خطبة بعنوان: ” الهجرة النبوية دروس وعبر”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 2 من محرم 1439هـ الموافق 22 سبتمبر 2017م

خطبة بعنوان: ” الهجرة النبوية دروس وعبر”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 2 من محرم 1439هـ الموافق 22 سبتمبر 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word  أضغط هنا.

لتحميل الخطبة بصيغة  pdf أضغط هنا.

ولقراءة الخطبة كما يلي:  

 

عناصر الخطبة:

الدرس الأول : إخلاص العمل لله تعالى

الدرس الثاني: التخطيط ودوره في بناء المجتمع

الدرس الثالث: الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله

الدرس الرابع : السعي على الرزق والكسب

الدرس الخامس: ترك التهاجر والتناحر

الدرس السادس: أن من ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه

الدرس السابع : الإكثار من الصيام في شهر الله المحرم

 المقدمة:                                                            أما بعد:

عباد الله: تعالوا بنا ونحن في ذكرى هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم نقف مع حضراتكم مع الدروس المستفادة من الهجرة النبوية؛ وفي الحقيقة حادث الهجرة مليء بالدروس والعبر ؛ ولكني أقتصر في هذا اللقاء على أهم هذه الدروس والتي تتمثل فيما يلي: –

الدرس الأول : إخلاص العمل لله تعالى

وهذا هو أهم دروس الهجرة ؛ فلا بد أن يكون عملك خالصاً لله تعالى؛ فقد ثبت عنه  صلى الله عليه وسلم  أنه قال : ” إنه ليس أحدٌ أمنُّ علي في نفسه وماله من أبي بكر ” فقد كان أبو بكر الذي يؤتي ماله يتزكى؛ ينفق أمواله على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ، وعلى الدعوة إلى دين الله . لكن السؤال هنا هو لماذا رفض  صلى الله عليه وسلم  أخذ الراحلة من أبي بكر إلا بالثمن ؟!

قال بعض العلماء : إن الهجرة عمل تعبدي فأراد عليه الصلاة والسلام أن يحقق الإخلاص بأن تكون نفقة هجرته خالصة من ماله دون غيره . وهذا معنى حسن ، وهو درس في الإخلاص وتكميل أعمال القرب التي تفتقر إلى النفقة ( كنفقة الحج ، وزكاة الفطر ، وغيرها من الأعمال ) فإن الأولى أن تكون نفقتها من مال المسلم خاصة .

وقد صدَّر الإمام البخاري كتابه بأحد الأحاديث التي عليها مدار الدين كله؛ وهو حديث النية.

فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل ِامْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.” (متفق عليه) .

 وكون أن الإمام البخاري – رحمه الله – يجعله الحديث رقم واحد في كتابه؛ فهذه رسالة قوية للعبد أن يجعل أعماله كلها – دينية ودنيوية – خالصة لله تعالى ؛ فمن هاجر من أجل الدنيا أو من أجل النساء فليست هجرته خالصة لله.

 ” يقول عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – : كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها ، فكنا نسميه مهاجر أم قيس.” ( فتح الباري ).

وهذا سبب واضح وصريح في ورود حديث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – .

 

الدرس الثاني: التخطيط ودوره في بناء المجتمع

أحبتي في الله: إن التخطيط أساس نجاح أي عمل من الأعمال؛ سواء في حياة الفرد أو الدولة، وهو الطريق الذي يرسم بصورة مسبقة ليسلكه الفرد أو المنظمة عند اتخاذ القرارات وتنفيذ العمل، بشرط أن يكون وفق منهج فكري عقائدي متمثل بالإيمان بالقدر والتوكل على الله.

ففي حدث الهجرة خطط النبي صلى الله عليه وسلم خطة متينة محكمة، فعلىٌّ – رضي الله عنه- على فراشه صلى الله عليه وسلم مغطياً رأسه، وبات المجرمون ينظرون من شق الباب، يتهافتون أيهم يضرب صاحب الفراش بسيفه، وعبدالله بن أبي بكر كان يصبح مع قريش فيسمع أخبارها ومكائدها فإذا اختلط الظلام تسلل إلى الغار وأخبر النبي  صلى الله عليه وسلم الخبر فإذا جاء السحر رجع مصبحاً بمكة، وكانت عائشة وأسماء يصنعان لهما الطعام ثم تنطلق أسماء بالسفرة إلى الغار ولما نسيت أن تربط السفرة شقت نطاقها فربطت به السفرة وانتطقت بالآخر فسميت بـ( ذات النطاقين )، ولأبي بكر راعٍ اسمه عامر بن فهيرة ، كان يرعى الغنم حتى يأتيهما في الغار فيشربان من اللبن، فإذا كان آخر الليل مر بالغنم على طريق عبدالله بن أبي بكر عندما يعود إلى مكة ليخفي أثر أقدامه، واستأجر رسول الله  صلى الله عليه وسلم رجلاً  كافراً اسمه عبدالله بن أريقط وكان هادياً خريتاً ماهراً بالطريق وواعده في غار ثور بعد ثلاث ليال، فتوزيع الأدوار جاء مرتباً مخططاً منظماً وفق خطة علمية مدروسة، فالقائد : محمد ، والمساعد : أبو بكر ، والفدائي : علي ، والتموين : أسماء ، والاستخبارات : عبدالله ، والتغطية وتعمية العدو : عامر ، ودليل الرحلة : عبدالله بن أريقط ، والمكان المؤقت : غار ثور ، وموعد الانطلاق : بعد ثلاثة أيام ، وخط السير : الطريق الساحلي.

وهذا كله شاهد على عبقريته وحكمته صلى الله عليه وسلم ، وفيه دعوة للأمة إلى أن تحذو حذوه في حسن التخطيط والتدبير وإتقان العمل واتخاذ أفضل الأسباب مع الاعتماد على الله مسبب الأسباب أولاً وآخراً .

إن الله قادرٌ على حمل نبيه في غمامة أو سحابة أو يسخر له الريح – كما سخرها لسيدنا سليمان – فتحمله في طرفة عين من مكة إلى المدينة، ولكن الله يريد أن يعطينا درساً لا ننساه وهو التخطيط والأخذ بالأسباب.

كما أن التخطيط لمستقبل أولادك أمر واجب عليك، حتى تضمن لهم حياة كريمة وشريفة، فإنني أعجب كل العجب ممن يتزوج امرأتين وثلاث وأربع – مع عدم اعتراضي على ذلك بل أشجعه – وينجب من كل واحدةٍ خمسة أولاد أو ستة ثم يتركهم رعاعاً متشردين.

انظر إلي تخطيط النبي لخاله سعد بن أبي وقاص حينما حضره الموت، يقول :” مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْحِ حَتَّى أَشْفَيْتُ عَلَى الْمَوْتِ ، فَعَادَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ : أَيْ رَسُولَ اللهِ ، إِنَّ لِي مَالاً كَثِيرًا وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لاَ. قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لاَ. قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ.”(البخاري)

إن مجتمعنا في حاجة ماسة إلي قيمة التخطيط – أسوة بنبينا صلى الله عليه وسلم – حتى ننهض ونبني مجتمعنا فكرياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً …….إلخ

وكما تُخطط لدنياك خَطِّط لآخرتك، وذلك بعمل خطة وجدول لصلاتك وقيامك وقراءتك للقرآن واطلاعك ……..إلخ، وضع لنفسك عقاباً إن قصرت، فمثلاً إن قصرت في صلاة جماعة مرة أتبرع بجنيه للمسجد، فيكون عقابك طاعة، وهكذا في جميع طاعاتك المدرجة في جدول التخطيط والتنظيم، واعلم أن كل يوم يمر عليك دون عمل، لابد أن تحزن عليه، كما قال عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه-  : ” ما حزنت على شيء قط حزني على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي “

بل ستندم ولا ينفعك الندم، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه-  يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما من أحد يموت إلا ندم. قالوا: وما ندامته يا رسول الله ؟ قال: إن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون نزع” ( الترمذي )

الدرس الثالث: الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله

فينبغي على المسلم في عمله أن يأخذ بجميع الأسباب الموصلة إلى غايته وهدفه مع التوكل على الله تعالى؛ وهذا ما غرسه النبي في نفس الصحابي الذي أطلق الناقة متوكلا على الله؛ فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ:” اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ” (الترمذي وحسنه).

إن كثيرا من الناس يقعد في بيته وينتظر الرزق مع أنه لم يأخذ بالأسباب ولم يسع عليه فكيف يأتيه؟!! لذلك رأى عمر رضي – رضي الله عنه- قومًا قابعين في رُكن المسجد بعدَ صلاة الجمعة، فسألهم: من أنتم؟ قالوا: نحن المُتوَكِّلون على الله، فعَلاهم عمر رضي الله عنه بدِرَّته ونَهَرَهم، وقال: لا يَقعُدنَّ أحدُكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علِمَ أن السماءَ لا تُمطِرُ ذهبًا ولا فضّة، وإن الله يقول: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} (الجمعة: 10).

وروى ابن أبي الدنيا في “التوكل” بسنده عن معاوية بن قرة، أن عمر بن الخطاب، لقي ناسا من أهل اليمن، فقال : من أنتم؟ قالوا : نحن المتوكلون. قال : بل أنتم المتكلون، إنما « المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض، ويتوكل على الله ». وكان سفيانُ الثوريّ رحمه الله يمُرُّ ببعض الناس وهم جلوسٌ بالمسجدِ الحرام، فيقول: ما يُجلِسُكم؟ قالوا: فما نصنَع؟! قال: اطلُبوا من فضلِ الله، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين.

أخي المسلم: إنك لو نظرت إلى الهجرة وسألت نفسك سؤالا: لماذا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم سرا بينما هاجر عمر بن الخطاب فى وضح النهار..؟!! متحديا قريش بأسرها، وقال كلمته المشهورة التى سجلها التاريخ فى صفحات شرف وعز المسلمين وقال متحديا لهم : “من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي” فلم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه، فهل كان عمر بن الخطاب أشجع من سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم؟!! نقول لا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق على الإطلاق، ولكن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأسباب النجاة من التخطيط والتدبير والهجرة خفية واتخاذ دليل فى الصحراء، ليعطينا درسا بليغا في الأخذ بالأسباب مع الأمل والثقة في الله والتوكل عليه. أيعجز ربنا أن يحمل نبيه في سحابة من مكة إلى المدينة في طرفة عين كما في الإسراء والمعراج ؟!! 

فما أجمل الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، فعن عمر رضي الله عنه قال : قال  رسول الله : ” لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ” [أخرجه الترمذي].

انظر إلى السيدة مريم عليها السلام قال الله فيها :{ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا} (مريم:23- 26).

تأملت في هذه الآية وقلت: امرأة جاءها المخاض ( طلق الولادة ) ومع ذلك أمرها الله بهز النخلة والأخذ بالأسباب، مع أنك لو جئت بعشرة رجال ذي جلد وقوة ما استطاعوا إلَّا رمياً بالحجارة، والله قادر على أن ينزل لها مائدة عليها أشهى المأكولات؛ ولكن الله أراد أن يعطينا درساً بليغاً في الأخذ بالأسباب مع الأمل والثقة في الله والتوكل عليه.

إن على الإنسان الأخذ بالأسباب حتى في أداء العبادات، قالَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: كانَ أهلُ اليمنِ يحجون ولا يتزودونَ ويقولونَ: نحنُ متوكلونَ، فيَحجونَ فيأتونَ مكةَ فيسألونَ الناسَ فأنزل اللهُ: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]، وسألَ رجلٌ أحمدَ بنَ حنبلٍ فقالَ: أيخرجُ أحدُنا إلى مكةَ متوكلاً لا يحملُ معه شيئاً؟ قال: لا يعجبُني فمن أينَ يأكلُ؟ قالَ: يتوكلُ فيعطيه الناسُ، قال: فإذا لم يُعطوه أليس يَتشرفُ حتى يُعطوه؟ لا يُعجبني هذا، لم يبلغُني أن أحداً من أصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم والتابعينَ فعل هذا، ولكن يعملُ ويطلبُ ويتحرى.

أحبتى في الله: أسوق لكم قصة جميلة عن سلفنا الصالح في الأخذ بالأسباب وعدم الكسل والركود والاعتماد على صدقات المحسنين: يروى أن شقيقاً البلخي، ذهب في رحلة تجارية، وقبل سفره ودع صديقه إبراهيم بن أدهم حيث يتوقع أن يمكث في رحلته مدة طويلة، ولكن لم يمض إلا أيام قليلة حتى عاد شقيق ورآه إبراهيم في المسجد، فقال له متعجباً: ما الذي عجّل بعودتك؟ قال شقيق: رأيت في سفري عجباً، فعدلت عن الرحلة، قال إبراهيم: خيراً ماذا رأيت؟ قال شقيق: أويت إلى مكان خرب لأستريح فيه، فوجدت به طائراً كسيحاً أعمى، وعجبت وقلت في نفسي: كيف يعيش هذا الطائر في هذا المكان النائي، وهو لا يبصر ولا يتحرك؟ ولم ألبث إلا قليلاً حتى أقبل طائر آخر يحمل له العظام في اليوم مرات حتى يكتفي، فقلت: إن الذي رزق هذا الطائر في هذا المكان قادر على أن يرزقني، وعدت من ساعتي، فقال إبراهيم: عجباً لك يا شقيق، ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى الكسيح الذي يعيش على معونة غيره، ولم ترض أن تكون الطائر الآخر الذي يسعى على نفسه وعلى غيره من العميان والمقعدين؟ أما علمت أن اليد العليا خير من اليد السفلى؟ فقام شقيق إلى إبراهيم وقبّل يده، وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق، وعاد إلى تجارته.

 هؤلاء قد فهموا الإسلام، عملاً وتعباً، جهداً وبذلاً، لم يفهموا الإسلام تقاعساً ولا كسلاً، ولا دعة ولا خمولاً، وذلك لأن الإسلام رفع من شأن صاحب اليد العليا، ولا يريد لأتباعه أن يكونوا عالة على غيرهم.

الدرس الرابع : السعي على الرزق والكسب

فنحن جميعاً نعلم أن من أروع الأمثلة – على طريق الهجرة – في السعي والضرب في الأرض من أجل الرزق؛ ما حدث بين عبدالرحمن بن عوف و سعد بن الربيع؛ ” فعن أنس، قال: قدم عبدالرحمن بن عوف فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبدالرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلنى على السوق. فخرج إلى السوق وتاجر حتى أصبح من أغنى أغنياء المدينة؛ يقول عبدالرحمن بن عوف: فلقد رأيتنى ولو رفعت حجراً لرجوت أن أصيب ذهباً وفضة.” (السيرة النبوية لابن كثير) ؛ فقد ضرب لنا سعد بن الربيع أروع الأمثلة في الإيثار والمواساة؛ وضرب لنا عبدالرحمن بن عوف أروع الأمثلة في العفة والأخذ بالأسباب والسعي والضرب في الأرض من أجل الرزق ؛ وهذا تصديق لقوله صلى الله عليه وسلم:” ومن يستعفف يعفّه الله، ومن يستغن يغنه الله.”(البخاري ومسلم) .

لذلك حث الإسلام على اتخاذ المهنة للكسب مهما كانت دنيئة فهي خير من المسألة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:” لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ فَيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنْ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ” (الترمذي وحسنه).

أيها المسلمون: إننا لو نظرنا إلى جميع الأنبياء لوجدنا أن لهم دوراً بارزاً في العمل والكسب والاحتراف؛ فقد كان لكل واحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعاً حرفة يعيش بها، فهذا آدم – عليه السلام – كان حراثاً وحائكاً، وكانت حواء تغزل القماش، وكان إدريس خياطاً وخطاطاً، وكان إلياسُ – عليه السلام – نسَّاجًا، وكان نوح وزكريا نجارين، وكان هود وصالح تاجرين، وكان إبراهيم زارعاً وبناءً، وكان أيوب زراعاً، وكان داود زراداً – أي يصنع الزرد – وهو درع من حديد يلبسه المحارب، وكان سليمان خواصاً؛ وكان موسى وشعيب ومحمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء عليهم السلام يعملون بمهنة رعي الأغنام.

 فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟! فَقَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ “( البخاري).

أحبتي في الله: هذا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين؛ ضرب لنا أروع الأمثلة في العمل والكسب والاحتراف؛ فكان يقوم بمهنة أهله، يغسل ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع الثوب، ويخصف النعل؛ ويعلف بعيره، ويأكل مع الخادم، ويطحن مع زوجته إذا عييت ويعجن معها، وكان يُقطِّع اللحم مع أزواجه، ويحمل بضاعته من السوق، ونحر في حجة الوداع ثلاثاً وستين بدنة بيده، وكان ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبر بطنه، وكان ينقل مع صحابته اللبن – الطوب الترابي- أثناء بناء المسجد، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرغب المسلمين في العمل والبناء والتعمير؛ فقام المهاجرون والأنصار وعملوا بجد ونشاط حتى قال أحدهم:

لئن قعدنا والنبي يعمل……………… لذاك منا العمل المضلل

أحبتي في الله: إن العمل الكسب والاحتراف لم يكن في حياة الأنبياء فقط ؛ بل ربي النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام على الجد والاجتهاد والعمل والاحتراف من أجل بناء المجتمع، فكان لكل واحد منهم مهنة يتكسب بها؛ فهذا أبو بكر الصديق كان تاجر أقمشة؛ وكان عمر بن الخطاب دلالاً؛ وعثمان بن عفان تاجراً؛ وعلى بن أبى طالب عاملاً؛ وكان يقول مفتخراً:

لنقلُ الصخر من قلل الجبال ………………….أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِنَنِ الرَّجَالِ

يَقُولُ النَّاسُ لي في الكسْبِ عارٌ……………….. فقلت العار في ذل السؤال

كما كان الزبير بن العوام خياطاً ؛ وسعد بن أبى وقاص نبالاً أي يصنع النبال؛ وعمرو بن العاص جزاراً؛ وخباب بن الأرت حدادًا، وعبد الله بن مسعود راعيًا، والزبير بن العوام خياطًا، وبلال بن رباح وعمار بن ياسر كانا خادمين، وسلمان الفارسي كان حلاقًا ومؤبرًا للنخل، وخبيرًا بفنون الحرب، والبراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا تاجرين. (راجع فتح الباري لابن حجر) .

ومع أنهم دعاة حملوا مشاعل الهداية والنور للأمة؛ إلا أنهم سعوا للكسب والاحتراف من أجل بناء المجتمع؛ فأين نحن من هؤلاء؟!!

الدرس الخامس: ترك التهاجر والتناحر

فعندما علِم أهل المدينة بهجرة النبي – صلى الله عليه وسلم – تناسَوا الخلافات والتشاجرات التي كانتْ بينهم، والحروب المستعرة التي ظلَّت سنوات عديدة؛ وذلك لأن الهجرة علَّمتْهم روحَ التعاون والتماسك، وترك التهاجر والتناحر؛ لأنهما يؤدِّيان إلى الفشل: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].

لقد ألف الله بين قلوب المسلمين بحضرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – في المدينة، حيث جمع الله به شتات المؤمنين، ووحدهم بعد تفرقهم امتثالا لقوله تعالى:{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ( آل عمران : 103) .

قال الحافظ  ابن كثير في تفسيره : “أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلا من اليهود مَرَّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هُمْ عليه من الاتفاق والألْفَة، فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بُعَاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبُه حتى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجعل يُسكِّنهم ويقول: “أبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وأَنَا بَيْنَ أظْهُرِكُمْ؟” وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح، رضي الله عنهم.”أ.هـ

ويا ليت الأمة الإسلامية تستلهم هذه المعاني من الهجرة؛ كي ينتشر الحبُّ بيننا، وتنتزع البغضاء والشحناء.

إنَّ الأمة الإسلاميَّة متى اجْتمعتْ واتَّحدتْ، لَم تستطعْ أُمَّة مَهْمَا كانتْ قوَّتها النَّيْل منها؛ لأن يدَ الله مع الجماعة، ولأنها مع اتِّحادها مَحمية بربِّها، وهذا ما عُرِف على مَرِّ السنين، فما قَوِيَتْ أُمَّة مُتفرقة مُشَتَّتة، وما ضَعُفَتْ أُمَّة اجْتمعتْ وتكاتَفَتْ وارتبطتْ بربِّها.

ألا فلنحتد جميعاً من أجل بناء مجتمعنا، من أجل بناء وطننا، من أجل بناء مصرنا، من أجل بناء حضارتنا، بعيدين عن التفرقة، عن التشرذم ، عن التحزب، عن التشتت، حتى نحقق آمالنا، ويعلو بنياننا ، ونبلغ منانا، فنكون جميعاً أدوات بناء لا أدوات هدم!!

وصدق القائل:

ومتى يبلغ البنيان يوماً تمامه………إذا كنت تبني وغيرك يهدم؟!!!

 

الدرس السادس: أن من ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه

فلما ترك المهاجرون ديارهم، وأهليهم، وأموالهم التي هي أحب شيء إليهم، لما تركوا ذلك كله لله، عوضهم الله بأن فتح عليهم الدنيا، وملّكهم شرقها وغربها.   فما أحوجنا إلى تطبيق هذا المنهج في حياتنا العملية !! وهذه نماذج لأمور من تركها لله عوضه الله خيراً منها:

– فمن ترك مسألة الناس، ورجائهم، وإراقة ماء الوجه أمامهم، وعلق رجاءه بالله دون سواه، عوضه خيراً مما ترك فرزقه حرية القلب، وعزة النفس، والاستغناء عن الخلق « ومن يتصبر يصبره الله ومن يستعفف يعفّه الله ».

– ومن ترك الاعتراض على قدر الله، فسلم لربه في جميع أمره رزقه الله الرضا واليقين، وأراه من حسن العاقبة ما لا يخطر له ببال.

– ومن ترك الذهاب للعرافين والسحرة رزقه الله الصبر، وصدق التوكل، وتحقق التوحيد.

– ومن ترك التكالب على الدنيا جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة.

– ومن ترك الخوف من غير الله، وأفرد الله وحده بالخوف سلم من الأوهام، وأمنه الله من كل شيء، فصارت مخاوفه أمناً وبرداً وسلاماً.

– ومن ترك الكذب، ولزم الصدق فيما يأتي ويذر، هدي إلى البر، وكان عند الله صدّيقاً، ورزق لسان صدق بين الناس.

– ومن ترك الغش في البيع والشراء زادت ثقة الناس به، وكثر إقبالهم على سلعته.

– ومن ترك الربا، وكسب الخبيث بارك الله في رزقه، وفتح له أبواب الخيرات والبركات.

– ومن ترك النظر إلى المحرم عوضه الله فراسة صادقة، ونوراً وجلاءً، ولذة يجدها في قلبه.  

 وهكذا في جميع شئون الحياة من ترك شيئاً لله عوضه الله خيرا منه !!

الدرس السابع : الإكثار من الصيام في شهر الله المحرم

فعن أبي هريرة  قال قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ” أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم؛ وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل”.( صحيح مسلم).

وعن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه أتى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته فقال يارسول الله أما تعرفني ؟ قال ” ومن أنت ؟ ” قال أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول قال ” فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة ؟ ” قال ما أكلت طعاما منذ فارقتك إلا بليل فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ” لم عذبت نفسك ؟ ” ثم قال ” صم شهر الصبر ويوما من كل شهر ” قال زدني فإن بي قوة قال ” صم يومين ” قال زدني قال ” صم ثلاثة أيام ” قال زدني قال ” صم من الحرم واترك صم من الحرم واترك صم من الحرم واترك ” وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها .( أحمد وأبو داوود والبيهقي بسند فيه ضعف).

وكما يجب على الإنسان أن يكثر من الطاعات والصيام في هذا الشهر المحرم؛ فكذلك يجب عليه عدم انتهاك الحرمات في جميع الأوقات عامة وفي هذا الشهر المحرم خاصة؛ لأن ذلك زوال لحسناته في الآخرة ؛ فَعَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – أَنَّهُ قَالَ : لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ ، وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهَكُوهَا.( ابن ماجة بسند جيد).

أيها المسلمون: هذه سبعة دروس من الهجرة النبوية؛ لو طبقناها على أرض الواقع لعشنا في سعادة ورخاء ؛ ورفاهية وإخاء ؛ ومحبة وهناء ؛؛ أسال الله أن يرد المسلمين إلى دينه مرداً جميلاً ؛ وأن يرفع عنا الغلاء والوباء والفتن ما ظهر منها وما بطن؛؛؛

الدعاء،،،،،،،                وأقم الصلاة،،،،،،،                                                                           كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي




خطبة الجمعة القادمة: “دروس من الهجرة النبوية”بتاريخ 2 من محرم 1439هـ الموافق 22 من سبتمبر 2017م

خطبة الجمعة القادمة: “دروس من الهجرة النبوية”بتاريخ 2 من محرم 1439هـ الموافق 22 من سبتمبر 2017م.

 

 

لتحميل الخطبة أضغط هنا.

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:




خطبة بعنوان: ” حسن الخاتمة بين الاجتهاد والتوفيق”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 24 من ذي الحجة 1438هـ الموافق 15 سبتمبر 2017م

خطبة بعنوان: ” حسن الخاتمة بين الاجتهاد والتوفيق”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 24 من ذي الحجة 1438هـ الموافق 15 سبتمبر 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word  أضغط هنا.

لتحميل الخطبة بصيغة  pdf أضغط هنا.

ولقراءة الخطبة كما يلي:  

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: حرص الأنبياء والصالحين على حسن الخاتمة

العنصر الثاني: الأعمال بالخواتيم

العنصر الثالث: قصص حسن وسوء الخاتمة

العنصر الرابع: أسباب حسن وسوء الخاتمة

     المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: حرص الأنبياء والصالحين على حسن الخاتمة

عباد الله: إن من أهم الأمور التي ينبغي على الإنسان أن يحرص عليها ويستعد لها ( حسن الخاتمة ).

وحسن الخاتمة : هو أن يُوفق العبد قبل موته للابتعاد عما يغضب الرب سبحانه ، والتوبة من الذنوب والمعاصي ، والإقبال على الطاعات وأعمال الخير ، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة ؛ فمَنْ وفَّقه الله تعالى للعمل الصَّالح في آخِر عمره وفي آخِر ساعةٍ من الأجَل؛ فقد كتب الله له حسنَ الخاتمة، ومَنْ خذَله الله فختَم ساعةَ أجلِه بعمل شرٍّ وذنبٍ يُغضِب الربَّ؛ فقد خُتِمَ له بخاتمةِ سوءٍ والعياذ بالله.

 وقد حثَّنا الله تبارك وتعالى وأمرنا بالحرص على نَيْل الخاتمة الحسنة؛ فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } [آل عمران: 102].

والسَّعيُ لحُسن الخاتمة غايةُ الصَّالحين، وهِمَّة العباد المتَّقين، ورجاء الأبرار الخائفين؛ ودعاء الأنبياء والمرسلين؛ قال الله تعالى: { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } [البقرة: 132]، وقال تعالى في وصف أُولي الألباب: { رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ } [آل عمران: 193]، وقال تعالى عن التَّائبين: { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِين } [الأعراف: 126]،.

عباد الله: إذا كان الأنبياء والمرسلون – مع علو مكانتهم وقدرهم عند الله – حريصين على حسن الخاتمة بهذه الكيفية وهذا الخوف؛ فكيف بنا نحن وقد أكلتنا الذنوب !! بل أكل بعضنا بعضاً ؟!!

بل انظروا إلى نبيكم -صلى الله عليه وسلم- كيف كان حريصاً على حسن الخاتمة وهو خاتم الأنبياء والمرسلين وكيف كان يدعو بطلبها ؟!!

فعن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ” إنَّ قلوبَ بني آدم كلَّها بين أصبعين من أصابع الرَّحمن كقَلبٍ واحد، يصرِّفُه حيثُ يشاء . ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: اللَّهمَّ مصرِّفَ القلوب، صرِّف قلوبَنا على طاعتك”. (مسلم). فمَنْ وفَّقه الله لحُسن الخاتمة؛ فقد سَعِد سعادةً لا يشقى بعدها أبدًا، ولا كربَ عليه بعد ذلك التوفيق، ومَنْ خُتِم له بسوءِ خاتمةٍ؛ فقد خَسِر في دنياه وأُخْراه.

أيها المسلمون: لقد ضرب لنا سلفنا الصالح – رضي الله عنهم – أروع المثلة في الحرص على حسن الخاتمة؛ ومدى وخوفهم من سوء الخاتمة مع ما هم فيه من الزهد والورع والتقى؛ وأقف وقفة مع فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه – الذي قال فيه الشاعر محمود غنيم :

يا مـن يـرى عُـمَـراً تـكسـوه بُردَتُــه ……………………… والـزيـتُ إِدْمٌ لـهُ والـكـوخُ مـأواه

يـهـتـزُّ كـسـرى عـلى كُـرسِـيِّـه فَـَرقاً  …………………….. مـن خـوفِـهِ ومـلوكُ الـرومِ تـخـشاه

ياربِّ فـابـعـثْ لنا مـن مِـثْـلِـهِـم نَـفَـراً  …………………….. يُـشَـيِّـدُون لـنا مَـجـداً أضَـعـنـاه

يقف فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه – عند الجمرات في آخر حجة حجها ودعا الله بقلب صادق، وقال: ” اللهم ضاعت رعيتي، ورق عظمي، وشاب رأسي، ودنا أجلي، اللهم فاقبضني إليك غير مفرط ولا مفتون، اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك وموتة في بلد رسولك  “.

 شرطان: في سبيل الله، وفي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال له الصحابة: كيف تسأل الشهادة في المدينة ؟! ومن يسأل الشهادة يخرج إلى الثغور والقتال والأعداء.؟!! قال: هكذا سألت وأسأل الله أن يلبي لي ما سألت. وعلم الله أنه صادق مخلص: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69].. {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ }[محمد:21] عاد إلى المدينة ، وامتدت له يد أبي لؤلؤة الآثمة في صلاة الفجر في أحسن بقعة وفي أحسن صلاة؛ فطعنه ثلاث طعنات وهوى صريعاً؛ وحمل على أكتاف الرجال وهو مطعون فما تذكر ولداً ولا زوجة ولا منصباً ولا وظيفة ولا داراً ولا مالاً، وقال عمر عندما علم بنفاذ الطعنة المجوسية اليهودية: الحمد لله الذي جعل نهايتي على يد رجل لم يسجد لله سجدة واحدة؛ وأخذت عيناه تهراق بالدموع وهو يقول: يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني ما عرفت الحياة، يا ليتني ما توليت الخلافة!!

 تقول هذا وأنت الزاهد المجاهد الصادق، فكيف بنا نحن؟! كيف نلقى الله؟!

وهنا يدخل عليه علي أبو الحسن رضي الله عنه وأرضاه، فأثنى عليه، قال: يا علي ! والله الذي لا إله إلا هو وددت أني نجوت كفافاً لا لي ولا عليَّ. وأخذ عمر – رضي الله عنه – يقول لابنه عبد الله : انزع المخدة من تحت رأسي وضع رأسي على التراب علَّ الله أن يرحمني. رحمك الله وأسكنك الله الرضوان ورفع منزلتك يوم يتقبل الله من الصادقين:{ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ويَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ}. هنيئاً لك، السعادة إن شاء الله وشهادة الرسول عليه الصلاة والسلام.

وهذا ذو النورين عثمان – رضي الله عنه – إذا ذكر القبر بكى حتى يجلس، فعَنْ هَانِئٍ ، مَوْلَى عُثْمَانَ ، قَالَ : كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ يَبْكِي حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ ، فَقِيلَ لَهُ : تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ، وَلاَ تَبْكِي ، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا ؟ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ ، قَالَ : ” إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ ، فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ ، فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ : مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلاَّ وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ ” ( أحمد وابن ماجة والترمذي والحاكم وصححه). فالقبر منزل -والله- موحش، لا صديق، لا حبيب، لا زوجة، لا ولد، إلا العمل الصالح، تركوا ما تركوا، واستجوبوا فما نطقوا، وودعوا فإما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.

أحبتي في الله: لقد كان السَّلف الصَّالح رضي الله عنهم يخافون سوءَ الخاتمة أشدَّ الخوف؛ قال البخاريُّ في “صحيحه”: “قال ابن أبي مُلَيْكَة: أدركتُ ثلاثينَ من الصَّحابة، كلُّهم يخاف النِّفاقَ على نفسه”، وقال ابن رجب: “وكان سفيان الثوريُّ يشتدَّ قلقُه وخوفُه من السَّوابق والخواتم؛ فكان يبكي ليلة إلى الصباح ، فقيل له : أبكاؤك هذا على الذنوب ؟ فأخذ تبنة من الأرض وقال : الذنوب أهون من هذه ؟ إنما أبكي خوف الخاتمة . وقال عطاء الخفاف : ما لقيت سفيانَ إلا باكياً فقلت : ما شأنك ؟ وقال : أتخوف أن أكون في أم الكتاب شقياً ، ويبكي ويقول: أخاف أن أُسلَبَ الإيمانَ عند الموت”، وقال بعضُ السَّلف: “ما أبكى العيونَ ما أبكاها الكتابُ السَّابق”، وقد قيل: “إنَّ قلوبَ الأبرار معلِّقَةٌ بالخواتيم؛ يقولون: بماذا يُختَم لنا؟ وقلوبُ المقرَّبين معلَّقةٌ بالسَّوابق؛ يقولون: ماذا سبَق لنا؟”، وكان مالك بن دينار – رحمه الله – يقوم ليلَه ويقول: “يا ربِّ، قد علمتَ ساكنَ الجنَّة والنَّار؛ ففي أيِّ منزلٍ مالك؟”[جامع العلوم والحكم].

وهذا سهل التستري يقول: خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطرة وعند كل حركة؛ وهم الذين وصفهم الله إذ قال: ( وقلوبهم وجلة ) . وكلام السَّلف في الخوف من سوء الخاتمة كثيرٌ لا يتسع المقام لذكره ويكفي القلادة ما أحاط بالعنق.

العنصر الثاني: الأعمال بالخواتيم

عباد الله: إن الإنسان في هذه الدنيا يخلط بين الأعمال الصالحة والطالحة؛ ولكن العبرة بالخواتيم؛ ولأهمية الخواتيم عنوَنَ لها الإمام البخاري باباً في صحيحه فقال: ( باب الأعمال بالخواتيم وما يخاف منها ) ؛ وذكر فيها حديثاً لرجلٍ قاتل في أرض المعركة؛ وكانت رقاب الأعداء تتطاير تحت سيفه؛ ومع ذلك ختم الله له بسوء؛ ومات منتحراً لأنه جُرِحَ ولم يصبر على الجرح؛ فقتل نفسهّ!! فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَجُلٍ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنْهُمْ؛ فَقَالَ:” مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا”؛ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ؛ فَقَالَ بِذُبَابَةِ سَيْفِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا”(البخاري).

وقد نبهنا صلى الله عليه وسلم إلى أهمية حسن الخاتمة والحرص عليها فقال: ” إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا ؛ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا.”(متفق عليه)

وقد يقول قائل كيف أموت على طاعة؟!! والجواب في حكمة أبي حازم سلمة بن دينار: كل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته خيراً فالزمه ، وكل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته شراً فاجتنبه. أي: إذا أردت أن تموت على طاعة فالزمها؛ وإن كرهت الموت على معصية فاتركها!!!

أحبتي في الله: إن الإنسان لو عاش على الطاعة وداوم عليها فإن الله الكريم يستحي أن يقبضه على معصية. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} أي: ” حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك.”

فالإنسان الذي يداوم على الطاعة وأصبحت سجيةً له يستعمله الله – عز وجل-  في عمل الخير عند خاتمته؛ بل ويعسله كما جاء في الحديث؛ فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ:”إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَّلَهُ”، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ، وَمَا عَسَّلَهُ؟ قَالَ:”يُفْتَحُ لَهُ عَمَلا صَالِحًا، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ”. ( أحمد والحاكم والطبراني بسند صحيح)؛ وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :”إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ؛ فَقِيلَ: كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ”( أحمد والحاكم والطبراني والترمذي وصححه).

بداية الصفحة وآخرها..

أحبتي في الله: ونحن في استقبال عام هجري جديد علينا أن نبدأ صفحته بطاعة ونختمها بطاعة فالعبرة بالبداية والخاتمة.

فابدأ يومك .. ابدأ شهرك .. ابدأ عامك .. بطاعة واختمه بطاعة، فالبدايات والخواتيم عليها مدار الفوز والخسارة .. ابدأ يومك بصلاة فجر أو قيام سحر، واختمه بنوم على سلامة صدر وطهارة بدن، ابدأ عامك الهجري بطاعة واختمه بطاعة؛ فلو كان أول سطر في صحيفتك خيرا وآخر سطر فيها خيرا لمحا الله لك ما بينهما، وأنا أستبشر هنا ببشارة حبيبنا صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ:” الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ؛ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ؛ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ؛ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ” ( مسلم ).

وإذا كان كتاب عمرك أول سطر فيه أذانٌ قرع أذنك عقب ولادتك، فاستبشر بأن يكون آخر سطر فيه إن شاء الله كلمة التوحيد ينطق بها لسانك، لتكون جواز عبورك إلى الجنة.

العنصر الثالث: قصص حسن وسوء الخاتمة

أحبتي في الله: تعالوا لنقف مع حضراتكم في هذا العنصر مع صور حسن وسوء الخاتمة؛ لنأخذ منها العظة والعبرة ترغيباً وترهيباً ؛ ليعيش الإنسان بين الرجاء والخوف.

قصص حسن الخاتمة:

 – مات ملبيا ويبعث ملبياً : فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَأَقْصَعَتْهُ أَوْ قَالَ فَأَقْعَصَتْهُ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا” ( متفق عليه ).

– مات وهو ساجد: روي أن عامر بن عبد الله رجل من الصالحين، كان مؤذناً في أحد المساجد، وكان منزله قريباً من المسجد الذي كان يؤذن فيه، فمرض ذات يوم مرضاً أقعده عن الصلاة أياماً، فجاء إليه أصحابه لزيارته فسمع المؤذن يؤذن فقال لأصحابه: خذوني إلى المسجد، فقالوا: لقد أعذرك الله، فقال: سبحان الله، أسمع النداء ولا أجيبه؟ فحملوه إلى المسجد فلما سجد كانت السجدة الأخيرة له ووقع فمات.

ونحن جميعا نعلم أن فضيلة الشيخ كشك – رحمه الله – عرضت عليه المناصب داخل مصر وخارجها فرفضها ودعا الله قائلاً: اللهم أحيني إماما وأمتني إماما واحشرني وأنا ساجد بين يديك يا رب العالمين؛ ومات وهو ساجد !! وأمثلة من ماتوا ساجدين كثيرة وعديدة !!

– شهداء بورما وسيناء: ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر حسن الخاتمة لشهدائنا الأبرار الذين اغتالتهم يد الغدر والخيانة في أرض سيناء الحبيبة؛ بل وفي أرجاء المعمورة كلها ؛ وكذلك شهداء المسلمين في بورما والذين استشهدوا بأيدي الأعداء على مرأى ومسمع من العالم كله؛ هؤلاء أجمعون يعدون من الشهداء لأنهم ماتوا دفاعاً عن دينهم وأهلهم ووطنهم؛ ويبعثون يوم القيامة على ما ماتوا عليه؛ اللون لون الدم والريح ريح المسك؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ؛ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ”. ( متفق عليه ). قال النووي : ” معناه يجري متفجرا أي كثيرا ، قال : والحكمة في مجيئه يوم القيامة كذلك أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة الله تعالى”. (شرح النووي).

عباد الله: إن حسن الخاتمة غاية عمل لها العاملون، وتنافس فيها المتنافسون وسعى نحوها الصالحون، من فاز بها فهو أسعد السعداء، ومن حُجبت عنه فهو أشقى الأشقياء.

قصص سوء الخاتمة:

– اشرب أنت ثم اسقني: روي أنه احتضر رجل ممن كان يجالس شرب الخمور، فلما حضره نزع روحه أقبل عليه رجل ممن حوله وقال: قل لا إله إلا الله، فتغير وجهه وتلبد لونه وثقل لسانه، فردد عليه صاحبه: يا فلان قل: لا إله إلا الله، فالتفت إليه وصاح: لا.. اشرب أنت ثم اسقني، ثم ما زال يرددها حتى فاضت روحه.

– مات مخموراً في الحمام: وأذكر لكم قصة واقعية في سوء الخاتمة بشرب الخمر حدثت في أحد المساجد الكبرى بالقاهرة ؛ حدثني بها إمام المسجد قائلا: بعد صلاة العشاء قام العمال بغلق أبواب ونوافذ المسجد؛ ودخل أحدهم الحمامات ليطفئ الأنوار؛ وإذا بأحد الحمامات مغلق من الداخل؛ فطرق الباب فلم يجبه أحد؛ فتسلق أحدهم الجدار ونزل الحمام وإذا بشاب في ريعان شبابه أخذ إبرة مخدرات ( مكس ) في كتفه وكانت الجرعة قوية شديدة عليه فمات في حينها ليلقى الله على هذه الحال!!!! وفرق كبير بين من يلقى الله مخموراً وبين من يلقاه ملبياً !!!

– قلبه معلق بالدنيا: لما نزل بأحدهم الموت واشتد عليه الكرب اجتمع حوله أبناؤه يودّعونه ويقولون له: قل: لا إله إلا الله، فأخذ يشهق ويصيح، فأعادوها عليه، فصاح بهم وقال: الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا، والبستان الفلاني ازرعوا فيه كذا، والدكان الفلاني اقبضوا منه كذا، ثم لم يزل يردد ذلك حتى مات.

 أحبتي في الله: لقد ذكر الإمام ابن القيم عدة مواقف لخاتمة السوء فقال:” أخبرني بعض التجار عن قرابة له أنه احتضر وهو عنده، وجعلوا يلقنونه لا إله إلا الله وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، وهذا مشترٍ جيد، هذه كذا، حتى قضى ولم ينطق التوحيد!! وأخبرني من حضر عند وفاة أحد الشحاذين فجعلوا يقولون له: قل لا إله إلا الله؛ فجعل يقول: فلس لله.. فلس لله، حتى ختم بهذه الخاتمة!! وقيل لآخر كان يدمن الغناء: قل لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاننا تنتنا، حتى مات!!! فكيف يوفَّق لحسن الخاتمة من أغفل اللهُ سبحانه قلبَه عن ذكره، واتّبَعَ هواه، وكان أمره فُرُطًا؟ فبعيدٌ من قلبٍ بعيدٍ من الله تعالى، غافلٍ عنه، متعبّدِ لهواه، أسيرٍ لشهواته؛ ولسانٍ يابسٍ من ذكره، وجوارحَ معطّلةٍ من طاعته مشتغلةٍ بمعصيته أن توفَّقَ للخاتمة بالحسنى.؟!! ( الداء والدواء).

عباد الله: هذه رسالة أوجهها لي قبلكم: إذا أردتم حسن الخاتمة فحافظوا على الطاعة والزموها؛ لأنكم ستموتون على ما كنتم تفعلونه وتداومون عليه – خيراً أو شراً – في دنياكم. اللهم بلغت اللهم فاشهد يا رب العالمين !!

العنصر الرابع: أسباب حسن وسوء الخاتمة

أحبتي في الله: تعالوا معنا لنقف في عنصرنا هذا حول الأسباب والعوامل المؤدية إلى حسن الخاتمة حتى نطبق ذلك عمليا في حياتنا اليومية.

أسباب حسن الخاتمة:  هناك عدة أسباب تؤدي إلى حسن الخاتمة:

* من أعظمها: أن يلزم الإنسان طاعة الله: ورأس ذلك وأساسه تحقيق التوحيد، والحذر من ارتكاب المحرمات، والمبادرة إلى التوبة مما تلطخ به المرء منها، وأعظم ذلك الشرك كبيره وصغيره.

ومنها: الاستقامة على الطاعة: قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } [فصلت: 30].

ومنها: القدوم على الله بالأعمال الصالحة: فالمؤمن صاحب البضاعة الحسنة والأعمال الصالحة وما يحمله من حسنات؛ يفرح بلقاء الله والقدوم عليه؛ ويختم له بخير؛ فيحب لقاء الله. وعلى العكس من ذلك فإن العبد الطالح؛ صاحب المعاصي والبضاعة السوء؛ وما يحمله من آثام وذنوب يكره لقاء الله والقدوم عليه!! ويختم له بسوء ؛ لذلك يكره لقاء الله . فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ؛ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ” قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ: إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ! قَالَ:” لَيْسَ ذَاكِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ.” ( متفق عليه )، قال النووي رحمه الله : ” معنى الحديث أن المحبة والكراهية التي تعتبر شرعا هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة، حيث ينكشف الحال للمحتضر، ويظهر له ما هو صائر إليه “.

فالطاعة والعبادة دليل الحب والشوق للقدوم على الله والفرح بلقائه وحسن الخاتمة، والمعاصي والذنوب دليل البغض والكره والخوف من لقاء الله وسوء الخاتمة؛ قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم يا أبا حازم : كيف القدوم على الله عز وجل؟ فقال : يا أمير المؤمنين أما المحسن فكالغائب يأتي أهله فرحا مسرورا، وأما المسيء فكالعبد الآبق يأتي مولاه خائفا محزونا.

* ومنها: ملازمة الإيمان والتقوى لله: قال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ؛ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (يونس: 63 ؛ 64)؛ ” قيل المراد بذلك: بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة كما في حديث البراء: “أن المؤمن إذا حضره الموت، جاءه ملائكة بيض الوجوه، بيض الثياب، فقالوا: اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان، ورب غير غضبان. فتخرج من فمه، كما تسيل القطرة من فم السقاء”.(تفسير ابن كثير)؛ وقد أخبرنا الله – عز وجل – أنه يثبت المؤمنين الذين لازموا الإيمان بكلمة التوحيد وحسن الخاتمة؛ قال تعالي: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} (إبراهيم: 27) . قال الإمام البغوي:” قوله تعالى: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ } كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } يعني قبل الموت، { وَفِي الآخِرَةِ } يعني في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير.”أ.ه

* ومنها: أن يلح المرء في دعاء الله تعالى أن يتوفاه على الإيمان والتقوى: وأفضل الدعاء: اللهم أحيني على الإسلام وتوفني على الإسلام ؛ وألحقني بالصالحين ؛ اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك فيه؛ اللهم اختم بالباقيات الصالحات أعمالنا . وقد بيَّن المولى سبحانه أن حسن الخاتمة كان أمنية ودعاء الأنبياء والمرسلين؛ وقد ذكرنا أدلة ذلك في عنصرنا الأول.

* ومنها: أن يعمل الإنسان جهده وطاقته في إصلاح ظاهره وباطنه: وأن تكون نيته وقصده متوجهة لتحقيق ذلك، فقد جرت سنة الكريم سبحانه أن يوفق طالب الحق إليه، وأن يثبته عليه وأن يختم له به.

أسباب سوء الخاتمة

عباد الله: بعد أن عرفنا أسباب وعوامل حسن الخاتمة؛ نأتي الآن لنعرف أسباب وعوامل سوء الخاتمة حتى نحذر منها :

* فمنها: فساد الاعتقاد: فمن فسدت عقيدته ظهر عليه أثر ذلك حين خروج الروح في وقت هو أحوج إلى العون والتثبيت من الله تعالى.

* ومنها: الإقبال على الدنيا والتعلق بها: بحيث تكون الدنيا في قلبه لا في يده .

* ومنها: العدول عن الاستقامة والإعراض عن الخير والهدى.

* ومنها: الإصرار على المعاصي وإلفها: فإن الإنسان إذا ألف شيئا مدة حياته وأحبه وتعلق به، يهوى ذكره إليه عند الموت، ويردده حال الاحتضار في كثير من الأحيان؛ كما رأينا في عنصرنا السابق !!  قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ” إن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت، مع خذلان الشيطان له، فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الإيمان، فيقع في سوء الخاتمة، قال تعالى: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} (الفرقان: 29)؛  وسوء الخاتمة – أعاذنا الله منها – لا يقع فيها من صلح ظاهره وباطنه مع الله، وصدق في أقواله وأعماله، فإن هذا لم يسمع به، وإنما يقع سوء الخاتمة لمن فسد باطنه عقدا، وظاهره عملا، ولمن له جرأة على الكبائر، وإقدام على الجرائم ، فربما غلب ذلك عيه حتى ينزل به الموت قبل التوبة.” أ .هـ

أيها المسلمون: لأجل ذلك كان جديراً بالعاقل أن يحذر من تعلق قلبه بشيء من المحرمات، وجديرا به أن يلزم قلبه ولسانه وجوارحه ذكر الله تعالى، وأن يحافظ على طاعة الله حيثما كان، من أجل تلك اللحظة التي إن فاتت وخذل فيها شقي شقاوة الأبد.

عبادَ الله: اعملوا الصَّالحات، وجانبوا المحرَّمات، واجتهدوا في تحصيل أسباب حُسن الخاتمة، واحذَروا أسبابَ سوء الخاتمة، واجتهدوا فيما يُرضي ربَّكم؛ فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ له، وأحسنوا العمل، وأحسنوا الظنَّ بربِّكم، ولا يُسِئ المرء العملَ ويتمنَّى على الله الأماني، وفي الحديث عَنْ بُسْرِ بن أَرْطَاةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ :” اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتِي فِي الأُمُورِ كُلِّهَا ، وَأَجِرْنِي مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا ، وَعَذَابِ الآخِرَةِ ، وَقَالَ : مَنْ كَانَ ذَلِكَ دُعَاءَهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ الْبَلاءُ “. [أحمد والطبراني وقال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات].

فاسعَوا رحمكم الله إلى تحصيل أسباب حسن الخاتمة ليوفِّقكم الله إلى ذلك، واحذروا أسبابَ سوء الخاتمة؛ فإنَّ الخاتمة السيِّئة هي المصيبةُ العظمى، والدَّاهيَة الكبرى، والكَسْر الذي لا ينجَبِر، والخسران المبين، والعياذ بالله من ذلك.

نسأل الله أن يختم بالباقيات الصالحات أعمالنا!!!!

الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،،                            كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

                                                                                                                                               د / خالد بدير بدوي




خطبة الجمعة القادمة: “حسن الخاتمة بين الاجتهاد والتوفيق” بتاريخ 24 من ذي الحجة 1438هـ الموافق 15 من سبتمبر 2017م

خطبة الجمعة القادمة: “حسن الخاتمة بين الاجتهاد والتوفيق” بتاريخ 24 من ذي الحجة 1438هـ الموافق 15 من سبتمبر 2017م.

لتحميل الخطبة أضغط هنا.

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:




خطبة الجمعة القادمة: “التعليم ضرورة شرعية ووطنية”بتاريخ 17 من ذي الحجة 1438هـ الموافق 8 من سبتمبر 2017م

خطبة الجمعة القادمة: “التعليم ضرورة شرعية ووطنية”بتاريخ 17 من ذي الحجة 1438هـ الموافق 8 من سبتمبر 2017م .

 

لتحميل الخطبة أضغط هنا.

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

 

 

 




خطبة بعنوان: “منزلة العلم وأثره في نهضة الأمة”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 17 من ذي الحجة 1438هـ الموافق 8 سبتمبر 2017م

خطبة بعنوان: “منزلة العلم وأثره في نهضة الأمة”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 17 من ذي الحجة 1438هـ الموافق 8 سبتمبر 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word  أضغط هنا.

لتحميل الخطبة بصيغة  pdf أضغط هنا.

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:  

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: منزلة العلم والحث عليه في الإسلام

العنصر الثاني: صور ونماذج مشرقة في حرص السلف الصالح على طلب العلم

العنصر الثالث: أثر العلم في نهضة الأمة

العنصر الرابع: ظاهرة الغش في التعليم وأثرها على المجتمع

     المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: منزلة العلم والحث عليه في الإسلام

عباد الله: بعد أيام قلائل نستقبل عاماً دراسياً جديداً ؛ وبهذه المناسبة نقف مع حضراتكم حول: ( منزلة العلم وأثره في نهضة الأمة ).

 فقد اهتم الإسلام بقيمة العلم أيما اهتمام، ولقد بلغت عناية الله – عز وجل – بنا لرفع الجهل عنّا أن كان أول ما نزل من الوحي على نبينا أعظم كلمة هبط بها جبريل هي قوله تعالى:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}(العلق:1) ؛ وأمرُ الله عز وجل بالقراءة والعلم في أول آية نزلت من القرآن دليل واضح على أهمية العلم في تكوين عقل الإنسان وفي رفعه إلى المكانة السامية، فلا يستوي عند الله الذي يعلم والذي لا يعلم، فأهل العلم لهم مقام عظيم في شريعتنا الغراء، فهم من ورثة الأنبياء والمرسلين، يقول الله تبارك تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 9) ، فلا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، كما لا يستوي الحي والميت، والسميع والأصم، والبصير والأعمى، فالعلم نور يهتدي به صاحبه إلى الطريق السوي، ويخرج به من الظلمات إلى النور.

ويرفع الله الذي يطلب العلم والذي يعمل به كما يشاء، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11) أي يرفع الذين أوتوا العلم من المؤمنين بفضل علمهم وسابقتهم درجات أي على من سواهم في الجنة. قال القرطبي: “أي في الثواب في الآخرة وفي الكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن والعالم على من ليس بعالم” وقال ابن مسعود: مدح الله العلماء في هذه الآية، والمعنى: أنه يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم (درجات) أي درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به.”أ.هـ

ولشرف العلم أباح الله لنا أكل الصيد الذي صاده الكلب المعلم، وإذا صاده كلب غير معلم لا يؤكل:{يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة:4] فلولا فضل العلم لكان فضل صيد الكلب المعلم والجاهل سواء، وقد علمه كيف يصيد، وكيف يمسك لصاحبه، هذا في عالم الكلاب، رفعه الله درجة عن أقرانه بالعلم فما بالك بمن تعلم الكتاب والسنة؟!

ويبلغ من فضل العلم أنه يرفع قدر أناس ليس لهم حسب ولا نسب فوق كثير من الأكابر؛ فعَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَبِي الطُّفَيْلِ ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ ، لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِعُسْفَانَ ، وَكَانَ عُمَرُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَكَّةَ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي ؟ قَالَ : اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمُ ابْنَ أَبْزَى ، قَالَ : وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى ؟ قَالَ : رَجُلٌ مِنْ مَوَالِينَا ، قَالَ عُمَرُ : فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى ؟ قَالَ : إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى ، عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ ، قَاضٍ ، قَالَ عُمَرُ : أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا ، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ. ( أحمد والبيهقي في الشعب والسنن الكبرى وابن ماجة بسند حسن).

وقد لعن الرسول – صلى الله عليه وسلم – الدنيا بمن فيها إلا من انتسب لشرف العلم عالما كان أو متعلما، فعن أبي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ ، وَهُوَ يَقُولُ :” الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا ، إِلاَّ ذِكْرَ اللهِ ، وَمَا وَالاَهُ ، أَوْ عَالِمًا ، أَوْ مُتَعَلِّمًا.” ” (الطبراني وابن ماجة والترمذي وحسنه)، وكما قيل: كن عالما أو متعلما ولا تكن الثالث فتهلك.

عباد الله: ما هو أفضل من أن يستغفر لك الحوت في البحر والدواب وحتى النمل تستغفر لطالب العلم؟ ما هو أفضل من أن تضع الملائكة أجنحتها لك إذا سلكت سبيلاً في طلب العلم سواء كان في درس تذهب إليه أو في كتاب تشتريه لتفتحه وتقرأ فيه؟ أي فضل عظيم هو ذاك وفَّره الله عز وجل لطلبة العلم الشرعي الذين يتعلمون الكتاب والسنة، والأحاديث في ذلك كثيرة!!

فعَن أبي الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليْه وسلَّمَ يَقُولُ:”مَن سَلَكَ طَرِيْقَاَ يَبْتَغِي فِيْهِ عِلْمَاً سَهَّلَ اللهُ لهُ طَرِيْقَاً إلى الجَنَّة؛ وإنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضَاً بِما يَصْنَعُ؛ وَإنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغفِرُ لهُ مَن في السَّمواتِ ومَن في الأرضِ حَتَّى الحِيْتَانُ في المَاءِ؛ وفَضْلُ العَالِمِ عَلى العَابِدِ كَفَضلِ القَمَرِ على سَائِرِ الكَوَاكِبِ؛ وإنَّ العُلَماءِ وَرَثَةُ الأنبِيْاءِ؛ وإنَّ الأنبِيْاءَ لمْ يُوَرَثُوا دِيْناراً ولا دِرْهَمَاً وَإنَّما وَرَّثُوا العِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أخَذَ بِحَظٍ وَافِرٍ”.( أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه بسند حسن)

ومع أن الإسلام حرم الحسد إلا أن الشارع أباحه في مجال العلم، فعَنْ ابنِ مَسْعودِ رضيَ الله ُ عنهُ قال: قالَ رسول اللهِ صلى اللهُ عليْهِ وسلَمَ:”لا حَسَدَ إلاَّ في اثنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاه اللهُ مَالاً فسَلَّطَهُ عَلى هَلَكتِهِ في الحَقَّ ورَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقضِي بِها وَيُعَلِمُّها”(متفق عليه)، وغير ذلك من الأحاديث التي لا يتسع المقام لذكرها وأنت بها خبير.

أيها المسلمون: إن الله لم يقصر الأجر على العلماء في حياتهم؛ بل امتد الأجر بعد موتهم وإلى قيام الساعة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ” إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ” (الترمذي وقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ )، قلت: الإمام البخاري – مثلا – مات من قرون، ومع ذلك عدَّادُ الحسنات يَعُدُّ له إلى قيام الساعة، فمن نحن بجانب البخاري؟!! ويحضرني قول الإمام الشافعي رحمه الله:

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم……………وعاش قوم وهم في الناس أموات

نعم يا إمامنا الشافعي، فكل من يطعن أو يشكك في هؤلاء الأعلام فهو ميت حقيقة لا حكما، بل لا يستحق الحياة.

وما أجمل قول سيدنا على بن أبي طالب رضي الله عنه:

ما الفخــــر إلا لأهل العلم إنهم ……………..على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ………………والجاهـلون لأهل العـلم أعداء

فـفـز بعلم تعش حيـاً به أبــدا……………. الناس موتى وأهل العلم أحياء

أحبتي في الله: ولأهمية العلم نجد أنه صلى الله عليه وسلم جعل فداء كل أسير من أسرى بدر ممن يحسنون فن القراءة والكتابة، أن يعلم عشرة من أبناء الصحابة, فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ” كَانَ نَاسٌ مِنْ الْأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِدَاءٌ ؛ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِدَاءَهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ “. ( أحمد والبيهقي في السنن الكبرى والحاكم وصححه).

ولم يقتصر اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالحث على تعليم اللغة العربية فحسب؛ بل أمر بتعلم اللغات الأخرى؛ وثبت أنه أمر زيد بن ثابت بتعلم اللغة السريانية ليتولى أعمال الترجمة والرد على الرسائل، وروي أنه تعلم بأمر منه صلى الله عليه وسلم العبرية والفارسية والرومية وغيرها، فعن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: ” أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتَعَلَّمَ لَهُ كَلِمَاتٍ مِنْ كِتَابِ يَهُودَ؛ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي ؛ قَالَ فَمَا مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ لَهُ ؛ قَالَ: فَلَمَّا تَعَلَّمْتُهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ؛ وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ » . (أحمد وأبو داود والحاكم والترمذي وحسنه)، فأصبح الفَتَى زيدُ بنُ ثابتٍ تَرْجُمانَ رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وأصبحت اللغة سلاحا له يدافع به عن الإسلام والمسلمين، وكما قيل:( من تعلم لغة قوم أمن مكرهم ) .

ولم تقتصر عنايته صلى الله عليه وسلم بتعليم هذه الفنون والعلوم للرجال فحسب, إنما اعتنى أيضا بتعليم النساء العلم والكتابة. فعَنْ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ لِي : ” أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ “. (أحمد والنسائي أبوداود بسند صحيح).

وجملة القول: فإن ما تقدم هو قليل من كثير ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عنايته بالمسألة العلمية؛ تعلما وتعليما؛ أقوالا وأعمالا؛ مما يبرز اهتمامه الفائق بولاية العلم والتعليم.

العنصر الثاني: صور ونماذج مشرقة في حرص السلف الصالح على طلب العلم

عباد الله: أسوق لكم صورا ونماذج مشرقة من حرص السلف الصالح على طلب العلم، وسأترك لكم التعليق والتعقيب عليها، لتقارنوا بين حالهم والإمكانيات والأدوات الكتابية التي عندهم وبين ما نحن فيه من تقدم علمي وتكنولوجي!!

قيل لبعضهم: بما أدركت هذا العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح.

ورئي مع الإمام أحمد العالم الجليل محبرة وقلم فقيل له: أنت إمام المسلمين ولا زلت تحمل المحبرة وتكتب؟! فقال الإمام أحمد: “مع المحبرة إلى المقبرة.”

وقيل للشافعي: “كيف حرصك علي العلم؟ قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال. فقيل له: فكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره”

وقيل لرجلٍ: من يؤنسُكَ ؟ فضرب بيده إلى الكتب، وقال: هذه ؛ فقيل: مِنَ النّاس؟ فقال: الّذين فيها.”

وليس هذا فحسب؛ بل إن ساعات الأكل لقوام حياتهم ومعاشهم كانت ثقيلة عليهم، فقد سألوا الخليل بن أحمد الفراهيدي – رحمه الله -: ما هي أثقل الساعات عليك؟ قال: ساعة آكل فيها.

 وكان داود الطائي يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز فقيل له في ذلك؟ فقال: بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية «كتاب المجالسة وجواهر العلم»

وكان الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري يقول:” أثقل الساعات عليَّ ساعة آكل فيها.” فالله أكبر ما أشد الفناء في العلم عنده؟! وما أوقد الغيرة على الوقت لديه؟!

قلت متعجباً: أثقل ساعات عليه ساعة الأكل؛ مع أنه مباح وواجب لقوام الحياة وحفظ النفس؛ وما يتوصل به إلى الواجب فهو واجب، فكيف حالنا ونحن نُضَيِّعُ أوقاتنا في الفراغ والحرام وأمام المسلسلات والأفلام وعلى القهاوي والطرقات، وعلى النت والمعاكسات؟!!

أعود إلى سلفنا الصالح فأقول: كان عبيد بن يعيش يقول: “أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي بالليل، كانت أختي تلقمني وأنا أكتب الحديث”

وعن ابن أبي حاتم صاحب الجرح والتعديل يقول: “كنا في مصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة، كل نهارنا مقسم لمجالس الشيوخ وبالليل النسخ والمقابلة، فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا، فقالوا: هو عليل، فرأينا في طريقنا سمكة أعجبتنا فاشتريناها فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس فلم يمكنا إصلاح هذه السمكة ومضينا إلى المجلس، فلم نزل حتى أتى على السمكة ثلاثة أيام وكادت أن تتغير فأكلناها نيئة، لم يكن لنا فراغ أن نشوي السمك. ثم قال: “إن العلم لا يستطاع براحة الجسد”(سير أعلام النبلاء)

وعن أبي الوفاء ابن عقيل  يتحدّث عن نفسه فيقول :” أنا أقصر بغاية جهدي أوقاتَ أكلي، حتّى أختار سَفَّ الكعك وتحسّيه مع الماء على الخبز ؛ لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ ! توفُّراً على مطالعةٍ أو تسطير فائدةِ لم أدركها فيه !!”

وقال الشيخ فخر الدين : ” والله إني أتأسّف في الفوات عن الاشتغال بالعلم في وقت الأكل, فإنّ الوقت والزمان عزيز “

ويحكى أن الشيخ شمس الدين الأصبهاني من حرصه على العلم وشحّه بضياع أوقاته؛ أنه كان يمتنع كثيرا من الأكل؛ لئلا يحتاج إلى الشرب؛ فيحتاج إلى دخول الخلاء؛ فيضيّع عليه الزمان.

والوَقْتُ أنفَسُ ما عُنِيتُ بحفظهِ —— وأُرَاهُ أسْهَلَ مَا عَليَّ يَضِيعُ

يااااااااالله!!!!!!!!!!! كم نضيع من الساعات في الحرام!! إذا كانوا حريصين على الوقت في طعامهم وشرابهم ويعتبرونه مضيعةً فكيف بنا؟!!  ياااااالله؟!!! لطفك بنا يا رحمن.

يقول ابن عقيل الحنبلي تلميذ الحافظ الخطيب البغدادي:” إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في الثمانين، أشدّ مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة.” (ذيل طبقات الحنابلة) فانظر كيف يستغل وقت طعامه وراحته في إعمال فكره فيسطره بعد قضاء حوائجه الشخصية؟!!!

يقول عبد الرحمن ابن الإمام أبي حاتم الرازي ” ربما كان أبي يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه ” فكانت ثمرة هذا المجهود وهذا الحرص على استغلال الوقت كتاب الجرح والتعديل في تسعة مجلدات وكتاب التفسير في مجلدات عدة وكتاب السند في ألف جزء.

لهذا فتح الله لهم قلوباً غلفا وأعيناً عمياً وآذاناً صماً!!! فإذا كنت تريد اللحاق بهم فاعمل عملهم ؛ فالله يسر لك سبل العلم والتقنيات الحديثة ما لم يصل إليه أحدهم، ومع كل ذلك أقول: لا يصل إليهم أحدكم!!! أليس كذلك؟!!!

على أن هذا الحرص ليس قاصراً على المسلمين فقط، بل اهتم الغربِيُّون به كذلك حتى نهضوا وتدموا به، فقد قرأتُ عن ألبرت إنشتاين، الفيزيائي الألماني الشّهير، أنّه من شدّة حرصه على العلم والوقت كان لا يلبس الأقمصة بأكمامٍ ذوات أزرار ، لأنّ غلقها وفتحها يضيع عليه وقتاً ثميناً في تحصيل العلم!

العنصر الثالث: أثر العلم في نهضة الأمة

عباد الله: إن العلم أساس نهضة الأمة وقيام الحضارات؛ فبالعلم تبنى الأمجاد، وتَسُود الشعوب، وتبنى الممالك، بل لا يستطيع المسلم أن يحقق العبودية الخالصة لله تعالى على وفق شرعه، فضلاً عن أن يبني نفسه كما أراد الله سبحانه أو يقدم لمجتمعه خيراً، أو لأمته عزاً ومجداً ونصراً – إلا بالعلم.

وما فشا الجهل في أمة من الأمم إلا قوض أركانها، وصدَّع بنيانها، وأوقعها في الرذائل والمتاهات المهلكة.

وكما قيل:

العلم يبني بيوتا لا عماد لهـا …………… والجهل يهدم بيوت العز والكـرم

وكم هو شديد الوقع على النفوس أن يرى في الناس من شاب رأسه، ورق عظمه، وهو يتعبد الله على غير بصيرة! وقد يصلى بعض الناس أربعين سنة، أو عشرين سنة، أو أقل أو أكثر وهو لم يصل في الحقيقة؛ لأن صلاته ناقصة الأركان، أو مختلة الشروط والواجبات؛ ومع ذلك لا يحاول تعلم أحكامها، بينما يُرَى حريصاً على دنياه؛ ويكفي هذا دليلاً على أن الله  سبحانه وتعالى لم يرد به خيراً، ولو تعلم العلوم الدنيوية، وتبحر فيها؛ لأنها علوم معاشية فقط، لا تستحق مدحاً ولا ذماً.

وقد وصف الله تعالى أصحابها بقوله تعالى: { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ }؛ [الروم: 7]. { بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ }؛ [النمل: 66].

قال ابن كثير رحمه الله: “فهؤلاء ليس لهم علم إلا بالدنيا، وأكسابها، وشؤونها، وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها، ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عن أمور الدين، وما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مغفل لا ذهن له، ولا فكرة”.

وقال الحسن البصري: “والله ليبلُغنَّ أحدُهم بدنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه، وما يحسن أن يصلي”؛ فكيف تنهض الأمة – في جميع مجالاتها – بأمثال هؤلاء ؟!!

إن الميراث الذي خلفه الرسول – صلى الله عليه وسلم – للأمة هو العلم ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ مَرَّ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ، فَوَقَفَ عَلَيْهَا، فَقَالَ:”يَا أَهْلَ السُّوقِ، مَا أَعْجَزَكُمْ !”قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ:”ذَاكَ مِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْسَمُ، وَأَنْتُمْ هَاهُنَا لا تَذْهَبُونَ فَتَأَخُذُونَ نَصِيبَكُمْ مِنْهُ !”قَالُوا: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ:”فِي الْمَسْجِدِ”فَخَرَجُوا سِرَاعًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَوَقَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَهُمْ حَتَّى رَجَعُوا، فَقَالَ لَهُمْ:”مَا لَكُمْ؟”قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدْ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا، فَلَمْ نَرَ فِيهِ شَيْئًا يُقْسَمُ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ:”أَمَا رَأَيْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدًا؟”قَالُوا: بَلَى، رَأَيْنَا قَوْمًا يُصَلُّونَ، وَقَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَقَوْمًا يَتَذَاكَرُونَ الْحَلالَ وَالْحَرَامَ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ:”وَيْحَكُمْ، فَذَاكَ مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ” ( الطبراني وقال الهيثمي في المجمع: إسناده حسن).

أحبتي في الله: ومن عومل النهوض بالأمة في المجال العلمي أن نهتم بالمعلم والمربي وأن نشكر جهوده، ونؤدي إليه بعضاً من حقه، وأن نعرف له قدره واحترامه وفضله.

إنَّ المُعلِّم والطَّبِيبَ كِلَيهِما ………………….لا يَنْصَحانِ إِذا هُما لَمْ يُكْرَما

فاصْبِرْ لِدائِكَ إِنْ أَهَنْتَ طَبِيبَهُ ……………….وَاصْبِرْ لِجَهْلِكَ إِنْ جَفَوْتَ مُعَلِّماً

إن نهضة الأمة منوط بتربية أجيال على علم وتحمل المسئولية؛ وما اختلت موازين الأمة، وفسد أبناؤها إلا حينما ضاع الأبناء بين أبٍ مفرط لا يعلم عن حال أبنائه، ولا في أي مرحلة يدرسون، ولا مع من يذهبون ويجالسون، ولا عن مستواهم التحصيلي في الدراسة – وبين مدرس خان الأمانة، وتهاون في واجبه، ولم يدرك مسؤوليته؛ فدور الأسرة عظيم في غرس هذه القيم في نفوس أبنائها فهم مسئولون عنهم يوم القيامة؛ وبين ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله:” كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ” ( متفق عليه) وقال أيضاً : ” إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاهُ ، أحفظَ أم ضيَّعَ ؟ حتى يُسألَ الرجلُ عن أهلِ بيتِه “( الطبراني والبيهقي والنسائي وابن حبان)؛ يقول الإمام الغزالي رحمه الله في رسالته أنجع الرسائل: «الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عُوِّد الخير وعلمه؛ نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة أبواه، وكل معلم له ومؤدِّب، وإن عوِّد الشر وأُهْمِلَ إهمال البهائم؛ شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيِّم عليه والوالي له». فأولادكم أمانة في أيديكم وستسألون عنهم فماذا أنتم قائلون؟!!!

العنصر الرابع: ظاهرة الغش في التعليم وأثرها على المجتمع

عباد الله: إن الغش ظاهرة خطيرة وسلوك مشين، والغش له صور متعددة، وأشكال متنوعة، ابتداء من غش الحاكم لرعيته، ومرورا بغش الأب لأهل بيته، وغش الخادم في عمله؛ و انتهاء بالغش في التعليم والامتحانات.

وحديثي سوف يقتصر على الغش في الامتحانات، والذي أصبح يشكو كثير من المدرسين والتربويين من انتشاره وفشوه؛ وهذا حق، فإن ظاهرة الغش بدأت تأخذ في الانتشار، ليس على مستوى المراحل الابتدائية فحسب، بل تجاوزتها إلى الثانوية والجامعة والدراسات العليا، فكم من طالب قدم بحثا ليس له فيه إلا أن اسمه على غلافه!! وكم من طالب قدم مشروعا ولا يعرف عما فيه شيئا!! وبل وقد تعجب من انتكاس الفطر عند بعض الطلاب، فيرمي من لم يغش بأنه مقعد ومتخلف وجامد الخ .. تلك الألقاب؛ ولربما تمادى أحدهم فاتهم الطالب الذي لا يساعده على الغش بأنه لا يعرف معنى الأخوة ولا التعاون. هذه الظاهرة التي أنتجها الفصام النكد الذي يعيشه كثير منا في مجالات شتى، نعم لما عاش كثير من طلابنا فصاما نكدا بين العلم و العمل، ترى كثيرا منهم يحاول أن يغش في الامتحانات، و هو قد قرأ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي تبرأ فيه من الغشاش قائلاً: ” مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي ” (مسلم)، بل ربما أنه يقرأه على ورقة الأسئلة، و لكن ذلك لا يحرك فيه ساكنا، لأنه قد استقر في ذهنه أنه لا علاقة بين العلم الذي يتعلمه وبين العمل الذي يجب أن يأتي به بعد هذا العلم؛ ولا أبالغ إن قلت: إن ظاهرة الغش أصبحت في غش القرآن ولا سيما في المعاهد الأزهرية بل ويمزقون المصحف ويأخذون الجزء المقرر في دورات المياه وهناك يداس بالأقدام!!!

أيها المسلمون: للغش أسباب كثيرة التي تنتج هذا الخلق المشين منها:

ضعف الإيمان: فإن القلوب إذا ملئت بالإيمان بالله لا يمكن أن تقدم على الغش وهي تعلم أن ذلك يسخط الله ؛ لا يمكن للقلوب التي امتلأت بحب الله أن تقدم على عمل وهي تعلم أنه يغضب الله.

ومنها: ضعف التربية : خاصة من قبل الوالدين أو غيرهما من المدرسين أو المرشدين؛ فلا نرى أبا يجلس مع ابنه لينصحه ويذكره بحرمة الغش، ويبين له أثاره وعواقبه، بل تعجب من بعض الآباء إذا قلت له ذلك أجابك مباشرة : لماذا، هل ابني غشاش؟ بل ربما لو وقع الابن في يد المراقب، لجاء ذلك الأب يدافع عنه بالباطل!!

ومنها: تزيين الشيطان : فالشيطان يزين لكثير من الطلاب أن الأسئلة سوف تكون صعبة، ولا سبيل إلى حلها والنجاح في الامتحانات إلا بالبرشام والغش؛ فيصرف الأوقات الطويلة في كتابة البراشيم، واختراع الحيل والطرق للغش؛ ما لو بذل عشر هذا الوقت في المذاكرة بتركيز لكان من الناجحين الأوائل!!

أحبتي في الله: إن الغش له أثره السيئ على المجتمع؛ فهو سبب لتأخر الأمة، وعدم تقدمها وعدم رقيها، وذلك لأن الأمم لا تتقدم إلا بالعلم وبالشباب المتعلم، فإذا كان شبابها لا يحصل على الشهادات العلمية إلا بالغش، فقل لي بريك: ماذا سوف ينتج لنا هؤلاء الطلبة الغشاشون ؟! ما هو الهم الذي يحمله الواحد منهم ؟! ما هو الدور الذي سيقوم به في بناء الأمة ؟! لا شيء ، بل غاية همه؛ وظيفة بتلك الشهادة المزورة، لا هم له في تقديم شيء ينفع الأمة، أو حتى يفكر في ذلك؛ و هكذا تبقى الأمة لا تتقدم بسبب أولئك الغششة بينها؛ ونظرة تأمل للواقع : نرى ذلك واضحا جليا، فعدد الطلاب المتخرجين في كل عام بالآلاف ولكن قل بربك من منهم يخترع لنا؟! أو يكتشف؟! أو يقدم مشروعا نافعا للأمة؟! قلة قليلة لا تكاد تذكر!!

عباد الله: علينا جميعا أن تعاون الجميع في مقاومة هذه الظاهرة ، كل بحسب استطاعته وجهده، فالأب في بيته ينصح أبنائه ويرشدهم ويحذرهم بين الحين والآخر ، والمعلم والمرشد في المدرسة والجامعة كل يقوم بالوعظ ، والإرشاد، وكذلك الداعية في خطبه ودروسه، والإعلام بوسائله المختلفة.

نسأل الله أن يرزقنا علماً نافعاً وقلباً خاشعاً وبدنا على البلاء صابراً ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

الدعاء،،،،،،،                                   وأقم الصلاة،،،،،،،                                                                          

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي




خطبة بعنوان : “التعليم ضرورة شرعية ووطنية”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 17 من ذي الحجة 1438هـ، الموافق 8 سبتمبر 2017م

خطبة بعنوان : “التعليم ضرورة شرعية ووطنية، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 17 من ذي الحجة 1438هـ، الموافق 8 سبتمبر 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

الحمد لله رب العالمين ..الكريم الرحمن، علَّم القرآن، خَلَق الإنسانَ علَّمه البيانَ، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له في سلطانه علم الإنسان ما لم يعلم ، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله القائل :” إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر”ٍ(الترمذي وأبو داود). اللهم صلاة وسلاماً عليك يا سيدي يا رسول الله  وعلى آلك وصحبك، ومن اتبعهم بإحسان. أما بعدُ:

 فإنَّ العلمَ من نعَم الله التي أنْعم الله بها علينا؛ فهو الخيْر والهداية والبركة والرِّفعة، مَدَحَه اللهُ – عز وجل – في كتابه، وعلى لسان رسوله – صلى الله عليه وسلم – بل أمر نبيُّنا – عليه الصلاة والسلام – بأن يطلب الاستزادة منه؛” وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا “(طه/ 114). بل وافْتَتَحَ اللهُ به كتابه الكريم، وجعلَه أول ما نَزَلَ على نبيِّنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – وذلك في سورة العلق:” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ “(العلق/ 1- 2). ولمزيد أهميته فإنَّ الله أوْلى لأهله ومكتسبيه العنايةَ وأعطاهم المكانةَ، ورَفَعَ من قَدْرِهم وشَرَفِهم وعظيم مكانتهم في آيات كثيرة، وأحاديث نبويَّة عديدة؛ فقد قال – تعالى – في سورة الزمر: “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ “(الزمر/: 9)، وقال عز وجل:”يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ “(المجادلة/ 11).أي إنَّ الله يرفعُ هؤلاء العلماء الدرجات تِلْوَ الدرجات، وفضْل هؤلاء إنما يدلُّ على فضْل ما يحملون.

العلماء ورثة الأنبياء:

وللعلم قيمة في الميزان الإسلامي، فحياة الناس لا تستقيم إلا به، وقد كان العلم كان صفةً لازمةً للأنبياء عليهم السلام، وكان من رحمة الله عز وجل أنه لم يرفع العلم بذهاب الأنبياء، وإنما جعل الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه يورِّثُوا علمهم هذا قبل أن يموتوا إلى طائفة معينة من البشر، أوكل إليها مهمة تعليم الناس، والقيام بالدور الذي كان يقوم به الأنبياء في حياتهم، ولكن دون وحيٍ ودونما عصمة. وهذه الطائفة من البشر هي “العلماء”.

عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إلى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر”ٍ(الترمذي وأبو داود). .

ففي نهاية هذا الحديث وضح رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء لم يتركوا خلفهم مالاً ولا مُلكًا، وإنما تركوا العلم، وهذه هي أعظم تركة، ومن أخذها فقد فاز حقًا، يقول الله تعالي: “يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ”(البقرة/269).

وفضلاً عن ذلك فالحديث يبين فضل العلم ومنزلة العلماء؛ فالملائكة تضع أجنحتها لمن يبدءون طريق العلم؛ تواضعًا وتعظيمًا وتكريمًا وتبجيلاً لهم، وكفى بذلك شرفًا ومنزلة !!

ويخص رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفة العلماء -وليس طلاب العلم- بمزية خاصة، وهي أنه يستغفر لهم من في السماوات ومن في الأرض، بل يصل الأمر إلى أن تستغفر له الحيوانات أيضًا، بل حتى تلك التي تسبح في جوف الماء !!

وليت الأمر يقف عند هذا الحد فقط، بل إنه صلى الله عليه وسلم يُفضِّل ذلك العالِم ويرفع منزلته ومكانته على العابد لله عز وجل !! وقد جعل المقارنة بينهما في ذلك تمامًا كما يكون القمر ليلة البدر -كما ورد ذلك في رواية أخرى- مع غيره من النجوم، وذلك في إشارة إلى أن نور القمر يحجب نور الكواكب الأخرى ويُغطِّي عليها، مهما كثُر نورها بكثرة أعدادها !!

ألا ترى أن الأمر جد عظيم..؟!بين العالم والعابد ومع كون هذه المقارنة عظيمة في حق العلماء، إلا أن هناك مقارنة أعظم منها، ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا: عَابِدٌ، وَالْآخَرُ: عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ”. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ”. وهذا كلُّه السرُّ الرئيس في ترابط العلمِ بالإيمان، فكلَّما ازدادَ علمُ الإنسان ازدادَ إيمانًا؛ كما قال – عز وجل -: “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ “(فاطر/ 28).فالعلم يهدي للإيمان ويقويه، والإيمان يدعو للعِلْم، وهذه العلاقة لا توجد في أيِّ دينٍ غيْر الإسلام.

تقديم العلماء على غيرهم:

وبما أنَّ للعلم والعلماء من الفضل الكثير والخيْر العميم، والهداية من الزيغ والسير على الحقِّ والنهوض بالمجتمع، فلا بُدَّ على المجتمع من السعي للعلماء، وتَوْقيرهم والمحافظة عليهم، بعد المشاركة في صناعتِهم.

 وكذلك مواصلة الدعاء لهم؛ كما قال النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – لابن عباس لَمَّا رأى ذكاءَه: “اللهم فقهه في الدين، وعَلِّمه التأويلَ”؛ فنال مكانته بفضْل دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم – له – رضي الله عنه.

 وكذلك توقيرُهم وإجلالُهم واحترامُهم؛ فالعلماء وَرَثة الأنبياء، ولا بدَّ لورثة الأنبياء أنْ يُوَقِّرَهم أهلُ الإيمان، وأنْ يحترموهم؛ اقتداءً بالأنبياء، واتِّباعًا للنبي – صلى الله عليه وسلم – الذي زادَ من شرفِهم ومكانتهم، وهذا ما كان يفعله الصحابة – رضي الله عنهم – مثل ما فَعَلَ ابن عباس مع زيد بن ثابت – رضي الله عنه – مع أنَّ ابن عباس – رضي الله عنه – هو ابنُ عمِّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وزَيْد هو مَوْلَى من الموالي: يقول الشعبي: “صلى زيد بن ثابت على جنازة، ثم قُرِّبتْ له بَغْلة ليركبها، فجاء ابن عباس، فأخَذَ بركابِه، فقال له زيد: خَلِّ عنها يا ابن عمِّ رسول الله، فقال ابنُ عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء”.

ويؤكد معنى تقديم العلماء على غيرهم بصرف النظر عن مناصبهم ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، وهو أن نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ -وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ- فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى. قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالينَا. قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى! قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ تعالى، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ. قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ” (مسلم).

وفي مثل ذلك ما روي أن زيد بن ثابت رضي الله عنه صلى على جنازة فقُرِّبت إليه بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس رضي الله عنهما فأخذ بركابه، فقال زيد: خلِّ عنه يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء. فقبَّل زيد بن ثابت رضي الله عنه يده وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم [15].

فعبد الله بن عباس رضي الله عنهما يرفع من قدر زيد بن ثابت رضي الله عنه ويوقِّره ويقدِّمه، ويمسك له دابته رغم صغر سنه، وليس ذلك لشيءٍ إلا لعلمه وفقهه، وكان هذا عموم حال الصحابة رضي الله عنهم وعهدهم مع العلماء.

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “إن من حق العالم أن لا تكثر عليه بالسؤال، ولا تعنته في الجواب، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشي له سرًّا، ولا تغتابن أحدًا عنده، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره وتعظمه لله تعالى ما دام يحفظ أمر الله تعالى، ولا تجلس أمامه، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته” (إحياء علوم الدين).

وقال علي رضي الله عنه أيضًا: “العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة (أي: ثغرة) لا يسدها إلا خلفٌ منه” (إحياء علوم الدين).

وقال أيضًا منشدًا:

مـا الفخـر إلا لأهــل العلــم إنهــم *** على الهدى لمن استهدى أدلاءُ

وقــدر كل امــرئٍ ما كان يحسنـه *** والجاهلــون لأهــل العلم أعـداءُ

ففــزْ بعلــمٍ تعــشْ حيًّــا بـه أبــدًا *** الناس موتى وأهل العلــم أحياءُ

بل يذكر الغزالي رحمه الله في الإحياء أن حق المعلم أعظم من حق الوالدين؛ لأن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية، والمعلم سبب الحياة الباقية، فهو معلم علوم الآخرة أو علوم الدنيا على قصد الآخرة (إحياء علوم الدين).

ثم يقرر الغزالي -بعد أن أورد قول ابن المبارك حين سُئل: من الناس؟ فقال: العلماء. قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد- فيقول: “ولم يجعل غير العالم من الناس؛ لأن الخاصية التي يتميز بها الناس عن سائر البهائم هو العلم؛ فالإنسان إنسان بما هو شريف لأجله، وليس ذلك بقوة شخصه، فإن الجمل أقوى منه، ولا بعظمه فإن الفيل أعظم منه، ولا بشجاعته فإن السبع أشجع منه، ولا بأكله فإن الثور أوسع بطنًا منه، ولا ليجامع فإن أخس العصافير أقوى على السفاد منه، بل لم يخلق إلا للعلم(إحياء علوم الدين).

ويروي عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف عالمنا” [20] أي يعرف لعالمنا حقه.

وفي سبيل التربية على ذلك يقول الحسن بن علي رضي الله عنهما لابنه ناصحًا ومرشدًا: “يا بنى، إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الصمت، ولا تقطع على أحد حديثًا -وإن طال- حتى يسمِّك”. وعلى هذا ظلت مكانة العلماء محفوظة ومرموقة في الأمة الإسلامية، وظل قدرهم مرفوعًا فوق غيرهم من المسلمين.ولقد كان الناس يجتمعون بالآلاف حول البخاري رحمه الله ليعلمهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بعد في السادسة عشرة من عمره!!

يقول الشافعي رحمه الله:

وإن صغير القوم إن كان عالمًا *** كبيرٌ إذا ردت إليه  المحافـــــــل

وصدق قول الشاعر:

العلم يرفع بيوتًا لا عماد لها *** والجهل يهدم بيت العزِّ والشرفِ

وكان المأمون قد وكل الفراء يلقن ابنيه النحو، فلما كان يومًا أراد الفراء أن ينهض إلى بعض حوائجه، فابتدرا إلى نعل الفراء يقدمانه له، فتنازعا أيهما يقدمه، فاصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما فردًا فقدماها، فرفع ذلك الخبر إلى المأمون، فوجه إلى الفراء فاستدعاه، فلما دخل عليه قال: من أعز الناس؟ قال: ما أعرف أعز من أمير المؤمنين، قال: بل من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى رضي كل واحد أن يقدم له فردًا!! قال: يا أمير المؤمنين، لقد أردت منعهما عن ذلك، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها أو أكسر نفوسهما عن شريعة حرصا عليها. فقال له المأمون: لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لومًا وعتبًا وألزمتك ذنبًا، وما وَضَعَ ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما وبيَّن عن جوهرهما، ولقد ظهرت لي مخيلة الفراسة بفعلهما، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيرًا عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه، ووالده، ومعلمه العلم.وإن جواب المأمون هذا ليعكس نظرة الإسلام والأمة الإسلامية كلها آنذاك إلى العلم والعلماء، وما كانوا عليه رعاة ورعية من العناية والاهتمام والتعظيم والإجلال للعلم وأهله.فكان العالِم حقًا أعز الناس، وهذه هي الدرجة والمنزلة التي قررها الصالحون لعلماء الأمة وحفظوها لهم وأنزلوهم إياها، وقد علموا أنهم مصابيح الدجى التي يُهتدى بها، وهو الأمر الذي أورثهم عزًا ومجدًا وتقدمًا وحضارة ورفعة !!

مكانة معاذ بن جبل:وقد فقه الصحابة والتابعون والصالحون من هذه الأمة الكريمة هذا القدر، فعظموا علماءهم، ورفعوا من قدرهم، وحفظوا لهم مكانتهم، ولم يعتبروا في ذلك بعرقٍ ولا نسبٍ ولا جنسٍ ولا عمرٍ ولا منصب، إنما اعتبروا فقط بالعلم، فكان معاذ بن جبل رضي الله عنه على صِغر سنه معظمًا جدًّا بين الصحابة، حتى إنهم كانوا لا يرفعون أعينهم في عينه حياءً منه وتعظيمًا له رضي الله عنه. هذا مع أنه مات وهو لم يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، ولكنه عُظِّم بالعلم الذي كان يحويه في صدره رضي الله عنه.يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في حقه -كما يروي أنس بن مالك رضي الله عنه: “وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ” (الترمذي وأحمد).

فإن أردت -أخي في الله- أن تصبح عالمًا، فلابد لك أولًا أن تعرف منزلة ما تطلب، ومكانة ما تهفو إليه نفسك؛ فليس في الدنيا أعز ممن ورث الأنبياء، واستغفر له أهل الأرض والسماء !!

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين أما بعد فياجماعة الإسلام :

والسنة النبويَّة زادتْ ما أتى به القرآن الكريمُ من فضْل العلمِ والعلماء، فنجد أنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – جعلَ الخيرَ متوقفًا على العلمِ، فقال كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – قال: سمعتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “مَن يُرِدْ الله به خيرًا، يفقهه في الدين”، والفقه: هو العِلْمُ الشرعي.

العلماء فوق المجاهدين والشهداء:بل جعلَ صاحبَه بمنزلة المجاهد في سبيل الله؛ لما رَوى أنس فقال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “مَن خرجَ في طلب العلمِ، فهو في سبيل الله حتى يَرْجِع”( الترمذي).

فضلاً عن أنَّه الطريق الموصل إلى الجنة؛ قال نبيُّنا – صلى الله عليه وسلم :”مَن سَلَكَ طريقًا يلتمسُ فيه عِلْمًا سَهَّلَ الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجْتَمَعَ قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتابَ الله ويتدارسونه، إلا نزلتْ عليهم السَّكِينَة، وغشيتهم الرحمةُ وحفَّتهم الملائكة، وذَكَرَهم اللهُ فيمَن عنده”( مسلم).

ولهذا الفضل أثره العظيم وخيْرُه الجسيم على الأمة؛ أفرادًا وجماعات، وعلى جميع المجتمعات، فانظر للمجتمعات التي ينتشر فيها العلمُ وتزداد فيها المعارفُ، ترها مجتمعات مرموقة في أخلاقها وفي تطورها وتعاملها فيما بينها، فيضفي العلمُ عليها صبغة الراحة والطمأنينة والسَّكِينَة والعيش الرغيد، في حين ترى المجتمع الذي يسوده الجهْلُ يكثرُ فيه الاضطراب والتناحُر والتباغُض، إضافة إلى التخلُّف الذي يشهدُه، وكلُّ هذا بسببِ الجهْل.

بل إن من الفقهاء في الإسلام من رفع درجة العلماء فوق درجه المجاهدين في سبيل الله وليس فقط العُبَّاد!! يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو من علماء الصحابة الأفذاذ: “والذي نفسي بيده، ليودَّنَّ رجالٌ قُتلوا في سبيل الله شهداء، أن يبعثهم الله علماء؛ لما يرون من كرامتهم” [أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين 1/8] أي من كرامة العلماء. ويقول العلامة التابعي الحسن البصري رحمه الله: “يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء!!” [المصدر السابق ].

وإن كان البعض قد يستغرب هذا الكلام، إلا أن حجته قوية، فالجهاد لا يُعرف فضله أساسًا إلا بالعلم، وعليه فلن يجاهد إلا من “علم” قيمة الجهاد ودرجة المجاهد، كما لن تُعرف شروط الجهاد ومشروعيته إلا بالعلم، ولن يُعرف فرض العين من فرض الكفاية فيه إلا بالعلم، ومن ثم فقد يترك “من لا يعلم” فرضًا ويقيم نافلة، وهذا لا يجوز، كما أنه قد يتعدى في جهاده الحدود المشروعة، أو يقاتل من لا يجوز قتاله، وهذا كله لا يجوز.

وهكذا، فالعلم هو الذي يحدد مشروعية الجهاد وحدوده، وبغير العلماء الصادقين لن يوجد مجاهدون على حق.بل قد يأثم المسلم بجهاده بغير علم!! وما فتنه الخوارج بخافية على أحد.

فتنة الخوارج:

فالخوارج كانوا يعبدون الله تعالى، ويقيمون الفرائض، ويجاهدون في سبيل الله، وذلك كله على غير هدًى من الله ولا علم، فكان أن خرجوا من الدين بالكلية، بينما هم يحسبون أنفسهم على أفضل درجات العبادة والجهاد !!

ولما همَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقتل أحدهم -كما يروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه- قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “دَعْهُ؛ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ” [البخاري ومسلم].

فكانت آفتهم الرئيسية أنهم اجتهدوا بغير علم، فأدى بهم ذلك إلى أن يجاهدوا على باطل، حتى كان أحد زعمائهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم والذي قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه – كان يظن تمام الظن أنه تقرب إلى الله تعالى بقتل أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين وزوج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والمبشر بالجنة مرارًا، علي بن أبي طالب رضي الله عنه!!

وكان هذا اعتقادٌ راسخ عند كل الخوارج، حتى إنك لتجد عمران بن قحطان (أحد شعراء الخوارج المتأخرين) يقول واصفًا هذه الطعنة اللئيمة التي قُتل بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها *** إلا ليبلُغ من ذي العرش رِضوانًا

إنــي لأذكــره حينًـــا فأحسبــه *** أوْفَى البـريَّــة عنـد الله ميزانًـــــا

كل ذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه يوم خيبر -كما يروي سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: “لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ قَالَ: يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ” [البخاري ومسلم ]. وحين كان الغد كان هذا الرجل هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ولم يقع عبد الرحمن بن ملجم (القاتل) في هذه الكارثة إلا بفقد العلم، يقول تعالى: “قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا” (الكهف/ 103- 104).

ولكم عانت الأمة الإسلامية من بعض المتحمسين للدين، المشتاقين للجهاد ولكن بغير علم، وقد أدى بهم حالهم هذا إلى أن يجتهدوا اجتهادات خاطئة، ويحكموا أحكامًا جائرة، فكانت النتيجة تكفير المجتمعات المسلمة، واستباحة دماء الأبرياء، والاستهانة بكل الحرمات، والقتل والسفك والظلم والبطش باسم الجهاد والدعوة والتضحية!! والإسلام من ذلك كله براء.

 

 




خطبة بعنوان: “الهجرة النبوية بين التخطيط البشرى والتأييد الإلهى”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 2 من محرم 1439هـ – الموافق 22 سبتمبر 2017م

خطبة بعنوان: “الهجرة النبوية بين التخطيط البشرى والتأييد الإلهى”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 2 من محرم 1439هـ – الموافق 22 سبتمبر 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word  أضغط هنا.

لتحميل الخطبة بصيغة  pdf أضغط هنا.

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:  

بتاريخ: 24 ذو الحجة 1438هـ –  15 سبتمبر 2017م

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: أهمية التخطيط في حياة الأفراد والمجتمعات

العنصر الثاني: الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله

العنصر الثالث: صور من المعجزات والتأييد الإلهي على طريق الهجرة النبوية

العنصر الرابع: معية الله وأثرها في حياة الأنبياء والأمم

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: أهمية التخطيط في حياة الأفراد والمجتمعات.

عباد الله: إن التخطيط أساس نجاح أي عمل من الأعمال؛ سواء في حياة الفرد أو المنظمة، وهو الطريق الذي يرسم بصورة مسبقة ليسلكه الفرد أو المنظمة عند اتخاذ القرارات وتنفيذ العمل، بشرط أن يكون وفق منهج فكري عقائدي متمثل بالإيمان بالقدر والتوكل على الله، والتخطيط سلوك إسلامي قويم، ومنهج رشيد حثَّ الإسلام على ممارسته في جميع شؤون الحياة؛ لأنه بالتخطيط يحقق المسلم فعالية في عمله وإنتاجه، وكفاءة في أدائه.

 والتخطيط الإسلامي هو: « إعمال الفكر في رسم أهداف مشروعة مع تحديد الوسائل المتاحة وفق الموارد المتاحة شرعًا، وبذل الطاقات في استثمارها؛ لتحقيق الأهداف في أقلِّ وقتٍ ممكن، مع تعليق النتائج بقضاء الله وقدره»

ففي حدث الهجرة خطط النبي صلى الله عليه وسلم خطة متينة محكمة، فعلىٌّ – رضي الله عنه- على فراشه صلى الله عليه وسلم مغطياً رأسه، وبات المجرمون ينظرون من شق الباب، يتهافتون أيهم يضرب صاحب الفراش بسيفه، وعبدالله بن أبي بكر كان يصبح مع قريش فيسمع أخبارها ومكائدها فإذا اختلط الظلام تسلل إلى الغار وأخبر النبي  صلى الله عليه وسلم الخبر فإذا جاء السحر رجع مصبحاً بمكة، وكانت عائشة وأسماء يصنعان لهما الطعام ثم تنطلق أسماء بالسفرة إلى الغار ولما نسيت أن تربط السفرة شقت نطاقها فربطت به السفرة وانتطقت بالآخر فسميت بـ( ذات النطاقين )، ولأبي بكر راعٍ اسمه عامر بن فهيرة ، كان يرعى الغنم حتى يأتيهما في الغار فيشربان من اللبن، فإذا كان آخر الليل مر بالغنم على طريق عبدالله بن أبي بكر عندما يعود إلى مكة ليخفي أثر أقدامه، واستأجر رسول الله  صلى الله عليه وسلم رجلاً  كافراً اسمه عبدالله بن أريقط وكان هادياً خريتاً ماهراً بالطريق وواعده في غار ثور بعد ثلاث ليال، فتوزيع الأدوار جاء مرتباً مخططاً منظماً وفق خطة علمية مدروسة، فالقائد : محمد ، والمساعد : أبو بكر ، والفدائي : علي ، والتموين : أسماء ، والاستخبارات : عبدالله ، والتغطية وتعمية العدو : عامر ، ودليل الرحلة : عبدالله بن أريقط ، والمكان المؤقت : غار ثور ، وموعد الانطلاق : بعد ثلاثة أيام ، وخط السير : الطريق الساحلي.

وهذا كله شاهد على عبقريته وحكمته صلى الله عليه وسلم ، وفيه دعوة للأمة إلى أن تحذو حذوه في حسن التخطيط والتدبير وإتقان العمل واتخاذ أفضل الأسباب مع الاعتماد على الله مسبب الأسباب أولاً وآخراً .

أيها المسلمون: إن الله قادرٌ على حمل نبيه في غمامة أو سحابة أو يسخر له الريح – كما سخرها لسيدنا سليمان – فتحمله في طرفة عين من مكة إلى المدينة، ولكن الله يريد أن يعطينا درساً لا ننساه ألا وهو التخطيط والأخذ بالأسباب.

كما أن التخطيط لمستقبل أولادك أمر واجب عليك، حتى تضمن لهم حياة كريمة وشريفة، فإنني أعجب كل العجب ممن يتزوج امرأتين وثلاث وأربع؛ وينجب من كل واحدةٍ خمسة أولاد أو ستة ثم يتركهم رعاعاً متشردين.

انظر إلي تخطيط النبي – صلى الله عليه وسلم – لخاله سعد بن أبي وقاص حينما حضره الموت، يقول سعد :” مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْحِ حَتَّى أَشْفَيْتُ عَلَى الْمَوْتِ ، فَعَادَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ : أَيْ رَسُولَ اللهِ ، إِنَّ لِي مَالاً كَثِيرًا وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لاَ. قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لاَ. قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ.”(البخاري)

إن مجتمعنا في حاجة ماسة إلي قيمة التخطيط أسوة بنبينا – صلى الله عليه وسلم – حتى ننهض فكرياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً …….إلخ

أحبتي في الله: وكما تُخطط لدنياك خَطِّط لآخرتك، وذلك بعمل خطة وجدول لصلاتك وقيامك وقراءتك للقرآن واطلاعك …….إلخ، وضع لنفسك عقاباً إن قصرت، فمثلاً إن قصرت في صلاة جماعة مرة أتبرع بجنيه للمسجد، فيكون عقابك طاعة، وهكذا في جميع طاعاتك المدرجة في جدول التخطيط والتنظيم، واعلم أن كل يوم يمر عليك دون عمل، لابد أن تحزن عليه، كما قال عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه- :” ما حزنت على شيء قط حزني على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي”

بل ستندم ولا ينفعك الندم، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه-  يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما من أحد يموت إلا ندم. قالوا: وما ندامته يا رسول الله ؟ قال: إن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون نزع” ( الترمذي ).

العنصر الثاني: الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله

أيها المسلمون: ينبغي على المسلم في عمله أن يأخذ بجميع الأسباب الموصلة إلى غايته وهدفه مع التوكل على الله تعالى؛ وهذا ما غرسه النبي في نفس الصحابي الذي أطلق الناقة متوكلا على الله؛ فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ:” اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ” (الترمذي وحسنه)

إن كثيرا من الناس يقعد في بيته وينتظر الرزق مع أنه لم يأخذ بالأسباب ولم يسع عليه فكيف يأتيه؟!! لذلك رأى عمر رضي – رضي الله عنه- قومًا قابعين في رُكن المسجد بعدَ صلاة الجمعة، فسألهم: من أنتم؟ قالوا: نحن المُتوَكِّلون على الله، فعَلاهم عمر رضي الله عنه بدِرَّته ونَهَرَهم، وقال: لا يَقعُدنَّ أحدُكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علِمَ أن السماءَ لا تُمطِرُ ذهبًا ولا فضّة، وإن الله يقول: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} (الجمعة: 10).

وروى ابن أبي الدنيا في “التوكل” ، أن عمر بن الخطاب، لقي ناسا من أهل اليمن، فقال : من أنتم؟ قالوا : نحن المتوكلون. قال : بل أنتم المتكلون، إنما « المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض، ويتوكل على الله ». وكان سفيانُ الثوريّ رحمه الله يمُرُّ ببعض الناس وهم جلوسٌ بالمسجدِ الحرام، فيقول: ما يُجلِسُكم؟ قالوا: فما نصنَع؟! قال: اطلُبوا من فضلِ الله، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين.

أخي المسلم: إنك لو نظرت إلى الهجرة وسألت نفسك سؤالا: لماذا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم سرا بينما هاجر عمر بن الخطاب فى وضح النهار..؟!! متحديا قريش بأسرها، وقال كلمته المشهورة التى سجلها التاريخ فى صفحات شرف وعز المسلمين وقال متحديا لهم : “من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي” فلم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه، فهل كان عمر بن الخطاب أشجع من سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم؟!! نقول لا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق على الإطلاق، ولكن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأسباب النجاة من التخطيط والتدبير والهجرة خفية واتخاذ دليل فى الصحراء، ليعطينا درسا بليغا في الأخذ بالأسباب مع الأمل والثقة في الله والتوكل عليه. أيعجز ربنا أن يحمل نبيه في سحابة من مكة إلى المدينة في طرفة عين كما في الإسراء والمعراج ؟!! 

فما أجمل الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، فعن عمر رضي الله عنه قال : قال  رسول الله : ” لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ” [أخرجه الترمذي].

انظر إلى السيدة مريم عليها السلام قال الله فيها :{ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا} (مريم:23- 26)

تأملت في هذه الآية وقلت: امرأة جاءها المخاض ( طلق الولادة ) ومع ذلك أمرها الله بهز النخلة والأخذ بالأسباب، مع أنك لو جئت بعشرة رجال ذي جلد وقوة ما استطاعوا إلَّا رمياً بالحجارة، والله قادر على أن ينزل لها مائدة عليها أشهى المأكولات؛ ولكن الله أراد أن يعطينا درساً بليغاً في الأخذ بالأسباب مع الأمل والثقة في الله والتوكل عليه.

إن على الإنسان الأخذ بالأسباب حتى في أداء العبادات، قالَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: كانَ أهلُ اليمنِ يحجون ولا يتزودونَ ويقولونَ: نحنُ متوكلونَ، فيَحجونَ فيأتونَ مكةَ فيسألونَ الناسَ فأنزل اللهُ: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]، وسألَ رجلٌ أحمدَ بنَ حنبلٍ فقالَ: أيخرجُ أحدُنا إلى مكةَ متوكلاً لا يحملُ معه شيئاً؟ قال: لا يعجبُني فمن أينَ يأكلُ؟ قالَ: يتوكلُ فيعطيه الناسُ، قال: فإذا لم يُعطوه أليس يَتشرفُ حتى يُعطوه؟ لا يُعجبني هذا، لم يبلغُني أن أحداً من أصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم والتابعينَ فعل هذا، ولكن يعملُ ويطلبُ ويتحرى.

أحبتى في الله: أسوق لكم قصة جميلة عن سلفنا الصالح في الأخذ بالأسباب وعدم الكسل والركود والاعتماد على صدقات المحسنين: يروى أن شقيقاً البلخي، ذهب في رحلة تجارية، وقبل سفره ودع صديقه إبراهيم بن أدهم حيث يتوقع أن يمكث في رحلته مدة طويلة، ولكن لم يمض إلا أيام قليلة حتى عاد شقيق ورآه إبراهيم في المسجد، فقال له متعجباً: ما الذي عجّل بعودتك؟ قال شقيق: رأيت في سفري عجباً، فعدلت عن الرحلة، قال إبراهيم: خيراً ماذا رأيت؟ قال شقيق: أويت إلى مكان خرب لأستريح فيه، فوجدت به طائراً كسيحاً أعمى، وعجبت وقلت في نفسي: كيف يعيش هذا الطائر في هذا المكان النائي، وهو لا يبصر ولا يتحرك؟ ولم ألبث إلا قليلاً حتى أقبل طائر آخر يحمل له العظام في اليوم مرات حتى يكتفي، فقلت: إن الذي رزق هذا الطائر في هذا المكان قادر على أن يرزقني، وعدت من ساعتي، فقال إبراهيم: عجباً لك يا شقيق، ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى الكسيح الذي يعيش على معونة غيره، ولم ترض أن تكون الطائر الآخر الذي يسعى على نفسه وعلى غيره من العميان والمقعدين؟ أما علمت أن اليد العليا خير من اليد السفلى؟ فقام شقيق إلى إبراهيم وقبّل يده، وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق، وعاد إلى تجارته.

 هؤلاء قد فهموا الإسلام، عملاً وتعباً، جهداً وبذلاً، لم يفهموا الإسلام تقاعساً ولا كسلاً، ولا دعة ولا خمولاً، وذلك لأن الإسلام رفع من شأن صاحب اليد العليا، ولا يريد لأتباعه أن يكونوا عالة على غيرهم.

العنصر الثالث: صور من المعجزات والتأييد الإلهي على طريق الهجرة النبوية

عباد الله: لقد ذكرت السيرة النبوية صوراً من معجزات الهجرة للنبي محمد صلى الله علية وسلم من مكة إلى المدينة المنورة؛ وكانت هذه المعجزات بمثابة التأييد الإلهي من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في هجرته ؛ وهذه المعجزات تتمثل فيما يلي:-

المعجزة الأولى: خروج النبي من بينهم سالما بعد اجتماع قريش على قتله

فقد اجتمعت قريش في دار الندوة لينظروا في أمر محمد وذلك بقيادة أبي جهل ومشاركة إبليس؛ وأجمعوا في نهاية المؤتمر على قتل النبي صلى الله عليه ، فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره صلى الله عليه وسلم بمؤامرة قريش، وأن الله أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة، قائلاً: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. وذهب النبي صلى الله عليه وسلم في الهاجرة إلى أبي بكر وأخبره بأن الله أذن له في الخروج، فقال أبوبكر: الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فبكى أبوبكر من شدة الفرح، تقول عائشة: ما كنت أعلم أن أحداً يبكي من شدة الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، فلما كانت عتمة من الليل؛ أي الثلث الأول اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبوا عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم؛ وعلم ما يكون منهم قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام.

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واخترق صفوفهم وأخذ حفنة من تراب فجعل يذره على رؤوسهم وقد أخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه وهو تلو هذه الآيات: {يس وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ } إلى قوله: { وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} ( يس: 1- 9 )  ولم يبق منهم رجل إلا وضع على رأسه تراباً.

ومضى إلى بيت أبي بكر فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلاً حتى لحقا بغار ثور في اتجاه اليمن، فأتاهم آت لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ههنا؟ قالوا: محمداً فقال: خبتم وخسرتم والله قد خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسه تراباً، وانطلق لحاجته فما ترون ما بكم قالوا: والله ما أبصرناه فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب؛ ثم جعلوا يتطلعون فيرون علياً على الفرش مسجى ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائم عليه بُرده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا وقام علي عن الفراش فقالوا: والله لقد صدقنا الذي كان قد حدثنا. فسقط في أيديهم وقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فأنزل الله سبحانه:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ….} الآية ( الأنفال: 30 ) إنها معجزة عظيمة أن يمر بين الرجال فلا يرونه ويضع على رؤوسهم التراب؛ ضاعت أبصارهم فلا يبصرونه.

المعجزة الثانية : حفظه وصاحبه في الغار

لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج أتى أبا بكر فخرجا من خوخة أبي بكر في ظهر بيته ومضيا إلى جبل ثور، ولما انتهيا إلى الغار قال أبوبكر: والله لا تدخله حتى أدخله قبلك فإن كان فيه شيء أصابني دونك، وكان في الطريق مرة يمشي أمام النبي صلى الله عليه وسلم ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن شماله؛ فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، مرة عن يمينك، ومرة عن شمالك، لا آمن عليك، وتبعهما قريش، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخل ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه. وقصة نسج العنكبوت على الغار مروية من طرق، وقد ضعفها بعض المحدثين وحسنها بعضهم، وممن ضعفها الألباني رحمه الله، وممن حسنها الحافظان ابن كثير وابن حجر رحمهما الله.

وروى البخاري عن أنس عن أبي بكر قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم فقلت: يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما “

فانظر كيف أعمى الله أبصارهم عن رؤيتهما؟! بل لم يدر في خلدهم وجود أحد في الغار !!

المعجزة الثالثة: حادثة سراقة بن مالك بن جعشم.

لما أيست قريش منهما أرسلوا لأهل السواحل أن من أسر أو قتل أحدهما كان له مائة ناقة، وكان من دأب أبي بكر أنه كان خلف النبي صلى الله عليه وسلم وكان معروفاً فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل هاد يهديني الطريق؛ فيفهم من كلام أبي بكر أنه يعني به الطريق وإنما يعني سبيل الخير “رواه البخاري “.

وتبعهم في الطريق سراقة بن مالك بن جعشم وكان قد علم من رسل كفار قريش أنهم يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، قال سراقة: بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة إني رأيت آنفاً أسودة بالساحل أراها محمدا أو أصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم فقلت له: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا ؛ ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت، فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت من ظهر البيت فحططت بزجه الأرض وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها تقرب حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغنا الركبتين فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استويت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره.

فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيته من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أنه قال: أخف عنا “البخاري “.

وفي الإمتاع: لما قرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ساخت يدا فرسه في الأرض فقال: ادع الله لي يا محمد أن يخلصني لله تعالى ولك علي أن أرد الطلب فدعا، فعاد فتبعهم فساخت قوائم فرسه أشد من الأولى فقال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله ينجيني مما أنا فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب فدعا له فانطلق راجعاً.

قال سراقة: فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولما همّ سراقة بالانصراف قال له النبي صلى الله عليه وسلم : كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟! قال سراقة: كسرى بن هرمز صاحب القصر الأبيض في المدائن؟!! قال عليه السلام: كسرى بن هرمز ـ وكان من أقوى الأقوياء في عصره ـ ودارت الأيام دورتها فإذا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي خرج من مكة طريداً شريداً مستتراً بجنح الظلام مهدوراً دمه يعود إليها سيداً فاتحاً تَحُفُّه الألوف المؤلفة من بيض السيوف، وسمر الرماح، ويأتي سراقة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلن إسلامه بين يديه، ويتراءى له ذلك اليوم الذي هم فيه بقتل محمد صلى الله عليه وسلم من أجل مائة من النوق، وبعد أن أسلم أصبحت نوق الدنيا لا تساوي عنده قلامةً من ظفر النبي صلى الله عليه وسلم.

 ودارت الأيام دورتَها كرةً ثانية وآل أمر المسلمين إلى الفاروق عمر رضوان الله تعالى عليه، وفي ذات يوم من آخر أيام خلافته قَدِم على المدينة رُسُلُ سعد بن أبي وقاص، يبشرون عمر بالفتح، ويحملون إلى بيت مال المسلمين الغنائم، وكان من بين هذه الغنائم تاج كسرى المرصع بالدر، وثيابه المنسوجة بخيوط الذهب، ووشاحه المنظوم بالجوهر، وسواراه، وما لا حصر له من النفائس، نظر عمر إلى هذا كله في دهشة، وجعل يقلبها بقضيب كان بيده زهداً بها، ثم قال: إن قوماً أدوا هذا لأمناء، وكان في حضرته سيدنا علي رضي الله عنه، قال يا أمير المؤمنين: أعجبت من أمانتهم، لقد عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا، وهنا دعا الفاروقُ عمر سراقة بن مالك فألبسه قميص كسرى، ووضع على رأسه تاجَه، وألبسه سواريه، ثم قال عمر لسراقة: بخٍ بخٍ أعيرابي من بني مدلج على رأسه تاج كسرى، وفي يديه سواره.

فحمل عَهْدُ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لسراقة عدّة نبوءات: منها فتح بلاد فارس، ومنها بقاء سراقة على قيد الحياة إلى أن تُفتح فارس ويلبس سواري كسرى، وهو ما تمّ بعد وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم.

إن معجزة سياخ قدم فرس سراقة في التراب؛ وتحويل سراقة من محارب إلى ناصر؛ وفتح بلاد فارس؛ ولبس سراقة سواري كسرى لأمر عظيم ومعجزة واضحة.

المعجزة الرابعة: شاة أم معبد.

 اجتاز النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصاحبه في طريقهما بأم معبد فسألاها هل عندك شيء؟ فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم القرى والشاة عازب؛ لأنهم كانوا مسنتين (مجدبين) ؛ فنظر رسول الله إلى شاة في كسر الخيمة فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم قال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك، فقال: أتأذنين لي أن أحلبها قالت: بأبي وأمي إن رأيت بها حلباً فاحلبها، فمسح بيده ضرعها وسمى الله ودعا فدرت ؛ فدعا بإناء فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا ؛ ثم شرب وكان آخرها شرباً وقال: ساقي القوم آخرهم شرباً ثم حلب فيه ثانياً حتى ملأ الإناء وتركه عندها ثم ارتحلوا.

قالت أم معبد في رواية: وكنا نحلبها صبوحاً وغبوقاً (بكرة وعشية) وما في الأرض قليل ولا كثير مما يتعاطى الدواب أكله، ولما جاء زوجها أبو معبد عند المساء يسوق أعنزاً عجافاً ورأى اللبن الذي حلبه عجب فقال: من أين لك هذا؟ والشاة عازب ولا حلوت بالبيت؟ قالت مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت ومن حاله كذا وكذا، قال: صفيه، قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، متبلج الوجه (مشرقه) في أشفاره وطف (يعني في شعر أجفانه عينيه طول) وفي عينيه دعج (أي شدة سواد العينين) وفي صوته صحل (بحة) غصن بين الغصنين لا تشنؤه من طول (لا تبغضه لفرط طوله) ولا تقتحمه من قصر (لا تحتقره) لم تعبه ثجلة (عظم البطن) ولم تزر به صعلة (صغر الرأس) كأن عنقه إبريق فضة (الإبريق: السيف الشديد البريق) إذا نطق فعليه البهاء، وإذا صمت فعليه الوقار، له كلام كخرزات العظم، أزين أصحابه منظراً وإذا نهى انتهوا عند نهيه)، قال: هذه والله صفة صاحب قريش ولو رأيته لاتبعته ولاجتهدت أن أفعل.

 فهذه المعجزة في شاة أم معبد واضحة جداً وعظيمة.

المعجزة الخامسة: الصخرة تظل رسول الله.

يصف لنا المشهد ويجسده سيدنا أبوبكر قائلاً: ” أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ ، وَخَلَا الطَّرِيقُ ، فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا ، فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ ، فَسَوَّيْتُ بِيَدِي مَكَانًا يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ظِلِّهَا ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً ، ثُمَّ قُلْتُ : نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ ، فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا ، فَلَقِيتُهُ ، فَقُلْتُ : لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ ؟ ، فَقَالَ : لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، قُلْتُ : أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ ، قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : أَفَتَحْلُبُ لِي ، قَالَ : نَعَمْ ، فَأَخَذَ شَاةً ، فَقُلْتُ لَهُ : انْفُضْ الضَّرْعَ مِنَ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ وَالْقَذَى ، قَالَ : فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى يَنْفُضُ ، فَحَلَبَ لِي فِي قَعْبٍ مَعَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ ، قَالَ : وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ ، قَالَ : فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ ، فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ ، قَالَ : فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ ، ثُمَّ قَالَ : أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ ؟ ، قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ”( مسلم)

قال الإمام النووي: وفي هذا الحديث فوائد منها: هذه المعجزة الظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفضيلة ظاهرة لأبي بكر رضي الله عنه ، وفيه فضل التوكل على الله سبحانه وتعالى وحسن عاقبته أ . ه

المعجزة السادسة: مبرك الناقة

روى ابن ماجه عن أنس قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء. والأنصار كل واحد يتمنى أن ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته قائلين: هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمتعة فكان يقول لهم: خلوا سبيلها فإنها مأمورة.

فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي اليوم فبركت ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلاً ثم التفتت فرجعت إلى مبركها الأول فنزل عنها وقال: هنا المنزل إن شاء الله، وذلك في بني النجار أخواله صلى الله عليه وسلم ؛ وكان من إلهام الله للناقة أن بركت حيث يحب أن ينزل وما أجمل قول النبي صلى الله عليه وسلم “خلوا سبيلها فإنها مأمورة”.

وجاء في السيرة فبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله فأدخله بيته فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المرء مع رحله، وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته وكانت عنده.

وهذه المعجزة يشاهدها المرافقون وكيف تصرفت الناقة ويسمع جميع المرافقين كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم: “خلوا سبيلها فإنها مأمورة”، وخرجت جويرات بني النجار يرحبن بالرسول صلى الله عليه وسلم وينقرن بالدفوف يقلن:

نحن جوار من بني النجار      يا حبذا محمد من جار

وختاما فهذه هي المعجزات التي مرت أثناء هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وما أروعها وما أعظمها من معجزات، ولا شك أن اطلاعنا على هذه الأمور وتجديد الصلة بها مما يساعد على ربطنا وربط الناشئة بسيرة هذا النبي الكريم؛ عليه أفضل الصلاة والتسليم.

وبالجملة: فإن المعجزات والتأييد الإلهي جند من جنود الله تعالى أيد بها رسوله صلى الله عليه وسلم، وأكرمه بها ، وكان لها الأثر الفعال في إرساء دعائم دعوته المباركة .

العنصر الرابع: معية الله وأثرها في حياة الأنبياء والأمم

عباد الله: لقد شملت معية الله النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبا بكر في طريق الهجرة.

ومعية الله عز وجل تنقسم إلى قسمين‏:‏ عامة، وخاصة‏.‏  والخاصة تنقسم إلى قسمين‏:‏ مقيدة بشخص ، ومقيدة بوصف‏.‏

فالعامة هي: التي تقتضي الإحاطة بجميع الخلق من مؤمن، وكافر وبَر وفاجر، في العلم، والقدرة، والتدبير والسلطان وغير ذلك من معاني الربوبية؛ ودليلها قوله تعالى‏:‏  { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } [الحديد: 4] وقوله: { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا } [المجادلة: 7] .

أما الخاصة المقيدة بوصف ؛ فمثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 128‏]‏‏.‏

وقوله تعالى: {  وأَنَّ اللَّهَ مَعَ المؤمنِينَ } [الأنفال: 19] . وقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } [النحل: 128] ، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } ( البقرة: 153)

فكل من اتصف بالإيمان أو الإحسان أو الصبر فإن الله معهم ينصرهم، ويحفظهم، ويؤيدهم، ويوفقهم، ومعية الله أثمن شيء على الإطلاق، أن يكون الله معك، كن مع الله ترى الله معك.

وهذه المعية توجب لمن آمن بها كمال الثبات والقوة؛ والمراقبة لله عزّ وجل، ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: « إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت » [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والأوسط].

وأما الخاصة المقيدة بشخص معين؛ فهي التي تقتضي النصر والتأييد لمن أضيفت له؛ وهي مختصة بمن يستحق ذلك من الرسل وأتباعهم. كقوله تعالى عن نبيه ‏:{ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] ، وقال لموسى وهارون ‏:{ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] .  وقال في موسى وقومه:{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ؛ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} ( الشعراء: 61 ؛ 62 )؛ وهذه أخص من المقيدة بوصف‏.‏

فالمعية درجات‏:‏ عامة مطلقة، وخاصة مقيدة بوصف، وخاصة مقيدة بشخص‏.‏ فأخص أنواع المعية ما قيد بشخص ، ثم ما قيد بوصف، ثم ما كان عاماً‏.

‏فالمعية العامة تستلزم الإحاطة بالخلق علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وسلطاناً وغير ذلك من معاني ربوبيته، والمعية الخاصة بنوعيها تستلزم مع ذلك النصر والتأييد‏.

فلاحظ الفرق بين المعية العامة وبين المعية الخاصة : المعية العامة: معية علم، أما المعية الخاصة: معية إكرام، معية الله العامة مع الناس كلهم؛ أنه يعلم سرهم وجهرهم، معية الله الخاصة -للمؤمنين-: أنه يحفظهم، ويوفقهم، وينصرهم، ويؤيدهم، ويسعدهم.

عباد الله: كل منا يطمع في معية الله فما هو الثمن الذي ينبغي أن يدفعه المسلم حتى ينال معية الله الخاصة؟

 أيها المسلمون: هذه المعية الخاصة التي نطمح إليها جميعاً؛ تتمثل في قوله تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } [ المائدة: 12] هذا ثمنها؛ أن تقيم الصلاة, وأن تؤتي الزكاة، وأن تستقيم على أمره، وأن تحسن إلى خلقه، إن دفعت الثمن نلت المعية الخاصة، والباب مفتوح لكل الناس.

ويحضرني حديث في صحيح البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ” أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي؛ فإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي؛ وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً” ( متفق عليه ). قال ثابت البناني رحمه الله: إني أعلم متى يذكرني ربي عز وجل .. ففزعوا منه وقالو : كيف تعلم ذلك؟ فقال: إذا ذكرته ذكرني أما قرأتم قوله تعالى: {فاذكروني أذكركم}.

مقارنة بين معيَّتين لأمتين ونبيين

هناك مقارنة لها أهميتها ودلالتها الإيمانية بين معية الله للنبي محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم وصاحبه، وبين معية الله لموسى وقومه ؛ كما جاءت في القرآن الكريم.

قال الله في النبي محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم وصاحبه :{ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } [التوبة: 40] ؛ وقال في موسى وقومه:{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ؛ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} ( الشعراء: 61 ؛ 62 )

فالله قال في حق أبى بكر {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } بالجمع، وقال على لسان موسى لما قال له قومه: البحر أمامنا والعدو خلفنا ؟! { قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} بالإفراد مع أن معه بني إسرائيل، فالله أفرد في حالة الجمع وجمع في حالة الإفراد ليدل على أن إيمان أبي بكر يعدل أمة، وأن بني إسرائيل ليس لهم عهد ، وموسى لا يضمن إلا نفسه، ولا يضمن إيمانهم وعهودهم، فلو أنهم وجدوا مخرجا أو سبيلاً للهروب لسلكوه واعتذروا لموسى وتركوه يغرق وحده، كما قالوا: { اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون} ( المائدة: 24)، أما أصحاب النبي محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم فكما قال المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.

فكلما بلغ الإنسان درجة عليا من الإيمان والإحسان والطاعة، كلما ظفر بمعية الله تعالى ونصره وتأييده.

أسال الله أن يشملنا بحفظه وتأييده ورعايته ومعيته، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،    

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي




خطبة عيد الأضحى المبارك 1438هـ

خطبة عيد الأضحى المبارك 1438هـ

 للاطلاع على نص الخطبة يُرجى الضغط  هنا

 
 




خطبة بعنوان: “صلة الرحم وأثرها في سعادة الفرد والمجتمع”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 10 من ذي الحجة 1438هـ الموافق 1 سبتمبر 2017م

خطبة بعنوان: “صلة الرحم وأثرها في سعادة الفرد والمجتمع”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 10 من ذي الحجة 1438هـ الموافق 1 سبتمبر 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word  أضغط هنا.

لتحميل الخطبة بصيغة  pdf أضغط هنا.

 

ولقراءة الخطبة كما يلي: 

 

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: منزلة صلة الرحم في الإسلام

العنصر الثاني: الخلافات والخصومات والشحناء سببٌ لرفع الرحمات

العنصر الثالث: فوائد وثمرات صلة الرحم

العنصر الرابع: صلة الرحم في واقعنا المعاصر بين الواقع والمأمول

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: منزلة صلة الرحم في الإسلام

عباد الله: إن صلة الرحم خلق إسلامي رفيع، دعا إليه الإسلام وحض عليه، فهو يربي المسلم على الإحسان إلى الأقارب وصلتهم، وإيصال الخير إليهم ، ودفع الشر عنهم.

قال النّوويّ: صلة الرّحم هي الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول، فتارة تكون بالمال وتارة بالخدمة، وتارة بالزّيارة والسّلام وغير ذلك. ( شرح النووي).

ولأهمية صلة الرحم ومنزلتها في الإسلام؛ تضافرت  كثير من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية بالحديث عنها؛ يقول الله تعالى في ذلك: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى } (النساء: 36).

 ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم :”إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَالَتْ الرَّحِمُ : هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ ، قَالَ : نَعَمْ ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ ؟ ، قَالَتْ : بَلَى يَا رَبِّ ، قَالَ فَهُوَ لَكِ “، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ } (البخاري) .

 وعن عائشة_ رضي الله عنها_ قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الرحم معلقة بالعرش تقول : من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله ” (متفق عليه).

وجعلت صلة الرحم من كمال الإيمان، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ؛ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ؛ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ” . (متفق عليه).

وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصدقة على الأرحام بقوله: ” إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ ، وَإِنَّهَا عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ : صَدَقَةٌ ، وَصِلَةٌ “،(الترمذي) وأولى الأرحام بالصلة الوالدان، ثم من يليهم من الأهل والقرابة.

وقد أعد الله تعالى الأجر الكبير والثواب الجزيل لمن يصل رحمه ، فإن من أعظم ما يجازي به الله تعالى واصل الرحم في الدنيا أن يوسع له في الرزق ويبارك له في العمر، قال عليه الصلاة والسلام :” مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ” (متفق عليه)

أما قطيعة الرحم فهي كبيرة من كبائر الذنوب، وقد رتب الله العقوبة والطرد من رحمته لمن قطع رحمه، قال الله تعالى : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } (محمد:23).

 وقد قال علي بن الحسين لولده: يا بني لا تصحبن قاطع رحم فإني وجدته ملعونا في كتاب الله في ثلاثة مواطن. الموطن السابق ، وقوله سبحانه وتعالى : { وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (الرعد:25). وقوله سبحانه وتعالى: { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (البقرة:27).

وليس أعظم من أن قاطع الرحم تعجل له العقوبة في الدنيا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ” ، [ أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه ] .

 أما في الآخرة فإنه يحرم من دخول الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ ” (متفق عليه)

عباد الله: ما أفضل من أن يتقرب المسلم في هذا اليوم لربه بصلة رحمه، ابتغاء لمرضاته وعظيم ثوابه ، وإزالة لما قد يقع في النفوس من شحناء ، فالمبادرة بالزيارة والصلة وإن كانت شاقة على النفس ولكنها عظيمة القدر عند الله.

العنصر الثاني: الخلافات والخصومات والشحناء سببٌ لرفع الرحمات

عباد الله: إن طهارة القلب من الأمراض الاجتماعية أمرٌ حث عليه ديننا الحنيف؛ ولقد امتدح الله أقوامًا بأنهم يدعونه تعالى أن يطهِّر قلوبهم ويسلِّمها من البغضاء والشحناء فقال: “وَٱلَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإيمَـٰنِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ” [الحشر:10].

وأخبر سبحانه أنه لا نجاةَ يوم القيامة إلا لمن سلِم قلبه، وسلامةُ القلب تقتضي طهارتُه من الغلِّ والشحناء والبغضاء، يقول جل من قائل: “يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ” [الشعراء:88، 89].

كما أنه سبحانه أتمَّ النعمة على أهل الجنة بأن نزعَ ما في قلوبهم من الغلّ وجعلهم إخوانًا، ذلك أن الغلَّ يُشقي صاحبه ويتعذَّب به، يقول سبحانه عن أهل الجنة: “وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ” [الحجر:47].

وبيَّن سبحانه أنّ من مقتضيات التقوى حصولَ ذلك الصلاح في ذات البين وطهارة القلوب وسلامتها، فقال سبحانه: “فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ” [الأنفال:1].

أيها المسلمون: إنَّ سنةَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عامرةٌ بالنصوص المؤكِّدة على أهمية طهارةِ القلوب وسلامتها من الغلِّ والشحناء والبغضاء والخصومات، يُسأل عليه الصلاة والسلام: أيُّ الناس أفضل؟ فيقول: “كلّ مخموم القلب صدوق اللسان”، فيقال له: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ فيقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “هو التّقي النقي، لا إثم ولا بغي ولا غلَّ ولا حسد” (رواه ابن ماجه بإسناد صحيح).

 ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا” (متفق عليه)، بل إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:”لا تدخُلوا الجنةَ حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا” ( رواه مسلم) ويقول عليه الصلاة والسلام: “ألا أخبركم بأفضلَ من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟” قالوا: بلى، قال: “إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين” (رواه أبو داود بإسناد صحيح.)

أحبتي في الله: وقفت مع نفسي وقفة وتأثرت كثيراً حينما قرأت حديثاً عن ليلة القدر في صحيح البخاري. عن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ :” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ” قلت: رفعت أعظم ليلة بسبب شجارٍ وسبٍّ وخصامٍ بين رجلين !!! فما بالكم بواقع الأمة الآن؟!!!!!

لذلك أخبرنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أحاديث كثيرة أن الشحناء والبغضاء والخصام سبب لمنع المغفرة والرحمات والبركات ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا” (مسلم).

 وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ [ ابن ماجة ].

وبين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ذلك يحلق الحسنات بل الدين كله فقال:” دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَالكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ “[ أحمد والبيهقي والترمذي ].

فبادر أنت بالخير إذا أعرض عنك أخوك وكن أنت الأخير ، فعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ”(متفق عليه)

فهيا إلى تنقية قلوبنا من الشحناء والبغضاء والحقد والحسد، وليحل مكانها التراحم والتواصل والحب، ولنفتح صفحة جديدة بيضاء نقية مع المتخاصمين والمتشاحنين؛ حتى تُرفع الأعمال إلى الله؛ وتتنزل الرحمات؛ ولا تحجب بسبب الخصام والشحناء؛ ويعاهد كل واحد منكم ربه أن يخرج من هذا المسجد في هذا اليوم ( يوم العيد ) ويبدأ هو بالمصالحة والعفو والصفح؛ ليكون أفضل الناس وأخيرهم عند الله!!

العنصر الثالث: فوائد وثمرات صلة الرحم

أيها المسلمون: لصلة الرحم آثار وفوائد وثمرات عظيمة تعود على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة:

منها: أن صلة الرحم سبب لصلة الله للواصل:

 فعن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم :”إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَالَتْ الرَّحِمُ : هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ ، قَالَ : نَعَمْ ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ ؟ ، قَالَتْ : بَلَى يَا رَبِّ ، قَالَ فَهُوَ لَكِ ” (متفق عليه).  وعن عائشة_ رضي الله عنها_ قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الرحم معلقة بالعرش تقول : من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله ” (متفق عليه).

ومنها: أن صلة الرحم سبب لدخول الجنة:

قال تعالى:{الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ *وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}. ( الرعد20-24) .

 وفي الحديث المتفق عليه عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ؟ قَالَ :” تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ”. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ”. ( أحمد وابن ماجة والترمذي والحاكم وصححه).

ومنها: أن الرحم تشهد للواصل بالوصل يوم القيامة:

 فعن ابن عباس قال: قال صلى الله عليه وسلم : ” كلُّ رحِمٍ آتيةٌ يومَ القيامةِ أمامَ صاحبِها تشهدُ له بصِلةٍ إن كان وصَلَها ؛ وعليه بقطيعةٍ إن كان قطعَها”. (البيهقي في الشعب والبخاري في الأدب المفرد والحاكم وصححه).

ومنها: أن صلة الرحم سبب لزيادة العمر وبسط الرزق:

 فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:” مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ”. ( متفق عليه). ” وهذه الزيادة بالبركة في عمره ، والتوفيق للطاعات ، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة ، وصيانتها عن الضياع وغير ذلك”.( شرح النووي).

وقيل :” إن معنى زيادة العمر وبسط الرزق على حقيقتها فيزيد الله في عمره ويزيد في رزقه ولا يشكل على هذا أن الأجل محدود والرزق مكتوب فكيف يزاد ؟ وذلك لأن الأجل والرزق على نوعين : أجل مطلق يعلمه الله وأجل مقيد, ورزق مطلق يعلمه ورزق مقيد, فالمطلق هو ما علمه الله أنه يؤجله إليه أو ما علمه الله أنه يرزقه فهذا لا يتغير, والثاني يكون كتبه الله وأعلم به الملائكة فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب”. [مجموع فتاوى ابن تيمية].

ومنها: أن صلة الرحم تدفع ميتة السوء:

 فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةُ السُّوءِ؛ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ”. (أحمد والطبراني وصححه أحمد شاكر, وجود إسناده المنذري في الترغيب والترهيب).

ومنها: أن صلة الرحم سبب لمحبة الأهل للواصل:

 فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ “. ( أحمد والترمذي والحاكم وصححه). فصلة الرحم تعمل على تقوية أواصر العلاقات الاجتماعيّة بين أفراد الأسرة الواحدة والأسر المرتبطة بالمصاهرة والنّسب حتّى يعمّ المجتمع كلّه.

أحبتى في الله: هذه هي ثمرات وفوائد صلة الرحم؛ وهناك ثمرات وفوائد كثيرة في الدنيا والآخرة لصلة الرحم لا يتسع المقام لذكرها ويكفي القلادة ما أحاط بالعنق !!

العنصر الرابع: صلة الرحم في واقعنا المعاصر بين الواقع والمأمول

عباد الله: إن من ينظر إلى واقعنا المعاصر يجد أن كثيراً من الأقارب وذوي الأرحام يخاصم بعضهم بعضاً ؛ ولا يكلم بعضهم بعضاً ؛ وبينهم قطيعة على أي سبب من الأسباب الدنيئة؛ وهذا هو واقع الأمة المرير ؛ وإنني أذكر يوماً حينما دعيت إلى خطبة في إحدى البلاد وسألت أحدهم: ما هي أكبر مشكلة في بلدتكم نحاول جاهدين أن نعالجها في هذه الخطبة؟ فقال: البلدة كلها في خصام وقطيعة؛ ونادراً ما تجد شخصاً يكلم الآخر !! فاستعنت بالله وخطبت فيهم؛ وبعد السلام قال أحدهم على الملأ: والله يا عم الشيخ كأنك تعيش معنا ؛ فقد جاءت على الجرح والوجيعة !!

أيها المسلمون: عليكم أن تصلوا أرحامكم في هذه الأيام المباركة؛ حتى لو كان أقاربك لا يصلوك ؛ فلتكن أنت الأخير والأفضل ؛ حتى تكتب عند الله من الواصلين؛ وفي ذلك يقول نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم:” لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا”. (البخاري).

  وأخرج عبد الرزاق عن عمر موقوفا ” ليس الوصل أن تصل من وصلك ، ذلك القصاص ، ولكن الوصل أن تصل من قطعك ” ، وهذا ما أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم، لما أنزل الله: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما هذا يا جبريل؟” قال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك.”( تفسير ابن كثير).

وقد يقول آخر: إن قرابتي يؤذونني ويشتمونني ويقاطعونني – وهذا شائع وكثير في واقعنا المعاصر – فهل أصلهم؟!!

والجواب عند نبيك صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ. فَقَالَ:” لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ “(مسلم).

قال الإمام النووي: (معناه كأنما تطعمهم الرماد الحار ، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم ، ولا شيء على هذا المحسن ، بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته ، وإدخالهم الأذى عليه . وقيل : معناه إنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسف المل . وقيل : ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالمل يحرق أحشاءهم ).

وكثير من الناس – أيضاً – بينهم خصام وشقاق؛ ويأتي أحدهم ليفوز برضا الله فيبدأ بالسلام ليكون خيرهما عند الله؛ وهذا أمر يحمد عليه؛ ولكن الآخر لا يرد عليه السلام؛ ويتكرر هذا الأمر والآخر لا يرد ؛ فيمل الأول ويترك السلام بحجة أن الآخر لا يرد !!

 أقول: يجب عليك أن تلقي السلام على الجميع حتى المتخاصم معك؛ لأن هذه تحية الإسلام؛ وإن لم يرد عليك فقد وكَّل الله ملكا يرد عنك ؛ ويرد على الآخر الشيطان.

 فعن هِشَامَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ؛ فَإِنْ كَانَ تَصَارَمَا فَوْقَ ثَلَاثٍ فَإِنَّهُمَا نَاكِبَانِ عَنْ الْحَقِّ مَا دَامَا عَلَى صُرَامِهِمَا؛ وَأَوَّلُهُمَا فَيْئًا فَسَبْقُهُ بِالْفَيْءِ كَفَّارَتُهُ ؛ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلَامَهُ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَرَدَّ عَلَى الْآخَرِ الشَّيْطَانُ؛ فَإِنْ مَاتَا عَلَى صُرَامِهِمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي الْجَنَّةِ أَبَدًا ” . (البخاري في الأدب المفرد وأحمد والبيهقي وابن حبان وصححه ).

 وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ السَّلامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَضَعَهُ فِي الأَرْضِ، فَأَفْشُوهُ فِيكُمْ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى الْقَوْمِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ، كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلُ دَرَجَةٍ، لأَنَّهُ ذَكَّرَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَأَطْيَبُ. ” (البخاري في الأدب المفرد والطبراني والبيهقي والهيثمي وصحح إسناده )

أحبتي في الله: حري بنا أن نتفقد أرحامنا في هذه الأيام المباركة أيام العيد بالزيارة والصلة والسؤال والصدقة وإصلاح ذات البين، ولا يتعذر أحد بانشغاله، فلا أقل من أن يصل أحدنا رحمه بمكالمة تزيل ما علق في النفس، وتدحر الشيطان، وتفتح أبواب الخير، فالعيد فرصة عظيمة لفتح صفحة جديدة مع أرحامنا.

نسأل الله – عز وجل – أن يجعلنا من الواصلين لرحمهم القائمين على أمر ربهم إنه ولي ذلك والقادر عليه اللهم آمين .

الدعاء……..                                                         وأقم الصلاة،،،،                                                                

     كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

                                                                                                                            د / خالد بدير بدوي




خطبة عيد الأضحى:  الانقياد والاستجابة لأوامر الله من خلال قصة الذبيح، للدكتور خالد بدير، بتاريخ: 10 ذو الحجة 1438هـ – 1 سبتمبر 2017م

خطبة عيد الأضحى:  الانقياد والاستجابة لأوامر الله من خلال قصة الذبيح، للدكتور خالد بدير، بتاريخ: 10 ذو الحجة 1438هـ – 1 سبتمبر 2017م.

 

لتحميل الخطبة بصيغة word  أضغط هنا.

لتحميل الخطبة بصيغة  pdf أضغط هنا.

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: استجابة الخليل وابنه عليهما السلام لأوامر الله

العنصر الثاني: بين استجابة الصحابة لله ورسوله واستجابتنا

العنصر الثالث: آداب عيد الأضحى وسننه

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: استجابة الخليل وابنه عليهما السلام لأوامر الله

عباد الله: إن الابتلاء سنة كونية ولا سيما في حياة الأنبياء عليهم السلام؛ ومن أشد الأنبياء بلاءً إبراهيم عليه السلام ؛ فهو أحد أولي العزم الخمسة من الرسل: نوح وإبراهيم وموسي وعيسى وخاتمهم محمد صلى الله وسلم عليهم أجمعين.

 فإبراهيم ابتلي في قومه وولده؛ وهل هناك أشد بلاءً من إحراقه بالنار؟!! ولكن الله نجاه منها وسلب منها صفة الإحراق!! والقصة معروفة ومذكورة في القرآن الكريم ؛ بعدها سأل ربَّه أن يَهَبَه ولدًا صالحًا، عوضًا عن قومه، ويؤنسه في غربته، ويعينُه على طاعة ربِّه .

فاستجابَ اللهُ دعاءَه فَرَزَقَهُ ولدًا صالحًا:{ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينِ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ }(الصافات 101،99).

 رزق إبراهيم بولده إسماعيل في سن كبير ، ورد في التوراة أنه كان في السادسة والثمانين من العمر، ولنا أن نتخيل كم يكون قدر هذا الطفل الذي جاء على شوق كبير وانتظار طويل، فأحبَّه وقرَّت عينُه، وتعلَّق قلبُه به؛ ترى كم يكون قدره عند والديه ومحبتهما له؟!

 إن الواحد منا لو تأخر في الإنجاب خمس سنوات- مثلاً – يذهب إلى أمهر الأطباء ويضحي بالغالي والنفيس من أجل الإنجاب؛ وكم تقدر فرحته لو رزق بمولود بعد طول هذه المدة؟!! فما بالك لو كان ذلك بعد ستةٍ وثمانين عاما؟!!

 رزق إبراهيم عليه السلام بإسماعيل؛ وبلغ معه مرحلة السعي؛ أي كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه، وعلى هذا فإن إسماعيل في سن بداية الشباب ثلاثة عشر عاما تقريبا، ووالده قد قارب المائة عام، ومن المعلوم أن الوالد حينما يكبر في السن يزداد ضعفه، ويبدأ في الاعتماد على ولده بصورة كبيرة .

 لقد ابتُلِىَ إبراهيم في شبابه حين أُلْقى في النار،فقال “حسبنا الله ونعم الوكيل ” ، أما هذه المرة فالابتلاء يأتيه وهو شيخ كبير، وقد جاءه الولد على كِبَر، فهو أحبُّ إليه من نفسه وها هو يُؤمَر بذبح فلذة كبده وثمرة فؤاده.

ونلاحظ  شدة البلاء حينما يأمر الله تعالى أن يتولى إبراهيم بنفسه الذبح، لم يخبره الله أنه سيموت فيهون الأمر، ولا يطلب منه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة، ولا يطلب منه أن يكلفه أمراً تنتهي به حياته.. إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده….. يتولى ماذا؟! يتولى ذبحه!!.

ونلاحظ أن إسماعيل كان هو الوحيد في  هذا الوقت ليس له إخوة آخرون، لو تخيل أحدنا هذا الأمر!!

ماذا لو أمرك الله بذبح ولدك وحيدك ؟! هل تقوى على ذلك ؟! والله إنه لبلاء لا يطيقه إلا الأنبياء!!؛ {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ”(الصافات: 102)؛ فلم يتردد، ولم يخالجه إلا شعور الطاعة والتسليم والاستجابة والانقياد؛ إنه لا يلبي في انزعاج، ولا يستسلم في جزع، ولا يطيع في اضطراب؛ كلا إنما هو الرضا والطمأنينة والهدوء!!

وهنا وقفة: لماذا أخبر إبراهيم ولده بالأمر ؟!

إن إبراهيم لم يأخذ ابنه على غرة ( فجأة) لينفذ أمر ربه وينتهي؛  إنما يعرض الأمر عليه كالذي يعرض المألوف من الأمر؛  فالأمر في حسه هكذا….. ربه يريد !! فليكن ما يريد !!!

وابنه ينبغي أن يعرف ويعلم الأمر، وأن يأخذ الأمر طاعة واستجابة واستسلاماً وانقياداً، لا قهراً واضطراراً، لينال هو الآخر أجر الطاعة، وليسلم هو الآخر ويتذوق حلاوة التسليم!!

وانظر إلى مدى البر والاستجابة والطاعة والانقياد من إسماعيل الذبيح عليه السلام؛ يوصي أباه قبل التنفيذ قائلاً: يا أبت أوصيك بأشياء: أن تربط يدي كيلا أضطرب فأوذيك!! وأن تجعل وجهي على الأرض كيلا تنظر إلى وجهي فتأخذك الشفقة فترحمني فلا تنفذ أمر الله!! واكفف عني ثيابك كيلا يتلطخ عليها شئ من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن!!! واشحذ شفرتك وأسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد!! وأقرئ أمي من السلام؛ وقل لها اصبري على أمر الله!! ولا تخبرها كيف ذبحتني وكيف ربطت يدي!! ولا تدخل عليها الصبيان كيلا يتجدد حزنها عليَّ!! وإذا رأيت غلاما مثلي فلا تنظر إليه حتى لا تجزع ولا تحزن!! فقال إبراهيم عليه السلام: نعم العون أنت يا ولدي على أمر الله!!

 فأمرَّ إبراهيم السكين على حلق ولده فلم يحك شيئا؛ وقيل انقلبت. فقال له إسماعيل: ما لك؟! قال: انقلبت، فقال له: أطعن بها طعنا، فلما طعن بها نبت ولم تقطع شيئا، وكأن السكين تقول بلسان الحال: يا إبراهيم أنت تقول اقطع؛ ورب العزة يقول لا تقطع !!!! لأن الله تبارك وتعالى لم يشأ لها أن تقطع، لأن السكين لا يقطع بطبعه وبذاته وإنما خالق القطع هو الله تعالى وحده، فالله خالق للسبب والمسبَّب،كما أنَّ الله تعالى هو خالق الإحراق وخالق النار التي هي سبب للإحراق، فالنار لم تحرق نبي الله إبراهيم عندما أُلقي فيها لأن الله تعالى خالق الإحراق وقد سلبه منها ؛ فلم يشأ لها أن تحرق نبيه إبراهيم عليه السلام؛ وقتها نودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا؛ وهذا فداء ابنك؛ فنظر إبراهيم فإذا جبريل معه كبش من الجنة. قال تعالى:{وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107]؛ أي أن الله تعالى خلص إسماعيل من الذبح بأن جعل فداءً له كبشا أقرن عظيم الحجم والبركة.

وقد صور أحدهم ذلك أدق تصوير في أبيات رائعة؛ وهي قصيدة طويلة اقتطفت منها ما يؤدي الغرض المنشود:

وأمرت بذبحك يا ولدى *** فانظر فى الأمر وعقباهُ

ويجـــــــــيب الابن بلا فزع *** افــــــــــــــــــــــعل ما تؤمر أبتاهُ

لن نعصى لإلهى أمرا *** من يعصي يوما مولاهُ ؟!!

واستل الوالد سكـــــــــــــينا *** واستســــــــــــــلم الابن لرداهُ

ألقــــــــــــــــــاه برفق لجـــــبين *** كى لا تتلقى عينـــــــــــــــــــاهُ

أرأيتـــــــــــــــــــم قلبا أبويا *** يتقبــــــــــــــــــل أمـــــــرا يأباهُ ؟؟

أرأيتم ابنـــــــــــــا يتلقى *** أمرا بالذبــــــــح ويرضاهُ ؟؟

وتهـــــــــــــــــز الكون ضراعات *** ودعـــــــــــاء يقبله الله ُ

تتوســـــــــل للملأ الأعلى *** أرض وسمـــــــــــــــاء ومياهُ

ويقول الحق ورحمتهُ *** سبقت في فضل عطاياهُ

صــــــدَّقت الرؤيا فلا تحزن *** يا إبراهيم فــــــــــــــديناهُ

لقد أسلما.. فهذا هو الإسلام في حقيقته، ثقة وطاعة وطمأنينة ورضى وتسليم.. وانقياد واستجابة وتنفيذ.

عباد الله: إن هذا الأمر جاء ابتلاءً واختباراً وامتحاناً لإبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام؛ فلما ظهر منهما الاستسلام والخضوع والاستجابة؛ وتأكد ذلك؛ جعل الله الفداء لإسماعيل عليه السلام؛ قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ” إنَّ المصلحة في الذَّبح كانت ناشئةً من العزم وتوطين النَّفس على ما أمر به، فلمَّا حصلت هذه المصلحة، عاد الذَّبح مفسدة، فنُسخ في حقِّه، فصارت الذَّبائح والقرابين من الهدايا والضَّحايا سُنَّة في اتّباعه إلى يوم القيامة” (جلاء الأفهام)؛ وقال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: من فضل الله على الأمة أنه لم يتم الذبح لإسماعيل عليه السلام؛ فلو تم الذبح لأصبح ذبح الأولاد سنة.

وقال الإمام أبو حنيفة: فيه دليل على أن من نذر أن يذبح ولده يلزمه ذبح شاة.

أيها المسلمون: إذا كان الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام قد ضربا لنا أروع الأمثلة في الفداء والتضحية والاستجابة والانقياد والطاعة لأوامر الله عز وجل؛ فعلينا أن نضحي بأموالنا وأوقاتنا وأفعالنا وأقوالنا ونجعلها كلها طاعة واستجابة وخضوعا لله عز وجل؛ وهذا ما سنعرفه في عنصرنا التالي إن شاء الله تعالى !!

العنصر الثاني: بين استجابة الصحابة لله ورسوله واستجابتنا

عباد الله: لقد أمرنا الله عز وجل بالاستجابة لله ولرسوله وأخبرنا أن في ذلك حياتنا فقال:{يَا أيُّهَا الذينَ آمَنُوا استَجِيُبوا للهِ وللرَّسولِ إذَا دعاكُم لما يُحْيِيكمْ} (الأنفال: 25)؛ قال السُّدِّيّ: { لِمَا يُحْيِيكُمْ } ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر. (تفسير ابن كثير)؛ وقال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره: “يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمانُ منهم وهوَ الاستجابةُ للهِ و للرَّسولِ، أي : الانقيادُ لما أمرا به، و المبادرةُ إلى ذلكَ، والدعوةُ إليهِ، والاجتنابُ لما نهيَا عنه، والانكفافُ والنهي عنه”.

وقد عاتب النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أبطأ في إجابته صلى الله عليه وسلم – مع أنه كان في الصلاة -؛ فَعَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ:” كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ؛ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. فَقَالَ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ:{ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ }” (البخاري)؛ وهذا دليل على أنه يجب على المسلم أن يمتثل أوامر الله، وأن يجتنب نواهيه، وأن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن يحذر مما خالف النصوص.

أيها المسلمون: إن القرآن والسنة أوامر ونواهي؛ والشريعة الغراء جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد من خلال تلك الأوامر والنواهي؛ وكل ذلك فيه مصلحة العباد وفيه حِكَمٌ للتحريم والتحليل علمها من علمها وجهلها من جهلها؛ وقد ألفت في ذلك مؤلفات في مقاصد الشريعة والعبادات؛ وأنت تلمس ذلك في نداءات المؤمنين التسع والثمانين في القرآن الكريم والتي تبدأ بـــ (يا أيها الذين آمنوا )؛ روى ابن أبي حاتم في تفسيره، عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: “إذا سمعت الله يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فأرع لها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه.”أ.ه؛ وإنني في هذه العجالة السريعة أسوق لكم بعض النماذج من سرعة استجابة الصحابة الكرام لأوامر الله ورسوله؛ مقارنا بين ذلك وبين واقعنا المعاصر في تطبيق هذه النماذج !!

النموذج الأول: تحريم الخمر:  لما نزل قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة: 90)؛ أخذ هذه الآية بعض الصحابة وذهب بها إلى أماكن شرب الخمر بالمدينة ليبلغهم التحريم؛ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ، وَفُلاَنًا وَفُلاَنًا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَهَلْ بَلَغَكُمُ الخَبَرُ؟ فَقَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، قَالُوا: أَهْرِقْ هَذِهِ القِلاَلَ يَا أَنَسُ، قَالَ: فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلاَ رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ ” (البخاري)؛ فانظر كيف كانت الخمر شرابهم منذ سنين طويلة؛ ومع ذلك استجابوا لله ولرسوله مع أول خبر؟!! فما أجمل مسارعة الصحابة رضي الله عنهم في الاستجابة لأمر الله تبارك وتعالى ولو كان هذا الأمر على خلاف أهوائهم، وذلك واضح في قولهم انتهينا!! فأراقوا الخمر في طرق المدينة مباشرة عندما سمعوا الخبر، ولم يكتفوا بالانتهاء عن الشرب وينتظروا حتى يسألوا رسول الله عن هذه الخمر التي عندهم، ولم يقولوا في هذا إضاعة للمال!!! قارن بين ذلك وبين من يتلوا آيات الله ويسمعها ليلاً ونهاراً ويقرأ آيات التحريم ويصلى بها ومع ذلك يدمن الخمور والمخدرات!! ولا أريد أن أسترسل في المقارنات حتى لا أطيل على أسماع حضراتكم وكفى بالواقع المعاصر على ذلك دليلا !!

النموذج الثاني: الحجاب: فعن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة، فذكرنا نساء قريش وفضلهن. فقالت عائشة، رضي الله عنها: إن لنساء قريش لفضلا وإني -والله -وما رأيت أفضلَ من نساء الأنصار أشدّ تصديقًا بكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل. لقد أنزلت سورة النور:{ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ }، انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابة، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مِرْطها المُرَحَّل فاعتجرت به، تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحْنَ وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح معتجرات، كأن على رؤوسهن الغربان.” (تفسير ابن كثير؛ و أخرجه أبو داود بنحوه بسند صحيح)

عباد الله: لقد نزلت آية الحجاب في المساء؛ وأخبر كل صحابي أهله؛ وجاءت النساء في صلاة الفجر خلف النبي صلى الله عليه وسلم محتجبات؛ كأن على رؤوسهن الغربان؛ قال ابن قتيبة في غريب الحديث والأثر:” فأصبحن على رؤوسهن الغربان: أي أن المروط كانت من شعر أسود، فصار على الرؤوس منها مثل الغربان”؛ قارن بين ذلك وبين نساء المسلمين في هذه الأيام؛ والمرأة تخرج من بيتها كاسية عارية متعطرة تحيط بها شياطين الإنس والجن من كل مكان!!! وهي تتلوا آيات الله التي نزلت منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان!! أما نساء الأنصار فاستجبن من خلال سواد الليل!!! فأين هؤلاء من هؤلاء!!

النموذج الثالث: تحويل القبلة: لما نزلت آيات تحويل القبلة؛ وأُمِروا بالتوجه ناحية المسجد الحرام سارعوا وامتثلوا، بل إن بعضهم لما علم بتحويل القبلة وهم في صلاتهم، تحولوا وتوجهوا وهم ركوع إلى القبلة الجديدة، ولم ينتظروا حتى يكملوا صلاتهم.فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بَيْنَمَا النَّاسُ فِي الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ جَاءَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَأُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ أَلَا فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَ وَجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّأْمِ فَاسْتَدَارُوا بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الْكَعْبَةِ (البخاري ومسلم)؛ سبحان الله تحولوا وهم ركوع؛ ولم يسوفوا للصلاة التي بعدها؛ أو اليوم الذي بعده؛ قارن بين ذلك وبين حال المسلمين اليوم فكثير منهم لا يدخل المسجد إلا في يوم الجمعة؛ ومنهم من لا يدخل المسجد إلا مرة واحدة لا من أجل أن يصَلِّي ولكن من أجل أن يُصَلَّى عليه!!!

النموذج الرابع: قصة خلع النعال: وهذا نموذجٌ عمليٌ في الاستجابة؛ فحينما خلَع النبي -صلى الله عليه وسلم- نعلَيه في الصلاة خلع الصحابة نِعالهم؛ تأسيًا ومُتابعة له، فَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خلع نَعْلَيْه فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ؛ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ على إلقائكم نعالكم؟» قَالُوا: رَأَيْنَاك ألقيت نعليك فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فيهمَا قذرا إِذا جَاءَ أحدكُم إِلَى الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَو أَذَى فَلْيَمْسَحْهُ وَلِيُصَلِّ فِيهِمَا» (رواه أبوداود والدارمي وصححه الألباني في مشكاة المصابيح)؛ فانظر إلى الصحابة لم ينتظروا حتى انتهاء الصلاة ليسألوا الرسول عن ذلك؛ بل امتثلوا الأفعال قبل الأقوال؛ وهذا يدل على سرعة الانقياد والاستجابة والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل أقواله وأفعاله!!

أيها المسلمون: ونحن في موسم حج بيت الله الحرام؛ أسوق لكم نموذجاً أغضب النبيَّ صلى الله عليه وسلم لعدم سرعة الاستجابة وكثرة سؤال أحد الصحابة وترديد الكلام على النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات!! فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:” خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أيها الناسُ ! قد فرض اللهُ عليكم الحجَّ فحجُّوا فقال رجلٌ : أكل عامٍ ؟ يا رسولَ اللهِ ! فسكت . حتى قالها ثلاثًا . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لو قلتُ : نعم . لوجبت . ولما استطعتم . ثم قال ذروني ما تركتُكم . فإنما هلك من كان قبلكم بكثرةِ سؤالِهِم واختلافِهِم على أنبيائِهم . فإذا أمرتُكم بشيٍء فأتوا منهُ ما استطعتم . وإذا نهيتُكم عن شيٍء فدعوهُ” (مسلم)؛ لأن من قبلنا كانوا كثيري الأسئلة والاختلاف وعدم الانقياد والطاعة للأوامر؛ ويحضرني في ذلك فعل اليهود مع موسى عليه السلام حينما اختلفوا في أمر القتيل فأمرهم أن يذبحوا بقرة؛ – وقصة البقرة معروفة في سورتها- وشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم؛ قال ابن كثير:” لو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا فشدد عليهم!!”

عباد الله: هناك أمثلة كثيرة حفل بها القرآن والسنة في الأوامر والنواهي ومدى سرعة استجابة الصحابة لها لا يتسع المقام لذكرها كالاستجابة للجهاد والإنفاق وغير ذلك؛ وما ذكر على سبيل المثال لا الحصر؛ ويكفي القلادة ما أحاط بالعنق!!

وإنني في ختام هذا العنصر ؛ أبشر كل من استجاب لله ولرسوله بصحبة رسول الله في الآخرة والشرب من يديه ومن حوضه الشريف صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا» قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ» فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ” فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا” ( مسلم)؛ ومعنى: (دُهْم): الدهمة السواد. يقال فرس أدهم وبعير أدهم وناقة دهماء؛ و (بُهْم): تأكيد لدهم. والفرس البهيم هو الذي لا يخلط لونه شيء سوى لونه.ومعنى (لَيُذَادَنَّ): الذود هو الطرد. و(سُحْقًا): أي: بعدا.

فهنيئا لمن استجاب لله ولرسوله صحبة الحبيب في الآخرة والشرب من يديه الشريفتين؛ وسحقا سحقا وحسرة وخسارة لمن لم يستجب لأوامر الله ورسوله وينتهك الحرمات في الأشهر الحرم !!

العنصر الثالث: آداب عيد الأضحى وسننه

أحبتي في الله: ونحن في يوم عيد الأضحى نذكركم بأهم آداب وسنن العيد التي يجب أن نستن بها من هدي نبينا صلى الله عليه وسلم في يوم الأضحى والتي تتمثل فيما يلي:

أولاً: الاغتسال قبل الخروج إلى الصلاة

 فقد صح في الموطأ وغيره :”أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى.”؛ وذكر النووي رحمه الله اتفاق العلماء على استحباب الاغتسال لصلاة العيد .

ثانياً: ذبح الأضحية

  ويستحب الذبح بعد صلاة العيد مباشرة؛ لقوله تعالى: { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ }(الكوثر: 1- 3)؛ ولقول رسول الله صلى عليه وسلم: “من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح” [البخاري ومسلم] ولقوله صلى الله عليه وسلم عن البراء رضي الله عنه قال: “خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى البقيع فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وقال: إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ثم نرجع فننحر” [البخاري] ووقت الذبح أربعة أيام، يوم النحر وثلاثة أيام التشريق، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “كل أيام التشريق ذبح” .( ابن حبان وأحمد والبيهقي)

كما يستحب ألا يأكل حتى يرجع من الصلاة فيأكل من أضحيته إن كان له أضحية، فإن لم يكن له من أضحية فلا حرج أن يأكل قبل الصلاة؛ فقد “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطعم حتى يرجع من المصلى فيأكل من أضحيته” [أحمد والبيهقي].

ثالثاً: التكبير يوم العيد

 فالتكبير من السنن العظيمة في عيد الأضحى؛ لقوله تعالى : {واذكروا الله في أيام معدودات } (البقرة: 203)، ولقوله عليه الصلاة والسلام:” أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله” (رواه مسلم )؛ وأرجح أقوال أهل العلم أنه يبدأ من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر يوم من أيام التشريق؛ أي يكبر بعد ثلاث وعشرين صلاة مفروضة؛ قال الحافظ ابن حجر :[ وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى ] ؛ وروى ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق؛ وروى أيضاً بسنده عن الأسود قال كان عبد الله – ابن مسعود- رضي الله عنه يكبر من صلاة فجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من النحر؛ يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر؛ لا إله إلا الله؛ الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

رابعاً: التهنئة

 ومن آداب العيد التهنئة الطيبة التي يتبادلها الناس فيما بينهم أيا كان لفظها مثل قول بعضهم لبعض : تقبل الله منا ومنكم؛ أو عيد مبارك وما أشبه ذلك من عبارات التهنئة المباحة ؛ وعن جبير بن نفير ، قال : “كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض ، تُقُبِّل منا ومنك .”( قال ابن حجر في الفتح: إسناده حسن).

خامساً: التجمل للعيدين

 فعن عبد الله بن عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ:” أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَأَخَذَهَا فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ ” (رواه البخاري )؛ فأقر النبي عمر على التجمل للعيد لكنه أنكر عليه شراء هذه الجبة لأنها من حرير ؛ وعن جابر رضي الله عنه قال : “كان للنبي صلى الله عليه وسلم جبة يلبسها للعيدين ويوم الجمعة”( صحيح ابن خزيمة)؛ وعن الحسن السبط قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين أن نلبس أجود ما نجد وأن نتطيب بأجود ما نجد وأن نضحي بأثمن ما نجد.(الحاكم)

سادساً: الذهاب إلى الصلاة من طريق والعودة من آخر

فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:” كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ.” (رواه البخاري)

وقد تلمس أهل العلم لذلك بعض الحكم منها: إظهار شعائر الإسلام بالذهاب والإياب، ومنها: السلام على أهل الطريقين، ومنها: التفاؤل بتغير الحال إلى المغفرة، ومنها: ليشهد له الطريقان عند الله يوم القيامة، والأرض تُحدِّثُ أخبارها يوم القيامة بما عُمل عليها من الخير والشرّ ؛ ومنها: إغاظة المنافقين واليهود ولنرهبهم بكثرة المسلمين؛ ومنها: قضاء حوائج الناس من الاستفتاء والتعليم والاقتداء أو الصدقة على المحتاجين؛ أو ليزور أقاربه وليصل رحمه؛ ومنها: أن الملائكة تقف على مفترق الطرق تكتب كل من يمر من هنا هناك ؛ وقيل غير ذلك.

سابعاً: صلة الرحم

 لأن القطيعة والخصام سببٌ لعدم رفع الأعمال؛ وقد تكلمنا عن ذلك في خطبة عيد الفطر بالتفصيل تحت عنوان: العيد وصلة الأرحام ووحدة الأمة الإسلامية؛ مما يغني عن إعادته مرة أخرى.

ثامنا: تشرع التوسعة على الأهل والعيال في أيام العيد دون إسراف أو تبذير

شرع الإسلام في هذه الأيام إدخال السرور على الأهل والأولاد؛ وذلك في حدود الضوابط الشرعية التي أرشدنا إليها ديننا الحنيف بعيداً عما يغضب الله تبارك وتعالى من الإسراف والتبذير ؛ مصداقاً لقوله تعالى:{ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} ( الأعراف:31)؛ فعلى المسلم إذن أن يتجنب الإسراف والتبذير في شتى صوره ، في المأكل والمشرب والمسكن والترفيه، وسائر الأغراض المشروعة، لأن الإسراف تبديد للموارد،  وإضاعة للثروات، من أجل هذا فإن أهم ما فسرت به إضاعة المال هو الإسراف.

هذا هو هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم في يوم العيد؛ ألا فلنتمثل بهديه صلى الله عليه وسلم في جميع أعمالنا وأقوالنا وأفعالنا !!

الدعاء؛؛؛؛؛؛؛       وكل عام وأنتم بخير؛؛؛؛؛                 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛؛؛؛؛؛؛

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

                                                                                                                                             د / خالد بدير بدوي

 




خطبة العيد الأضحي المبارك، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 10 من ذي الحجة 1438هـ، الموافق 1 سبتمبر 2017م

خطبة العيد الأضحي المبارك، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 10 من ذي الحجة 1438هـ، الموافق 1 سبتمبر 2017م.

لتحميل خطبة العيد الأضحي بصيغة word أضغط هنا

لتحميل خطبة العيد الأضحي بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

خطبة عيد الأضحى المبارك

الحمد لله رب العالمين الله أكبر الله أكبر الله أكبر .. الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. الله أكبر الله أكبر الله أكبر.

الحمد لله الباقي بعد فناء خلقه الدائم بعد زوالهم الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أفعاله وسلطانه وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله خير العباد وسيد الرسل والأنبياء القائل :” أول ما نبدأ به يومنا هذا نصلي ثم ننحر “(البخاري).

اللهم صلاة وسلاما عليك يا سيدي يا رسول الله وعلى آلك وصحبك الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً كثيراُ

أما بعد

فيا جماعة الإسلام :

:”إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ  فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ “( الكوثر/1-3]

أيها المسلم :

ها أنت قد لبست الجديد وتزينت لرب العبيد وقابلت يومك هذا بالذكر والتكبير والتعظيم فهنيئاً لك الجنة

فالرسول صلي الله عليه وسلم  يقول :” ما لبى ملبي أو كبر مكبر إلا بشر بالجنة “.(الترمذي).

أيها المسلمون :

ها أنتم قد صليتم العيد بقلب خاشع لله رب العالمين ، وقد شعرتم بلذة العبادة  والطاعة لله رب العالمين . بعد ما أديتم عبادة وهي عبادة التكبير والتهليل :

ومن الخير كل الخير أن يحسب الإنسان نفسه من الطائعين ومن العابدين لله  حقاً عملياً على نفسه فالله عز وجل يبين لنا أن الطائع المصلي هو الذي  يتقرب إلى الله بأفعال الخير فالصلاة إنما هي فريضة إذا صلاها الإنسان سقط عنه الإثم والوزر .

ولكن بشروطها

يقول تعالى :”إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً   إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً   وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً   إِلاَّ الْمُصَلِّينَ   الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ” ( المعارج /19-23).

إذا المؤمن الحق المصلي هو الذي يكون عند الشر راضياً وعند الخير مطيعاً .

وتعالى لنرى في الحج ؛ بعد آيات الحج يذكرنا ربنا سبحانه وتعالى نلتزم بالتقوى مع أننا قد أدينا فريضة وسقطت عن القادر الذي استطاع الحج ومع ذلك فتارة يقول المولى عز وجل :”اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ “(البقرة /197].

وفي أية أخرى يبين لنا بقوله :”وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ “( المائدة /2).

وفي أية أخرى :”وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ “(البقرة /158).

المولى عز وجل يذكرنا بالتقوى بالخير ويحذرنا من عقابه كي يعلم كل مسلم أنه لابد وأن يطبق تعاليم الإسلام تطبيقاً عملياً

أيها المسلم :

إن هذا اليوم يوم كريم تفضل الله فيه بإكمال دين الإسلام وابتلى فيه الخليل إبراهيم بذبح ولده إسماعيل عليه السلام وقد هم إبراهيم بذبح ابنه امتثالاً لأوامر الله تعالى تنفيذا لوحيه إليه في الرؤيا وبالفعل تله للجبين ولكن سرعان ما ناداه الله عز وجل .

:”قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ “(الصافات /105). ولذلك صارت التضحية نسكاً مشروعاً من عهده عليه السلام ولما جاء الإسلام أقرها واعتبرها أعظم القربات إلى الله قال تعالى :”فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ “(الكوثر /2).

ونجد في هذه الشعيرة نجد أن الله عز وجل يوضح لنا أنه سبحانه وتعالى لن ينال ولن يأكل منها شيئ وإنما العافية والتقوى منها .

:”لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرْ الْمُحْسِنِينَ “(الحـج /37) .

وقال صلي الله عليه وسلم :” ما عمل آدمي عمل يوم النحر أحب إلى الله من أمراق الدم وإنها لنا يوم القيامة  بقرونها وأشعارها وأن الدم يقع عند الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا لها نفساً (الترمذي).

لذلك جعل الرسول صلي الله عليه وسلم  لهذا المنسك شروطاً حتى يكون كاملاً .

روى مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها ” إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظافره ولا يأخذ من شعره ولا من أظافره شيئاَ حتى يضحي”. (مسلم).

والحكم من ذلك تشبهاً بالمحرم . وليتحقق روح الوحدة الإسلامية .

وقد ضحى الرسول   صلي الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده الكريمة سمي وكبر ووضع رجله الشريفة على صفاحهما أي على  صفحة العنق أي جاشه ليكون ذلك أثبت له ثباتاً فتمكن به من الذبيحة ، وفي الذبح تطرح الشاة على جنبها الأيسر مستقبلة القبلة وعن رسول الله  صلي الله عليه وسلم حديث يقول: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته” (مسلم).

كما بين عند الذبح أن يترك الرأس بل يقطع العروق وألا وداج أي تؤدي إلى الوفاة بسرعة يقول   صلي الله عليه وسلم ” ولا يقطع رأسها ويرمي بها ” ثم يتركها بعد الذبح فترة ولا يسلخها مباشرة .

الرسول يتابع ويحاسب بنفسه روى أن جزار منع باب على شاة ليذبحها فانفلتت منه حتى جاءت النبي  صلي الله عليه وسلم فأخذها فسحبها من رجلها فقال لها النبي  صلي الله عليه وسلم ” اصبري لأمر الله وأنت يا جزار فسقها سوقا رقيقاً ” (النسائي).

“وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً “(النساء /110]

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الله أكبر الله أكبر الله أكبر ..

أخوة الإسلام ..

ويوضح لنا الرسول   صلي الله عليه وسلم أمراً آخر حيث أمر ابنته فاطمة بقوله يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملته ..

ويقول الله عز وجل : “قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ   لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ” (الأنعام  /162-163].

أمر الله – عز وجل – أن تقول في كتابه الكريم  أضحيتها من لأجل مغفرة ذنوبها كما حثها على عمل ظهير ألا تنسى أن تقول ” إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين لأن هذا العمل الذي نعمله لابد أن يكون كله لله لأن الله لا ينظر إلى أي عمل لم يكن خالصاً لوجهه الكريم ” وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء وفي ذلك يقول  صلي الله عليه وسلم ” أخلص دينك يكفك العمل القليل (السيوطي).

أخوة الإسلام :

وتوزع الأضحية ثلاثاُ ثلث للفقراء والمساكين وثلث للهدايا والأقارب وثلث لنفسك أنت وأهل بيتك .لقوله صلي الله عليه وسلم :” كلوا وادخروا وتصدقوا “(مسلم).

اللهم إنا نسألك عملاً متقبلاً وعلماً نافعاً ورزقاً واسعا يا رب العالمين .

 




خطبة بعنوان : “صلة الرحم بسطة في العمر والرزق وسبب للفوز بالجنة “، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 10 من ذي الحجة 1438هـ، الموافق 1 سبتمبر 2017م

خطبة بعنوان : “صلة الرحم بسطة في العمر والرزق وسبب للفوز بالجنة ، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 10 من ذي الحجة 1438هـ، الموافق 1 سبتمبر 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

الحمد لله رب العالمين .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, أحاط بكل شيء خبراً ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله القائل:” من سرهُ أن يبسط له في رزقه ، ويُنسأ له في أثرة فليصل رحمه” صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:فيا جماعة الإسلام :قال تعالي :” فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ  أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالها”(محمد/22-24).

 إخوة الإيمان :”  ندد المولي عز وجل بأولئك الذين يقطعون أرحامهم وعد ذلك  من التولي والإعراض والإفساد في الأرض وبين عاقبة ذلك بأن يكون جزاؤهم اللعنة وصم الأذان وعمي الأبصار فالجزاء من جنس العمل فكما صموا أسماعهم عن الموعظة وأغمضوا أعينهم عن الحقيقة ولم يتدبروا القرآن فزادهم الله عمي وغشاوة وقفل علي قلوبهم .

عباد الله  :”وصلة الرحم تعني الإحسان إلى الأقربين وإيصال ما أمكن من الخير إليهم ودفع ما أمكن من الشر عنهم. وقطيعة الرحم تعني عدم الإحسان إلى الأقارب, وقيل بل هي الإساءة إليهم.وفيه فرق بين المعنيين فالمعنى الأول يرى أنه يلزم من نفي الصلة ثبوت القطيعة, والمعنى الثاني يرى أن هناك ثلاث درجات: واصل وهو من يحسن إلى الأقارب. قاطع وهو من يسيء إليه . لا واصل ولا قاطع وهو من لا يحسن ولا يسيء, وربما يسمى المكافئ وهو الذي لا يحسن إلى أقاربه إلا إذا أحسنوا إليه, ولكنه لا يصل إلى درجة الإساءة إليهم.

صلة الرحم في القرآن والسنة :

عباد الله :” وإذا تدبرنا القرآن الكريم  لوجدنا العديد من الآيات التي تحث علي صلة الرحم وتبين ثوابها وفضلها كما تبين عقوبة القطيعة والهجر .

فتارة نجد  أن الله يأمر بالإحسان إلى ذوي القربى وهم الأرحام الذين يجب وصلهم فقال تعالى : ” وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ”(البقرة/83) .وقال تعالى :” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” (النحل/90).
وتارة يقرن عبادته سبحانه وتعالي بالإحسان إليهم قال تعالى : ” وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً “(النسا/36) .وقال تعالى : ” وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً  وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً   وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراًإِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ” (الإسراء/2).  

وتارة يبين فضائل صلة الرحم قال تعالى : ” فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه وأولئك هم المفلحون”(الروم /28). 

كما أنه سبحانه عظم قدر الأرحام فقال تعالى : ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ” (النساء/1).

وتارة يبين عقوبة قاطع الرحم ويتوعده بأشد الوعيد في الدنيا وفي الآخرة قال سبحانه وتعالى : ” فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ   أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ” (محمد/23).وقال سبحانه وتعالى :” وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ” (الرعد/25).

صلة الرحم في السنة المطهرة :

أيها الأحباب :”وقد أولت السنة صلة الرحم عناية فائقة وقد وردت أحاديث كثيرة فيها الأمر بصلة الرحم وبيان ثواب الواصل والنهي عن قطيعة الرحم وبيان عقاب القاطع منها :عن أنس-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله : “إن الرحم شُجْنةُ متمِسكة بالعرش تكلم بلسان ذُلَق ، اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني ، فيقول ـ تبارك وتعالى ـ : أنا الرحمن الرحيم ، و إني شققت للرحم من اسمي ، فمن وصلها وصلته،ومن نكثها نكثه”( البزار وإسناده حسن والترغيب والترهيب ).وعن أبي ذر- رضي الله عنه- أنه قال : ” أوصاني خليلي أن لا تأخذني في الله لومةُ لائم ، وأوصاني بصلة الرحم وإن أدبرت “( الطبراني في الصغير والكبير).وعن عائشة_ رضي الله عنها_ قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الرحم معلقة بالعرش تقول : من وصلني وصله الله،ومن قطعني قطعه الله “(البخاري ومسلم) .

صلة الرحم سبب من أسباب بسط الأرزاق وطول الأعمار :”عن أنس بن مالك_ رضي الله عنه_ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من سرهُ أن يبسط له في رزقه ، ويُنسأ له في أثرة فليصل رحمه”( البخاري ومسلم ). وقيل : إن معنى زيادة العمر وبسط الرزق أن يبارك الله في عمر الإنسان ورزقه فيعمل في وقته ما لا يعمله غيره فيه.وقيل : إن معنى زيادة العمر وبسط الرزق على حقيقتها فيزيد الله في عمره ويزيد في رزقه ولا يشكل على هذا أن الأجل محدود والرزق مكتوب فكيف يزاد ؟ وذلك لأن الأجل والرزق على نوعين : أجل مطلق يعلمه الله وأجل مقيد, ورزق مطلق يعلمه ورزق مقيد, فالمطلق هو ما علمه الله أنه يؤجله إليه أو ما علمه الله أنه يرزقه فهذا لا يتغير, والثاني يكون كتبه الله واعلم به الملائكة فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب .

سبب من أسباب دخول الجنة :”وقد عد  الرسول صلي الله عليه وسلم صلة الرحم  سبب من أسباب دخول الجنة  عن عبدا لله بن سلام _ رضي الله عنه_قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، انجفل الناس قِبَلهُ . وقيل : قد قدم رسول لله صلى الله عليه وسلم ، قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً فجئت في الناس لأنظُرَ فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ،فكان أول شيء سمعتهُ تكلم به أن قال : ” يا أيها الناس أفشوا السلام ،وأطعموا الطعام،وصلوا الأرحام،وصلوا بالليل والناس نيام،تدخلوا الجنة بسلام”(الترمذي.وابن ماجه وأحمد). وعن أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه – أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : “أخبرني بعمل يدخلني الجنة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” تعبد الله،ولا تشرك به شيئاً،وتقيم الصلاة،وتؤتي الزكاة،وتصل الرحم|( البخاري) . وعن جبير بن مطعم ـ رضي الله عنه ـ قال . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” لا يدخل الجنة قاطع” أي قاطع رحم .

وصلة الرحم عنوان الإيمان بالله عز وجل :”عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه،ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت”(البخاري ومسلم ).

قاطع الرحم لا يرفع له عمل ولا يقبل من صرف ولاعدل :”عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم “( أحمد ).

 قاطع الرحم ضمن الذين تحرم عليهم الجنة :” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن خمر وقاطع الرحم”( أحمد)

صلة الرحم سبب لصلة الله للواصل :”في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة : “إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك واقطع من قطعك قالت بلى يا رب قال فهو لك”( البخاري ومسلم).

صلة الرحم امتثال لأمر الله قال تعالى :” والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب” ( الرعد/ 21) .

صلة الرحم من أحب الأعمال إلى الله: “فقد سأل رجل من خثعم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: الإيمان بالله، قال: ثم مه ؟ قال: ثم صلة الرحم، قال: ثم مه ؟ قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: قلت يا رسول الله أي الأعمال أبغض إلى الله ؟ قال : الإشراك بالله ، قال: قلت يا رسول الله ثم مه؟ قال: ثم قطيعة الرحم، قال: قلت يا رسول الله ثم مه ؟ قال : الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف”0 أبو يعلى بإسناد جيد و المنذري في الترغيب والترهيب .

صلة الرحم تنفيذ لوصية النبي صلى الله عليه وسلم :”في حديث أبي ذر أنه قال ” أوصاني خليلي أن لا تأخذني في الله لومة لائم وأوصاني بصلة الرحم وإن أدبرت”( مجمع الزوائد و الطبراني في الصغير والكبير ورجاله رجال الصحيح غير سلام بن المنذر وهو ثقة).

صلة الرحم تعجل الثواب وقطيعتها تعجل العقاب:” عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” ليس شيء أُطِيع الله فيه أعجل ثواباً من صلة الرحم وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم”(البيهقي ).

صلة الرحم تدفع ميتة السوء:” عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه)) أحمد والمنذري في الترغيب والترهيب ).  

صلة الرحم أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة:” عن عقبة بن عامر أنه قال لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدرته فأخذت بيده وبدرني فأخذ بيدي فقال : ” يا عقبة ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك, ألا ومن أراد أن يمد له في عمره ويبسط في رزقه فليصل ذا رحمه “(الحاكم في المستدرك  وذكره المنذري في الترغيب والترهيب).

  صلة الرحم تثمر الأموال وتعمر الديار عند أحمد ورجاله ثقات عن عائشة رضي الله عنها :” صلة الرحم وحسن الجوار أو حسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار”( أحمد والترغيب والترهيب).

الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم : رواه البخاري في الأدب المفرد قال الطيبي يحتمل أن يراد بالقوم الذين يساعدونه على قطيعة الرحم ولا ينكرونه عليه, ويحتمل أن يراد بالرحمة المطر وأنه يحبس عن الناس بشؤم التقاطع.(فتح الباري 10/415).

كيف يعرف قاطع رحمه ؟

أيها الناس :” وهناك أمور تعرف بها قاطع الرحم زيادة علي سواد وجهه وغلظة قلبه  فتجده عديم الصدقة على المحتاج من الأرحام, فبعض الأسر فيها أغنياء ومع ذلك تجد أن فيها فقراء محتاجين ربما تصلهم المساعدات من الأباعد.عدم الإهداء إما بخلاً وإما اعتقاداً بأن الموصول ليس بحاجة وأنه ربما يفهمها خطأ بأن هذا ما أعطاه إلا لأنه رأى عليه آثار الحاجة, ومعلوم أن الهدية تجلب المودة وفي الحديث : “تهادوا تحابوا ” وعدم التزاور بين الأرحام فربما مضت الأيام والشهور والسنون ولم ير الأرحام بعضهم بعضاً وعدم مشاركة الأرحام أفراحهم وأحزانهم.وعدم الحضور إلى اجتماع الأرحام إن كان لهم اجتماع.وعدم وصل الأقارب إلا إذا وصلوه, وهذا في الحقيقة ليس واصلاً وإنما هو مكافئ في الحديث :” ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها”(البخاري).وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: ” يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي, فقال : لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم مادمت على ذلك”0مسلم). وعدم دعوتهم إلى الهدي وعدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.و تحزيب الأقارب وتفريق شملهم وجعلهم جماعات متنافرة.3و الإساءة إلى الأرحام بالقول أو الفعل.وغيرها من الأمور.

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي المبعوث رحمة للعالمين .أما بعد فياجماعة الإسلام:لازلنا نواصل الحديث حول هذا الموضوع الهام ونريد ان نجيب علي بعض الأسئلة إتماما للفائدة وحتي نخرج بالعظة الحسنة .. ونقول اولاً :”

ماهي الأسباب التي تؤدي لقطيعة الرحم ؟

أيها الناس :” و الأسباب التي تؤدي إلي قطيعة الرحم كثيرة منها الجهل بفضل صلة الرحم وعاقبة قطيعتها.و ضعف الدين وبالتالي يزهد بالثواب على صلة الرحم, ولا يأبه للعقاب على قطيعتها.والكِبر: بأن يكون غنياً أو آتاه الله منصباً رفيعاً أو جاهاً عريضاً فيستنكف أن يبادر هو بصلة رحمه.والتقليد للوالدين: إذ ربما لم ير من أبيه أنه يصل أقاربه فيصعب على الابن وصل قرابة أبيه, وكذلك بالنسبة للأم.و الانقطاع الطويل, فعندما ينقطع عن أرحامه وقتاً طويلاً يستصعب أن يصلهم ويسوف حتى تتولد الوحشة بينهم ويألف القطيعة.

والعتاب الشديد فبعض الأرحام عندما تزوره يبدأ بمعاتبتك لماذا لم تزرني لماذا ولماذا حتى يضيق الزائر بذلك ويحسب للزيارة الأخرى ألف حساب.و الشح والبخل: فقد يكون غنياً ولأنه يخاف أن يطلب أرحامه منه شيئاً يتهرب عنهم. والتكلف عند الزيارة: وهذا يضيق به المتكلف والمتكلف له.و قلة الاهتمام بالزائر: وهذا عكس السابق والخير في الوسط.ورغبته عدم إطلاع أرحامه على حاله: فبعض الأغنياء يخرج زكاته إلى الأباعد ويترك الأرحام ويقول إذا أعطيت الأرحام عرفوا مقدار ما عندي.

و تأخير قسمة الميراث أو أكله : مما يسبب العداوة بينهم وربما اتهم كل واحد الآخر وأنه يريد أن يأكل من الميراث وهكذا.والانشغال بالدنيا مما يجعل الإنسان لا يجد وقتاً للوصل.
و الخجل المذموم: فتراه لا يذهب إلى رحمه خجلاً منه, ويترك التزاور والصلة بزعمه إلى أن تحين مناسبة.والاستغراب والتعجب الذي يجده الزائر من المزور, فبعض الأرحام عندما تزوره دون أن يكون هناك مناسبة للزيارة كعيد أو وليمة تجده وأنت تسلم عليه مستغرباً متعجباً من زيارتك ينتظر منك إبداء السبب لزيارته, وربما فسر زيارتك له بأن وراءها ما وراءها, وهذا يولد شعوراً عكسياً عند الزائر.و بعد المسافة بين الأرحام مما يولد التكاسل عند الزيارة.و قلة تحمل الأقارب وعدم الصبر عليهم, فأدنى كلمة وأقل هفوة تسبب التقاطع.
و نسيان الأقارب في دعوتهم عند المناسبات مما يجعل هذا المنسي يفسر هذا النسيان بأنه احتقار لشخصه فيقوده هذا إلى قطع رحمه.

و الحسد: قد يكون في العائلة غنياً أو وجيهاً له مكانته في العائلة فيحسده بعض أفراد العائلة على ما آتاه الله من فضله.وعدم الاحترام المتبادل بين أفراد العائلة وربما أدى ذلك إلى التقاطع, فالذي يسخر منه ويستهزأ به عند اجتماع العائلة لن يأتي إلى هذا الاجتماع مرة أخرى.و سوء الظن: بعض الأقارب قد يطلب من قريبه حاجة فلا يستطيع تلبيتها له, ويعتذر منه فيسيء هذا الطالب الظن بقريبه ويتهمه أنه يستطيع ومع ذلك لم يفعل وله مقاصد في رفضه وهذا يولد نفرة وتباغض. وربما ظن بعض الأقارب بقريبهم أنه غني وعنده مال ومع ذلك لا يعطيهم وقد يكون هذا الشخص محملاً بالديون وإن أظهر للناس الغنى, ومن سوء الظن التفسيرات الخاطئة للمواقف . السعي بالنميمة: فالنمام يفسد بين الناس يأتي لهذا القريب وينقل له كلاماً من قريب آخر يسبب هذا النقل تغير الود بينهما.* قد يكون السبب من بعض الزوجات : إذ إن هناك من الزوجات من تنفر زوجها من أقاربه , ولا تريدهم فتقول وتعمل ما يجعل هذا الزوج ينفر من أرحامه.فمثلاً بعض الزوجات تحاول إبعاد زوجها عن أرحامه بكلامها فإذا تكلمت معه قالت فلان لا يحبك فلان لا يحترمك فلان يحتقرك إنما جاءك لحاجة فإن لم تكن حاجة نسيك.

وربما استغلت بعض المواقف لتدلل على قولها , مما يثير حفيظة هذا الزوج على أرحامه.وبعضهن تتضايق من زوجها عندما يصل أرحامه وتغضب وتفتعل الخلاف معه مما ينغص عليه عيشه فيضطر إلى ترك وصل أرحامه.

وبعضهن تقف في طريقه عندما يريد استضافة أرحامه وبعضهن تظهر العبوس والتضايق عندما يأتي أرحام زوجها مما يجعلهم يتراجعون عن زيارته مرة أخرى.
وبعضهن تغار على زوجها من أخواته وربما من أمه ومحارمه فتبدأ بلومه وتقريعه على ممازحته لأخته ومضاحكته لابنة أخيه وهكذا حتى يتضايق من ذلك ويترك هذا خوفاً من لومة الزوجة العزيزة .ولا شك أن على الزوج أن لا ينقاد لأمر زوجته فيما يغضب الله ويسبب قطيعة الرحم وعدم وصلها.

 قد يكون من الأسباب المعاملات المالية إذ يكون هذا اشترى من هذا شيئاً فتبين له أنه غشه أو انتقص هذا من الثمن, أو أقرضه وماطل في السداد ونحو ذلك من المعاملات المالية.وقد يكون من الأسباب شيوع بعض الأمثلة الشعبية الخاطئة مثل :”ا لأخ فخ والعم غم والخال وبال والأقارب عقارب“الخ هذه الأمثال التي من شأنها هدم ثوابت الدين ..وللأسف الشديد يتعامل بها الكثير ممن ضعف إيمانهم ..

كيف أكون واصلاً لاجافياً ؟

إذا أردت أن تصل رحمك فعليك بالأمور الآتية  : معرفة ما أعده الله للواصلين من ثواب وما توعد به القاطعين من عقاب. قابل الإساءة منهم بالعفو والإحسان ففي الحديث :” لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك”(0مسلم)
قبول اعتذارهم عن الخطأ الذي وقعوا فيه إذا اعتذروا. التواضع ولين الجانب. التغاضي والتغافل: فلا يتوقف عند كل زلة أو عند كل موقف ويبحث لهم عن المعاذير, ويحسن الظن فيهم.بذل ما استطاع من الخدمة بالنفس أو الجاه أو المال.ترك المنة عليهم والبعد عن مطالبتهم بالمثل. الرضا بالقليل من الأقارب, ولا يعود نفسه على استيفاء حقه كاملاً  فهم نفسياتهم وإنزالهم منازلهم. ترك التكلف بين الأقارب.  عدم الإكثار من المعاتبة. تحمل عتاب الأقارب إذا عاتبوا واحملها على أنها من شدة حبهم لك. عدم نسيان الأقارب في المناسبات والولائم.تعجيل قسمة الميراث.  الاجتماعات الدورية.  اصطحاب أولادك معك لزيارة الأقارب لتعويدهم على الصلة ولتعريفهم بأقاربهم. حفظ الأنساب والتعرف على الأقارب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم “( الترمذي وحسنه ).

بما تزداد أواصر المحبة والصلة ؟


تختلف الصلة بحسب حاجة الموصول وحسب قدرة الواصل, فإذا كان الموصول
محتاجاً لشيء ما وأنت تقدر عليه فإنك تصله بهذا الشيء, كما تختلف الصلة
بحسب قرب الرحم منك وبعده عنك فما تصل به الخال قد يختلف عما تصل به
أبناء عمك. وعموماً الصلة يمكن أن تكون بما يلي: الزيارة : بأن تذهب إليهم في أماكنهم.والاستضافة : بأن تستضيفهم عندك في مكانك.و تفقدهم والسؤال عنهم والسلام عليهم: تسأل عن أحوالهم سواء سألتهم عن طريق الهاتف أو بلغت سلامك وسؤالك من ينقله إليهم , أو أرسلت ذلك عن طريق رسالة.وإعطاؤهم من مالك سواء كان هذا الإعطاء صدقة إذا كان الموصول محتاجاً أو هدية إن لم يكن محتاجاً, وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “إن الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة “(النسائي والترمذي ).
 توقير كبيرهم ورحمة ضعيفهم.وإنزالهم منازلهم التي يستحقونها وإعلاء شأنهم.ومشاركتهم في أفراحهم بتهنئتهم ومواساتهم في أحزانهم بتعزيتهم, فمثلاً هذا تزوج أو رزق بمولود أو توظف أو غير ذلك تشاركه الفرحة بهدية أو مقابلة تظهر فيها الفرح والسرور بفرحة أو مكالمة تضمنها تبريكاتك وإظهار فرحك بما رزقوا, فإن مات لهم أحد أو أصيبوا بمصيبة تواسيهم وتحاول أن تخفف عنهم وتذكرهم بالصبر والأجر للصابرين, وتظهر لهم حزنك لما أصابهم.وعيادة مرضاهم.و إتباع جنائزهم و إجابة دعوتهم, إذا وجهوا لك الدعوة فلا تتخلف إلا لعذر.وسلامة الصدر نحوهم فلا تحمل الحقد الدفين عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا.وإصلاح ذات البين بينهم, فإذا علمت بفساد علاقة بعضهم ببعض بادرت بالإصلاح وتقريب وجهات النظر ومحاولة إعادة العلاقة بينهم .و الدعاء لهم,وهذا يملكه كل أحد ويحتاجه كل أحد.ودعوتهم إلى الهدى وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالأسلوب المناسب
أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما قلنا و سمعنا وأن يجعله حجة لنا لا علينا اللهم أغفر لنا و لوالدينا ولإخواننا المسلمين، ربنا هب لنا من أزواجنا… ربنا لا تزغ قلوبنا … ربنا أتنا في الدنيا حسنة.

 




خطبة الجمعة القادمة: “صلة الرحم وأثرها في حياة الفرد والمجتمع”بتاريخ 10 من ذي الحجة 1438هـ الموافق 1 من سبتمبر 2017م

خطبة الجمعة القادمة: “صلة الرحم وأثرها في حياة الفرد والمجتمع”بتاريخ 10 من ذي الحجة 1438هـ الموافق 1 من سبتمبر 2017م .

 

لتحميل الخطبة أضغط هنا.

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

 



خطبة الجمعة القادمةبتاريخ 25 / 8 / 2017 تحت عنوان.دروس من الحج وخطبة للشيخ ماهر خضير

 للتحميل بصيغة word

للتحميل بصيغة pdf

عناصر الخطبة

العنصر الأول / من حِكَمِ الحج وفضائله

العنصر الثاني /  الحج والسفر الأخير إلى الله

العنصر الثالث /  يوم عرفة ووقفات مع خطبة حجة الوداع

إن الحمد لله، أحمده سبحانه وتعالى الذي جعل الموت مخلصا للأتقياء وموعدا لهم للراحة من دار الابتلاء , وجعله سوء منقلب للأشقياء, فإذا ذكر عندهم الموت فإذا قلوبهم نافرة,  سبحانه , له الشكر على الإنعام بالنعم الظاهرة والباطنة , وله الثناء الحسن على ما أعطى ومنع, وأشهد ألا إله إلا الله وحدة لا شريك له, له الحمد في الأولى والآخرة, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله, أرسله لإنفاذ أمره, وإنهاء عذره, وتقديم نذره, فأيده بالحجج الباهرة, صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد أيها المسلمون عباد الله /

فإن رحلة الحج لها حكم وفضائل كثيرة ومتعددة من وفق لها ولفهمها فقد فاز فوزا عظيماً فمنها

…. أنها تعلمنا أن الأنبياء كلهم دين واحد والى هذا المكان حجوا

        ففى صحيح مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَمَرَرْنَا بِوَادٍ فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا فَقَالُوا : وَادِي الأَزْرَقِ فَقَالَ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى رسول الله صلى الله عليه وسلم … وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي . قَالَ ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ فَقَالَ أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ قَالُوا هَرْشَى أَوْ لِفْتٌ فَقَالَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا .

…..ومن الحج نتعلم أننا أمة الأخلاق والقيم

       يقول الله سبحانه: ((الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)) ويقول النبي – صلى الله عليه وسلم-: من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه، هذا يدلنا على أن الحاج لا ينبغي له أن يرفث ولا يفسق ولا يجادل بل ينبغي له أن يشتغل بذكر الله وطاعة الله سبحانه وتعالى، والكلام الطيب النافع ويبتعد عما لا ينبغي من الرفث ومن الفسوق والجدال، لأنه في عبادة عظيمة فينبغي له احترامها وصيانتها عما لا ينبغي . فالحج مدرسة وتربية على التخلق بالأخلاق الحسنة من الحلم وتحمل الأذى من الخلق

…… ومن الحج نتعلم التوكل على الله تعالى وحسن الثقة بما وعد الله

    فقد ترك سيدنا ابراهيم عليه السلام هاجر ورضيعها فى صحراء مقفرة وليس معهم شيئ فهذه هاجر أم إسماعيل عليهما السلام لما قالت لإبراهيم : ” آلله أمرك بهذا ” قال : ” نعم ” قالت : اذاً فلن يضيعنا ” فرفع الله ذِكْرَها وبدأ الناس يسعون مثلها بما فيهم الأنبياء عليهم السلام .

والى يومنا هذا نجنى ثمرة يقين هاجر بالله ونشرب من ماء زمزم ونسعى كما سعت فمنه نتعلم تربية النفس على عدم اليأس من روح الله مهما اشتدت الخطوب وعظمت الكروب فإن الله بيده الفرج فهذه أم إسماعيل كاد وليدها أن يهلك ، وبدأت تركض من جبل إلى آخر تتطلع للفرج فأتاها من حيث لا تحتسب إذ نزل الملك فضرب الأرض فخرج ماء زمزم وما فيه من شفاء لأمراض القلوب والأبدان .

ومن رحلة الحج نتذكر سفرنا الأخير إلى الله تعالى

نرتدي ملابس غير مخيطة بيضاء أشبه ما تكون بالكفن الذي يلبسه الأموات وكلنا يوما ما سنلبسه يتوجه الحجيج الى الله تعالى تاركين كل متعلقات الدنيا الرؤوس عارية وليس لهم غاية الا هو وايضا يتوجه الميت ويذهب الى مكان ليس له الا ربه سبحانه , فعلى من أراد العبرة والعظة أن يأخذ الدروس ويتذكر هذا اليوم الذي لا مفر منه ولا مهرب

فمن خاف الوعيد قصر عليه البعيد , ومن طال أمله ضعف عمله , وكل ما هو آت قريب             .
إن الله لم يخلقكم عبثا , ولم يترككم سدا, فتزودوا من دنياكم ما تحرزون به أنفسكم غدا, فالأجل مستور والأمل خادع.
نشيع الجنائز ونمشي معها ونحن في غفلة عنها , نتكلم كلام الدنيا ونرى مواكب الأموات تمر بنا , فلا نفكر ولا نعتبر ولا نقدر أننا سنموت كما ماتوا ومات من كان أصح منا وكان أشد منا قوة وأكبر سلطانا وأكثر أعوانا فما دفعت عنه الموت صحته ولا حماه منه سلطانه ولا أعوانه نعرف بعقولنا إن الموت كأس سيشرب منها كل حي ولكننا ننسى هذه الحقيقة بشعورنا وعواطفنا وتحجبها عنا شواغل يومنا وتوافه دنيانا يقول كل واحد منا بلسانه إن الموت حق وإنه مقدر على كل حي ,ويقول بفعله لن أموت لقد كتب الموت على كل نفس إلا نفسي فلا يزال في العمر فسحه ولن يأتيني أجلي أبدا

أيها المؤمنون /  اذكروا الموت والسكرات, وحشرجة الروح والزفرات, فمن أكثر ذكر الموت عجل التوبة ونشط على العبادة وقنع بالقليل
أيها العصاة توبوا قبل أن تموتوا يروى عن حبيبكم ورسولكم الناصح لكم صلى الله عليه وسلم (( بادروا بالأعمال قبل أن تشغلوا فهل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر((

عباد الله / استعدوا وتجهزوا ليوم لا ينفع فيه مال ولا ولد ولا منصب ولا جاه فلقد وقف نبيكم صلى الله عليه وسلم على شفير قبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال (( يا إخواني لمثل هذا فأعدوا ))
ولما سئل عليه الصلاة والسلام من أكيس الناس قال (( أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم استعدادا له , أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة))

ورحم الله ابن مسعود رضى الله عنه كان يقول إذا قعد: إنكم في ممر الليل والنهار: في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة؛ فمن يزرع خيراً: يوشك أن يحصد رغبة، ومن يزرع شراً: يوشك أن يحصد ندامة؛ ولكل زارع مثل ما زرع.

لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له؛ فمن أعطى خيراً: فالله تعالى أعطاه، ومن وقي شراً: فالله تعالى وقاه؛ المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة.حلية الأولياء

بل ان الجسد ليقشعر وهو يقرأ كلام عن سيدٍ من كبار الصحابة ألا وهو أبو الدرداء عن أم الدرداء، أن أبا الدرداء لما احتضر، جعل يقول: من يعمل لمثل يومي هذا؟ من يعمل لمثل ساعتي هذه؟ من يعمل لمثل مضجعي هذا؟ ثم يقول: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}

عبدالله اعلم ليس لك بعد الموت من دار الا الجنة او النار فاستعد وتجهز وشمر

عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب قال: دعا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فتيانه حين حضرته الوفاة؛ فقال: اذهبوا، واحفروا، وأوسعوا، وأعمقوا؛ فجاؤا، فقالوا: قد حفرنا، وأوسعنا، وأعمقنا.

فقال: والله، إنها لإحدى المنزلتين: إما ليوسعن علي قبري، حتى تكون كل زاوية منه أربعين ذراعاً، ثم ليفتحن لي باب إلى الجنة، فلأنظرن إلى أزواجي ومنازلي، وما أعد الله تعالى لي من الكرامة، ثم لأكونن أهدى إلى منزلي مني اليوم إلى بيتي، ثم ليصيبني من ريحها وروحها حتى أبعث؛ ولئن كانت الأخرى ـ ونعوذ بالله منها ـ: ليضيقن علي قبري، حتى يكون في أضيق من القناة في الزج، ثم ليفتحن لي باب من أبواب جهنم، فلأنظرن إلى سلاسلي وأغلالي وقرنائي، ثم لأكونن إلى مقعدي من جهنم أهدى مني اليوم إلى بيتي، ثم ليصيبني من سمومها وحميمها حتى أبعث.حلية الأولياء

ورحم الله من قال

عجبت للإنسان في فخره …… وهــــو غداً في قبره يُقبر

ما بال مـــن أوّلـه نـطفـة ……. وجيفــــة آخـــره يفــجــر

أصبح لا يملك تقديم ……. مـــا يرجو ولا تأخير مـا يحدر

وأصبح الأمر إلى غيره ……  فيكلّ ما يقضى و ما يقدر

أيها المسلمون عباد الله /

الدروس والعبر من رحلة الحج كثيرة عظيمة الشأن والقدر وها نحن أيام قليلة ويأتينا  يوم عرفة وهو يوم له فضائل ليست لغيره من الأيام

1 /  يوم عرفة يوم إكمال الدين وإتمام النعمة
ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال أي آيه؟ قال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) “المائدة: 3”  قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة يوم الجمعة

2/ يوم عرفة صيامه يكفر سنتين:
فقد ورد عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (يكفر السنة الماضية والسنة القابلة) “رواه مسلم
وهذا إنما يستحب لغير الحاج، أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك صومه، وروي عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة

3/ يوم عرفة يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف:
ففي صحيح مسلم عن عائشة _رضي الله عنها_ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

 (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟)
وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبراً) رواه أحمد وصححه الألباني

فاللهم تب علينا وتقبل منا واغفر لنا ياكريم وأقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم فاستغفروه انه غفور رحيم

نهاية الخطبة الاولى ………………………  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم الى يوم الدين وبعد

عباد الله تعد خطبة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع وهى الحجة الوحيدة والأخيرة التى حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت فى العام العاشر للهجرة  تُعَد  دستورًا للأمة الإسلامية ومنهجًا للبشرية جمعاء؛ فلقد أتم الله رسالته إلى البشرية على يد أشرف وأكرم رسول بعث إلى الإنسانية، ووضع الدعائم لقيام الدولة الإسلامية ولاستخلاف الأمة الإسلامية والتمكين لدين الله الحنيف في الأرض إلى يوم البعث والنشور
ومن هذه الأسس والبنود حرمة الدم والمال 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فإن دماءكم وأموالكم- وفي رواية أعراضكم- عليكم حرام كحرمة
يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: “اللهم اشهد، فليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ؛ فرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا؛ يضرب بعضكم رقاب بعض
الأساس الثاني  قوله صلى الله عليه وسلم  ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة،  أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث- كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا العباس بن عبدالمطلب؛ فإنه موضوع كله
أي إن كل أمر من أمر الجاهلية موضوع؛ فما التفاخر بالإنسانية والأعراق إلا جاهلية موضوعة، والاستبعاد الذي ينشأ من المقاضاة الربوية أيضًا موضوع؛ فهذه الأرجاس التي هي من تقاليد بل من عادات ومعالم المجتمع الجاهلي القديم اجتثَّها صلى الله عليه وسلم من أصولها، وأبعدها من منطلق الإنسانية وتقدمها الفكري والحضاري، وأعلنها صريحةً بأنها حثالة مدفونة تحت قدميه، ولقد بدأ بنفسه فوضع دم ابن ربيعة بن الحارث ووضع ربا العباس بن عبد المطلب

 اتقوا الله في النساء

أوصى صلى الله عليه وسلم بالنساء خيرًا؛ فقال صلى الله عليه وسلم: “اتقوا الله في النساء؛  فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه؛ فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون” قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأدَّيت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكثها إلى الناس: “اللهم اشهد.. اللهم اشهد” ثلاث مرات.
– الوقوف بجانب الضعيف حتى لا يكون هذا
الضعف ثغرةً في البناء الاجتماعي، فأوصى صلى الله عليه وسلم في خطبته بالمرأة والرقيق على أنهما نموذجان عن الضعفاء؛ فقد شدد صلى الله عليه وسلم في وصيته على الإحسان إلى الضعفاء، وأكد في كلمة مختصرةٍ جامعةٍ القضاء على الظلم البائد للمرأة في الجاهلية، وتثبيت ضمانات حقوقها وكرامتها الإنسانية التي تضمنتها أحكام الشريعة الإسلامية

وختاما يامن لم يشأ الله لك ان تكون مع الحجاج هذا العام

جدد نيتك وكن مستعد لتكون من حجاج بيت الله العام القادم فالاعمال بالنيات

لا تحرم نفسك من أجر صلاة الصبح في جماعة ثم الجلوس في المصلى لذكر الله إلى طلوع الشمس ثم صلاة ركعتين فهى تعدل حجة وعمرة تامة تامة كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم

لا تحرم نفسك من أجر صلاة العشاء والصبح في جماعة  قال عقبة بن عبد الغافر : ( صلاة العشاء في جماعة تعدل حجة ، وصلاة الغداة في جماعة تعدل عمرة)

لا تحرم نفسك من المشي في حاجة المسلمين قال ابن رجب في اللطائف ص351 : ( قال الحسن : مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة

الدعاء ……………………. وأقم الصلاة

أعدها الفقير إلى عفو ربه

ماهر السيد خضير

إمام وخطيب بوزارة الأوقاف الإسكندرية