وفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالرواية والفتيا لكونها آخر من تبقي من أمهات المؤمنين; الأمر الذي جعل مروياتها كثيرة; إذ جمعت بين الأحكام والتفسير والآداب والأدعية وغيرها.(الدور العلمي للمرأة في صدر الإسلام د/علي جمعة).

والشفاء بنت عبد الله كعب العدوية القرشية :” واسمها ليلي وغلب عليها الشفاء وأسلمت قبل الهجرة وهي من القلائل الذين عرفوا القراءة والكتابة وقد حباها الله عز وجل عقلاً راجحاً وعلما نافعاً ..وكانت رضي الله عنها تخرج مع النبي في غزاته تداوي الجرحى وكانت تأتيها الصحابة في بيتها للتطبب وقد اشتهرت برقية النملة وهي قروح تصيب الجنين ..

وكان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب يجلها ويقدرها وقد عينها أول وزيرة تجارة في الإسلام كما عينها أول قاضية في الإسلام .. وقد ولاها علي نظام الحسبة في السوق أو كما يسمي بقضاء الحسبة وقضاء السوق وجعلها تفصل في المنازعات التجارية والمالية وهي بمثابة قاضي محكمة تجارية في يومنا هذا أو كما قيل :” وزيرة تجارة وقد قال البعض إنها بمثابة وزيرة مالية ..(عكاظ /عبدالله عمر خياط).

دور المرأة في وقتنا الحاضر

أيها الناس :” لقد برزت المرأة في عصرنا هذا ولعبت أدواراً عديدة بحاجةٍ إلى قوّةٍ وشجاعةٍ وبأس، فظهرت المرأة القائدة لبلادها، والمرأة الطّبيبة، والمرأة المعلّمة، وأخذت دوراً حتى في مجالات الحِرف اليدوية الّتي عُرفتْ بأنّها من قوة الرّجال، ولكنّها برعت في كلِّ دورٍ لعبت فيه، وستُبدع أكثر وأكثر إذا آمن المجتمع بها، وأعطاها من الفرص ما أعطى للرّجل، فلها الحقّ في البحث عن ذاتها،ولها الحق في العمل إذا أمنت الفتنة وحافظت علي حيائها ونفسها ..ولها الحق في المشاركة الفعالة لبناء المجتمع اقتصادياً وعلمياً ودينياً .. فالإسلام لا ينهى المرأة عن أي عمل، فلا يقول الإسلام إن من المحرمات على المرأة أن تصبح عاملة، أو مزارعة، أو تاجرة، فمن حق المرأة أن تقوم بما يقوم به الرجل في العمل والزراعة والتجارة شريطة أمر واحد هو (الحشمة) والحفاظ على كيانها كإنسانة. فالإسلام ينهى عن التعرّي، والكشف عن أنوثة المرأة، ولا ينهى عن العمل، وكلنا نعرف أن خديجة بنت خويلد عليها السلام كانت صاحبة أملاك، وكانت تاجرة كبيرة، وتعرّفها على رسول الله صلي الله عليه وسلم كان عن طريق تجارتها، حيث عمل النبي (صلي الله عليه وسلم ) لديها. فالمرأة تستطيع أن تعمل إذا استطاعت أن تحافظ في عملها على الحجاب أو لم تختلط بالرجال الأجانب، لأنها في غير هذه الصورة تتحول إلى متعة وجنس للرجال.إن الدور والواجب على المرأة أن تعتني بنفسها لرفع مستواها الفكري، والسياسي، والثقافي والديني والعلمي، والاقتداء بنماذج للمرأة المجاهدة من طراز المجاهدات الكبيرات، فاطمة الزهراء، وزينب الكبرى عليهما السلام.

 

 

 




خطبة الجمعة 17 /3 /2017 بعنوان دور المرأة في بناء المجتمع

خطبة الجمعة 17 /3 /2017 بعنوان دور المرأة في بناء المجتمع

وتؤكد وزارة الأوقاف على جميع السادة الأئمة الالتزام بنص الخطبة أو بجوهرها على أقل تقدير مع الالتزام بضابط الوقت ما بين 15 – 20 دقيقة كحد أقصى ، واثقة في سعة أفقهم العلمي والفكري ، وفهمهم المستنير للدين ، وتفهمهم لما تقتضيه طبيعة المرحلة من ضبط للخطاب الدعوي ، مع استبعاد أي خطيب لا يلتزم بموضوع الخطبة

وسنوافيكم بالخطبة فور الانتهاء من إعدادها




خطبة الجمعة القادمة:”التضحية من أجل الأوطان”بتاريخ 11 من جمادي الأخري 1438هـ الموافق 10-3-2017م

خطبة الجمعة القادمة:”التضحية من أجل الأوطان”بتاريخ 11 من جمادي الأخري 1438هـ الموافق 10-3-2017م.

 

 




خطبة بعنوان: حب الوطن والتضحية من أجله”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 11 من جمادي الأخرى 1438هـ – 10 مارس 2017م

خطبة بعنوان: حب الوطن والتضحية من أجله”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 11 من جمادي الأخرى 1438هـ – 10  مارس 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:  

 11 جمادى الآخرة 1438هـ –  10 مارس 2017م

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: حب الوطن والحنين إليه غريزة فطرية

العنصر الثاني: أنواع التضحية في مجالات الحياة

العنصر الثالث: واجبنا نحو التضحية من أجل الوطن

العنصر الرابع: من أنواع الشهداء ( الشهادة في سبيل الوطن )

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: حب الوطن والحنين إليه غريزة فطرية

عباد الله: إن حب الوطن غريزة فطرية في الإنسان، وما من إنسان إلا ويعتز بوطنه؛ لأنه مهد صباه ومدرج خطاه ومرتع طفولته، وملجأ كهولته، ومنبع ذكرياته، وموطن آبائه وأجداده، ومأوى أبنائه وأحفاده، حتى الحيوانات لا ترضى بغير وطنها بديلاً، ومن أجله تضحي بكل غالٍ ونفيس، والطيور تعيش في عشها في سعادة ولا ترضى بغيره ولو كان من حرير، والسمك يقطع آلاف الأميال متنقلاً عبر البحار والمحيطات ثم يعود إلى وطنه، وهذه النملة الصغيرة تخرج من بيتها ووطنها فتقطع الفيافي والقفار وتصعد على الصخور وتمشي على الرمال تبحث عن رزقها، ثم تعود إلى بيتها، بل إن بعض المخلوقات إذا تم نقلها عن موطنها الأصلي فإنها تموت، ولذا يقول الأصمعي:” ثلاث خصال في ثلاثة أصناف من الحيوانات: الإبل تحن إلى أوطانها وإن كان عهدها بها بعيدًا، والطير إلى وكره وإن كان موضعه مجدبًا، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر نفعًا”. وقد روي في ذلك أن مالك بن فهم خرج من السراة ( بلدة بالحجاز) يريد عمان، قد توسط الطريق، حنت إبله إلى مراعيها، وقبلت تلتفت إلى نحو السراة وتردد الحنين؛ فقال مالك في ذلك:

تحن إلى أوطانهـــــــــــا إبل مالك … ومن دونهــــــــــــــــــا عرض الفلا والدكادك

وفي كل أرض للفتى متقـــــــــــــــلب … ولست بدار الذل طوعا برامـــــــــــــــــــــــــــك

ستغنيك عن أرض الحجاز مشارب … رحاب النواحي واضحات المسالك

 فإذا كانت هذه سنة الله في المخلوقات فقد جعلها الله في فطرة الإنسان، وإلا فما الذي يجعل الإنسان الذي يعيش في المناطق شديدة الحرارة، والتي قد تصل إلى ستين درجة فوق الصفر، وذلك الذي يعيش في القطب المتجمد الشمالي تحت البرد القارص، أو ذلك الذي يعيش في الغابات والأدغال يعاني من مخاطر الحياة كل يوم، ما الذي جعلهم يتحملون كل ذلك إلا حبهم لوطنهم وديارهم؟!!

لذلك كان من حق الوطن علينا أن نحبه؛ وهذا ما أعلنه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يترك مكة تركًا مؤقتًا؛ فعن عبد الله بن عدي أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو واقف على راحلته بالحَزْوَرَة مِنْ مَكَّةَ يَقُول: “وَالله إِنَّك لَخَيْرُ أَرضِ اللهِ وَأحَبُّ أرْضِ اللهِ إِلًى اللهِ، وَلَوْلاَ أنِّي أخْرِجْتُ مِنْكِ مَاَ خَرَجْتُ” ( الترمذي وحسنه)؛ فما أروعَها من كلمات! كلمات قالها الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو يودِّع وطنه، إنها تكشف عن حبٍّ عميق، وانتماءٍ صادقٍ؛ وتعلُّق كبير بالوطن، بمكة المكرمة، بحلِّها وحَرَمها، بجبالها ووديانها، برملها وصخورها، بمائها وهوائها، هواؤها عليل ولو كان محمَّلًا بالغبار، وماؤها زلال ولو خالطه الأكدار، وتربتُها دواء ولو كانت قفارًا.

إنها الأرض التي ولد فيها، ونشأ فيها، وشبَّ فيها، وتزوَّج فيها، فيها ذكرياتٌ لا تُنسى، فالوطن ذاكرة الإنسان، فيها الأحباب والأصحاب، فيها الآباء والأجداد. قال الغزالي: “والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحَشًا، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص”.

وها هو الخليل ابراهيم عليه السلام حين ترك زوجته هاجر وابنه اسماعيل عليه السلام فى مكة المكرمة وهى واد قاحل غير ذى زرع دعا ربه أن ييسر لهم أسباب الاستقرار ووسائل عمارة الديار ؛ فقَالَ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلاَمِ-:{رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}( إبراهيم: 37) وهذا كليم الله موسى عليه السلام حنّ إلى وطنه بعد أن خرج منها مجبراً؛ قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}.(القصص: 29)؛ قال ابن العربي في أحكام القرآن: ” قال علماؤنا: لما قضى موسى الأجل طلب الرجوع إلى أهله وحنّ إلى وطنه وفي الرجوع إلى الأوطان تقتحم الأغرار وتركب الأخطار وتعلل الخواطر. ويقول: لما طالت المدة لعله قد نسيت التهمة وبليت القصة”.

وها هو رسولنا صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: لما أخبر ورقة بن نوفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قومه ـ وهم قريش ـ مخرجوه من مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوَمخرجِيَّ هم؟!) قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزَّرا. قال السهيلي رحمه الله: “يؤخذ منه شدّة مفارقة الوطن على النفس؛ فإنّه صلى الله عليه وسلم سمع قول ورقة أنهم يؤذونه ويكذبونه فلم يظهر منه انزعاج لذلك، فلما ذكر له الإخراج تحرّكت نفسه لحبّ الوطن وإلفه، فقال: (أوَمخرجِيَّ هم؟!

قال الحافظ الذهبي : وهو من العلماء المدقِّقين – مُعَدِّدًا طائفةً من محبوبات رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ” وكان يحبُّ عائشةَ، ويحبُّ أَبَاهَا، ويحبُّ أسامةَ، ويحب سبطَيْه، ويحب الحلواء والعسل، ويحب جبل أُحُدٍ، ويحب وطنه”.

ولتعلق النبي – صلى الله عليه وسلم – بوطنه الذي نشأ وترعرع فيه ووفائه له وانتمائه إليه؛ دعا ربه لما وصل المدينة أن يغرس فيه حبها فقال: ” اللهم حبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنا مكةَ أو أشدَّ”. (البخاري ومسلم.)

وقد استجاب الله دعاءه، فكان يحبُّ المدينة حبًّا عظيمًا، وكان يُسرُّ عندما يرى معالِمَها التي تدلُّ على قرب وصوله إليها؛ فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: “كان رسول الله إذا قدم من سفرٍ، فأبصر درجات المدينة، أوضع ناقتَه – أي: أسرع بها – وإن كانت دابة حرَّكَها”، قال أبو عبدالله: زاد الحارث بن عمير عن حميد: “حركها من حبِّها”. (البخاري.)

ومع كل هذا الحب للمدينة لم يستطع أن ينسى حب مكة لحظة واحدة؛ لأن نفسه وعقله وخاطره في شغل دائم وتفكير مستمر في حبها؛ فقد أخرج الأزرقي في “أخبار مكة” عن ابن شهاب قال: قدم أصيل الغفاري قبل أن يضرب الحجاب على أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، فدخل على عائشة -رضي الله عنها- فقالت له: يا أصيل: كيف عهدت مكة؟! قال: عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، قالت: أقم حتى يأتيك النبي، فلم يلبث أن دخل النبي، فقال له: “يا أصيل: كيف عهدت مكة؟!”، قال: والله عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق إذخرها، وأسلت ثمامها، فقال: “حسبك -يا أصيل- لا تحزنا”. وفي رواية أخرى قال: “ويها يا أصيل! دع القلوب تقر قرارها”.

أرأيت كيف عبر النبي الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- عن حبه وهيامه وحنينه إلى وطنه بقوله: “يا أصيل: دع القلوب تقر”، فإن ذكر بلده الحبيب -الذي ولد فيه، ونشأ تحت سمائه وفوق أرضه، وبلغ أشده وأكرم بالنبوة في رحابه- أمامه يثير لواعج شوقه، ويذكي جمرة حنينه إلى موطنه الحبيب الأثير العزيز!!

أرأيت كيف أن الصحابة المهاجرين -رضوان الله عليهم أجمعين- كانوا يحاولون تخفيف حدة شوقهم وإطفاء لظى حنينهم إلى وطنهم بالأبيات الرقيقة المرققة التي تذكرهم بمعالم وطنهم من الوديان والموارد والجبال! ولما كان الخروج من الوطن قاسيًا على النفس، صعبًا عليها، فقد كان من فضائل المهاجرين أنهم ضحوا بأوطانهم في سبيل الله، فللمهاجرين على الأنصار أفضلية ترك الوطن، ما يدل على أن ترك الوطن ليس بالأمر السهل على النفس، وقد مدحهم الله سبحانه على ذلك فقال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ}. [الحشر: 8].

أيها المسلمون: إن تراب الوطن الذي نعيش عليه له الفضل علينا في جميع مجالات حياتنا الاقتصادية والصناعية والزراعية والتجارية؛ بل إن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يستخدم تراب وطنه في الرقية والعلاج؛ فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في الرقية: ” باسم الله، تُرْبَةُ أَرْضِنا، ورِيقَةُ بَعْضِنا، يَشْفَى سقيمُنا بإذن ربنا”. ( البخاري ومسلم.)

والشفاء في شم المحبوب، ومن ألوان الدواء لقاءُ المحبِّ محبوبَه أو أثرًا من آثاره!! ألم يُشفَ يعقوبُ ويعود إليه بصره عندما ألقَوْا عليه قميصَ يوسفَ؟! قال الجاحظ: ” كانت العرب إذا غزتْ وسافرتْ حملتْ معها من تُربة بلدها رملاً وعفراً تستنشقه عند نزْلةٍ أو زكام أو صُداع.”(الرسائل). وهكذا يظهر لنا بجلاء فضيلة وأهمية حب الوطن والانتماء والحنين إليه في الإسلام.

العنصر الثاني: أنواع التضحية في مجالات الحياة

عباد الله: قبل أن نتكلم عن أنواع التضحية نقف سريعا حول معنى تضحية كما في «معجم المعاني الجامع»: التَّضْحِيَةُ بِالنَّفْسِ: بَذْلُهَا فِي سَبِيلِ قَضِيَّةٍ أو فِكْرَةٍ أو مِنْ أجل الآخرين من دُونَ مُقَابِلٍ، كَمَا تَكُونُ التَّضْحِيَةُ بِالْمَالِ أو العَمَلِ أو الْمَصْلَحَةِ.

إن مفهوم التضحية يختلف من شخص لآخر، فعالم النفس «أدلر» يرى أن: «التضحية سلوك ينبع من أسلوب الحياة، حيث تبلغ الذات فيه أعلى مراتب الإنسانية، لتكون ذاتاً فعالة خلاقة لأن تتخطى عقبات الحياة وظروفها».

فمفهوم التضحية وبذل الغالي الرخيص يختلف من شخص لآخر تبعا لما يعتقده الإنسان ويتعلق به؛ فتجد أن الإنسان إذا أحب شيئا ما فإنه يضحي من أجله؛ وبالمثال يتضح المقال.

فهذا عروة بن الزبير لما تعلق حب الله في قلبه ضحي بقطع ساقه وهو ساجد حتى لا يغفل قلبه عن ذكر الله لحظة؛ فالمحب يهيم في محبوبه حتى لا يكاد يرى غيره؛ يروى أن قيس بن الملوح مجنون ليلى تابع كلب ليلى ليدله ، فمر على قوم يصلون ، وعندما عاد مارا بهم قالوا له : ترانا نصلي ولا تصلي معنا ؟! قال : كنتم تصلون ؟! قالوا : نعم ، فقال : والله ما رأيتكم !. ولو كنتم تحبون الله كما أحب ليلى ما رأيتموني !. فهذا مشغوف بحب ليلى حتى حجبه حبها عن رؤية المصلين!!!

وأنت ترى أن الصحابة كانوا دائما يضحون بأرواحهم فداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهذا نابع من حبهم له.

ففي طريق الهجرة كما ذكر ابن القيم في زاد الميعاد، والبيهقي في الدلائل: ” أن أبا بكر ليلة انطلق مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الغار، كان يمشي بين يديه ساعة، ومن خلفه ساعة، فسأله، فقال: أذكر الطلب (ما يأتي من الخلف) فأمشي خلفك، وأذكر الرصد (المترصد في الطريق) فأمشي أمامك، فقال صلى الله عليه وسلم: ( لو كان شيء أحْبَبْتَ أن تُقتل دوني؟ )، قال: أي والذي بعثك بالحق، فلما انتهيا إلى الغار قال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار، فاستبرأه “ .

وهذا زيد بن الدثنة قال له أبو سفيان حين قُدِّمَ ليقتل: ” أنشدك بالله يا زيد، أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك ؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنى جالس في أهلى. قال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا !” (السيرة النبوية لابن كثير).

 وهذا أبو طلحة الذي يذب عن رسول الله يوم أحد؛ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:” لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ؛ وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ؛ كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؛ وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ بِجَعْبَةٍ مِنْ النَّبْلِ فَيَقُولُ انْثُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ. قَالَ: وَيُشْرِفُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ”. (متفق عليه).

وهذا صهيب صاحب المال الوفير في مكة ضحى بماله من أجل الهجرة ورفع راية الإسلام؛ فعن صهيب قال : لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش : يا صهيب ، قدمت إلينا ولا مال لك ، وتخرج أنت ومالك ! والله لا يكون ذلك أبدا . فقلت لهم : أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني ؟ قالوا : نعم . فدفعت إليهم مالي ، فخلوا عني ، فخرجت حتى قدمت المدينة . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ” ربح صهيب ، ربح صهيب ” مرتين . فأنزل الله فيه {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}. (البقرة: 207). (تفسير ابن كثير)

وقد كان لكثير مــــن أصحابه صلى الله عليه وسلم ـ رضي الله عنهم ـ صفحات طويلة من البذل والتضحيات.

فهذا علــي ـ رضي الله عنه ـ يـعـرِّض نفسه للهلاك ويضحي بحياته بنومه في فراش النبي -صلى الله عليه وسلم- عشية الهجرة.

ويرمي البراء نفسه بين الأعداء في حديقة الموت فيفتح الله للمسلمين بسببه.

ويُـعــرِض أبو الدرداء عن التجارة تفرغاً لمجالسة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويتقبل خالد بن الــوليد التنازل عن منصبه طاعة لأمير المؤمنين.

ويتنازل أبو عبيدة عن إمرة الجيش لعمرو بن العاص جمعاً لكلمة المسلمين.

ويرفض الحسن بن علي الخلافة درءاً للفتنة وجمعاً للكلمة.

ويقبِّل عامر بن عبدالله رأس زعيم الروم المشرك ليعتق له أسرى المسلمين.

ولم يخلُ تاريخ النساء العظيم من روائــع بالـجــود والتضحية؛ فقد ضحت أم سلمة بشمل الأسرة، وتحملت فراق الزوج والولد في سبيل الـهـــجـرة، ولا يـخـــفـــى جهــد أسـمــاء وعناؤهــا أثناء الهجــرة، ولا تضحيتها بابنها عبدالله بن الزبير في سبيل نصرة الحق.

أيها المسلمون: إذا كانت التضحية في كل ما سبق في الجانب الإيجابي؛ فكذلك تكون التضحية في الجانب السلبي؛ لأن صاحبه يعتقد فكرة أو حرفة أو جريمة يضحي بكل شيء من أجلها مع أنها باطلة ومحرمة؛ فأنت ترى أن السارق يضحي من أجل سرقته ولو أدى ذلك إلى حبسه وسجنه؛ وترى الزاني يضحي من أجل شهوته؛ وترى شارب الخمر يضحي بالغالي والرخيص من أجل سكره؛ وترى صاحب الأفكار المتطرفة الهدامة العفنة يضحي بنفسه وماله من أجل ترويج باطله؛ حتى ولو أدى ذلك بحياته؛ فالمخلص لوطنه من يحمل أدوات البناء والتشييد، والمعادي له من يحمل معاول الهدم والتخريب، والمحب لوطنه من ينشد الخير والسلام والأمن لبلده ومجتمعه.. وعكسه هو الذي يسعى لإذكاء الفتن وإشعال الحرائق ويمارس الإرهاب والجريمة المنظمة..جميع هؤلاء يتغنون باسم الوطن ويدعون خدمته والعمل لصالحه، واختلطت على العامة المفاهيم والأعمال، وبات من الصعب في العديد من الحالات والظروف والأوضاع والاضطرابات السياسية والأمنية التمييز بين المصداقية والزيف في استخدام هذه الشعارات؛ وبين المواطن الصالح الناصح الباني لوطنه..وذلك الكاذب المضلل المتاجر بقضايا وطنه وشعبه، بين من يدافع عن الوطن ومن يخونه؛ وهذا ما نعرفه بالتفصيل في عنصرنا التالي إن شاء الله تعالى.

العنصر الثالث: واجبنا نحو التضحية من أجل الوطن

عباد الله: إن المسلم الحقيقي يكون وفيًّا أعظم ما يكون الوفاء لوطنه، محبًّا أشد ما يكون الحب له، مستعدًا للتضحية دائمًا في سبيله بنفسه ونفيسه، ورخيصه وغاليه، فحبه لوطنه حب طبيعي مفطور عليه، حب أجل وأسمى من أن ترتقي إليه شبهة أو شك، حب تدعو إليه الفطرة، وترحب به العقيدة، وتؤيده السنة، وتجمع عليه خيار الأمة؛ فيا له من حب!

قيل لأعرابي: كيف تصنعون في البادية إذا اشتد القيظ (الحر) حين ينتعل كل شيء ظله؟! قال: “يمشي أحدنا ميلاً، فيرفض عرقًا، ثم ينصب عصاه، ويلقي عليها كساه، ويجلس في فيه يكتال الريح، فكأنه في إيوان كسرى”. أي حب هذا وهو يلاقي ما يلاقي!! إنه يقول: أنا في وطني بهذه الحالة مَلِكٌ مثل كسرى في إيوانه.

إن المواطنة الحقة قيم ومبادئ وإحساس ونصيحة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وعزة وموالاة وتضحية وإيثار والتزام أخلاقي للفرد والأمة، إنها شعور بالشوق إلى الوطن حتى وإن كان لا يعيش الفرد في مرابعه كما قال شوقي:

وطني لو شغلت بالخلد عنه *** نازعتني إليه بالخلد نفسي

فأين هؤلاء الذين يدّعون حب الوطن والوطنية ولا ترى في أعمالهم وسلوكياتهم وكلامهم غير الخيانة والعبث بمقدراته، والعمالة لأعدائه، وتأجيج الفتن والصراعات بين أبنائه، ونشر الرذيلة ومحاربة الفضيلة!!

 أين الوفاء للأرض التي عاشوا فيها وأكلوا من خيراتها، وترعرعوا في رباها، واستظلوا تحت سماها، وكانت أرض الإيمان والتوحيد والعقيدة الصافية!!

عباد الله : يجب على كل مسلم أن يحب وطنه، ويتفانى في خدمته، ويضحي للدفاع عنه؛ فحب الوطن والدفاع عنه لا يحتاج لمساومة؛ ولا يحتاج لمزايدة؛ ولا يحتاج لشعارات رنانة؛ ولا يحتاج لآلاف الكلمات؛ أفعالنا تشير إلى حبنا، حركاتنا تدل عليه؛ حروفنا وكلماتنا تنساب إليه، أصواتنا تنطق به؛ آمالنا تتجه إليه، طموحاتنا ترتبط به، لأجل أرض وأوطان راقت الدماء؛ لأجل أرض وأوطان تشردت أمم، لأجل أرض وأوطان تحملت الشعوب ألواناً من العذاب؛ لأجل أن نكون منها وبها ولها؛ وإليها مطالبون أينما كنا أن نحافظ عليها !!

حب الوطن والتضحية من أجله هو واقع يستحق أن نعمل بحب وتفان من أجل المحافظة عليه لأنه أثمن ما في وجودنا وانتمائنا، فالوطن هو التاريخ والحضارة والتراث، وهو الذي سكن جسدنا وروحنا وذاكرتنا، ومن أجله وخاصة في هذه الفترة العصيبة نحتاج إلى العمل من دون مقابل، لأن الوطن فوق كل شيء.

بِلاَدِي هَوَاهَا فِي لِسَانِي وَفِي دَمِي …………… يُمَجِّدُهَا  قَلْبِي  وَيَدْعُو  لَهَا  فَمِي

يروى أنه عندما تقدم نابليون نحو الأراضي الروسية بقصد احتلالها، صادف فلاحا يعمل بمنجله في أحد الحقول، فسأله عن أقرب الطرق المؤدية إلى إحدى البلدان بعد أن أعلن له عن شخصيته، فقال له الفلاح ساخرا: «ومن نابليون هذا ؟!.. إنني لا أعرفه!». فقال نابليون غاضبا: «سوف أجعلك تعرف من أنا». ثم نادى أحد الضباط وأمره بأن يسخن قطعة من المعدن على هيئة حرف «N» الذي يبدأ به اسم نابليون حتى درجة الاحمرار ثم يلصقها بذراعه اليسرى. وبعد أن تم لنابليون ما أراد، هوى الفلاح بالمنجل على ذراعه من عند الرسغ وقطعها، وقال لنابليون والدم ينزف منه: «خير لي أن أموت أو أحيا بذراع واحدة من أن أعيش بجسم تلوث بالحرف الأول من اسمك.. إنني وما أملك لبلادي».

ذهل نابليون من رد فعل هذا الفلاح، فصاح في جنوده أن يحضروا الزيت، ويقوموا بغليه، ويغمروا البقية الباقية من يده فيه، لإيقاف النزيف، قائلا لهم: «حرام أن يموت رجل يملك هذه الشجاعة وهذه الوطنية»، لكنهم إلى أن أحضروا الزيت وقاموا بغليه كان الفلاح قد نزف دما كثيرا، وما هي إلا دقائق حتى لفظ أنفاسه.

وحزن نابليون عليه حزنا شديدا لدرجة أنه أمر بحفر قبر له يدفن فيه، ومكث في المكان نفسه عدة أيام، وقبل أن يغادر وضع قبعته الشخصية على القبر وتركها تكريما وتقديرا لذلك الفلاح الجريء؛ وأمر قواته بأن تتجاوز تلك القرية ولا تدخلها أبدا.

فأين نحن من تضحياتنا لوطننا؟ فالتضحية من أجل الوطن ليست مقتصرة على مواجهة العدو والموت في سبيل الوطن ورفع الشعارات؛ أين هؤلاء الذين يدّعون حب الوطن والوطنية وهم من ذلك براء؟! ولا ترى في أعمالهم وسلوكياتهم وكلامهم غير الخيانة والعبث بمقدراته، والعمالة لأعدائه، وتأجيج الفتن والصراعات بين أبنائه، ونشر الرذيلة ومحاربة الفضيلة!!

أحبتي في الله: إن واجبنا نحو التضحية من أجل وطننا أن يضحي كل فرد في المجتمع بحسب عمله ومسئوليته؛ فيضحي الطبيب من أجل حياة المريض؛ ويضحي المعلم من أجل تعليم وتنشئة الأولاد؛ ويضحي المهندس من أجل عمارة الوطن؛ ويضحي القاضي من أجل إقامة وتحقيق العدل؛ ويضحي الداعية من أجل نشر الوعي والفكر الصحيح بين أفراد المجتمع وتصحيح المفاهيم المغلوطة والأفكار المنحرفة؛ وتضحي الدولة من أجل كفالة الشعب ورعايته؛ ويضحي الأب من أجل معيشة كريمة لأولاده؛ ويضحي الجندي من أجل الدفاع عن وطنه؛ ويضحي العامل من أجل إتقان عمله؛ وتضحي الأم من أجل تربية أولادها..إلخ…. إننا فعلنا ذلك فإننا ننشد مجتمعا فاضلا متعاونا متكافلا تسوده روابط المحبة والإخلاص والبر والإحسان وجميع القيم الفاضلة.

العنصر الرابع: من أنواع الشهداء ( الشهادة في سبيل الوطن )

كثير من الناس يعتقد أن الشهادة تقتصر على الموت في محاربة الكفار فقط ، ولكن شهداء أمة محمد – صلى الله عليه وسلم-  كثيرون، ففي الحديث المتفق عليه أن النبي – صلى الله عليه وسلم-  قال: الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ؛ وَالْمَبْطُونُ؛ وَالْغَرِيقُ؛ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ؛ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ “.  وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمًا لأَصْحَابِهِ: مَا تَعُدُّونَ الشُّهَدَاءَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: مَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلا غَيْرَ مُدْبِرٍ شَهِيدٌ، قَالَ: إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذَنْ لَقَلِيلٌ: الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْءُ يَمُوتُ عَلَى فِرَاشِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَاللديغُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَالشريقُ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَفْتَرِسُهُ السَّبُعُ شَهِيدٌ، وَالْخَارُّ عَنْ دَابَّتِهِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالنُّفَسَاءُ يَقْتُلُهَا وَلَدُهَا يَجُرُّهَا بِسَرَرِهِ إِلَى الْجَنَّةِ”.(ابن حبان والطبراني واللفظ له) ؛ والمبطون كما يقول  النووي : ” هو صاحب داء البطن. وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقًا. وقوله: المرأة تموت بجمع شهيد.  أي تموت وفي بطنها ولد، لأنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل وهو الحمل”. (شرح النووي)

هذا وخصال الشهادة أكثر من هذه السبع، قال الحافظ ابن حجر: ” وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة..  وذكر منهم: اللديغ، والشريق، والذي يفترسه السبع، والخار عن دابته، والمائد في البحر الذي يصيبه القيء، ومن تردى من رؤوس الجبال. قال النووي: وإنما كانت هذه الموتات شهادة يتفضل الله تعالى بسبب شدتها وكثرة ألمها. قال ابن التين: هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد – صلى الله عليه وسلم-   بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبلغهم بها مراتب الشهداء”.( فتح الباري).

ويدخل في ذلك الدفاع عن الأهل والمال والوطن فعن سعيد بن زيد قال– صلى الله عليه وسلم-  : “مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فهوَ شَهيدٌ ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فهوَ شَهيدٌ ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهلِهِ فهوَ شَهيدٌ”( الترمذي وحسنه)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :” جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي ؟ قَالَ : فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي ؟ قَالَ : قَاتِلْهُ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي ؟ قَالَ : فَأَنْتَ شَهِيدٌ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ ؟ قَالَ : هُوَ فِي النَّارِ “. ( مسلم )

ويدخل في ذلك أيضا الجنود المرابطون الذين يسهرون ليلهم في حراسة هذا الوطن والدفاع عنه وحماية منشآته؛ وقد ذكرهم الرَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله:” عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ؛ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ” ( الطبراني والبيهقي والترمذي وحسنه )

فكل من مات من أجل التضحية والدفاع عن الوطن فهو شهيد؛ وليعلم أن لنيل أجر الشهادة شروطاً، من هذه الشروط: الصبر والاحتساب وعدم الموانع كالغلول، والدَّين، وغصب حقوق الناس؛ أو من فجَّر نفسه. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عن رجل ركب البحر للتجارة فغرق فهل مات شهيدًا؟ أجاب: نعم مات شهيدًا إذا لم يكن عاصيًّا بركوبه، وقال في موضع آخر: ومن أراد سلوك طريق يستوي فيها احتمال السلامة والهلاك وجب عليه الكف عن سلوكها، فإن لم يكف فيكون أعان على نفسه فلا يكون شهيدًا. اهـ

فمن مات مضحيا ومدافعا عن وطنه وهو صابر ومحتسب وموحد فإننا نرجو له الحصول على أجر الشهادة، فرحمة الله واسعة وفضله عظيم؛ فمدار الأمر على النية، فقد يكون في الظاهر في سبيل الدفاع عن الوطن وفي الباطن غرضه الدنيا أو منصب أو جاه أو غير ذلك.

اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا , اللهم من أراد بلادنا بسوء فأشغله بنفسه ورد كيده في نحره واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء, اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين من شر الأشرار وكيد الفجار وشر طوارق الليل والنهار .

الدعاء……..                                                      وأقم الصلاة،،،،

 كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

 د / خالد بدير بدوي




خطبة بعنوان : “التضحية والتفاني من أجل الوطن “، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 11 من جمادي الأخري 1438هـ، الموافق 10 مارس 2017م

خطبة بعنوان : “التضحية والتفاني من أجل الوطن “، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 11 من جمادي الأخري 1438هـ، الموافق 10 مارس 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

 

 الحمد لله رب العالمين .. يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ولك الحمد حمداً كثيراً طيباُ مباركاً فيه .. وأشهد أن لا أله الله وحده لا شريك له في سلطانه ولي الصالحين . وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله صلي الله عليه وسلم .

 أما بعد فيا جماعة الإسلام :

 يقول الله تعالي : ” وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ” ( الأنعام / 153).

أخوة الإيمان حديثنا إليكم اليوم عن التضحية والتفاني بالنفس والمال والولد والغالي والنفيس من أجل الوطن  ولنا أن  نعرف أولاً ما معني التضحية ؟

التضحية :” كلمة عظيمة مدلولها واسع ومشمولها عظيم فتشمل التضحية و الانتماء والتفاني والولاء والوطنية ..الخ.  طالما سمعنا هذه التعريفات  وكثيراً ما وقفنا صامتين أمامها  إما لأننا ذهلنا أمام صمود أبطالها الذين قاموا بها ، أو لأننا حاولنا وتحلينا بالصبر وبذلنا قصارى جهدنا لكننا عجزنا أن نكون مثلهم.

ومعنى تضحية في(معجم المعاني الجامع).  التَّضْحِيَةُ بِالنَّفْسِ: بَذْلُهَا فِي سَبِيلِ قَضِيَّةٍ أو فِكْرَةٍ أو مِنْ أجل الآخرين من دُونَ مُقَابِلٍ، كَمَا تَكُونُ التَّضْحِيَةُ بِالْمَالِ أو العَمَلِ أو الْمَصْلَحَةِ.

يظن البعض أن التضحية من أجل الوطن غالباً ما تكون بالنفس فقط وداخل حدود الوطن تحديداً من خلال الدفاع عنه أمام المخاطر الأمنية و العسكرية المعتدية ولا أحد ينكر أن التضحية بالنفس أسمى أنواع التضحيات على الإطلاق ، ولكن الوطن اليوم بحاجة ماسة أيضاً لتضحيات من نوع أخر وعلى كافة المستويات و الأصعدة ومن جميع أبنائه دون استثناء أكانت التضحيات داخلية أم خارجية ، الجندي يضحي بنفسه الغالية أكان ذلك داخل أم خارج وطنه وهذا شرف كبير له و للوطن الذي ينتمي إليه وكذلك الطبيب و المهندس و المعلم والداعية وغيرهم كلاٌ في مجاله يضحي بأمانة وبصدق و بتفاني من أجل عزة و رفعة شعبه ووطنه .

والتضحيّة لها معانٍ عميقة، لربما نراها بقلب من نُحب عظيمة، وبقلب من لا نعرفه كريمة، وذات قيمة. وعندما يقدم الإنسان حياته فداءً لدينه، ووطنه؛ فلأجل القيمة الأكبر، وهي رضا الله، والمحافظة على الوطن، وكنا نقول بأن رجال الأمن هم وحدهم الجاهزون على مدار الساعة في الخطوط الساخنة؛ للدفاع، والقتال الشرس؛ من أجل الوطن، في عقيدة لا تقبل التشكيك، بل وتُنافس الجبال في رسوخها، بعد أن حزموا أمتعة العشق للوطن في حقائب قلوبهم؛ لكسب تحدي مواجهة آفة الإرهاب، وحماية أمن البلاد، واستقرارها، فهذا يعني – بكل المقاييس – تأكيد رسم معالم الطريق الصحيح. ولكننا أصبحنا نقول :”لم يعد رجال الجيش والأمن والشرطة فقط  هم وحدهم الجاهزون على مدار الساعة في الخطوط الأمامية للدفاع والقتال الشرس من أجل الوطن، بل أصبح الناس جميعاً يقدمون العون والمساعدة، ويكبر عندهم الشعور الكبير بالمسؤولية تجاه أمن الوطن وحمايته والدفاع عنه والحفاظ على استقراره.ينبغي أن يكون  الجميع جاهزين لتسخير ما يملكون لرفعة الوطن، فمحبته غريزة فطرية نشأنا عليها فأصبح الوطن بيتاً يسكن قلبنا،وانتماء نتفانى في سبيل رفعته.  إلا القلة القليلة من الخونة الذين يتاجرون في الدماء لصالح أعداء الدين ..

أخوة الإسلام : لا أعز، وأغلي من التضحية من أجل الوطن؛ لأننا لا يمكن أن نشيد صروح الأوطان بالشعارات، والتمنيات، وإنما بالعمل، والفعل؛ ولأن التضحية لا بد أن تكون من أجل أمر عظيم، يستحق أن نبذل الغالي، والرخيص له، فإن أثمن ما في وجودنا، وانتمائنا، هو وطن التاريخ، والحضارة، والتراث، الذي سكن جسدنا، وروحنا، وذاكرتنا، فنحن الوطن، ومع الوطن سنعادي كل من عاداه، ولو افترشنا التراب.

أخوة الإيماان والإسلام :ومن معاني التضحية أيضاً:

الانتماء:

 الانتماء للوطن ، الانتماء ، كلمة اعتقد إنها معروفة لأغلبنا ، كلنا نعرف هذه الكلمة و نستخدمها كثيرا و فى أكثر من موقف ، منذ فترة و أنا أفكر في هذه الكلمة ، فى معناها ، ماذا تعنى و كيف نفسرها ، هل الانتماء مجرد كلمة ، أم هو مجموعة أفعال ، فكرت كثيرا و كالعادة خطر ببالي أسئلة و ووجدت لبعضها إجابات في ذهني تكونت بسبب التربية و المجتمع و عوامل أخرى كثيرة ، قررت إن اكتب هذا الموضوع و إن اطمع في إن تشاركوني الرأي ،للانتماء عدة صور ، فهناك الانتماء لدين ، للوطن ، للأهل ، …..الخ.

أخوة الإيمان :

هل الانتماء للوطن هو مجرد تحديد الرقعة الجغرافية ؟ هل هو مجرد تحديد لشكل العلم الذي سأحمله في مباريات كرة القدم؟ هل نعتبر من هم خارج الوطن اقل انتماءً لأنهم تركوه أم قد يكونوا أكثر انتماءً ممن يعيشون داخل حدود الوطن و يخربونه ؟ من منهم أكثر انتماءً؟ هل كل من قال أنا وطني ، ينطبق عليه شروط الانتماء ؟ ما هو مفهوم الانتماء إلى الوطن ؟ اعتقد أن انتمائنا لوطن معين يفرض علينا واجبات كثيرة : الانتماء ليس فقط لتحديد جنسية في خانة الجنسية لتكملة شهادة الميلاد أو البطاقة ، اعتقد أن كلمة انتماء لها معاني عميقة ، و هي تعنى الكثير ، اعتقد أنها تعنى الإحساس بحب الوطن و الرغبة في الدفاع عنه و التباهي بالانتماء إليه مهما حدث ، التضحية من أجله ، الانتماء للوطن هي أن نربى أبنائنا على حب الوطن ، على معنى كلمة الوطن ..

 الانتماء للوطن ، هو التعرف على تاريخه ، على حضارته و المساهمة في بناء مستقبله .. اعتقد أننا افتقدنا المعنى الحقيقي للانتماء و ضاع الانتماء مع معاني أخرى كثيرة ضاعت. ‌

حب الوطن من الإيمان :

أحبابي في رسول الله يعد مفهوم الانتماء الوطني من المفاهيم العالمية المهمة في عالمنا المعاصر الذي أصبح من المفاهيم المتكررة في وسائل إعلامنا وفي محاضراتنا وندواتنا بل أصبح مفهومًا رئيسًا في حياتنا العامة. فموطن الإنسان منا أحب إليه من نفسه وولده وأغلي عنده من ماله وكل ما يملك لذلك عد رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي يموت في سبيل الدفاع عن أرضه من الشهداء وقرنه مع الدفاع عن النفس والمال والعرض والأهل .. “:من قتل دون أرضه فهو شهيد” ولما خرج رسول الله صلي الله عليه وسل مهاجراً من مكة إلى المدينة كما روي عنه :وقف علي الحزورة(سوق) ونظر إلى البيت وقال :والله انك لأحب أرض الله إلي وانك لأحب أرض الله إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت منك”(الترمذي والنسائي ). ورغم فساد أهلها وظلمهم له ومحاربتهم لدعوته ولكن الرسول صلي الله عليه وسلم يعطينا درساً في الانتماء الحقيقي  فيقول في رواية أخري :” ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك – قاله لمكة . (صحيح). وهذا يشير إلى مدي حب رسول الله صلي الله عليه وسلم لبلده مكة المكرمة موطن ولادته ونشأته وفيها البيت الحرام ولأنها منزل الوحي ولأن بها الأهل والأقربين ولأن بها مآثر إبراهيم.(خاتم النبيين2/5) .

والرسول صلي الله عليه وسلم كان حين يذكر أحد الصحابة مكة أمامه تذرف عيناه بالدمع ويقول له :”دع القلوب تقر”ولا عجب فحب الوطن من الإيمان وقديما قال الحكماء :”الحنين من رقة القلب ورقة القلب من الرعاية والرعاية من الرحمة والرحمة من كرم الفطرة وكرم الفطرة من طهارة الرشدة(أي صحة النسب) وطهارة الرشدة من كرم المحتد(أي الأصل )وقال أخر:”ميلك إلى مولدك من كرم محتدك ” وقال بعض الفلاسفة:”فطرة الرجل معجون بحب الوطن”ولذا قال أبقراط :يداوي كل عليل بعقاقير أرضه فان الطبيعة تتطلع لهوائها وتنزع إلى غذائها. وقالت الهند:حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك لأن غذائك منها وأنت جنين وغذاءهما منه” وقال أخر:من إمارات العاقل بره لإخوانه وحنينه لأوطانه ومداراته لأهل زمانه.وكانت العرب اذاغزت وسافرت حملت معها من تربة بلادها رملا وعفرا(ترابا) تستنشقه عند نزلة أوزكام أو صداع”(الحنين إلى الأوطان). لذلك كانت السيدة عائشة رضي الله عنها دائماً تقول :”مارأيت القمر أبهي ولا أجمل مما رأيته في مكة”وذلك كناية علي حبها وعشقها وشدة حنينها للوطن..ومما لا شك فيه أن حب الوطن هو الأسمى والأعزّ لما يحمله من معاني كبيرة وشعور بالانتماء فقد تربينا وتعلمنا أن الوطن هو الكرامة والعدل، وحبه واحترامه والولاء له هو الدافع لنا للدفاع عنه، والإخلاص والتفوق من أجله.

أخوة الإيمان :” ومن معاني التضحية أيضاً التفاني من أجل الوطن :

حب الوطن والتضحية من أجله هو واقع يستحق أن نعمل بحب وتفان من أجل المحافظة عليه لأنه أثمن ما في وجودنا وانتمائنا، فالوطن هو التاريخ والحضارة والتراث، وهو الذي سكن جسدنا وروحنا وذاكرتنا، ومن أجله وخاصة في هذه الفترة العصيبة نحتاج إلى العمل من دون مقابل، لأن الوطن فوق كل شيء. سيبقى الوطن فوق كل الطموحات الضيقة، أو الأغراض الشخصية، فهو البيت الذي يسكن قلوبنا، والانتماء الذي نتفانى في سبيل رفعته؛ كونه واقعاً يستحق أن نعمل بحب، وتفانٍ للمحافظة عليه، فالتضحية من أجله بلا حدود، هو أعلى مراتب التضحية شرفاً، ورفعة لخدمة الدين العظيم، ونشر المنهج الصحيح؛ ومن أجل أن يبقى شعبنا أكثر تلاحماً، ورجال أمننا أكثر تضحية، وبلادنا أكثر أمناً، واستقراراً، ودولتنا أكثر مهابة، واحتراماً بين الأمم، والشعوب.

أخوة الإسلام ومن قيم التضحية والانتماء الوطني :

المواطنة : والعمل على إبراز قيمة الوحدة الوطنية وجعلها هدفًا يعمل الجميع على تحقيقه والمحافظة عليه نوع من أنواع التضحية ، كما أن قيمة التسامح جزء مهم من قيم الانتماء الوطني؛ لأن من يعيش على أرض الوطن له الحق في المشاركة في بناء حضارته والمساهمة في التفاعل مع مجتمعه.

 والأمن والأمان : ويعد الحفاظ على الأمن جزءًا مهما من الانتماء الوطني للفرد والمجتمع حيث إن المواطن يعيش على أرض هذا الوطن ويعمل على الحفاظ على أمن الوطن الفكري والأمني والاجتماعي والاقتصادي.

وتعليم الأبناء حقيقة الانتماء:

فمحبة الوطن تأتي من دور الأم في التربية السليمة والتنشئة لبناء وتأسيس أجيال على القيم الإيجابية، وإعلاء الإحساس بالوطنية لدى أبنائها.

ويعمل التعليم على تنمية الانتماء الوطني لدى الطلاب من خلال: – غرس الانتماء للوطن لدى الطالب لأنه أحد دعائم بناء الفرد والمجتمع، واعتبار الفرد جزءا منه ومعرفة الأحداث الجارية في الوطن والتفاعل معها إيجابيا. – طاعة ولاة الأمر وهذه قيمة مهمة تعمل على تعريف الطلاب واجباتهم تجاه ولاة أمرهم ووجوب طاعتهم والعمل على المساهمة في بناء تنمية الوطن. و المشاركة في شؤون المجتمع والاهتمام بالآخرين، ويظهر ذلك من خلال الاهتمام بالطالب وعائلته والتفاعل مع جيرانه ومجتمعه. – الالتزام بالسلوك الجيد والأخلاق الحميدة، ويظهر ذلك في جميع المواد الدراسية التي تعمل على غرس القيم الإسلامية وتنميتها لدى الطلاب. –

القدرة على امتلاك المعارف والمعلومات عن أنظمة الوطن ولوائحه، وعن مؤسسات المجتمع المدني والأمني. – القدرة على مناقشة الفِكَر والآراء بشكل علمي سليم من أجل تزويد الفرد بالكثير من المفاهيم والاتجاهات الإيجابية. احترام عادات وتقاليد الوطن وتقدير مؤسساته واحترام أنظمته والمحافظة على ثرواته.

قيمة وفضل مصر في الإسلام:ــ

أخوة الإيمان:” وإذا ذكرنا حب وفضل الوطن فلا ننسي أن نذكر فضل مصر فهي بلد تستحق التضحية والفداء مصر وما أدراكم ما مصر؟مصر كنانة الله في أرضه ،بلد أمَّنها الله، فقال سبحانه على لسان يوسف: “ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ “(يوسف/99). مصر التي جعلها الله تعالى بلد الخير والعطاء، فذكر سبحانه وتعالى:”اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ “(البقرة/61). ووصفها ربنا بقوله تعالى:”كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ  وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ  وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ”(الدخان/25-27).فمصر ذكرت في القرآن أكثر من خمس وعشرين مرة تصريحاً وتلميحاً وتعريضاً ..وقال سعيد ابن هلال :” إن مصر أم البلاد وغوث العباد , إن مصر مصورة في كتب الأوائل وقد مدت إليها سائر المدن يدها تستطعمها وذلك لأن خيراتها كانت تفيض على تلك البلدان “، قال الجاحظ : “إن أهل مصر يستغنون بما فيها من خيرات عن كل بلد حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسور ما ضرهم “.

 مصر التي وصى بها حبيبنا المصطفي صلي الله عليه وسلم أصحابَه، فقال لهم:”إنكم ستفتحون مصر،وهي أرض يسمَّى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأَحسِنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذمةً ورحمًا”( مسلم). هي أم البلاد وهي أم المجاهدين والعباد قهرت قاهرتها الأمم ووصلت بركاتها إلى العرب والعجم , وطئ أقدامها الأنبياء و المرسلون والصحابة المجاهدون . ـ إن مصر فيها خزائن الأرض بشهادة ربنا جل وعلا لما قال عن يوسف عليه السلام :”قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ” (يوسف/55). وخزائن الأرض هنا وزارة مالية مصر والتى تعد خزائن الأرض كما ذكر ربنا فقيمة مصر فى ذلك الوقت تعادل الكوكب الأرضي بأسره. ـ فمصر هي سلة الغذاء للأمم كلها نذكر يوم أن حدثت مجاعة في عهد سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أكلت الأخضر واليابس (عام الرمادة) وقال عمر والله لا آكل سمناً ولا سميناً حتى يكشف الله الغمة عن المسلمين وبقى مهموماً هماً يتأوه منه ليلاً ونهارا نزل الأعراب حوله في العاصمة الإسلامية المدينة المنورة بخيامهم، كان يبكي على المنبر عام الرمادة، وينظر إلى الأطفال وهم يتضورون جوعاً أمامه، وود أن جسمه خبزاً يقدمه للأطفال. وأخذ يقول:يا ليت أم عمر لم تلد عمر .. يا ليتني ما عرفت الحياة.. آه يا عمر كم قتلت من أطفال المسلمين ،لأنه يرى أنه هو المسئول الأول عن الأكباد الحرَّى، والبطون الجائعة . وفي الأخير تذكر عمر أن له في مصر إخواناً في الله، وأن مصر بلداً معطاءً، سوف يدفع الغالي والرخيص لإنقاذ العاصمة الإسلامية ، وكان والي مصر عمرو بن العاص الداهية العملاق، كتب له عمر رسالة، وهذا نصها: بسم الله الرحمن الرحيم، من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، إلى عمرو بن العاص أمَّا بَعْـد: فواغوثاه.. واغوثاه..والسلام وأخذها عمرو بن العاص ، وجمع المصريين ليقرأ الرسالة المحترقة الملتهبة الباكية المؤثرة أمامهم ،ولما قرأها عمرو ؛ أجاب عمر على الهواء مباشرة، وقال: لا جرم! والله لأرسلن لك قافلة من الطعام أولها عندك في المدينة وآخرها عندي في مصر. وجاد المصريون بأموالهم كما يجود الصادقون مع ربهم، وبذلوا الطعام، وحملوا الجمال وذهبت القافلة تزحف كالسيل، وتسير كالليل تحمل النماء والحياة والخير والزرق والعطاء لعاصمة الإسلام. ودعا لهم عمر ، وحفظها التاريخ لهم حفظاً لا ينساه أبد الدهر . ** مصر بلد المروءة والشهامة والنجدة ونصرة المظلوم والوقوف بجوار الحق وقد ضرب الله تعالى مثلا بمؤمن آل فرعون البطل الثابت على الحق الذي قال الله جل وعلا عنه ( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ..”( غافر/28). وهو مصري . وذكر ذلك الرجل المؤمن الذي حذر موسى عليه السلام ( وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ “(القصص/20). ـ مصر قاهرة الصليبيين في حطين.. ولا ننسي جهادأهل مصر ضد الصليبيين بقيادة صلاح الدين الأيوبي في موقعة حطين في شهر رمضان. مصر قاهرة التتار في عين جالوت :ـ وأيضا لا ننسي يوم أن دخل التتار العالم الإسلامي فدمروه.. هدموا المساجد، ومزقوا المصاحف، وذبحوا الشيوخ، وقتلوا الأطفال، وعبثوا بالأعراض، بل دمروا عاصمة الدنيا بغداد ،وزحفوا إلى مصر ليحتلوها، وخرج المصريون وراء الملك المسلم قطز الذي يحمل لافتة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وكانت عين جالوت والذي حث الناس على الجهاد هو العالم سلطان العلماء العز بن عبد السلام ،والتقى التتار الأمة البربرية البشعة، التي لم يعلم في تاريخ الإنسان أمة أشرس ولا أقوى ولا أشجع منها، التقوا بالمسلمين المصريين؛ بجيل محمد عليه الصلاة والسلام ولما حضرت المعركة والتقى الجمعان، قام قطز فألقى لأمته من على رأسه، وأخذ يهتف في المعركة: وا إسلاماه… وا إسلاماه وا إسلاماه. فقدموا المهج رخيصة، وسكبوا الدماء هادرة معطاءة طاهرة، وانتصر الإسلام وسحق التتار،ومنيوا بهزيمة لم يسمع بمثلها في التاريخ .

ولا ننسي يوم أتى العدوان الثلاثي الغاشم يريد اجتياح مصرفي عام 1956م ، وخرج المؤمنون بعقيدتهم وتوحيدهم يدافعون الدول الثلاث، خرجوا يهتفون مع صباح مصر :

أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا – أنتركهم يغصبون العروبة أرض الأبوة والسؤددا- فجرد حسامك من غمده فليس له اليوم أن يغمدا..  وسحقوا العدوان الثلاثي، واندحر العميل الغادر الغاشم بنصر الله ثم بضربات المؤمنين، وكلنا يعلم أن العالم الإسلامي حارب إسرائيل ما يقارب أربعين سنة، فكانت مصر أكثر الأمة جراحاً، وأعظمها تضحيةً، وأكبرها إنفاقاً، وأجلها مصيبةً.. قدمت آلاف وملايين الأبناء البررة المؤمنين، والدماء، والآراء.

ولـمصر في قلب الزمان رسالة مكتوبة يصغي لها الأحياء

                                         من مصر تبدأ قصة في طيها تروي الحوادث والعلا سيناء

 ولـمصر آيات الوفــاء ندية أبناؤها الأصـــداء والأنــداء

                                        هي مصر إن أنشدتها متشوقاً طرب الزمان وغنت الورقاء

ما مصر إلا الفجر والدمع السخي وإنها سر المحبة حاؤها والباء.

أيها الناس ولابد لنا أن نذكر نماذج من الذين ضحوا من أجل الدين والأوطان :

  • فهذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم الذي ضرب لنا أورع الأمثلة في التضحية والفداء يضطرُّ إلى مغادرة بلده الذي وُلِد فيه وترعرع وترك أقرباءه وعشيرته،ليكون وطناً أخر يجد فيه متنفساً لدعوته فيقول وهو يغادرها بِنَبْرة من الحزنِ:”واللهِ إنَّك لَخيْر أرْض الله،وأحبُّ أرْض الله إلى الله ولوْلا أنِّي أُخْرِجْت منْك ما خرجْتُ” (الترمذي).
  • وهذه أمُّ سلمة – وهي أوَّل امرأة مهاجِرة في الإسلام – تقول: “لَمَّا أجْمَع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، رَحَّل بعيرًا له، وحَملَنِي وحَمل معي ابنَه سلمة، ثم خرج يقود بعيره، فلمَّا رآه رجالُ بني المغيرة بن مَخْزوم، قاموا إليه فقالوا: هذه نفْسُك غلبْتَنا عليها، أرأيتَ صاحبتنا هذه، علامَ نترُكك تسير بها في البلاد؟ فأَخذوني، وغَضِبَتْ عند ذلك بنو عبدا لأسد، وأهوَوْا إلى سلمة، وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها؛ إذْ نزعتُموها من صاحبنا، فتجاذبوا ابنِي سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبدالأسد، وحبسَنِي بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة حتَّى لحق بالمدينة،ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني” فمكثَتْ سنة كاملة تبكي، حتَّى أشفقوا من حالِها، فخلَّوْا سبيلها،ورَدُّواعليها ابنها،فجمع الله شَمْلَها بزوجها في المدينة.
  • وهذا صُهَيب الرُّومي، لَمَّا أراد الهجرة، قال له كُفَّار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالُك عندنا، وبلَغْتَ الذي بلغت، ثم تريد أن تَخْرج بِمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: “أرأيتم إنْ جعلْتُ لكم مالي، أتخلُّون سبيلي؟” قالوا: نعم، قال: “فإنِّي قد جعلتُ لكم مالي”، فبلغ ذلك رسولَ الله – صلى الله عليه وسلَّم – فقال: “رَبِح صهيب”، والقصة في “صحيح السِّيرة النبوية”.

وكما كانت التضحية من المهاجرين كانت من الأنصار فقد كان الرجل الأنصاري يقول للمهاجري تعالي عندي زوجتان خذ زوجة بعد أن أطلقها و تنتهي عدتها ولي بيتان خذ أحدهما كما حدث من أبي أيوب الأنصاري لعبد الرحمن بن عوف ولكن الصحابي يأبي أن إلا أن يكون عزيز النفس يقول:”  بل دلونا علي السوق نبتاع ونبيع ونكسب ونأكل من كدنا “..-لذلك نأخذ أن من ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه:فلما ترك المهاجرون ديارهم، وأهليهم، وأموالهم التي هي أحب شيء إليهم، لما تركوا ذلك كله لله، أعاضهم الله بأن فتح عليهم الدنيا، وملّكهم شرقها وغربها.

الخطبة الثانية : الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله أما بعد فيا جماعة الإسلام  :

وقد أعد المولي عز وجل للذين يضحون من اجل  أوطانهم ودينهم جزاءً عظيماً في الدنيا وفي الآخرة فأعلي منزلة الشهيد والمرابط  في سبيل الله ..ووقف للخائن بالمرصاد فأعد لهم عقوبة تستوجب القتل جزاء خيانته لوطنه وبلده ودينه وأرضه وعرضه ..

فضل من استشهد فداء لوطنه :

أخوة الإيمان : إن الشهادة في سبيل الله درجة عالية لا يهبها الله إلا لمن يستحقها، فهي اختيار من الله تعالي للصفوة من البشر ليعيشوا مع الملأ الأعلى:” وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء “(آل عمران/140). إنها اصطفاء وانتقاء للأفذاذ من البشر ليكونوا في صحبة الأنبياء:” وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ وَٱلشُّهَدَاء وَٱلصَّـٰلِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا”(النساء/69).  وما أعظم البيعة مع الله تعالي اسمعوا قول الله تعالى:” إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ”(التوبة /111).

فعقدوا البيع مع الله، السلعة أرواحهم ودماؤهم، والثمن الموعود عند الله هو الجنة، ومن أوفى بعهده من الله؟! فيا لله ما أعظمه من بيع، وما أعظمه من ربح، لله درهم ما أشجعهم، غادروا أوطانهم، وهجروا نساءهم، وفارقوا أولادهم وخلانهم؛ يطلبون ما عند الله، تركوا لذيذ الفراش ورغد العيش، وخاطروا بأنفسهم في سبيل الله؛ يطلبون الموت مظانه، لله درهم ما أقوى قلوبهم، لله درهم ما أقوى إيمانهم حين يعرضون رقابهم للحتوف ويريقون دماءهم تقربًا إلى الله ربهم طمعًا فيما عند الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:”انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أوغنيمة أوأدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل”)البخاري).

ولو لم يكن للقتل والشهادة في سبيل الله من الأجر الكبير لما تمنى النبي صلي الله عليه وسلم أن يقتل في سبيل الله ثلاث مرات، وها هو النبي يقول:”والذي نفسي بيده، لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله. والذي نفسي بيده، لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل”(البخاري). هذه الفضائل التي يحوزها الشهيد، فقد قال رسول الله :”للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه”( الترمذي ). و قال رسول الله :”ما يجد الشهيد من مسّ القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة. (الترمذي).  وإذا قتل الشهيد لم ينقطع عمله الصالح بل يزيد ويتضاعف، فعند الترمذي عن رسول الله أنه قال:”كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه يُنَمّى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر). وإن الغبار الذي يصيب المجاهد في سبيل الله فيتسلل إلى جوفه يكون مانعًا من دخان جهنم التي وقودها الناس والحجارة، أخرج النسائي أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:”لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدًا”. والشهيد الذي غادر هذه الدنيا ليس بميت يحسب في عداد الأموات، بل هو حي يعيش حياة برزخية يعلمها الله تعالى: قال تعالي :”وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ “(آل عمران:169-171).

فضل المرابط في سبيل الله دفاعاً عن وطنه وأرضه وعرضه ودينه:

أخوة الإسلام :”والرباط هو: الإقامة في الثغور، وهي: الأماكن التي يخاف على أهلها أعداء الإسلام، والمرابط هو: المقيم فيها المعد نفسه للجهاد في سبيل الله، والدفاع عن دينه وإخوانه المسلمين، وقد ورد في فضل المرابطة والحراسة في سبيل الله أحاديث كثيرة، إليك أيها الأخ المسلم الراغب في الرباط في سبيل الله طرفاً منها نقلاً من كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري رحمه الله: عن سهل بن سعد رضي الله عنهما أن رسول صلي الله   عليه وسلم  قال: “رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها”(البخاري ومسلم وغيرهما).

وعن سلمان رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم  يقول: “رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل وأجري عليه رزقه وأمن من الفتان”( مسلم واللفظ له والترمذي والنسائي والطبراني وزاد: “وبعث يوم القيامة شهيداً”). وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم  قال: “كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتنة القبر”( أبو داود والترمذي ).

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:”رباط شهر خير من صيام دهر، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمن الفزع الأكبر وغدي عليه وريح برزقه من الجنة، ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله عز وجل”(الطبراني ورواته ثقات(.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم  قال: “من مات مرابطاً في سبيل الله أجري عليه الصالح الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمناً من الفزع الأكبر”( ابن ماجه بإسناد والطبراني في الأوسط أطول منه وقال فيه: (والمرابط إذا مات في رباطه كتب له أجر عمله إلى يوم القيامة، وغدي عليه وريح برزقه، ويزوج سبعين حوراء، وقيل له قف اشفع إلى أن يفرغ من الحساب”).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم  يقول: “عينان لا تمسهما النار: عين بكت خشية من الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله”قال حديث حسن غريب، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلي الله عليه وسلم  : “عينان لا تمسهما النار أبداً: عين باتت تكلأ في سبيل الله، وعين بكت خشية من الله”( أبو يعلى ورواته ثقات، والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: “عينان لا تريان النار”).

جزاء الخيانة للدين والوطن

احبتى فى الله تعالى :إن الإنسان الذي يخون وطنه ويتآمر عليه ويضع يده في أيدي الحاقدين أعداء الدين والوطن قد اعتبره الإسلام خائناً والدين بريء منه لأنه بعيد كل البعد عن تعاليم الإسلام وأخلاق المسلمين قال تعالي:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (الأنفال/27). ذكر ابن كثير وغيره عن معمر, عن الزهري, قول لله:” لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم “، قال: نـزلت في أبي لبابة لما خان بنو قريظة العهد مع رسول الله صلي الله عليه وسلم وفتحوا الجبهة الجنوبية للمدينة للأحزاب الذين تحزبوا علي المسلمين في غزوة الخندق بعد أن أمنهم الرسول عليها .. فلما هزم الله الأحزاب ورد الله الذين كفروا بغيظهم وكفي الله المؤمنين القتال ذهب إليهم رسول الله صلي الله عليه وسلم  وأعطى الراية علي بن أبي طالب ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم  ونازل حصون بني قريظة ، وحصرهم خمسا وعشرين ليلة .. فبعثوا إليه أن أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر نستشيره ، فلما رأوه ، قاموا في وجهه يبكون ، وقالوا : يا أبا لبابة ! كيف ترى لنا أن ننزل على حكم محمد ؟ فقال : نعم ، وأشار بيده إلى حلقه يقول : إنه الذبح ، ثم علم من فوره أنه قد خان الله ورسوله ، فمضى على وجهه ، ولم يرجع إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم  حتى أتى المسجد ، فربط نفسه بسارية المسجد ، وحلف ألا يحله إلا رسول الله صلي الله عليه وسلم  بيده ، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدا .

فلما بلغ رسول الله صلي الله عليه وسلم  ذلك ، قال : ” دعوه حتى يتوب الله عليه ” ثم تاب الله عليه ، وحله رسول الله صلي الله عليه وسلم  بيده ، ثم إنهم نزلوا على حكم رسول الله صلي الله عليه وسلم  فقامت إليه الأوس ، فقالوا : ” يا رسول الله! قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلفاء إخواننا الخزرج ، وهؤلاء موالينا ، فأحسن فيهم فقال : ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا : بلى . قال : فذاك إلى سعد بن معاذ . قالوا : قد رضينا ، فأرسل إلى سعد بن معاذ ، وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان به ، فأركب حمارا وجاء إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم  فجعلوا يقولون له وهم كنفتاه : يا سعد أجمل إلى مواليك ، فأحسن فيهم ، فإن رسول الله صلي الله عليه وسلم  قد حكمك فيهم لتحسن فيهم ، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئا ، فلما أكثروا عليه ، قال : لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم ، فلما سمعوا ذلك منه ، رجع بعضهم إلى المدينة ، فنعى إليهم القوم ، فلما انتهى سعد إلى النبي صلي الله عليه وسلم  ، قال للصحابة :” قوموا إلى سيدكم فلما أنزلوه قالوا : يا سعد ! إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك ، قال : وحكمي نافذ عليهم ؟ . قالوا : نعم . قال : وعلى المسلمين ؟ قالوا : نعم . قال : على من هاهنا وأعرض بوجهه ، وأشار إلى ناحية رسول الله صلي الله عليه وسلم  إجلالا له وتعظيما ؟ قال : نعم ، وعلي . قال : فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال ، وتسبى الذرية ، وتقسم الأموال ، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم  : “لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات”.وهذا هو جزاء الخونة والخائنين للوطن والجواسيس ..

 

اللهم ألطف بأهل مصر اللهم احفظهم بحفظك واكلأهم برعايتك واحفظ بلاد المسلمين يارب العالمين ، اللهم تول أهل مصر برعايتك..اللهم احقن دمائهم  اللهمّ بدّل خوفهم أمنا ،واحفظ أعراضهم و سلم ذراريهم و أموالهم. نسألك اللهم أن تعصم دماء المسلمين وأموالهم وأن تجنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن وان تصرف عنهم شرارهم وجميع بلاد المسلمين ، اللهم اكفنا شر الأشرار وكيد الفجار وطوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن. اللهم آمين . والحمد لله رب العالمين .




خطبة الجمعة القادمة:”الأخلاق أساس الحضارات الراقية”بتاريخ 4 من جمادي الأخري 1438هـ الموافق 3-3-2017م

خطبة الجمعة القادمة:”الأخلاق أساس الحضارات الراقية”بتاريخ 4 من جمادي الأخري 1438هـ الموافق 3-3-2017م.

 




خطبة بعنوان: “الأخلاق وأثرها في بناء الأمم والحضارات”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 4 من جمادي الأخرى 1438هـ – 3 مارس 2017م

خطبة بعنوان: “الأخلاق وأثرها في بناء الأمم والحضارت“، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 4 من جمادي الأخرى 1438هـ – 3  مارس 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:  

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: أهمية الأخلاق ومنزلتها في الإسلام

العنصر الثاني: أثر الأخلاق في بناء الأمم والحضارات بين النظرية والتطبيق

العنصر الثالث: وسائل اكتساب الأخلاق

العنصر الرابع: ثمرات الأخلاق وفوائدها في الدنيا والآخرة

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: أهمية الأخلاق ومنزلتها في الإسلام

عباد الله: إن للأخلاق أهمية كبرى في الإسلام، فالخلق من الدين كالروح من الجسد، والإسلام بلا خلق جسدٌ بلا روح، فالخلق هو كلُّ شيء، فقوام الأمم والحضارات بالأخلاق وضياعها بفقدانها لأخلاقها، قال الشاعر أحمد شوقي:

إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت …………فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وقال:                   وَإِذا أُصـــيــبَ الـــقَــومُ فـــــي أَخــلاقِــهِـم………. فَـــــأَقِـــــم عَـــلَـــيــهِــم مَــــأتَـــمـــاً وَعَـــــويــــلا

وقال:                     صَـلاحُ أَمْـرِكَ لِلأَخْـلاقِ مَرْجِعُـهُ…………… فَقَـوِّمِ النَّفْـسَ بِالأَخْـلاقِ تَسْتَقِـمِ

ولأهمية الأخلاق في الإسلام كانت الفترة الزمنية المكية من بعثة النبي – صلى الله عليه وسلم – منصبة على غرس القيم والأخلاق في أفراد المجتمع؛ واستمرت هذه الفترة ثلاثة عشر عاما لم ينزل فيها أوامر أو نواهي أو تكاليف؛ وهذه هي الرسالة الأخلاقية التي أصاغها جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة حيث قال: ” أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ؛ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ؛ فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ؛ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ؛ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ؛ وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ؛ وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ…..” [ أحمد وابن خزيمة ]

عباد الله: إننا لو نظرنا إلى الدين الإسلامي لوجدناه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: عقيدة وتتمثل في توحيد الله تعالى، وشريعة: وتتمثل في العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج وغيرها، وأخلاق: وتتمثل في الأخلاق الفاضلة في التعامل مع الآخرين. وكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة يمثل ثلث الإسلام، فالعقيدة تمثل ثلث الإسلام، لذلك كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن لاشتمالها على الجانب العقدي، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ” (متفق عليه )، وكذلك العبادات تعدل ثلث الإسلام، والأخلاق- التي يظن البعض أن لا علاقة لها بالدين – تعدل ثلث الإسلام، بل الإسلام كله .

بل إنه صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الهدف من بعثته غرس مكارم الأخلاق في أفراد المجتمع فقال:” إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمَّمَ صالحَ  الأخلاقِ” [أحمد والبيهقي والحاكم وصححه]. قال المناوي: “أي أُرسلت لأجل أن أكمل الأخلاق بعد ما كانت ناقصة، وأجمعها بعد التفرقة.”

وقد وقف العلماء عند هذا الحديث قائلين: لماذا حصر النبي بعثته في مكارم الأخلاق مع أنه بعث بالتوحيد والعبادات وهي أرفع منزلة وأهم من الأخلاق؟!!

والجواب: أن التوحيد والعبادات شرعت من أجل ترسيخ مكارم الأخلاق بين أفراد المجتمع، فالغاية والحكمة الجليلة من تشريع العبادات هي غرس الأخلاق الفاضة وتهذيب النفوس؛ كما هو معلوم في الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها كما يأتي مفصلاً في العنصر الثاني.

ولأهمية الأخلاق أصبحت شعاراً للدين ( الدين المعاملة ) فلم يكن الدين صلاة ولا زكاة ولا صوم فحسب.

قال الفيروز آبادي -رحمه الله تعالى-: “اعلم أن الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق؛ زاد عليك في الدين”.

وهكذا تظهر أهمية الأخلاق ومكانتها في الرسالة المحمدية حتى أصبحت شعاراً للدين تمثله كله.

العنصر الثاني: أثر الأخلاق في بناء الأمم والحضارات بين النظرية والتطبيق

عباد الله:  كثيراً ما نقرأ وندرس ونتعلم القيم والأخلاق؛ ولكن هل طبقنا ذلك عمليا في واقعنا وحياتنا اليومية ؟!!

إننا لو نظرنا إلى حياتنا المعاصرة لوجدنا انفصالا بين ما نقرأه ونتعلمه ونتعبد به ؛ وبين ما نطبقه على أرض الواقع؛ وسأحكي لكم قصة تدل على مدى الانفصام والانفصال بين النظرية والتطبيق: شاب يعمل في دولة أجنبية، فأعجبته فتاة أجنبية فتقدم لخطبتها وكانت غير مسلمة، فرفض أبوه لأنها غير مسلمة، فأخذ الشاب مجموعة من الكتب تظهر سماحة الإسلام وروحه وسلوكياته وأخلاقه ثم أعطاها لها، طمعاً في إسلامها وزواجها، فطلبت منه مهلة شهرين تقرأ الكتب وتتعرف على الإسلام وروحه وأخلاقه وسماحته، وبعد انتهاء المدة تقدم لها فرفضته قائلة: لست أنت الشخص الذي يحمل تلك الصفات التي في الكتب، ولكني أريد شخصاً بهذه الصفات!!

فكلنا نقرأ في الأخلاق!! وكلنا نحفظ آيات وأحاديث في الأخلاق!! وكلنا نسمع صورا مشرقة من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وسلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين!! ولكن هل طبقنا ذلك عمليا؟!!

أحبتي في الله: علينا أن نتأسى بالنبي –صلى الله عليه وسلم- وسلفنا الصالح- رضي الله عنهم-  في تطبيقهم العملي الواقعي لمكارم الأخلاق؛ وسأضرب لك بعض الأمثلة: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ:” يْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ وَقَعَ رَجُلٌ بِأَبِي بَكْرٍ فَآذَاهُ فَصَمَتَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ ثُمَّ آذَاهُ الثَّانِيَةَ فَصَمَتَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ ثُمَّ آذَاهُ الثَّالِثَةَ فَانْتَصَرَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ انْتَصَرَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَوَجَدْتَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَزَلَ مَلَكٌ مِنْ السَّمَاءِ يُكَذِّبُهُ بِمَا قَالَ لَكَ فَلَمَّا انْتَصَرْتَ وَقَعَ الشَّيْطَانُ فَلَمْ أَكُنْ لِأَجْلِسَ إِذْ وَقَعَ الشَّيْطَانُ: ( الصحيحة للألباني)، فالله وكل ملكا يرد عنك إذا سبك أحد ؛  فإذا رددت انصرف الملك وحضر الشيطان يمارس مهنته؛ ولك أن تتصور ما النتيجة إذا حضر الشيطان؟!!

لذلك قال الشافعي:                يخاطبني السفيه بكل قبح……….. فأكره أن أكون له مجيبا

                                       يزيد سفاهة فأزيد حلماً………..كعود زاده الإحراق طيبا

 وقال:                             إذا نطق السفيه فلا تجبه……….. فخير من إجابته السكوت

                                         إن كلَمته فرَجت عنه ………..وإن تركته كمداً يمـوت

ولذلك ضرب بالأحنف بن قيس المثل في الحلم  والصفح ، فقيل له: كيف وصلت إلى هذه المنزلة؟ فقال: ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث : إن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضّلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه.

فما أعظمها من مُثُل وما أجملها من أخلاق، لو طبَّقنا ذلك عملياً.

وهذا ما أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ }؛ لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما هذا يا جبريل؟” قال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك.”( تفسير ابن كثير)

أيها المسلمون: إن العامل الأكبر في بناء الحضارات وانتشار الإسلام في عصر النبي والصحابة والسلف الصالح إنما هو مكارم الأخلاق الكريمة التي لمسها المدعون في هذا الجيل الفذ من المسلمين، سواء كانت هذه الأخلاق في مجال التجارة من البيع والشراء، مثل الصدق والأمانة؛ أو في مجال الحروب والمعارك، وفي عرض الإسلام عليهم وتخييرهم بين الإسلام أو الجزية أو المعركة، أو في حسن معاملة الأسرى، أو عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان، هذه الأخلاق دفعت هؤلاء الناس يفكرون في هذا الدين الجديد الذى يحمله هؤلاء، وغالبًا كان ينتهي بهم المطاف إلى الدخول في هذا الدين وحب تعاليمه، ومؤاخاة المسلمين الفاتحين في الدين والعقيدة!!

هذه الأخلاق أثارت إعجاب الباحث الفرنسي كليمان هوارت حيث يقول : “لم يكن محمدٌ نبياً عادياً ، بل استحق بجدارة أن يكون خاتم الأنبياء ، لأنه قابل كل الصعاب التي قابلت كل الأنبياء الذين سبقوه مضاعفة من بني قومه … نبي ليس عادياً من يقسم أنه “لو سرقت فاطمة ابنته لقطع يدها” ! ولو أن المسلمين اتخذوا رسولهم قدوة في مكارم الأخلاق لأصبح العالم مسلماً”

فعلينا أن نتحلى بحسن الخلق وبسط الوجه وحب الآخرين؛ وما أجمل قول ابن حبان: “الواجب على العاقل أن يتحبب إلى الناس بلزوم حسن الخلق، وترك سوء الخلق، لأن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل، وقد تكون في الرجل أخلاق كثيرة صالحة كلها، وخلق سيئ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الصالحة كلها”.

أحبتي في الله: إن العامل الأساسي في قيام الحضارات والفتوحات وبناء الدولة الإسلامية في العصور والقرون الأولى هو الأخلاق؛ يوم أن كان الفرد يحب لأخيه ما يحبه لنفسه؛ يوم أن كان الفرد يؤثر غيره على نفسه؛ يوم أن كان العدل سائدا في ربوع المعمورة؛ يوم أن كانت المساواة في كل شئون الحياة تشمل جميع الطبقات؛ يوم أن قدمت الكفاءات والقدرات والمواهب؛ يوم أن ……يوم أن…….إلخ

أيها المسلمون: إننا في حاجة إلى أن نقف وقفة مع أنفسنا وأولادنا وأهلينا في غرس مكارم الأخلاق والتحلي بها ؛ نحتاج إلى نولد من جديد بالأخلاق الفاضلة؛ نحتاج إلى نغير ما في أنفسنا من غل وحقد وكره وبخل وشح وظلم وقهر ودفن للقدرات والمواهب إلى حب وتعاون وإيثار وعدل ومساواة ورفع الكفاءات؛ إذا كنا نريد حضارة ومجتمع وبناء دولة !!! فهل لذلك أذن واعية ؟!!

العنصر الثالث: وسائل اكتساب الأخلاق

عباد الله: قد يقول قائل: كيف أكتسب تلك الأخلاق الحسنة وأطبقها؟! أقول: هناك وسائل لتحصيل حسن الخلق تتمثل فيما يلي:-

أولاً: الدعاء بحسن الخلق: كما كان صلى الله عليه وسلم يدعو بذلك :” وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا َنْتَ؛ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ ” (الترمذي)، كذلك كان صلى الله عليه وسلم  يستعيذ من سوء الخلق فكان يقول : ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ ” . ( أبو داود والنسائي).

لذلك اهتم الصحابة بحسن الخلق وطلبه من الله، فعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ : بَاتَ أَبُو الدَّرْدَاءِ اللَّيْلَةَ يُصَلِّي فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ : ” اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي، حَتَّى أَصْبَحَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، مَا كَانَ دُعَاؤُكَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ إِلا فِي حُسْنِ الْخُلُقِ، قَالَ: يَا أُمَّ الدَّرْدَاءِ، إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ يَحْسُنُ خُلُقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ حُسْنُ خُلُقِهِ الْجَنَّةَ، وَيَسُوءُ خُلُقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ سُوءُ خُلُقِهِ النَّارَ” (شعب الإيمان للبيهقي)

ثانياً: سلامة العقيدة : فالسلوك ثمرة لما يحمله الإنسان من فكر ومعتقد، وما يدين به من دين، والانحراف في السلوك ناتج عن خلل في المعتقد، فالعقيدة هي الإيمان، وأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا؛ فإذا صحت العقيدة؛ حسنت الأخلاق تبعًا لذلك؛ فالعقيدة الصحيحة تحمل صاحبها على مكارم الأخلاق، كما أنها تردعه عن مساوئ الأخلاق.

 ثالثاً: المداومة على العبادة والطاعة: لأن الإسلام لم يشرع العبادات بكافة صورها طقوساً ولا شعائر مجردة من المعنى والمضمون، بل إن كل عبادة تحمل في جوهرها قيمة أخلاقية مطلوب أن تنعكس على سلوك المسلم المؤدي لهذه العبادة، وأن تتضح جلياً في شخصيته وتعاملاته مع الغير، ولو طوفنا حول جميع العبادات لوجدنا الهدف منها هو تهذيب الأخلاق وتزكيتها ؛ فالعبادة علاقة بينك وبين ربك، أما السلوك فهو علاقة بينك وبين الناس، ولابد أن تنعكس العلاقة بينك وبين ربك على العلاقة بينك وبين الناس، فتحسنها وتهذبها!!

رابعاً: علو الهمة في التحلي بالأخلاق : فعلو الهمة يستلزم الجد، ونشدان المعالي، والترفع عن الدنايا ومحقرات الأمور؛ والهمة العالية لا تزال بصاحبها تزجره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد، قال ابن القيم رحمه الله:” فمن علت همته، وخشعت نفسه؛ اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه؛ اتصف بكل خلق رذيل”. وقال رحمه الله:” فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها، وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار؛ فالنفوس العلية لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة ولا بالخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجل؛ والنفوس المهينة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك”.(الفوائد). فينبغي على المرء ان يوطن نفسه على معالي الأمور والأخلاق ويتنزه عن سفسافها.

خامساً: أن يتخذ الناس مرآة لنفسه: فكل ما كرهه، ونفر عنه من قول أو فعل أو خلق فَلْيَتَجَنَّبْه، وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله. وصدق من قال:          إذا أعجبتك خصـال امرئٍ………… فكنْهُ تكن مثل ما يعجبك

فليس على المجد والمكرمات…………..إذا جئتها حاجب يحجبك

ولذلك يقول لقمان الحكيم: تعلمت الحكمة من الجهلاء, فكلما رأيت فيهم عيبا تجنبته !! ولهذا كان الصحابة يسألون الرسول- صلى الله عليه وسلم – عن الخير؛ وحذيفة – رضي الله عنه- يسأله عن الشر مخافة أن يدركه.( انظر صحيح البخاري)

سادسا: مصاحبة الأخيار وأهل الأخلاق الفاضلة: فالمرء مولع بمحاكاة من حوله، شديدُ التأثر بمن يصاحبه؛ فالجبان قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يخوض في خطر؛ ليحمي صديقه من نكبة. والبخيل قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يبذل جانبًا من ماله لإنقاذ صديقه من شدة. فالصداقة المتينة لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة؛ فإذا كان الأمر كذلك فما أحرى بذي اللب أن يبحث عن إخوان الثقات؛ حتى يعينوه على كل خير، ويقصروه عن كل شر؛ فينبغي على المرء أن يحسن اختيار الصاحب، لأنه يكون على هديه وطريقته ويتأثر به، كما قيل: الصاحب ساحب، حتى لو أردت أن تعرف أخلاق شخصٍ فسأل عن أصحابه.

قال الشاعر:                  عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينَهُ …………  فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارِنِ يَقتَدي

وقال آخر:                   واحـذرْ مُصاحبـةَ اللئيـم فـإنّـهُ …………. يُعدي كما يُعدي الصحيـحَ الأجـربُ

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ” [ أحمد والترمذي وحسنه ]

سابعاً: الاقتداء بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم: فهو القدوة والأسوة والمثل الأعلى في مكارم الأخلاق حيث شهد له ربه في علاه بقوله: { ﻭَﺇِﻧَّﻚَ ﻟَﻌَﻠَﻰ ﺧُﻠُﻖٍ ﻋَﻈِﻴﻢٍ }(القلم: 4 ) ؛ وكان الصحابة دائما يسألون عن أخلاقه ليمتثلوا به ويقتدوا بأخلاقه صلى الله عليه وسلم؛ فقد سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن أخلاقه فقالت:” كان خلقه القرآن ” ( مسلم)، وﺭُﻭﻱ ﺃﻥ ﺃﻋﺮﺍﺑﻴﺎً ﻗﺎﻝ ﻟﺴﻴﺪﻧﺎ ﻋلي -رضي الله عنه : ﻋﺪِّﺩ ﻟﻨﺎ ﺃﺧﻼﻕ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ صلى الله عليه وسلم !! ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ رضي الله عنه : ﻫﻞ ﺗﻌﺮﻑ ﺍﻟﻌﺪّ ؟ ﻗﺎﻝ : ﻧﻌﻢ ! ﻓﻘﺎﻝ علي رضي الله عنه: ﻋﺪ ﻟﻲ ﻣﺘﺎﻉ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ! ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻷﻋﺮﺍﺑﻲ : ﻣﺘﺎﻉ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻻ ﻳُﻌﺪًُ ! ﻓﻘﺎﻝ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﻋﻠﻲ رضي الله عنه: ﻋﺠﺰﺕ ﻋﻦ ﻋﺪ ﺍﻟﻘﻠﻴﻞ ! ﺇﺫ ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ تعالى : { ﻗُﻞْ ﻣَﺘَﺎﻉُ ﺍﻟﺪُّﻧْﻴَﺎ ﻗَﻠِﻴﻞٌ }(النساء: 77) ﻭﻃﻠﺒﺖَ مني ﻋﺪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ، حيث ﻳﻘﻮﻝ تعالى : { ﻭَﺇِﻧَّﻚَ ﻟَﻌَﻠَﻰ ﺧُﻠُﻖٍ ﻋَﻈِﻴﻢٍ }(القلم: 4 ) !!!!

ثامناً: النظر في سير السلف الصالح: فهم أعلام الهدي، ومصابيح الدجى، وهم الذين ورثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه، وسمته وخلقه، فالنظر في سيرهم، والاطلاع على أحوالهم ؛ وقراءة تراجمهم مما يحرك العزيمة على اكتساب المعالي ومكارم الأخلاق؛ ذلك أن حياة أولئك تتمثل أمام القارئ، وتوحي إليه بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم.

عباد الله: هذه هي وسائل اكتساب الأخلاق فالزموها وعلموها أبناءكم وبناتكم وأهليكم؛ فأنتم مسئولون عنهم أمام الله يوم القيامة!!

العنصر الرابع: ثمرات الأخلاق وفوائدها في الدنيا والآخرة

عباد الله: لحسن الخلق ثمرات وفوائد تعود على صاحبه في الدنيا والآخرة وتتمثل فيما يلي: –

أولاً: محبة الخلق: فإن الفرد إذا حسنت أخلاقه أحبه الناس وأقبلوا على معاملته والزواج منه ؛ واشتهر بصدقه وأمانته؛ وهذا الذي دفع السيدة خديجة – رضي الله عنها – إلى اختيار الرسول – صلى الله عليه وسلم – ليتجر في مالها ثم الزواج منه  لصدقه وأمانته؛ فقد كان مشهورا بين قريش بالصادق الأمين؛ وكل هذا قبل البعثة !!

ثانياً: حسن الخلق قوام الحضارات: فالحضارات والأمم تبني على التعاون والتشارك والصدق والأمانة في البيع والشراء وسائر القيم والأخلاق الفاضلة؛ أما إذا انتشر الكذب والنفاق والغش والخداع والتضليل والقهر والظلم والربا والاحتكار؛ وانتشرت الجرائم من السرقة والزنا والقتل والتفجير والتخريب فأنى لقيام الحضارات؟!!

ثالثاً: حسن الخلق من كمال الإيمان: فصاحب الأخلاق الحسنة يكون كامل الإيمان؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا؛ وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا.” [أحمد وأبو داود والترمذي وصححه]. قال المباركفوري: ” أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا “: لأن كمال الإيمان يوجب حسن الخلق والإحسان إلى كافة الإنسان، ” وخياركم خياركم لنسائهم “: لأنهن محل الرحمة لضعفهن.

رابعاً: صاحب الأخلاق الحسنة رفيق النبي – صلى الله عليه وسلم – في الآخرة: فعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: الْمُتَكَبِّرُونَ” [ الترمذي وحسنه ].

خامساً: حسن الخلق يثقل الموازين يوم القيامة: فعَنْ أَبِي الدرداء -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -صلى الله عليه وسلم ” مَا مِنْ شَيْءٍ فِي اَلْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ اَلْخُلُقِ” ( أَبُو دَاوُدَ).

سادساً: حسن الخلق طريقٌ إلى الجنة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ:” تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ” وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ فَقَالَ:” الْفَمُ وَالْفَرْجُ” [ أحمد والترمذي وصححه ]، وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ”[ أبو داود والبيهقي والطبراني والترمذي وحسنه ].

سابعا: حسن الخلق وقاية من النار: فكما أن حسن الخلق يوجب الجنة فكذلك يحرم صاحبه على النار. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟! عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ” [ الترمذي وحسنه ].

ثامناً: حسن الخلق يرفع الدرجات في الآخرة: فحسن الخلق يرفع العبد منزلة عند الله حتى يبلغ درجة الصائم القائم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”إِنَّ الْعَبْدَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ” [أحمد وأبودواد والطبراني والحاكم وصححه].

هذه هي ثمرات حسن الخلق وفوائده في الدنيا والآخرة؛ فلا تحرموا أنفسكم من هذه الفوائد والثمرات لتفوزوا سعادة العاجل والآجل.

اللهم كما حسنت خَلقَنَا فحسن أخلاقنا؛ اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرفُ عنا سيئها إلا أنت؛ اللهم إنا نعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق.

الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،                              

    كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

                                                                                                                                  د / خالد بدير بدوي