تحديث خطبة الجمعة القادمة لتشمل المسجد الأقصي: “المسئولية دينية ووطنية ومجتمعية وإنسانية”بتاريخ 5 من ذي القعدة 1438هـ الموافق 28 من يوليو 2017م

خطبة الجمعة القادمة: “المسئولية دينية ووطنية ومجتمعية وإنسانية”بتاريخ 5 من ذي القعدة 1438هـ الموافق 28 من يوليو 2017م.

لتحميل الخطبة أضغط هنا.

 
ولقراءة الخطبة كما يلي:
 



خطبة الجمعة تحت عنوان رسالة الإسلام والمسؤولية نحو المجتمع والإنسانية للشيخ ماهر خضير

 

لتحميل الخطبة بصيغة pdfاضغط هنا

 

لتحميل الخطبة بصيغة wor اضغط هنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عناصر الخطبة

العنصر الأول / الإسلام رسالة ومنهج حياة

العنصر الثاني / مسؤولية المسلم نحو المجتمع والإنسانية

العنصر الثالث / وسائل حفظ المجتمع من الفساد

الحمد لله رب العالمين الأول القديم الواحد الجليل الذي ليس له شبيه ولا نظير , أحمده حمدا يوافي نعمه ويبلغ مدى نعمائه وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له شهادة عالم بربوبيته عارف بوحدانيته وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اصطفاه لوحيه وختم به أنبياءه وجعله حجة على جميع خلقه {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} وبعد فأوصى نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل والحرص على رضائه والاستعداد للقائه ..

أما بعد

أيها المسلمون عباد الله / الإسلام هو الدين الذي ختم الله به الرسالات وهو دين خالد باق إلى قيام الساعة ، له كتاب حفظه الله من التبديل والتغيير والزيادة والنقص، وله سنة نبوية تفسر هذا الكتاب وتوضح معانيه وتبسط أحكامه يقول صاحب التفسير القيم (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ) …..تأمل كيف وصف الدين الذي اختاره لهم بالكمال، والنعمة التي أسبغها عليهم بالتمام إيذانا في الدين بأنه لا نقص فيه ولا عيب ولا خلل، ولا شيء خارجا عن الحكمة بوجه، بل هو الكامل في حسنه وجلالته وتأمل حسن اقتران التمام بالنعمة وحسن اقتران الكمال بالدين، وإضافة الدين إليهم، إذ هم القائمون به المقيمون له. وأضاف النعمة إليه إذ هو وليها ومسديها والمنعم بها عليهم، فهي نعمة حقا، وهم قابلوها.

وأتى في الكمال باللام المؤذنة بالاختصاص، وأنه شيء خصوا به دون الأمم. وفي إتمام النعمة بعلى المؤذنة بالاستعلاء والاشتمال والإحاطة فجاء «أتممت» في مقابلة أَكْمَلْتُ و «عليكم» في مقابلة لَكُمْ و «نعمتي» في مقابلة دِينِكُمْ وأكد ذلك وزاده تقريرا وكمالا وإتماما للنعمة بقوله وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.

عباد الله الإسلام هو دين الكمال والشمول … نعم …. فيه ما يحتاج إليه البشر في دينهم ودنياهم وفي عباداتهم ومعاملاتهم وفي شتى المجالات ومختلف نواحي الحياة … نعم …. فهو منهج للحياة البشرية بكل مقوماتها وقد اشتمل على المبادئ الراقية والأخلاق والنظم العادلة والأسس الكاملة لصلاح المجتمعات بل والإنسانية كلها فهو الدين القيم والمنهج القويم قال تعالى (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) التوبة  وقال تعالى فى سورة يوسف(أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)وفى سورة الروم (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

وفى الخبر ما ذكره الذهبي في السير: أن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان يصعد إليه الحسن أو الحسين -ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي والحسين صغير، فكان يرى النبي عليه الصلاة والسلام على منبره، أي: أن الحسين يرى جده صلى الله عليه وسلم على منبره، ثم تولى أبو بكر، ولم يمكث أبو بكر إلا سنتين وبضعة أشهر، فجاء عمر – فكان الحسين أحياناً يصعد إلى المنبر وعليه عمر ويمزح بطفولته وبراءته ويقول: انزل عن منبر جدي، فيضع عمر رأسه على شعر الحسين ويقول: ما أنبت الشعر على رؤوسنا إلا أنتم -أي: أن الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم الذين منهم الحسين هو سبب عز العرب، وعز أهل الإسلام كلهم

قال الشاعر:

الدين رأس المال فاستمسك به … فضياعه من أعظم الخسران

ثانياً / مسؤولية المسلم نحو المجتمع والإنسانية

عباد الله ان من أهم ما يميز النّظام الاجتماعيّ في الإسلام هو تحميل الفرد مسئوليّة إصلاح المجتمع، بمعنى أنّ كلّ فرد فيه مطالب بالعمل على إصلاح المجتمع وإزالة الفساد منه على قدر طاقته ووسعه، والتّعاون مع غيره لتحقيق هذا المطلوب. قال تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ (المائدة/ 2) .

وعلة ذلك؟ ولماذا يطالب الفرد بهذا الواجب مع مطالبته بإصلاح نفسه؟ هو ما يأتي:

أوّلا: الفرد يتأثّر بالمجتمع: الإنسان كائن اجتماعيّ يتأثّر بالمجتمع الّذي يعيش فيه، فتمرض روحه أو تهزل، أو تصحّ وتقوى تبعا لصلاح المجتمع أو فساده. وقد أشار النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم إلى هذه الحقيقة، فقد جاء في الحديث الشّريف «ما من مولود إلّا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه … الخ» فالأبوان بالنّسبة للصّغير مجتمعه الصّغير الّذي يؤثّر فيه، فيدفعه إلى الفساد أو الصّلاح، فإذا كان الأبوان ضالّين دفعاه إلى الضّلال، وأخرجاه عن مقتضى الفطرة السّليمة الّتي خلقه الله عليها، وإذا كانا صالحين أبقياه على الفطرة الّتي خلقه الله عليها. ونمّيا فيه جانب الخير. وهكذا شأن المجتمع الكبير في تأثيره في الفرد صلاحا وفسادا.

ثانيا: ضرورة قيام المجتمع الصّالح:  وقيام المجتمع الصّالح ضروريّ للفرد، لأنّ المطلوب من المسلم تحقيق الغرض الّذي خلق من أجله وهو عبادة الله وحده، قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات/ 56) . والعبادة اسم جامع لما يحبّه الله تعالى من الأقوال والأفعال والأحوال الظّاهرة والباطنة وهذا المعنى الواسع للعبادة يقتضي أن يجعل المسلم أقواله وأفعاله وتصرّفاته وعلاقاته مع النّاس على وفق ما يرضاه الله ولا يكون ذلك إلّا إذا كان المجتمع الّذي يعيش فيه منظّما على نحو يسهّل عليه هذه الصّياغة

ثالثا: النّجاة من العقاب الجماعيّ:  وقيام الأفراد بإصلاح المجتمع ينجّيهم وينجّي المجتمع من الهلاك الجماعيّ أو العقاب الجماعيّ أو الضّيق والضّنك والقلق والشّرّ الّذي يصيب المجتمع.

وتوضيح هذه الجملة يحتاج إلى شيء من التّفصيل لأهميّة الموضوع وخطورته، فنقول: من سنّة الله تعالى، أنّ المجتمع الّذي يشيع فيه المنكر، وتنتهك فيه حرمات الله، وينتشر فيه الفساد، ويسكت الأفراد عن الإنكار والتّغيير، فإنّ الله تعالى يعمّهم بمحن غلاظ قاسية، تعمّ الجميع، وتصيب الصّالح والطّالح، وهذه في الحقيقة سنّة مخيفة وقانون رهيب يدفع كلّ فرد لا سيّما من كان عنده علم وفقه أو سلطان إلى المسارعة والمبادرة فورا لتغيير المنكر دفعا للعذاب والعقاب عن نفسه وعن مجتمعه[1] والآيات فى هذا الباب كثيرة منها

1- (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93) )الحجر

2- (وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56)) النحل

3- (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) )النحل

4- (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (36))الإسراء

ومن السنة  عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- أنّه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «كلّكم راع وكلّكم مسئول عن رعيّته، الإمام راع ومسئول عن رعيّته، والرّجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيّته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيّتها، والخادم راع في مال سيّده ومسئول عن رعيّته» . قال:وحسبت أنّه قد قال: «والرّجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيّته، وكلّكم راع ومسئول عن رعيّته» )[2]

ومن الآثار  دخل أعرابيّ على سليمان بن عبد الملك، فقال: تكلّم يا أعرابيّ. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي مكلّمك بكلام فاحتمله وإن كرهته، فإنّ وراءه ما تحبّ إن قبلته. فقال: «يا أعرابيّ، إنّا نجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه ولا نأمن غشّه فكيف بمن نأمن غشّه ونرجو نصحه؟ فقال الأعرابيّ: يا أمير المؤمنين، إنّه قد تكنّفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، ابتاعوا دنياهم بدينهم، ورضاك بسخط ربّهم، خافوك في الله تعالى، ولم يخافوا الله فيك، فلا تأمنهم على من ائتمنك الله عليه، فإنّهم لم يألوا في الأمانة تضييعا، وفي الأمّة خسفا وعسفا، وأنت مسئول عمّا اجترحوا، وليسوا بمسئولين عمّا اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإنّ أعظم النّاس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره»[3]

فاللهم احفظ بلادنا من كل شر وكيد يارب العالمين وأقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم فاستغفروه انه غفور رحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد

ثالثاً / وسائل حفظ المجتمع من الفساد

عباد الله إن أردنا أن نتحمل مسؤوليتنا نحو المجتمع فهناك وسائل لصلاح المجتمع علينا ان ننطلق من خلالها منها :-

?الأم المربية / فهى في المجتمع المسلم صمام أمان، ومصدر قوة، ومصنع جيل، ومعمل تربية ومتى غابت من واقع حياتنا، أو ضعف دورها في بيوتنا، فإن خطراً عظيماً يتهددنا، وإن تفككاً في مجتمعاتنا ينتظرنا , فالأم هى التي تورّث الأجيال القيم والمبادئ السامية فعلى الرجل ينبغي أن يحسن اختيار من تشاركه حياته؛ لأنها سوف تتولى أجلَّ وظيفة وهي صناعة الرجال, فهي المدرسة الأولى التي يتعلم منها الطفل, كما قال حافظ إبراهيم:

الأم مدرسة إذا أعددتها … أعددت شعبًا طيب الأعراق

الأم روض إن تعهده الحيا … بالري أورق أيما إيراقِ

الأم أستاذ الأساتذة الألى … شَغلَتْ مآثرهم مدى الآفاق

وقال أيضًا: وإذا النساء نشأن في أمية … رضع الرجال جهالة وخمولا

أيها المسلمون ومن وسائل حفظ المجتمع من الفساد

?الاهتمام بالتربية وصلاح الذرية فإن قضية التربية بعمومها، وقضية تربية البنات بخصوصها مسألة تحتاج إلى أن تحظى من المسلمين جميعهم بأعلى درجات الاهتمام قال تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور:21] قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دون ذلك لتقر بهم عينه. فهل تريد أن تنعم بإذن الله عز وجل بأبنائك وزوجك يوم القيامة، أم تريد أن يحال بينك وبينهم؟ القائل: (إذا علمت رجلاً فقد علمت فرداً، وإن علمت امرأة فقد علمت جيلاً أو أمة) لذلك يأتينا حديث النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري ومسلم وغيرهما: (إن من بلي بهذه البنات فأحسن إليهن كن له ستراً من النار) لماذا؟ لأنه يعد زوجة صالحة، وأماً مربية، لأنه يعد للأمة من يخرج أجيالاً مؤمنة متوضئة.

مسألة مهمة يؤكدها ويعضدها حديثه صلى الله عليه وسلم عند الشيخين أيضاً: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين) وذكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم: (الرجل تكون عنده الأمة، فيعلمها ويحسن تعليمها، ويؤدبها ويحسن أدبها، ثم يعتقها فيتزوجها) لم خصها بالذكر؟ لأن هذه التربية وذلك الأدب سيكون له عظيم الأثر.

ومن وسائل حفظ المجتمع

? نشر العلم والدين وتعليمه فهى مسئولية الجميع: فمسئوليتنا جميعاً أن نساهم في نشر هذا العلم، ولئن كان هذا الأمر يخص أهل العلم بصفة أخص، فنحن جميعاً لا نعفى من المسئولية، فبعضنا لا يملك علماً ولكنه يملك المال فليساهم فى بناء مدرسة او اصلاح مقاعد لها او مكتبة أو دار علم أو كفالة طالب أو كفالة أيتام أو غير قادرين

أيها المسلمون إن تحمل المسؤولية نحو المجتمع والإنسانية  تشعر الفرد بوجوب أداء الأمانة أمام الله وأمام النّاس وتدفعه إلى الإخلاص في العمل والثّبات عليه وأيضا كسب ثقة النّاس واعتزازهم به ويشعر الشّخص المسئول بالسّعادة تغمره كلّما قام بتنفيذ عمل نافع

وان تحمل الفرد المسؤلية نحو المجتمع  تجعل بنيان الدّولة قويّا غير قابل للتّصدّع عند التّعرّض للمحن والحروب وتجعل للإنسان قيمة في مجتمعه وفوق كل ذلك وقبله رضى الله سبحانه وتعالى حيث قال فى سورة البقرة (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) وقال ايضا(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وفى سورة الحج قال سبحانه (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا شرور أنفسنا، وأن يعيذنا من فساد قلوبنا، وأن يسلمنا من ضلال عقولنا، وأن يقينا انحراف جوارحنا.

نسألك اللهم أن تردنا إليك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب.

اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك يا رب العالمين! وأخرجنا من الظلمات إلى النور.

اللهم إنا نسألك نقاء قلوبنا، وزكاة نفوسنا، ورشد عقولنا، وإخلاص نياتنا، وصواب أعمالنا، وحسن أقوالنا، ومضاعفة أجورنا، ورفعة درجاتنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم من علينا بالعفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا رب العالمين.

الدعاء ……………………. وأقم الصلاة

أعدها الفقير إلى عفو ربه

ماهر السيد خضير

إمام وخطيب بوزارة الأوقاف الاسكندرية

[1] أصول الدعوة

[2] البخارى ومسلم

[3] كلمات فى الاخلاق الاسلامية




خطبة بعنوان: المسئولية المجتمعية وأثرها في صلاح الأمة بتاريخ : 5 ذو القعدة 1438هـ – 28 يوليو 2017م للدكتور خالد بدير

 

لتحميل الخطبة بصيغة pdfاضغط هنا

(1) لتحميل الخطبة بصيغة ورد اضغط هنا

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: مفهوم المسئولية وأهميتها في الإسلام

العنصر الثاني: أنواع المسئولية المجتمعية

العنصر الثالث: وسائل استشعار المسئولية

العنصر الرابع: واجبنا نحو المسئولية المجتمعية

     المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: مفهوم المسئولية وأهميتها في الإسلام

عباد الله: لقد خلق اله الإنسان وكرمه وفضله على سائر المخلوقات والكائنات قال تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا * يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا }.(الإسراء 70 – 72 ). فالفرق بين الإنسان وبين بقية المخلوقات أنه يتحمل المسئولية، لأن لديه العقل ولديه الإرادة والاختيار؛ لذلك تسطر عليه أعماله في كتاب يوضع في عنقه ليلقى الله به؛ ” قال معمر: تلا الحسن البصري هذه الآية فقال: يا ابن آدم، بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة كتابًا تلقاه منشورًا { اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } قد عدل -والله – عليك من جعلك حسيب نفسك. وهذا من حسن كلام الحسن، رحمه الله.” ( تفسير ابن كثير).

والمسئولية في الإسلام تعني: أن المسلم مكلفٌ ومسئولٌ عن كل شيء جعل الشرع له سلطاناً عليه، أو قدرة على التصرف فيه بأي وجه من الوجوه، سواء أكانت مسئولية شخصية فردية، أم مسئولية جماعية ، فإن أَحسن تَحقق له الثواب، وإن أساء باء بالعقاب.

أحبتي في الله: لقد جعل الإسلام الإنسان مسؤولاً منذ بلوغه سن التكليف؛ وهو الرابعة أو الثالثة عشرة، ويَستمرُّ ذلك التكليف ما دام القلب ينبض، والعقل يعمل، حتى يفارق هذه الدنيا ويرحل عنها؛ وهذه المسئولية التي تحملها الإنسان وأبي كل شيء حملها!! { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } [الأحزاب: 72]، فتحمل الأمانة والمسئولية أمر ليس بالهين اللين كما يعتقده الكثيرون، ولخطورة التفريط في الأمانة أبت السماوات والأرض والجبال حملها، ” فعن الحسن أنه تلا هذه الآية:{ إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ}(الأحزاب:72)، قال: عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قيل لها: إن أحسنت جُزِيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد، التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. ثم عرضها على الجبال الشوامخ الصعاب الصلاب، قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا. فقال لآدم: إني قد عرضتُ الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحمَّلها، فذلك قوله: { وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا }أي: ظلم نفسه بحمله إياها، جاهلاً حق الله فيها.”( تفسير ابن كثير).

أحبتي في الله: إنَّ مَسؤولية حمل الأمانة والحفاظ عليها لا يقتصر على التكاليف الشرعية، والعبادات المفروضة، والشعائر التعبدية؛ كالصلاة والحج والصيام والزكاة، مع عِظَم شأنها ورفعةِ مَقامها، بل تشمل علاقة الإنسان بأخيه الإنسان أيضًا، وتَعامُله مع الخلق أجمعين على أساس العدل والرحمة والهداية؛ { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [الحجرات: 13]، فالإنسان مسؤول عن تصرفاته وأعماله تجاه ربه وتجاه الآخرين.

ولابد أن يعلم كل إنسان أوكله الله أمر من أمور المسلمين أن الله تعالي وضع في عنقه أمانة ومسئولية؛ فهي ليست تشريف ولا وجاهة وإنما مسئولية وتكليف؛ بمعنى أن كل من تم توظيفه في عمل عام فهو المعني بهذا الكلام وهو مسئول وموقوف أمام الله { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}. (الصافات: 24).  وقال: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}.( المؤمنون: 115). وقال تعالي: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }.(الحجر: 92 ؛ 93).

ولا يقتصر السؤال على المرسل إليه فقط؛ بل يشمل المرسل والمرسل إليه؛ قال تعالى: { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}.[ الأعراف: 6]. هذا الذي يتكلم له حساب عند الله، هذا الذي تقوله للناس هل أنت مطبق له؟! وهذا المستمع مسؤول، سمعت كل شيء، ماذا فعلت فيما سمعت؟! فالله عز وجل سيسأل المرسَل إليه والرسول.

العنصر الثاني: أنواع المسئولية المجتمعية

عباد الله: تنقسم المسئولية المجتمعية إلى قسمين: مسؤولية شخصية فردية ؛ ومسئولية جماعية تشمل جميع أفراد الأمة.

فأما المسؤولية الشخصية فهي مسؤولية كل فرد عن نفسه وجوارحه وبدنه، روحه وعقله، علمه وعملِه، عباداته ومعاملاته، مالِه وعُمره، أعمال قلبه وجوارحه، وهي مسؤولية لا يشاركه في حملها أحد غيره، فإن أحسن تحقق له الثواب، وإن أساء باء بالعقاب، قال تعالى: {  مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (الأنعام: 160)؛ {  فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}. (الزلزلة: 7 ؛ 8) .

  وهذه المسئولية الشخصية إذا فرط فيها الإنسان وأهملها ولم يقم بحق الله فيها سئل عنها وعوقب في الآخرة ؛ روى الترمذي بسند حسن ؛ عن أبي برزة الأسلمي أن رسول الله  قال: ” لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، ومن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه “.

فمسؤولية الفرد إذن تتشعب إلى شعبتين : مسؤولية تجاه نفسه وأخرى تجاه مجتمعه؛ ويمكن القول بأن مسؤولية الفرد نحو نفسه قد تتسع بحيث تصبح مسؤولية نحو مجتمعه، كما أن مسؤوليته نحو المجتمع قد تضيق بحيث تكون أيضا مسؤولية نحو شخصه بالذات؛ فطلب العلم وإن كان الفرد مسؤولا عنه لنفسه لما وراءه من مصلحة شخصية، إلا أنه أيضا مسؤول عنه تجاه مجتمعه لأن من مصلحة هذا المجتمع أن يكون الفرد فيه متعلما لا جاهلا.

والتعاون مع المجتمع وإن كان الفرد مسؤولا عنه اجتماعيا، إلا أنه أيضا مسؤول عنه لنفسه بالذات لما يترتب على تعاونه مع أبناء مجتمعه من حمل أبناء مجتمعه أيضا على التعاون معه؛ وقس على ذلك بقية مجالات الحياة.

ومن المسؤولية الشخصية مسئولية الإنسان تجاه ربه في مراقبتِه في سائر أعماله وأقواله وتصرُّفاته وأفعاله، وأن يعبدَ الله كأنه يراه حين تغيب عنه الأبصار، ويختفي عن الأنظار.

ومنها: مسؤولية الإنسان عن لسانه أن يلغ في أعراض البرآء، أو ينقل الأراجيف والشائعات ضد الصلحاء، وعن قلبه أن يحمل الضغينة والشحناء، والغل والحسد والبغضاء، {إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء:36].

وأما المسؤولية الجماعية فتتضمن صوراً عديدةً:

 منها: المسؤولية الكبرى في الإمامة العظمى، في تحكيم شرع الله في أرض الله على عباده الله، وكذا القيام بالمسؤوليات في الوظائف العامة، عدلاً في الرعية، وقَسماً بالسوية، ومراقبةً لله وحده في كل قضية؛ وكذا الحفاظ على الأموال والممتلكات والمرافق العامة، فليست المسؤوليات غُنماً دون غرم، ولا زعماً دون دعم، وسيتولى حارّها من تولى قارَّها، في بُعدٍ عن الخلل الإداري والتلاعب المالي والتسيب الوظيفي، فلا تصان الحقوق إلا بتولية الأكفاء الأمناء، والأخذ على أيدي الخونة السفهاء، قياماً بالمسؤولية والأمانة كما شرع الله، وتحقيقاً لما يتطلّع إليه ولاة الأمر وفقهم الله، وهو ما يحقق مصالح البلاد والعباد.

ومنها: المسئولية عن إيجاد هيئة لإقامة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: وهذه الهيئة هي التي يقال عنها الاحتساب أو المحتسب؛ وهذا المحتسب قد يكون واحدا وقد يكون متعدداً وقد يكون متطوعاً أو معيناً من قبل الدولة؛ فالمسلمون جميعاً مطالبون بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ}.( آل عمران: 110). فخيرية هذه الأمة لأنها تقيم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

ومنها: المسئولية عن إعداد والدعاة والخطباء: وتلبية احتياجاتهم ومتطلباتهم المادية والمعنوية حتى يقوموا بتبليغ الدعوة على أكمل وجه؛ وحتى يتفرغوا لنشر صحيح الدين وقضاياه العصرية المتجددة؛ وكذلك نشر الفكر الوسطي المعتدل؛ وتطهير عقول الشباب من الأفكار المنحرفة المتطرفة؛ وكل هذا لا يتأتى إلا بالتقدير المادي والمعنوي للدعاة؛ فهم حصن وأمان الأمة؛ لأنهم يحملون أشرف رسالة حملها قبلهم رسولنا – صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين!!

ومنها: المسئولية عن توفير السكن لمن لا سكن له : وقد كان فى مسجد النبي – صلى الله عليه وسلم – وعلى الرغم من صغر مساحته مكان لمن لا مأوى لهم من المهاجرين والأنصار؛ حتى إنه من إيثاره لهم على أقاربه لما جاءته السيدة فاطمة رضى الله عنها تطلب منه خادماً يعينها على أعمال المنزل بعد أن شكت ما فعلت الرحا بيديها! قال لها: “لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تلوى بطونهم من الجوع” وهذا يعد نوعاً من أنواع التكافل الاجتماعي والإحساس بالمسئولية ونوعاً من إيواء من لا مأوى له.

ومنها: المسئولية عن اليتامى والمساكين والفقراء وسد احتياجاتهم: الذين لا عائل لهم ولا مأوى؛ والعجزة الذين لا يجدون سبيلاً من أسباب الكسب ؛ وسد الخلات، ودفع حاجات المحتاجين، وإغاثة الملهوفين، وإنقاذ الغرقى؛ وإن هذا المفهوم بلغة العصر، يشمل مؤسسات الإغاثة ومؤسسات الخدمة الاجتماعية والتنمية الاجتماعية، وتأهيل الفقراء علمياً وحرفياً، لتحقيق سد الخلة على الوجه الأكمل، ذلك أن المساعدات المؤقتة تحقق سداً لحاجة جزئية، ولا تدفع الحاجة على وجه الدوام والاستمرار.

بل إن الإسلام يذهب إلى أبعد من ذلك في تفعيل المسئولية المجتمعية من أجل تحقيق التكافل الاجتماعي مراعاة لأحوال الفقراء إذا لم تقم الزكوات بذلك؛ فيفرض على الأغنياء – مع الزكاة – ما يكفي حاجة الفقراء؛ قال ابن حزم:” وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، وإن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف ، والشمس وعيون المارة.” ( المحلى(

ومنها : المسئولية عن تزويج العزب والعانس: إذ أن حل مشكلة العنوسة فى المجتمع تدخل فى إطار المسئولية المجتمعية؛ لأن القرآن الكريم قال: {وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.( النور: 32). والخطاب فى الآية الكريمة موجه للأمة كلها؛ فلو عجز إنسان عن تزويج ابنه أو ابنته توجه الأمر إلى الأمة كلها حتى لا يكون فيها عزب ولا عانس. فمصر فيها أكثر من ثلاثة عشر مليون عانس؛ وأيضاً زيادة النسبة فى كثير من الدول الإسلامية إنما هو دليل على إغفال الأمة لفروض الكفاية.

ومنها: مسئولية تعلم العلوم الدنيوية: فكل العلوم تخدم الإسلام ما دامت هذه العلوم نافعة للإنسان فى دينه ودنياه؛ فلولا تعلم الطب ما تعلم الناس كيفية علاج الأبدان؛ وقد كان رسول الله يعالج وكانت امرأة فى عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – تسمى رفيدة صنع لها خيمة فى مسجده فى غزوة الخندق؛ وكانت تمرض فيها سعد بن معاذ سيد الأوس ..فمن المسئولية المجتمعية أن يكون فى الأمة الطبيب والمهندس والاقتصادي والزراعي والكيميائي والصيدلي؛ وما تتم به المعايش كتعلم أحكام البيع والشراء والحرث وتولى الإمامة والشهادة وأدائها والقضاء وإعانة القضاة على استيفاء الحقوق والزراعة والتجارة وتعلم اللغات الأجنبية وتعلم الصنائع والحرف… كل هذه من المسئولية المجتمعية لأن الأمة لا تستطيع أن تحيا وتتقدم بدونها؛ لأنه لو خلت البلاد من أصحاب الحرف والصناعات لدخل الحرج على الجميع.

ومنها: المسئولية المجتمعية عن المقدسات الإسلامية: فلا يفوتنا ونحن في هذا المقام أن نتكلم عن المسئولية الجماعية تجاه المسجد الأقصى الأسير؛ فإن من أهم مسؤوليات الأمة العظمى التصدي لألوان الغزو السافر ضدَّ عقيدتنا ومقدساتنا، والإبانة عن الموقف الحق ضد الحملات التي تُشن ضد ديننا وقيمنا ومبادئنا، والتصدي القوي لما تقوم به الصهيونية العالمية في دعمٍ من القوى الدولية ضد مقدساتنا في فلسطين المسلمة، فمسؤولية مَن مواجهة هذه الغطرسة الصهيونية الآثمة وهذه الهجمة العدوانية العنصرية ضد أمتنا الإسلامية؟! إن كلاًّ منا على ثغر من ثغور الإسلام، فاللهَ اللهَ أن يؤتى الإسلام من قِبله.

وبالجملة: فإن كل أمر يهم الأمة وفيه صلاحها وقوتها فهو من المسئولية المجتمعية التي بها قوام الأمة ونهضتها ورقيها وتقدمها.

العنصر الثالث: وسائل استشعار المسئولية

عباد الله: تعالوا بنا في هذا العنصر نرصد لكم أهم الوسائل التي من خلالها يستشعر الفرد أمانة المسئولية وقدرها وما يترتب عليها من ثواب وعقاب دنيوي وأخروي؛ وهذه الوسائل تتمثل فيما يلي:

أولاً:  تذكر المسئولية والموقف أمام الله يوم القيامة: والمسئولية التى تدعو إلى رعاية الحقوق وتعصم عن الدنايا لا تكون بهذه المثابة إلا إذا استقرت فى وجدان المرء ٬ ورست فى أعماقه  وهيمنت على الداني والقاصي من مشاعره٬ والمسئولية ضمير حى إلى جانب الفهم الصحيح للقرآن والسنة؛ فإذا مات الضمير انتزعت الأمانة ٬ فما يغنى عن المرء ترديد للآيات ٬ ولا دراسة للسنن ٬ وأدعياء الإسلام يزعمون للناس وقد يزعمون لأنفسهم أنهم أمناء؛ ولكن هيهات أن تستقر الأمانة والمسئولية فى قلب تنكر للحق. فعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: ” أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ _ أصل _ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ”، وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: ” يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ _ يعني يبقى في قلب الرجل أثراً يسيراً للأمانة _ ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ _ أثر قليل جداً حتى وكأن الأمانة فقدت من القلوب _ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، فَلاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّى الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِيناً، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا أَظْرَفَهُ، وَمَا أَجْلَدَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ”، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِى أَيَّكُمْ بَايَعْتُ لَئِنْ كَانَ مُسْلِماً رَدَّهُ الإِسْلاَمُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلاَّ فُلاَناً وَفُلاَناً “(متفق عليه)، والحديث يصور انتزاع الأمانة والمسئولية من القلوب الخائنة تصويرا محرجا فهى كذكريات الخير فى النفوس الشريرة ٬ تمر بها وليست منها ٬ وقد تترك من مرها أثرا لاذعا. بيد أنها لا تحيى ضميرا مات ٬وأصبح صاحبه يزن الناس على أساس أثرته وشهوته ٬ غير مكترث بكفر أو إيمان؟!

ثانياً: التعود والتنشئة على تحمل المسئولية وتعظيم مكانتها في نفس المسلم منذ الصغر: فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أسامة بن زيد على يديه، ثم في سن السابعة عشرة يكلفه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة جيش فيه أبو بكر وعمر، وينتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه وينفذ أبو بكر بعث أسامة فيتحمل المسؤولية ويمضي في مهمته ويعود منها محققا الغاية التي من أجلها أرسل الجيش ؛ وتعجب حين تعلم أن الصحابة كانوا يقولون بعد ذلك: ما رأينا أسلم من بعث أسامة؛ ذلك أن الله تعالى قد حفظ أفراد الجيش حتى رجعوا سالمين!!

ويجلس عن يمينه – صلى الله عليه وسلم- يوما الغلام عبد الله بن عباس، وعن يساره أبو بكر فيشرب النبي صلى الله عليه وسلم ثم يستأذن ابنَ عباس أن يناول الإناء الصديق يقدمه عليه فيرفض ابن عباس أن يؤثر بنصيبه من رسول الله أحداً، وإن كان يكبره في السن والفضل، فيتربى الغلام على المسئولية والشجاعة الأدبية والجرأة في الحق، وهكذا حتى يصير حبر الأمة وترجمان القرآن.

وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان عمره إحدى عشرة سنة تقريبًا حين قَدِم النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – المدينة ، وكان يحضر مجالس الكِبار ويحضر مُناسبات المسلمين في المدينة، فلمَّا كبر أصبح علَمًا من أعلام المسلمين.

إذن تبدأ المسؤولية والأهمية من الأسرة، فالأسرة التي تربي أبناءها وتنمي قدراتهم وتغرس في نفوسهم حب الخير وحب الناس وحب العمل وحب الوطن والتمسك بالأخلاق والشمائل الإسلامية، والدفاع عن الوطن من الأعداء والحاسدين، إنما هي تقوم ببناء المجتمع.. أما تلك الأسرة التي لا تهتم بأبنائها ولا تنشئهم تنشئة اجتماعية سليمة، إنما هي تهدم المجتمع!!

ثالثاً: السعي لحسن الذكر في الدنيا, وعظيم الأجر في الآخرة بفضل الله ثم بالتحلي بالأخلاق الحميدة ومنها الأمانة؛ فالرجل المسامح الهين اللين المشهور بحسن خلقه بين الناس؛ يحظى بشهادة الناس له عند موته ويكثر المصلون على جنازته فيكون ذلك سبباً في وجوب الجنة له. فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ” مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ . قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي ، مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ فَقُلْتَ وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ!!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ” ( متفق عليه واللفظ لمسلم )

رابعاً: تذكر عاقبة الخيانة وأنها دليل على النفاق.

لأن الذى تولى أمراً من أمور المسلمين فخانهم فقد عرض نفسه لغضب الله وعقابه في الآخرة.

خامساً: الاستفادة من سيرة السلف الصالح وحالهم مع الأمانة.

سادساً: تبادل وجهات النظر والحوار وعقد الندوات، والتعريف بأهمية المسئوليات المناطة بكل فرد من أفراد الأمة؛ لأن هذا في شأنه أن يرفع مستوى الوعي السياسي والثقافي بين أبناء مجتمعنا.

هذه هي الوسائل التي يمكن من خلالها استشعار المسئولية والقيام بها على أكمل وجه كما أراد الشارع الحكيم .

العنصر الرابع: واجبنا نحو المسئولية المجتمعية

عباد الله: اعلموا أن المسئولية المجتمعية خطيرة؛ فاتقوا الله فيما أسند إليكم من مسئوليات؛ واعموا أنكم واقفون ومسئولون عن ذلك فماذا أنتم قائلون؟!! ” قال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال له الفضيل: أتعرف تفسيره؟ قال الرجل: فسره لنا يا أبا علي، قال: فمن علم أنه عبد الله وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسؤول، ومن علم أنه مسؤول فليعد للسؤال جوابا، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقى أُخِذت بما مضى وما بقي” . (حلية الأولياء ؛ وجامع العلوم والحكم)

فنحن مسؤولون أمام الله عن بيوتنا, وزوجاتنا, وأولادنا, وفتياتنا، فعلينا أن نعنى بهم، والأب عندما يعتني بأولاده وهم صغار, ينشؤون على طاعة الله، فإذا أهملهم صغاراً, لا يستطيع أن يقودهم كباراً، الأمر يخرج من يده وانتهى، والحسرة التي تملأ قلب الأب الذي أهمل ولده صغيراً فانحرف، ولا يقوى على تربيته كبيراً، هذه الحسرة لا يعرفها إلا من ذاقها .

الرجل مسؤول في بيته عن أهله في القوامة والنفقة والرعاية، وسيُسأل عنهم: هل أدَّى حقَّهم وقام بواجبهم أو لا؟

المرأة مسؤولة في بيت زوجها في الحفاظ على أمانة الزوج وأسراره، ورعاية البنين وتربيتهم التربية الصالحة.

المعلِّم مسؤول في مدرسته عن طلابه مِن خلال التوجيه الحسن، وبذل النُّصح والتعليم.

الموظف مسؤول في دائرته عن رعاية حقوق المراجعين، وعدم التفريط في وقته.

الإمام مسؤول تجاه رعيته ومَن يَحكُمُهم؛ بأن يقيمَ بينهم العدل، ويحكم بينهم بالسوية.

أيها المسلمون: والله إنكم مسئولون عن أسركم وأولادكم وأزواجكم وجميع أعمالكم يوم القيامة؛ وبين ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله:” كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ” ( متفق عليه) وقال أيضاً : ” إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاهُ ، أحفظَ أم ضيَّعَ ؟ حتى يُسألَ الرجلُ عن أهلِ بيتِه “( النسائي وابن حبان) ” قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه ، وما هو تحت نظره ، ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه ، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته .” (شرح النووي).

ويقول ابن القيم رحمه الله: قال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه وتعالى يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة، قبل أن يسأل الولد عن والده، فإنه كما أن للأب على ابنه حقاً، فللابن على أبيه حق. وكما قال الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} [العنكبوت: 8] ، ويقول أيضاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6] ، فوصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم. فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى، فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كباراً. كما عاتب بعضهم ولده على العقوق، فقال الولد: «يا أبت إنك عققتني صغيراً، فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً، فأضعتك شيخاً».

أحبتي في الله: عليكم إصلاح أولادكم؛ والقيام عليهم؛ والصبر والتصبر في تعليمهم وتعويدهم على الطاعة؛ واحفظوهم من الضياع مع الشباب الفاسد الطائش؛ يقول الإمام الغزالي رحمه الله في رسالته أنجع الرسائل: «الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عُوِّد الخير وعلمه؛ نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة أبواه، وكل معلم له ومؤدِّب، وإن عوِّد الشر وأُهْمِلَ إهمال البهائم؛ شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيِّم عليه والوالي له». فأولادكم أمانة في أيديكم وستسألون عنهم فماذا أنتم قائلون؟!!!

الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،                              

    كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

                                                                                                                                  د / خالد بدير بدوي  




خطبة بعنوان : “المسؤلية  الإنسانية والمجتمعية في الإسلام”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 5 من ذي القعدة 1438هـ، الموافق 28 يوليو 2017م

خطبة بعنوان : “المسؤلية  الإنسانية والمجتمعية في الإسلام”، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 5 من ذي القعدة 1438هـ، الموافق 28 يوليو 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .أما بعد فيا جماعة الإسلام

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:“كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ ومسئول عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مسئول عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، -قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ ومسئول عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ ومسئول عَنْ رَعِيَّتِهِ”(البخاري ومسلم).

هذا الحديث أصل في تحمل المسؤولية التي سوف يحاسب عنها الإنسان يوم القيامة. لكن هذه المسؤولية يفهمها بعض الناس على أنها مسؤولية مادية، فالأب يتوهم أنه بمجرد أن يجلب لأولاده طعاماً وشراباً، وأن يؤمن لهم كساء في الشتاء ووقوداً, وما يحتاجون من حاجات مادية، فقد أدى الذي عليه .

فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما يقول: “كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته”

الرعاية لا تتجزأ، الرعاية وحدة متكاملة، كما أنك ترعى صحته, عليك أن ترعى دينه، كما أنك ترعى حاجاته المادية, عليك أن ترعى حاجاته الروحية، كما أنك ترعى في ابنك ارتباطه في البيت, يجب أن ترعى ارتباطه بالله عز وجل . حقيقة أذكرها لكم مستنبطة من آية كريمة، ولها علاقة وطيدة بهذا الموضوع، لا تقتضي الرعاية العنف ولا القسوة .بقول صلي الله عليه وسلم :لموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف(الحارث في مسنده). وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ”إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ”(مسلم ).

والله عز وجل رفيق يحب الرفق في الأمر كله، فكلما نما الإيمان في قلب الإنسان ازداد رفقاً بمن حوله، ازداد لطفاً بمن حوله، أحياناً يقرأ الإنسان الآية, ولا ينتبه إلى خطورة معانيها، حينما قال الله عز وجل: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ”(آل عمران/159).

إخوة الإيمان:

والحديث اليوم عن المسؤلية بأنواعها :فما هي المسؤلية ؟

المســــــئولية لغة:هي الأعمال التي يكون الإنسان مطالباً بها.

والمسئولية اصطلاحاً:المسئولية هي المقدرة على أن يلزم الإنسان نفسه أولاً, والقدرة على أن يفي بعد ذلك بالتزامه بوساطة جهوده الخاصة ..وقيل: المسئولية حالة يكون فيها الإنسان صالحاً للمؤاخذة على أعماله وملزماً تبعاتها المختلفة.

أنواع المسؤلية :

1-مسئولية الدينية: وهي التزام المرء بأوامر الله ونواهيه, وقبوله في حال المخالفة لعقوبتها ومصدرها الدين.

الحقيقة أن المهمة الأكبر والأخطر، والتي سوف يكون السؤال عنها أشد هي: مسؤولية الأب عن دين أولاده, وعن أخلاقهم, وعن مستقبلهم الأخروي، لأنه ورد في الأثر: أن الابن إذا لم يعتن أبوه بدينه واستوجب النار، يقول: يا رب لا أدخل النار حتى أُدخِل أبي قبلي . فالآباء الذين يعتنون بأبنائهم من حيث: طعامهم, وشرابهم, وكسائهم, وحاجاتهم المادية، ولا يلقون بالاً لدينهم, وأخلاقهم, وصلاتهم, ومستقبلهم الأخروي, ومصيرهم إلى الجنة أو إلى النار، هؤلاء الآباء قدموا شيئاً زائلاً, ينتهي بانتهاء الحياة .

2-المسئولية الاجتماعية: هي التزام المرء بقوانين المجتمع ونظمه وتقاليده.

وقيل: هي المسئولية الذاتية عن الجماعة, وتتكون من عناصر ثلاثة هي: الاهتمام والفهم والمشاركة.

  • المسئولية الأخلاقية الإنسانية هي حالة تمنح المرء القدرة على تحمل تبعات أعماله وآثارها, ومصدرها الضمير.

عباد الله :

من أهم المسؤوليات مسئولية الإنسان أمام ا لخالق عز وجل:ذكر جمهور المفسرين أن الأمانة تعم جميع وظائف الدين, وان جميع الأقوال في تفسير قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.

متفقة وراجعة إلى أن الأمانة هي التكليف وقبول الأوامر والنواهي.

إن حمل هذه الأمانة يعني مسئولية الإنسان عنها واستعداده لتحمل نتائجها وقبوله بمبدأ الثواب والعقاب المنوطين بها.

  • ومن الأمانة :
  • “توليــــــة أصحاب الخبرة والعلم الأمناء”

يجب على المسؤل  ألا يولِّى على عمله إلا صاحب الخبرة والعلم في تخصصه، وصاحب الدين والخلق الذي يتقى الله في عمله والعاملين معه، ويجعل هذا هو المقياس الذي على أساسه يختار القيادات، فلا يقدم صاحب الولاء الجاهل الذي لا دين له ولا أخلاق، وكل ما لديه أنه يجيد فن التزلف والتملق والمداهنة، وعادة من هذا حاله أنه يفتقد الخبرة العلمية والعملية والأخلاقية، وإنما أجاد ما أجاد ليكمل نقصه وليصل إلى مراده وغايته من النهب والسرقة؛ ليحقق لنفسه ما يريد بأي وسيلة، وإن أدى ذلك إلى الخراب؛ فهو لا يعبأ إلا بنفسه، ويستبعد أصحاب الخبرة والمعرفة حتى لا ينكشف عواره، فإن وجود أصحاب الخبرة والمعرفة بجوار من لا خبرة له تجعل أصابع الاتهام تشير إليه وتعرف الناس بجهله لقربهم منه، ولو لم يتكلم أحد، بل إن الجاهل لا يكتفي بإبعاد أصحاب الخبرة، بل يعمل جاهدًا على إقصائهم بكل وسيلة حتى لا تتكدر نفسه برؤيتهم، وهو بذلك يكون قد خان رعيته. وهذا يؤدى بدوره إلى الخراب الذي يسبق قيام الساعة؛

عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”(البخاري).

بل إنَّ أحاديثه صلَّى عليه وسلَّم تجاوزَتْ هذا التَّوجيه الأخلاقيِّ النَّبويِّ الكريم، بضرورة مراعاة الله تعالى في أمور الحكم، إلى تفاصيل عمليَّة إدارة الرَّاعي لشئون حُكمه، بما فيها ضرورة التَّدقيق في اختيار مُوظَّفي الدَّولة، وذلك في حديثٍ صحيح قال فيه، وهو الذي لا ينطِقُ عن الهوى:”مَنْ وَلِيَ من أمرِ المسلمين شيئًا فأمَّر عليهم أحدًا مُحاباةً فعليه لعنةُ اللهِ، لا يَقْبَلُ اللهُ منه صَرْفًا ولا عدلاً حتى يُدْخِلُه اللهُ جهنَّم”( أحمد في مُسنَدِه والحاكم في المستدرك عن الخليفة أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي اللهُ عنه).

وعن عبد الله بن عبَّاس رَضِيَ اللهُ عنهما قال: قال رسول الله صلَّى عليه وسلَّم: “مَنْ تولَّى من أمر المسلمين شيئًا فاستعمل عليهم رجلاً وهو يعلمُ أنَّ فيهم من أَوْلَى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسُنَّةِ رسولِه فقد خان اللهَ ورسولَه وجميع المؤمنين”( الطَّبرانيُّ).

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلاً لمودة أو قرابة بينهما ، فقد خان الله ورسوله والمسلمين .

وكتب أحدهم إلى أحد الأمراء : ” وشاور في أمرك الذين يخافون الله تعالى، واحذر بطانة السوء. فإنهم إنما يريدون دراهمك ويقرّبون من النار لحمك ودمك.(ترتيب المدارك 2/36).

أيها الناس :”ومن الأمانة :” النصيحة لولي الأمر “

ومن حقِّ المسؤل المسلم الموحِّد على رعيته كذلك أن ينصحوا له، وألاَّ يُضمِروا له إلا خيراً و النصيحة لولاة الأمر تكون بأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، ونصرتهم في الحق، ومنعهم عن الظلم، وإضمار الخير لهم .. وتوقيرهم من غير غلو ولا تملق .. وطاعتهم في المعروف .. وإعانتهم على ما فيه خيري الدنيا والآخرة .. وتعريفهم بموارد الهلكة والنجاة .. وعدم غشهم والكذب عليهم بتزيين الباطل أو تقبيح الحق والفضيلة في أعينهم .. كل هذه المعاني تدخل في معنى مناصحة ولاة الأمر.

عن ابن عيينة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:” الدينُ النصيحة ” قلنا: لمن؟ قال:” لله، ولكتابِه، ولرسولِه ، ولأئمة المسلمين، وعامتهم ” مسلم.

وعن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:” ثلاثٌ لا يغلُ عليهنَّ قلبُ المؤمن: إخلاصُ العملِ لله، والنَّصيحةُ لولاة الأمر “(صححه الألباني).

وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:” ثلاثةٌ لا يغلُ عليهنَّ قلبُ المؤمن: إخلاصُ العملِ لله، والنصيحةُ لولاةِ الأمر، ولزومُ جماعتهم، فإنَّ دعوتهم تحيطُ مِن ورائهم”[صحيح)

وعن عائشة، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:” من ولي منكم عملاً، فأرادَ اللهُ به خيراً، جعلَ له وزيراً صالحاً؛ إن نسي ذكَّرَهُ[أي ذكَّره بما يجب عليه مما قد نسيه، فإن ذكرَ الوالي ما يجب عليه القيام به نحو رعيته وبلده .. أعانه هذا المسؤل  على ذلك؛ أي أن مهمة الوزير غير مقصورة على التذكير وحسب؛ بل على تذكير الوالي بالخير وعلى إعانته على فعله والقيام به أحسن قيام.   وإن ذكَرَ أعانَه “[النسائي].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:” ما مِن والٍ إلا وله بِطانتان: بِطانةٌ تأمرُه بالمعروف وتَنهاهُ عن المنكر، وبطانةٌ لا تَألُوه خَبالاً[الخبال هو الفساد؛ أي لا تُقصر ولا توفر جهداً في إفساده، وإفساد الحكم عليه .. وما أكثر هؤلاء في زماننا! ، فمن وُقِي شرَّها فقد وُقِي، وهو مِن التي تغلِب عليه منهما “[أحمد والنسائي).

وعن عائشة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:” إذا أرادَ اللهُ بالأميرِ خيراً جعلَ له وزيرَ صِدقٍ؛ إن نسيَ ذَكَّرَه، وإن ذَكَرَ أعانَهُ، وإذا أراد اللهُ به غير ذلك؛ جعلَ له وزيرَ سُوءٍ؛ إن نسيَ لم يُذَكِّرْهُ، وإن ذَكَرَ لم يُعِنْهُ “(أبو داود).

وعن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:” ثلاثةٌ لا يُكلمهم الله يومَ القيامةِ، ولا ينظرُ إليهم، ولا يُزكيهم، ولهم عذابٌ أليم: رجلٌ على فضلِ ماء بالفلاةِ؛ يمنعه من ابن السبيل، ورجلٌ بايعَ رجلاً بسلعةٍ بعد العصْرِ، فحلف له بالله: لأخذَها بكذا وكذا فصدَّقَه، وهو على غير ذلك، ورجلٌ بايع إماماً لا يُبايعه إلا لِدُنيا؛ فإن أعطاهُ منها وفَى، وإن لم يُعطِه منها لم يَفِ”(متفق عليه).

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين أما بعد :

عن أبي هريرة عن النَّبيِّ صلي الله عليه وسلم قال:”ليأتيَنَّ على الناس زمان لا يُبالي المرء بما أخذ المال، أمِنْ حلال أم من حرام”(البخاري)

وعند هؤلاء الآخذين غير المبالين الذين لا يعبأون بمسؤلية أنَّ الحلال ما حلَّ في اليد، والحرام ما لم يصل إليها، وأما الحلال في الإسلام، فهو ما أحلَّه الله ورسوله صلي الله عليه وسلم ، والحرام ما حرَّمه الله ورسوله صلي الله عليه وسلم. وهؤلاء لا يعبأون بمسؤلية ولا ينطبق عليهم لفظ الإنسانية مطلقاً ولا يستحيون من الخالق ولا المخلوقين ولهم عذاب شديد في الدنيا والآخرة

وقد ورد في سنَّة الرسول صلي الله عليه وسلم  أحاديث تدلُّ على منع العمَّال والموظفين من أخذ شيء من المال ولو سُمِّي هدية، منها حديث أبي حميد الساعدي قال: ” استعمل رسول الله صلي الله عليه وسلم  رجلاً من الأسد، يُقال له: ابن اللتبيَّة على الصدقة، فلمَّا قدم قال: هذا لكم، وهذا لي أُهدي لي، قال: فقام رسول الله * على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم، وهذا أُهدِيَ لي؟! أفلاَ قعدَ في بيت أبيه أو في بيت أمِّه حتى ينظرَ أيُهدَى إليه أم لا؟! والذي نفسُ محمد بيده! لا ينال أحدٌ منكم منها شيئاً إلاَّ جاء به يوم القيامة يحمله على عُنُقه، بعير له رُغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعَر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتَي إبطيه، ثم قال: اللَّهمَّ هل بلَّغت؟ مرَّتين “(البخاري ومسلم).

وعن أبي هريرة قال: ” قام فينا رسول الله صلي الله عليه وسلم ذات يوم، فذكر

الغلولَ فعظَّمه وعظَّم أمرَه، ثم قال:”لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله!أغِثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً؛ قد أبلغتك،لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرسٌ له حَمحمة، فيقول: يا رسول الله! أغِثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً؛ قد أبلغتك،لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله!أغِثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً؛ قد أبلغتك،لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، فيقول: يا رسول الله!أغِثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً؛ قد أبلغتك،لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله!أغِثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً؛ قد أبلغتك،لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله! أغِثني،فأقول: لا أملك لك شيئاً؛ قد أبلغتك )(أحمد).

ومن أمثال هؤلاء الذين لا يتحملون مسؤلية أخلاقية أو دينية تجاه مجتمعهم ووطنهم أولئك الذين يروعون الآمنين ويكفي أن نقول علي من يرتكبون هذه  الأفعال الإرهابية لا أنهم ليسوا مؤمنين ولا مسلمين لأن ديننا الإسلامي يمنع المسلم عن مجرد الإشارة بالسلاح إلى أخيه المسلم..

 حيث يقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم:” من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه “(مسلم( .

وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه ، حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه ) ، فيه تأكيد حرمة المسلم ، والنهي الشديد عن ترويعه وتخويفه والتعرض له بما قد يؤذيه . وقوله صلى الله عليه وسلم :   وإن كان أخاه لأبيه وأمه   مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد ، سواء من يتهم فيه ، ومن لا يتهم ، وسواء كان هذا هزلاً ولعباً ، أم لا ; لأن ترويع المسلم حرام بكل حال ، ولأنه قد يسبقه السلاح كما صرح به في الرواية الأخرى ، ولعن الملائكة له يدل على أنه حرام .  فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ” مَنْ رَوَّعَ مُسْلِمًا رَوَّعَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ أَفْشَى سِرَّ أَخِيهِ أَفْشَى اللَّهُ سِرَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ ”

  فهؤلاء الذين يقتلون ويروعون الأبرياء قد بريء منهم الإسلام ف”من حمل علينا السلاح فليس منا”  من حمل السِّلاح يُريدُ قتل المُسلم مع عِلْمِهِ بِتحريمهِ واعتقادِهِ بذلك فالأمر خَطير جِدًّا،:”َوَالُ الدُّنيا أَهْوَنُ عِنْد الله من إِرَاقَة دمِ مُسْلِم””ا يَزَالُ المُسلم في فُسْحَة من دينِهِ حتَّى يُصيب دماً حراماًوفي ذلكم الوعيد الشَّديد في قول الله تعالي :”وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا”)النساء  /93).

حتى قال ابن عباس:” إنَّهُ لا توبة لهُ, فالأمر خطير جدُّ خطير “من حمل علينا السلاح فليس منا”وكلامُ أهل العلم في مثل هذا بِحَمْلِهِ على الخُرُوج عن الإِسلام والحُكم عليهِ بالكُفر المُخْرِج عن المِلَّة إنْ اسِتَحَلّ ذلك، إنْ اسْتَحَلّ قَتل المُسلم المَعْصُوم مَعْصُوم الدَّم؛ لأنَّ من اسْتَحَلّ الُمحَرَّم المعلُوم تَحْريمُهُ بالضَّرُورة من دين الإِسلام كَفَر, كما أنَّ من حَرّم ما أَحَلَّهُ الله المَعْلُوم حِلُّهُ بالضَّرُورة من دين الإسلام كَفَر -نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.




خطبة الجمعة القادمة: “المسئولية المجتمعية والإنسانية”بتاريخ 5 من ذي القعدة 1438هـ الموافق 28 من يوليو 2017م

خطبة الجمعة القادمة: “المسئولية المجتمعية والإنسانية”بتاريخ 5 من ذي القعدة 1438هـ الموافق 28 من يوليو 2017م.

لتحميل الخطبة أضغط هنا.

 
ولقراءة الخطبة كما يلي:
 



خطبة الجمعة بعنوان (الإيضاح والبيان فى ردع دعاة الفتنة والبهتان) الموافق 20-7-2017

لتحميل الخطبة بصيغة pdf إضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة word إضغط هنا

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة بعنوان (الإيضاح والبيان فى ردع دعاة الفتنة والبهتان) الموافق 20-7-2017

أعدها الفقير إلى عفو ربه / ماهر السيد خضير (إمام وخطيب ومدرس أوقاف الإسكندرية)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عناصر الخطبة  

العنصر الأول / تحرير المفاهيم من الفهم السليم

العنصر الثاني / المواطنة المتكافئة من منظور الشرع والدين

العنصر الثالث / واجبنا جميعاً نحو بلادنا وأوطاننا

ــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا وأستاذنا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، الصادق الوعد الأمين اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه ومن اهتدى بهديه، وسار على نهجه إلى يوم الدين.

أما بعد  الهدف من طرح هذا الموضوع الآن / ما نراه من تعمد البعض من الخلط والتلبيس على العوام من الناس بغرض الكيد للبلاد وجرها إلى الفرقة والحروب الأهلية بزعم أن هذا دينه كذا وهذا دينه كذا حتى استحلوا ما حرمه الله من الدماء والأموال والأعراض فكان واجبا علينا أن نوضح ونبين

عباد الله إن تحرير المفاهيم والمصطلحات أمر هام للحكم على الأشياء وكلما كان فهم المصطلح دقيقاً كان الحكم كذلك كالميزان الذى توزن به الأشياء كلما كان دقيقاً كانت النتائج كذلك ومن يقرأ تاريخ الأمم يلحظ بوضوح تلك النقطة البارزة التي كانت وراء الدمار الهائل الذي أصابها في كثير من الأحيان، وهى مسألة الجهل والخلط للمفاهيم والمصطلحات والتلبيس على عوام الناس . ومن المعلوم بجلاء أنَّ الإسلام دين ومنهج واضح كالمحجة البيضاء وقد جاء بتحصيل المنافع، والمصالح، منافع ومصالح الناس في دينهم ودنياهم بحسب الاستطاعة ، وإلغاء وتفويت المضار، والمفاسد في الدين والدنيا ، بحسب الاستطاعة وكما قيل ((حيثما توجد المصلحة فثم شرع الله) ولكن الأمة ابتليت بشرذمة لبست على كثير من الناس كثيراً من الأمور بُغية تحقيق أهدافها وهذا دائما هو شأن دعاة الفتن والمرضى وصدق الله تعالى إذ يقول ((فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ … )) آل عمران … فالفتنة غاية وهدف عند كثيرٍ ولا يخلو منهم زمان ولا مكان

فمن المصطلحات الهامة التى يجب تحريرها وتوضيحها مصطلح المواطنة وهل الإسلام يقر بها أم لا؟

أيها الكرام / المواطنة  تعنى الفرد الذي يتمتع بعضوية بلد ما ويستحق ما يترتب على تلك العضوية من الحقوق العامة من أمن ومسكن ومشرب وغيرها – وهذا المعنى هو ما يقره الإسلام وجاء به سيد الأنام تقرير مبدأ حقوق المواطنة للجميع، فلا فرق بين مسلم وغير مسلم ، بل الجميع أسوة وسواء بالمعروف والعدل  وقيام العلاقة على أساس مفهوم الأمة الواحدة والشعب الواحد، لا فرق بين مواطن وآخر، في حقوق المواطنة (هذا كتاب من محمد النبي – صلى الله عليه وسلم – بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم ، وجاهد معهم ، إنهم أمة واحدة من دون الناس … وَمَنْ قَعَدَ بِالْمَدِينَةِ أُمِّنَ أَبَرَّ الْأَمْنِ، إِلَّا ظَالِمًا وَآثِمًا، وَأَنَّ أَوْلَاهُمُ بِهَذِهِ الصَّحِيفَةِ الْبَرُّ الْمُحْسِنُ»)[1]

ومن المصطلحات … الديمقراطية / أصل الكلمة تعني (حكم الشعب للشعب) ، بمعنى أن الشعب هو الذي يختار السلطة ، وهذا المعنى صحيح شرعا في الإسلام، فالأمة هي التي تختار السلطة ، وعلى هذا أجمع الصحابة كما قرر ذلك عمر في آخر خطبة له في صحيح البخاري عبد الرحمن بن عوف، قال: خطبنا عمر فقال:” إنه لا خلافة إلا عن مشورة، وأيما رجل بايع رجلا عن غير مشورة، لا يؤمر واحد منهما تغرة أن يقتلا ” قال شعبة: قلت لسعد: ما تغرة أن يقتلا؟ قال: عقوبتهما أن لا يؤمر واحد منهما .. “[2]

ويعبر عن النظام الديمقراطي بأنه هو الذي توفرت فيه شروط عدة وهي حكم الشعب، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، واحترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون على الجميع ..

عباد الله  إن من جميل سماحة الإسلام وشرعه أنه  أقر التعددية المذهبية والطائفية واحترام حقوق الغير

وأن الإسلام جاء بالحقوق والمواطنة الكاملة والعدل المطلق واحترام حقوق الجميع – فلقد نزل الرسول صلى الله عليه وسلم يثرب -المدينة المنورة -أعطى اليهود عهد أمان، يقتضي فسح المجال لهم أمام دينهم وعقيدتهم، وإقامة شعائرهم في أماكن عبادتهم. ثم سار على هذا النهج الخلفاء الراشدون، وهذا نصه:”بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم …)[3]

ولقد فتح المسلمون مصر وتركوا شئون القبط كما هي إلى المقوقس يسوسها كما كان قبل الفتح، وهو أشبه بالحكم الذاتي والمحلي

ولقد أمر وحمى الإسلام كذلك كرامة أهل الكتاب ((والقرآن الكريم يعني بأهل الكتاب “اليهود والنصارى” انظر: ابن كثير والشهرستاني في الملل والنحل)) فلقد صان حقوقهم وجعل لهم الحرية في الجدل والمناقشة في حدود العقل والمنطق، مع التزام الأدب والبعد عن الخشونة والعنف. يقول الله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} (العنكبوت:46)

وأما بشأن الأقليات والطوائف فلقد خرجت في الأمة  فرق وأقليات كثيرة تأولت القرآن على غير وجهه، فلم يتعرض لهم الصحابة، ولا من بعدهم، وحكموا لهم بالإسلام العام ولم يستحلوا دماءهم ولم يكفروا منهم أحد ،وحكموا لهم وأنهم من أهل القبلة، ما لم يخرجوا على الأمة بالسيف ويستحلوا دماءها .

وهذه هى الرحمة العامة التي بعث بها النبي – صلى الله عليه وسلم – {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء:107]

عباد الله / إن ديننا ينهى ويرفض الإكراه في شتى أحكامه وتشريعاته فلا إكراه فى البيع ولا إكراه في الشراء ولا إكراه فى الزواج ولا إكراه فى الطلاق ولا إكراه فى الهبة ولا إكراه فى الرجعة فلا يوجد إكراه في اى لون من العبادات والمعاملات فكيف يأتي اليوم من يريد ان يكره الناس على الدخول في الاسلام بحجة ان هذا من الاسلام  ؟؟؟

إننا إذا تأملنا قول الله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة:256] نجد أن الإسلام رفع الإكراه عن المرء في عقيدته، وأقر أن الفكر والاعتقاد لا بد أن يتسم بالحرية، وأن أي إجبار للإنسان، أو تخويفه، أو تهديده على اعتناق دين أو مذهب أو فكره باطل ومرفوض، لأنه لا يرسخ عقيدة في القلب، ولا يثبتها في الضمير. لذلك قال تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس:99]،وقال أيضا: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر } [الغاشية:21،22] كل هذه الآيات وغيرها، تنفي الإكراه في الدين، وتثبت حق الإنسان في اختيار دينه الذي يؤمن به (لكم دينكم ولى دين) الكافرون

أيها المسلم

  • بما تفسر أن ديننا أحل لنا الزواج من أهل الكتاب ويكون لها كامل الحقوق الزوجية ؟
  • بما تفسر ان ديننا أحل لنا ذبيحة وطعام أهل الكتاب؟
  • بما تفسر أن النبي صلى الله عليه وسلم يموت ودرعه مرهونة عند يهودى؟ وثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم أنه اشترى من يهودي سلعة إلى الميسرة. وثبت عنه أنه أخذ من يهودي ثلاثين وسقا من شعير، ورهنه درعه. وشاركهم في زرع خيبر وثمرها.

أيها المسلمون الكرام إن الدين الذي يقر ويأمر بالعدل وأداء الحقوق إلى أصحابها وفى نفس الحين يأمر بعدم إكراه احد على الدخول فيه لهو دين يقر بالمواطنة المتكافئة والحقوق الكاملة للجميع دون تفرقة

نسأل تعالى ان يرزقنا طريق الحق والصواب …. عباد الله ادعوا الله يستجب لكم واستغفروه انه عفور رحيم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام الأولين والآخرين صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد

عباد الله / هل جزاء الوطن الذي ولدت وعشت فيه وتعلمت فيه وأمنت على نفسك وأهلك فيه تجازيه بالكيد والتخريب والضرر له والحاق الأذى بمؤسسته

?فأي دين يقول بأن يعطى آمانا للناس على أنفسهم وأموالهم ثم يُقتلوا وتستباح دمائهم  ؟

ياهؤلاء ألم تسمعوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم فعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ «مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ أُعْطِيَ لِوَاءَ الْغَدْرِ يَوْمَ الْقَيَامَةِ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. وفى رواية (من امن رجلا على دَمه فَقتله فَأَنا برِئ من الْقَاتِل وان كَانَ الْمَقْتُول كَافِرًا)

أيها المسلمون السؤال الان الذى يطرح نفسه فى الك الفترة الراهنة ما هو واجبنا نحو الوطن؟

أولاً :- حب الوطن / هو تفاني لبلده وإخلاص الشخص لبلده بعيدا عن الاختلافات  وحب الوطن لا شك من الإيمان قال أحدهم : سمعت أعرابياً يقول : ( إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحننه إلى أوطانه ، وتشوقه إلى إخوانه ، وبكاؤه على ما مضى من زمانه ) ، وإن محبة المكان الذي ولد فيه الإنسان ونشأ فيه وترعرع بين أحضانه أمر فطري، مجبول عليه الإنسان والحيوان؛ لأنه يجد فيه دفء الوطن وأمنه وذاته وقد قيل ثلاث خصال في ثلاث أصناف من الحيوان : الإبل تحن إلى أوطانها ، وإن كان عهدها بها بعيداً، والطير إلى وكره وإن كان موضعه مجدباً ، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر نفعاً ، ولما أشتاق النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة محل مولده ومنشئه أنزل الله تعالى عليه قوله ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد) إلى مكة ، وفي الأثر قَدِم أُصيل الغفاري ( بالتصغير ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قبل أن يضرب الحجاب ، فقالت له عائشة كيف تركت مكة ؟ قال : أخضرت جنباتها ، وابيضت بطحاؤها وأغدق أذخرها وانتشر سلمها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حسبك يا أصيل لا تحزني ) وفي رواية ( وبها يا أصيل تدع القلوب تقر)

ثانياً : – الالتزام  حيث يتطلب الانتماء للوطن الالتزام بأداء الواجبات تجاه الوطن والمواطن والمقيم بإخلاص وصدق وأمانة ليكون الموظف والطالب والمعلم والقيادي والجميع له مكان حقيقي ومكانة تفاعلية ملموسة ظاهرة لها ميزانها في المجتمع ومقام محمود عند الله تبارك وتعالى. قال ابن خزيمة –رحمه الله-: «من ليس له ثقل في الأرض التي يعيش عليها فهو عالة عليها», والمقصود هو أن يكون كل إنسان مفتاحاً للخير مغلقا للشر, فيكون سفيراً لبلاده في الداخل والخارج، ومثالاً وقدوة في كافة الميادين، ويقوم بإصلاح مواطن الخلل، ويذود عن حياض بلاده والعمل على حجب أي ضرر قد يقع بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن لحديث ( من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)

ثالثاً : – الإحترام والتعاون فلابد من التعاون على البر والتقوى واستشعار حالة المحتاج والمريض، فنجد اهتمام المجتمع الإسلامي في العصر الأول باليتيم والمسكين والأرملة والمريض والعاجز والشيخ الكبير والمسجون ومجهولي الهوية، ولا أدل على ذلك من أصناف الزكاة: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل}.. وقال : «من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». وهذه بشارة تدفعنا للعمل تجاه التكافل الاجتماعي.

وعلينا إبراز الخير في بلادنا من تعليم وعلاج مجاني ومساجد وجمعيات خيرية وتوفير المأوى وفرص العمل وتسهيل مهمة الزواج والعلاوات.. كما قال تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث}.

وأيضا السعي إلى الاكتفاء الذاتي لنكون دولة منتجة وليست مستهلكة، وكل يخطط ويفكر ويبتكر، وأن نهتم في المرحلة المقبلة بالاقتصاد لمواكبة العصر.

  • استخدام النقد البناء وهو ألا يتكلم أو يكتب إلا بالبراهين الساطعة والأدلة القاطعة، وبعدها ينتقد دون سباب أو شتائم أو تجريح أو استهزاء أو سخرية، بل يأتي بالشواهد والبدائل الناجحة لتصحيح مسار التنمية في البلاد لتسير في خطوات ثابتة وراسخة، وهو حق مشروع ويكفله القانون.
  • الحفاظ على المال العام فكل شخص مستأمن ويجب عليه عدم الإساءة في استخدام المال العام في الشارع فلا يكسر أو يسرق أو يتحايل أو يخرب أو يسيء استخدام الأجهزة أو يسرق الثروات ويبدها (كل على ثغر فلا يؤتى الإسلام من قبلك).

رابعاً :- الاعتزاز بهويتى الوطنية وهو لا يتنافى مع اعتزازي بدينى بل الاعتزاز بالوطن الآمن لان به وفيه احافظ على دينى ولاافتن فيه

أيها المسلمون عباد الله اتقوا الله فى أوطانكم حافظوا عليها وكونوا سببا فى عزتها بين الامم وليعلم كل واحد منكم أنه على ثغر فى مكانه الفلاح فى أرضه والصانع فى مصنعه والعامل فى عمله والتاجر فى متجره والمعلم فى مدرسته والتلميذ والطبيب والشيخ والمهندس والشرطى والوزير والرئيس الجميع كل على ثغر فليحرص على الا يؤتى وطنه من قبله حفظ الله بلادنا من كل كيد ومكروه

…… الدعاء …………… وأقم الصلاة

الفقير الى عفو ربه / ماهر السيد خضير (امام وخطيب ومدرس أوقاف الاسكندرية)

[1]  الأموال لابن زنجويه (2/ 469) (750) صحيح

[2] النسائى السنن الكبرى صحيح

[3] تاريخ الطبري




خطبة بعنوان: “المواطنة والانتماء حقوق وواجبات”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 27 من شوال 1438هـ الموافق 21 من يوليو 2017م

خطبة بعنوان: “المواطنة والانتماء حقوق وواجبات“، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 27 من شوال 1438هـ الموافق 21 من يوليو 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word  أضغط هنا.

لتحميل الخطبة بصيغة  pdf أضغط هنا.

 

ولقراءة الخطبة كما يلي: 

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: حب الوطن والانتماء إليه غريزة فطرية

العنصر الثاني: المواطنة حقوق وواجبات

العنصر الثالث: الوفاء والتضحية من أجل الوطن

العنصر الرابع: واجبنا نحو غير المسلمين من السائحين والزائرين والمقيمين

المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: حب الوطن والانتماء إليه غريزة فطرية

عباد الله: إن حب الوطن غريزة فطرية في الإنسان، وما من إنسان إلا ويعتز بوطنه؛ لأنه مهد صباه ومدرج خطاه ومرتع طفولته، وملجأ كهولته، ومنبع ذكرياته، وموطن آبائه وأجداده، ومأوى أبنائه وأحفاده، حتى الحيوانات لا ترضى بغير وطنها بديلاً، ومن أجله تضحي بكل غالٍ ونفيس، والطيور تعيش في عشها في سعادة ولا ترضى بغيره ولو كان من حرير، والسمك يقطع آلاف الأميال متنقلاً عبر البحار والمحيطات ثم يعود إلى وطنه، وهذه النملة الصغيرة تخرج من بيتها ووطنها فتقطع الفيافي والقفار وتصعد على الصخور وتمشي على الرمال تبحث عن رزقها، ثم تعود إلى بيتها، بل إن بعض المخلوقات إذا تم نقلها عن موطنها الأصلي فإنها تموت، ولذا يقول الأصمعي:” ثلاث خصال في ثلاثة أصناف من الحيوانات: الإبل تحن إلى أوطانها وإن كان عهدها بها بعيدًا، والطير إلى وكره وإن كان موضعه مجدبًا، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر نفعًا”. وقد روي في ذلك أن مالك بن فهم خرج من السراة ( بلدة بالحجاز) يريد عمان، قد توسط الطريق، حنت إبله إلى مراعيها، وقبلت تلتفت إلى نحو السراة وتردد الحنين؛ فقال مالك في ذلك:

تحن إلى أوطانهـــــــــــا إبل مالك … ومن دونهــــــــــــــــــا عرض الفلا والدكادك

وفي كل أرض للفتى متقـــــــــــــــلب … ولست بدار الذل طوعا برامـــــــــــــــــــــــــــك

ستغنيك عن أرض الحجاز مشارب … رحاب النواحي واضحات المسالك

 فإذا كانت هذه سنة الله في المخلوقات فقد جعلها الله في فطرة الإنسان، وإلا فما الذي يجعل الإنسان الذي يعيش في المناطق شديدة الحرارة، والتي قد تصل إلى ستين درجة مئوية، وذلك الذي يعيش في القطب المتجمد الشمالي تحت البرد القارص، أو ذلك الذي يعيش في الغابات والأدغال يعاني من مخاطر الحياة كل يوم، ما الذي جعلهم يتحملون كل ذلك إلا حبهم لوطنهم وديارهم؟!!

لذلك كان من حق الوطن علينا أن نحبه؛ وهذا ما أعلنه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يترك مكة تركًا مؤقتًا؛ فعن عبد الله بن عدي أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو واقف على راحلته بالحَزْوَرَة مِنْ مَكَّةَ يَقُول: “وَالله إِنَّك لَخَيْرُ أَرضِ اللهِ وَأحَبُّ أرْضِ اللهِ إِلًى اللهِ، وَلَوْلاَ أنِّي أخْرِجْتُ مِنْكِ مَاَ خَرَجْتُ” ( الترمذي وحسنه).

فما أروعَها من كلمات! كلمات قالها الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو يودِّع وطنه، إنها تكشف عن حبٍّ عميق، وانتماءٍ صادقٍ؛ وتعلُّق كبير بالوطن، بمكة المكرمة، بحلِّها وحَرَمها، بجبالها ووديانها، برملها وصخورها، بمائها وهوائها، هواؤها عليل ولو كان محمَّلًا بالغبار، وماؤها زلال ولو خالطه الأكدار، وتربتُها دواء ولو كانت قفارًا.

إنها الأرض التي ولد فيها، ونشأ فيها، وشبَّ فيها، وتزوَّج فيها، فيها ذكرياتٌ لا تُنسى، فالوطن ذاكرة الإنسان، فيها الأحباب والأصحاب، فيها الآباء والأجداد. قال الغزالي: “والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحَشًا، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص”.

وها هو الخليل ابراهيم عليه السلام حين ترك زوجته هاجر وابنه اسماعيل عليه السلام فى مكة المكرمة وهى واد قاحل غير ذى زرع دعا ربه أن ييسر لهم أسباب الاستقرار ووسائل عمارة الديار ؛ فقَالَ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلاَمِ-:{رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}( إبراهيم: 37). وهذا كليم الله موسى عليه السلام حنّ إلى وطنه بعد أن خرج منها مجبراً؛ قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}.(القصص: 29)؛ قال ابن العربي في أحكام القرآن: ” قال علماؤنا: لما قضى موسى الأجل طلب الرجوع إلى أهله وحنّ إلى وطنه وفي الرجوع إلى الأوطان تقتحم الأغرار وتركب الأخطار وتعلل الخواطر. ويقول: لما طالت المدة لعله قد نسيت التهمة وبليت القصة”.

وها هو رسولنا صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: لما أخبر ورقة بن نوفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قومه ـ وهم قريش ـ مخرجوه من مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوَمخرجِيَّ هم؟!) قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزَّرا. قال السهيلي رحمه الله: “يؤخذ منه شدّة مفارقة الوطن على النفس؛ فإنّه صلى الله عليه وسلم سمع قول ورقة أنهم يؤذونه ويكذبونه فلم يظهر منه انزعاج لذلك، فلما ذكر له الإخراج تحرّكت نفسه لحبّ الوطن وإلفه، فقال: (أوَمخرجِيَّ هم؟!

قال الحافظ الذهبي : وهو من العلماء المدقِّقين – مُعَدِّدًا طائفةً من محبوبات رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ” وكان يحبُّ عائشةَ، ويحبُّ أَبَاهَا، ويحبُّ أسامةَ، ويحب سبطَيْه، ويحب الحلواء والعسل، ويحب جبل أُحُدٍ، ويحب وطنه”.

ولتعلق النبي – صلى الله عليه وسلم – بوطنه الذي نشأ وترعرع فيه ووفائه له وانتمائه إليه؛ دعا ربه لما وصل المدينة أن يغرس فيه حبها فقال: ” اللهم حبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنا مكةَ أو أشدَّ”. (البخاري ومسلم.)

وقد استجاب الله دعاءه، فكان يحبُّ المدينة حبًّا عظيمًا، وكان يُسرُّ عندما يرى معالِمَها التي تدلُّ على قرب وصوله إليها؛ فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: “كان رسول الله إذا قدم من سفرٍ، فأبصر درجات المدينة، أوضع ناقتَه – أي: أسرع بها – وإن كانت دابة حرَّكَها”، قال أبو عبدالله: زاد الحارث بن عمير عن حميد: “حركها من حبِّها”. (البخاري.)

ومع كل هذا الحب للمدينة لم يستطع أن ينسى حب مكة لحظة واحدة؛ لأن نفسه وعقله وخاطره في شغل دائم وتفكير مستمر في حبها؛ فقد أخرج الأزرقي في “أخبار مكة” عن ابن شهاب قال: قدم أصيل الغفاري قبل أن يضرب الحجاب على أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، فدخل على عائشة -رضي الله عنها- فقالت له: يا أصيل: كيف عهدت مكة؟! قال: عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، قالت: أقم حتى يأتيك النبي، فلم يلبث أن دخل النبي، فقال له: “يا أصيل: كيف عهدت مكة؟!”، قال: والله عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق إذخرها، وأسلت ثمامها، فقال: “حسبك -يا أصيل- لا تحزنا”. وفي رواية أخرى قال: “ويها يا أصيل! دع القلوب تقر قرارها”.

أرأيت كيف عبر النبي الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- عن حبه وهيامه وحنينه إلى وطنه بقوله: “يا أصيل: دع القلوب تقر”، فإن ذكر بلده الحبيب -الذي ولد فيه، ونشأ تحت سمائه وفوق أرضه، وبلغ أشده وأكرم بالنبوة في رحابه- أمامه يثير لواعج شوقه، ويذكي جمرة حنينه إلى موطنه الحبيب الأثير العزيز!!

أرأيت كيف أن الصحابة المهاجرين -رضوان الله عليهم أجمعين- كانوا يحاولون تخفيف حدة شوقهم وإطفاء لظى حنينهم إلى وطنهم بالأبيات الرقيقة المرققة التي تذكرهم بمعالم وطنهم من الوديان والموارد والجبال! ولما كان الخروج من الوطن قاسيًا على النفس، صعبًا عليها، فقد كان من فضائل المهاجرين أنهم ضحوا بأوطانهم في سبيل الله، فللمهاجرين على الأنصار أفضلية ترك الوطن، ما يدل على أن ترك الوطن ليس بالأمر السهل على النفس، وقد مدحهم الله سبحانه على ذلك فقال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ}. [الحشر: 8].

أيها المسلمون: إن تراب الوطن الذي نعيش عليه له الفضل علينا في جميع مجالات حياتنا الاقتصادية والصناعية والزراعية والتجارية؛ بل إن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يستخدم تراب وطنه في الرقية والعلاج؛ فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في الرقية: ” باسم الله، تُرْبَةُ أَرْضِنا، ورِيقَةُ بَعْضِنا، يَشْفَى سقيمُنا بإذن ربنا”. ( البخاري ومسلم.)

والشفاء في شم المحبوب، ومن ألوان الدواء لقاءُ المحبِّ محبوبَه أو أثرًا من آثاره!! ألم يُشفَ يعقوبُ ويعود إليه بصره عندما ألقَوْا عليه قميصَ يوسفَ؟! قال الجاحظ: ” كانت العرب إذا غزتْ وسافرتْ حملتْ معها من تُربة بلدها رملاً وعفراً تستنشقه عند نزْلةٍ أو زكام أو صُداع.”(الرسائل).

وهكذا يظهر لنا بجلاء فضيلة وأهمية حب الوطن والانتماء والحنين إليه في الإسلام.

العنصر الثاني: المواطنة حقوق وواجبات

عباد الله: إن المواطنة بمفهومها الحقيقي تقتضي أن هناك حقوقاً وواجباتٍ بين المواطن ووطنه ؛ تقتضي مجموعة من الحقوق للمواطن الذي يعيش على أرض الوطن تتمثل في الحرية والكرامة والمساواة والعدل والتعليم والرعاية وغير ذلك من الحقوق التي يشترك فيها جميع المواطنين الذين يعيشون على أرض الوطن على اختلاف عقائدهم وديانتهم وثقافتهم .

وفي مقابل هذه الحقوق على المواطن واجبات عديدة تجاه وطنه من أهمها :

– تربية الأبناء على استشعار ما للوطن من أفضالٍ سابقةٍ ولاحقة عليه – بعد فضل الله سبحانه وتعالى – منذ نعومة أظفاره ، ومن ثم تربيته على رد الجميل ، ومجازاة الإحسان بالإحسان؛ لاسيما أن تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف تحث على ذلك وترشد إليه كما في قوله تعالى : { هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ } ( الرحمن :60 ) .

– الحرص على مد جسور المحبة والمودة مع أبناء الوطن في أي مكانٍ منه؛ لإيجاد جوٍ من التآلف والتآخي والتآزر بين أعضائه الذين يمثلون في مجموعهم جسداً واحداً مُتماسكاً في مواجهة الظروف المختلفة .

– غرس حب الانتماء الإيجابي للوطن ، وتوضيح معنى ذلك الحب ، وبيان كيفيته المُثلى من خلال مختلف المؤسسات التربوية في المجتمع كالبيت ، والمدرسة ، والمسجد، والنادي ، ومكان العمل ، وعبر وسائل الإعلام المختلفة مقروءةً أو مسموعةً أو مرئيةً .

– العمل على أن تكون حياة الإنسان بخاصة والمجتمع بعامة كريمةً على أرض الوطن ، ولا يُمكن تحقيق ذلك إلا عندما يُدرك كل فردٍ فيه ما عليه من الواجبات فيقوم بها خير قيام ؛ فالحب الصادق للأوطان واجبات ومسؤوليات يجب علينا أن نترجمها على أرض الواقع؛ وهذا مكلف به الجميع كل حسب استطاعته ووسعه وما في مقدوره.

– تربية أبناء الوطن على تقدير خيرات الوطن ومعطياته والمحافظة على مرافقه ومُكتسباته التي من حق الجميع أن ينعُم بها وأن يتمتع بحظه منها كاملاً غير منقوص .

– الإسهام الفعال والإيجابي في كل ما من شأنه خدمة الوطن ورفعته سواءٌ كان ذلك الإسهام قولياً أو عملياً أو فكرياً ، وفي أي مجالٍ أو ميدان ؛ لأن ذلك واجب الجميع ؛ وهو أمرٌ يعود عليهم بالنفع والفائدة على المستوى الفردي والاجتماعي .

– التصدي لكل أمر يترتب عليه الإخلال بأمن وسلامة الوطن ، والعمل على رد ذلك بمختلف الوسائل والإمكانات الممكنة والمُتاحة .

– الدفاع عن الوطن عند الحاجة إلى ذلك بالقول أو العمل؛ جميل أن يموت الإنسان من أجل وطنه، ولكن الأجمل أن يحيى من أجل هذا الوطن!!

العنصر الثالث: الوفاء والتضحية من أجل الوطن

عباد الله: إن المسلم الحقيقي يكون وفيًّا أعظم ما يكون الوفاء لوطنه، محبًّا أشد ما يكون الحب له، مستعدًا للتضحية دائمًا في سبيله بنفسه ونفيسه، ورخيصه وغاليه، فحبه لوطنه حب طبيعي مفطور عليه، حب أجل وأسمى من أن ترتقي إليه شبهة أو شك، حب تدعو إليه الفطرة، وترحب به العقيدة، وتؤيده السنة، وتجمع عليه خيار الأمة؛ فيا له من حب!

قيل لأعرابي: كيف تصنعون في البادية إذا اشتد القيظ (الحر) حين ينتعل كل شيء ظله؟! قال: “يمشي أحدنا ميلاً، فيرفض عرقًا، ثم ينصب عصاه، ويلقي عليها كساه، ويجلس في فيه يكتال الريح، فكأنه في إيوان كسرى”. أي حب هذا وهو يلاقي ما يلاقي!! إنه يقول: أنا في وطني بهذه الحالة مَلِكٌ مثل كسرى في إيوانه.

إن المواطنة الحقة قيم ومبادئ وإحساس ونصيحة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وعزة وموالاة وتضحية وإيثار والتزام أخلاقي للفرد والأمة، إنها شعور بالشوق إلى الوطن حتى وإن كان لا يعيش الفرد في مرابعه كما قال شوقي:

وطني لو شغلت بالخلد عنه *** نازعتني إليه بالخلد نفسي

فأين هؤلاء الذين يدّعون حب الوطن والوطنية ولا ترى في أعمالهم وسلوكياتهم وكلامهم غير الخيانة والعبث بمقدراته، والعمالة لأعدائه، وتأجيج الفتن والصراعات بين أبنائه، ونشر الرذيلة ومحاربة الفضيلة!!

 أين الوفاء للأرض التي عاشوا فيها وأكلوا من خيراتها، وترعرعوا في رباها، واستظلوا تحت سماها، وكانت أرض الإيمان والتوحيد والعقيدة الصافية!!

عباد الله : يجب على كل مسلم أن يحب وطنه، ويتفانى في خدمته، ويضحي للدفاع عنه؛ فحب الوطن والدفاع عنه لا يحتاج لمساومة؛ ولا يحتاج لمزايدة؛ ولا يحتاج لشعارات رنانة؛ ولا يحتاج لآلاف الكلمات؛ أفعالنا تشير إلى حبنا، حركاتنا تدل عليه؛ حروفنا وكلماتنا تنساب إليه، أصواتنا تنطق به؛ آمالنا تتجه إليه، طموحاتنا ترتبط به، لأجل أرض وأوطان راقت الدماء؛ لأجل أرض وأوطان تشردت أمم، لأجل أرض وأوطان تحملت الشعوب ألواناً من العذاب؛ لأجل أن نكون منها وبها ولها؛ وإليها مطالبون أينما كنا أن نحافظ عليها !!

حب الوطن والتضحية من أجله هو واقع يستحق أن نعمل بحب وتفان من أجل المحافظة عليه لأنه أثمن ما في وجودنا وانتمائنا، فالوطن هو التاريخ والحضارة والتراث، وهو الذي سكن جسدنا وروحنا وذاكرتنا، ومن أجله وخاصة في هذه الفترة العصيبة نحتاج إلى العمل من دون مقابل، لأن الوطن فوق كل شيء.

بِلاَدِي هَوَاهَا فِي لِسَانِي وَفِي دَمِي …………… يُمَجِّدُهَا  قَلْبِي  وَيَدْعُو  لَهَا  فَمِي

يروى أنه عندما تقدم نابليون نحو الأراضي الروسية بقصد احتلالها، صادف فلاحا يعمل بمنجله في أحد الحقول، فسأله عن أقرب الطرق المؤدية إلى إحدى البلدان بعد أن أعلن له عن شخصيته، فقال له الفلاح ساخرا: «ومن نابليون هذا ؟!.. إنني لا أعرفه!». فقال نابليون غاضبا: «سوف أجعلك تعرف من أنا». ثم نادى أحد الضباط وأمره بأن يسخن قطعة من المعدن على هيئة حرف «N» الذي يبدأ به اسم نابليون حتى درجة الاحمرار ثم يلصقها بذراعه اليسرى. وبعد أن تم لنابليون ما أراد، هوى الفلاح بالمنجل على ذراعه من عند الرسغ وقطعها، وقال لنابليون والدم ينزف منه: «خير لي أن أموت أو أحيا بذراع واحدة من أن أعيش بجسم تلوث بالحرف الأول من اسمك.. إنني وما أملك لبلادي».

ذهل نابليون من رد فعل هذا الفلاح، فصاح في جنوده أن يحضروا الزيت، ويقوموا بغليه، ويغمروا البقية الباقية من يده فيه، لإيقاف النزيف، قائلا لهم: «حرام أن يموت رجل يملك هذه الشجاعة وهذه الوطنية»، لكنهم إلى أن أحضروا الزيت وقاموا بغليه كان الفلاح قد نزف دما كثيرا، وما هي إلا دقائق حتى لفظ أنفاسه.

وحزن نابليون عليه حزنا شديدا لدرجة أنه أمر بحفر قبر له يدفن فيه، ومكث في المكان نفسه عدة أيام، وقبل أن يغادر وضع قبعته الشخصية على القبر وتركها تكريما وتقديرا لذلك الفلاح الجريء؛ وأمر قواته بأن تتجاوز تلك القرية ولا تدخلها أبدا.

فأين نحن من تضحياتنا لوطننا؟ فالتضحية من أجل الوطن ليست مقتصرة على مواجهة العدو والموت في سبيل الوطن ورفع الشعارات؛ أين هؤلاء الذين يدّعون حب الوطن والوطنية وهم من ذلك براء؟! ولا ترى في أعمالهم وسلوكياتهم وكلامهم غير الخيانة والعبث بمقدراته، والعمالة لأعدائه، وتأجيج الفتن والصراعات بين أبنائه، ونشر الرذيلة ومحاربة الفضيلة!!

أحبتي في الله: إن واجبنا نحو التضحية من أجل وطننا أن يضحي كل فرد في المجتمع بحسب عمله ومسئوليته؛ فيضحي الطبيب من أجل حياة المريض؛ ويضحي المعلم من أجل تعليم وتنشئة الأولاد؛ ويضحي المهندس من أجل عمارة الوطن؛ ويضحي القاضي من أجل إقامة وتحقيق العدل؛ ويضحي الداعية من أجل نشر الوعي والفكر الصحيح بين أفراد المجتمع وتصحيح المفاهيم المغلوطة والأفكار المنحرفة؛ وتضحي الدولة من أجل كفالة الشعب ورعايته؛ ويضحي الأب من أجل معيشة كريمة لأولاده؛ ويضحي الجندي من أجل الدفاع عن وطنه؛ ويضحي العامل من أجل إتقان عمله؛ وتضحي الأم من أجل تربية أولادها..إلخ…. إننا فعلنا ذلك فإننا ننشد مجتمعا فاضلا متعاونا متكافلا تسوده روابط المحبة والإخلاص والبر والإحسان وجميع القيم الفاضلة.

العنصر الرابع: واجبنا نحو غير المسلمين من السائحين والزائرين والمقيمين

أحبتي في الله: لقد اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بالآخر؛ وقد جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تؤكد علاقات السلم والسلام والأمان مع غير المسلمين من السائحين والزائرين والمقيمين سواء من أهل الكتاب أم من غيرهم ؛ قال تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8].

قال الطبري: ” لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبَرُّوهم وتصِلوهم، وتُقسطوا إليهم، وإن الله عز وجل عم بقوله: ﴿ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ﴾ [الممتحنة: 8] جميعَ مَن كان ذلك صفتَه، فلم يخصص به بعضًا دون بعضٍ” أ.ه .

ويقول الإمام القرطبي (رحمه الله) في تفسيره لهذه الآية: ” دخل ذمي (رجل من غير المسلمين) على إسماعيل بن إسحاق القاضي فأكرمه، فأخذ عليه الحاضرون في ذلك، فتلا هذه الآية عليهم “.

 ولا يخفى علينا بر أسماء بنت الصديق لأمها وهي مشركة؛ فعن أسماء بنت أبي بكرٍ قالت: قدِمَتْ علَيَّ أمي وهي مشركة في عهد قريشٍ إذ عاهَدهم، فاستفتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، قدِمَتْ عليَّ أمي وهي راغبة، أفأصِلُ أمي؟ قال: ” نَعم، صِلِي أمَّكِ “.(متفق عليه). يقول الإمام القرطبي (رحمه الله): فيه دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال، إن كانا فقيرين، وإلانة القول والدعاء إلى الإسلام برفقٍ”.

ونحن نعلم أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يحتوي جميع الملل والأديان المختلفة؛ فكان جيرانُ نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم بالمدينة وما حولها أصحابَ ديانات مختلفة، فكان منهم اليهود والنصارى والمشركون الذين يعبدون الأصنام، وعلى الرغم من ذلك كان يدعوهم إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يجبرهم على الدخول في الإسلام، ولم يعتدِ على حرماتهم وأموالهم، وترك لهم حرية العبادة، مع أن المسلمين كانوا أصحاب الكلمة العليا في المدينة، ولم يسفك دم أحدٍ منهم بغير حق، بل كان يزور مرضاهم ويأمر بالإحسان إليهم؛ ونحن نعلم أن زيارته للغلام اليهودي كانت سبباً في إسلامه!

فعن أنسٍ رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: ” أسلِمْ “، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطِعْ أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ” لحمد لله الذي أنقذه من النار “.( البخاري ).

كذلك فعل من بعده – صلى الله عليه وسلم – الصحابة والتابعون مع جيرانهم من غير المسلمين.

 فقد روى البخاري (في الأدب المفرد) عن مجاهد بن جبرٍ قال: كنت عند عبدالله بن عمرٍو – وغلامه يسلخ شاةً – فقال: يا غلام، إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي، فقال رجل من القوم: اليهودي أصلحك الله؟ قال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بالجار، حتى خشينا أو رُئِينا أنه سيورِّثه.

وإليكم هذه الصورة السمحة التي تعبر عن سماحة الإسلام ومدي تمسك أفراده بالحلم والسلم والعفو والصبر وجميع القيم الإنسانية؛ والتي كانت سبباً لدخول الكثيرين في الإسلام!

” فقد روي أنه كان لسهل بن عبدالله التستري (رحمه الله) جارٌ مجوسي، وكان قد انبثق مِن كنيفه (مرحاضه) إلى بيت سهل ثقب، فكان سهل يضع كل يوم الجَفنة (الوعاء) تحت ذلك الثقب فيجتمع ما يسقط فيه من كنيف المجوسي ويطرحه بالليل حيث لا يراه أحد، فمكث رحمه الله على هذه الحال زمانًا طويلًا إلى أن حضرت سهلًا الوفاة، فاستدعى جاره المجوسي، وقال له: ادخُلْ ذلك البيت وانظر ما فيه، فدخل فرأى ذلك الثقب والقذر يسقط منه في الجفنة، فقال: ما هذا الذي أرى؟! قال سهل: هذا منذ زمان طويل يسقط من دارك إلى هذا البيت وأنا أتلقاه بالنهار وألقيه بالليل، ولولا أنه حضرني أجلي وأنا أخاف ألا تتسع أخلاق غيري لذلك، وإلا لم أخبرك، فافعل ما ترى، فقال المجوسي: أيها الشيخ، أنت تعاملني بهذه المعاملة منذ زمان طويل وأنا مقيم على كفري؟ مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم مات سهل رحمه الله”. (الكبائر للذهبي).

هذه هي أخلاق الإسلام مع غير المسلمين من السائحين والزائرين والمقيمين؛ وهذا ما يجب علينا جميعا أن نظهره للآخر؛ فهذه دعوة عملية فعلية؛ وهي أبلغ وأقوى تأثيراً من القول؛ فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كونوا دعاة إلى الله وأنتم صامتون . قيل : وكيف ذلك؟ قال : بأخلاقكم !! فأين نحن من هذه المعاني ؟!!

أيها المسلمون: إن غير المسلمين في بلدنا لهم عهد وأمان وذمة سواء كانوا سيَّاحاً أو زائرين أو مقيمين؛ وأن الغدر بهم أو الاعتداء عليهم جريمة نكراء وفعلة شنعاء؛ أوقع ديننا الحنيف بفاعلها أشد العقوبة والتنكيل في الدنيا والآخرة؛ فقد روى البخاري عن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من قتل معاهدًا، لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا ” .

قال الإمام ابن حجر العسقلاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (مَن قتل معاهدًا) المراد بالمعاهد: هو من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزيةٍ أو هدنةٍ من سلطانٍ، أو أمانٍ من مسلمٍ”.أ.ه

وروى النسائي عن عمرو بن الحمق الخزاعي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” من آمن رجلًا على دمه، فقتله، فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافرًا “.

وهكذا – أيها المسلمون – حرم الإسلام جميع الدماء بما فيها دماء غير المسلمين؛ ووضع أسس وقواعد الأمان والسلام والمواطنة في التعامل مع الآخر ؛ فهل بعد ذلك يأتي أحد حاقد على الإسلام فيقول إنه دين قتل وإرهاب؛ ويلصق به من التهم ما هو منها براء ؟!!!

نسأل الله أن يجعل بلدنا أمنا أمانا سلاما وسائر بلاد المسلمين؛ اللهم من أراد بلادنا وسائر بلاد المسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميره !!

الدعاء……..                                                      وأقم الصلاة،،،،

 كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

 د / خالد بدير بدوي

 




خطبة بعنوان : “انظروا!!: كيف أسس الرسول صلي الله عليه وسلم لبناء الوطن والمحافظة عليه” ، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 27 من شوال 1438هـ، الموافق 21 يوليو 2017م

خطبة بعنوان : انظروا!!: كيف أسس الرسول صلي الله عليه وسلم لبناء الوطن والمحافظة عليه ، لفضيلة الشيخ عبد الناصر بليح، بتاريخ 27 من شوال 1438هـ، الموافق 21 يوليو 2017م.

 

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

 

الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما .

أما بعد: فيا جماعة الإسلام : من اتهامات بعض المستشرقين أن الإسلام أغفل مفهوم المواطنة في الدولة التي أقامها، وكان فيها تمايز بين سكانها المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات والمذاهب الأخرى، إذ حددت مفهومي المواطنة والهوية على أساس الانتماء للدين الإسلامي فقط. وهم بذلك يتغافلون او يغيبون حقائق التاريخ التي تدحض مصادره ووثائقه هذا الادعاء، وتؤكد على بطلانه، بل هي تشير إلى أن البناء الأول للدولة الإسلامية حين كانت في طورها الجنيني، قد تم تأسيسه على مفهوم المواطنة من خلال تحديد هوية الانتماء للدولة لجميع رعيتها من خلال تحديد الحقوق والواجبات.

ونقول :”  إن عهد النبي صلي الله عليه وسلم  بقسميه المكي والمدني كان مرحلة تأسيس وبناء لكيان هذه الأمة ، ووضع الأسس والقواعد العامة التي تسير على ضوئها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ولكن الفترة المكية كانت تمهيدا للفترة المدنية  ففي الأولى تكونت نواة المجتمع المسلم ، وكان التركيز فيها على قواعد الإسلام ، وخاصة فيما يتعلق بعقيدته ، فهي أسس لا بد منها قبل البدء في المرحلة العملية ، وهي إنشاء الدولة ، فتلك الفترة التأسيسية لازمة لتحديد منهج الإسلام وتقريره في النفوس ،

بناء الفرد :

والفرد هو الذي تقوم عليه الدولة وتعلو وتأسس لذلك كان لرسول الله صلي الله عليه وسلم رؤية واضحة من أول يوم أمره الله عز وجل أن ينذر عشيرته الأقربين فلم يبدأ بأعمامه  أبو لهب و أبو طالب..وإنما بدأ بعامة الشعب وليس بعلية القوم مع أنه عاني الأمرين في سبيل نشر الدعوة الإسلامية ..

فلقد تحمل الرسول صلي الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين الأوائل الصعاب والمشاق في سبيل  نشر الدين الإسلامي وتعرضوا لأشد أنواع العذاب والتنكيل .. روى الإمام أحمد وابن ماجه عن ابن مسعود قال :  أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله صلي الله عليه وسلم  وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد . فأما رسول الله صلى صلي الله عليه وسلم  فمنعه الله بعمه وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب ( مكة ) وهو يقول : أحد أحد .ووصل بهم الأمر أن اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمون الجهد و اشتد عليهم البلاء و جمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه و سلم علانية فرأى أبو طالب أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه و سلم شعبهم و أمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله..فأجمعوا أمرهم ألا يجالسوهم و لا يبايعوهم و لا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلي الله عليه وسلم    للقتل و كتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق : لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا و لا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين و اشتد عليهم البلاء و الجهد و قطعوا عنهم الأسواق فلا يتركوا لهم طعاما يقدم مكة و لا بيعا إلا بادروهم إليه فاشتروه يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله عليه و سلم..(سيرة ابن كثير).

ومن الملاحظ هنا أن الرسول صلي الله عليه وسلم ركز في دعوته لبناء الدولة علي الفقراء والضعفاء والشباب ولم يركز علي أكابر الناس وعلية القوم فنظرة الإسلام إلي هؤلاء علي أنهم نصرة وقوة ولطالما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ونادي بذلك  فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ابغوني في ضعفائكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم “(  أبو داود والترمذي والنسائي).وعن مصعب بن سعد قال رأى سعد رضي الله عنه أن له فضلا على من دونه فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم  هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم “( البخاري والنسائي ). وعنده فقال النبي صلي الله عليه وسلم  إنما تنصر هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم” .

**حب الوطن :

وربي  الرسول صلي الله عليه وسلم  الصحابة علي حب الوطن وعده من الإيمان فموطن الإنسان منا أحب إليه من نفسه وولده وأغلي عنده من ماله وكل ما يملك لذلك عد رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي يموت في سبيل الدفاع عن أرضه من الشهداء وقرنه مع الدفاع عن النفس والمال والعرض والأهل ..ولما خرج رسول الله صلي الله عليه وسل مهاجراً من مكة إلى المدينة كما روي عنه :وقف علي الحزورة(سوق) ونظر إلى البيت وقال :والله انك لأحب أرض الله إلي وانك لأحب أرض الله إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت منك”(الترمذي والنسائي –زادالمعاد1/8).  وهذا يشير إلى مدي حب رسول الله صلي الله عليه وسلم لبلده مكة المكرمة موطن ولادته ونشأته وفيها البيت الحرام ولأنها منزل الوحي ولأن بها الأهل والأقربين ولأن بها مآثر إبراهيم.(خاتم النبيين2/5) ولا عجب فحب الوطن من الإيمان وقديما قال الحكماء :”الحنين من رقة القلب ورقة القلب من الرعاية والرعاية من الرحمة والرحمة من كرم الفطرة وكرم الفطرة من طهارة الرشدة(أي صحة النسب) وطهارة الرشدة من كرم المحتد(أي الأصل )وقال أخر:”ميلك إلى مولدك من كرم محتدك “وقال بعض الفلاسفة:”فطرة الرجل معجون بحب الوطن”ولذا قال أبقراط :يداوي كل عليل بعقاقير أرضه فان الطبيعة تتطلع لهوائها وتنزع إلى غذائها.وقالت الهند:حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك لأن غذائك منها وأنت جنين وغذاءهما منه” وقال أخر:من إمارات العاقل بره لإخوانه وحنينه لأوطانه ومداراته لأهل زمانه.وكانت العرب اذا غزت وسافرت حملت معها من تربة بلادها رملا وعفرا(ترابا) تستنشقه عند نزلة أو زكام  أو صداع”(0الحنين إلى الأوطان لأبي عثمان  ).لذلك كانت السيدة عائشة رضي اله عنها دائماً تقول :”ما رأيت القمر أبهي ولا أجمل مما رأيته في مكة”وذلك كناية علي حبها وعشقها وشدة حنينها للوطن..

حرية العقيدة

أخوة الإيمان والإسلام :

وأسس الرسول صلي الله عليه وسلم  الوطن علي  حرية الرأي والعقيدة :ـ أولع خصوم الإسلام في كل عصر بتوجيه هذه التهمة أن الإسلام انتشر بحد السيف ، والإسلام منها براء. فهو لم يكره الناس على الإيمان بالسيف ولم يضعه على رقابهم ليشهدوا بشهادته أويدينوا بعقيدته فهذه التهمة باطلة . فمبدأُ السلام لا يقوم إلاَّ على المساواة في الحقوق ، ولو اختلف الناس في العقيدة ، فالحياةُ الآمنةُ الحُرَّةُ العادلةُ حقُ الإنسانِ ، ولا يَتَحَقَّقُ له العيشُ بأمنٍ وسلامٍ إلاَّ إذا أمن على ما يعتقد بحرية كاملة ، دون إكراه أحدٍ على ما يريد . فكانت كفالة الإسلام لحرية العقيدة لجميع الناس ، أثبت ذلك القرآن الكريم قبل خمسة عشر قرناً قال الله تعالى ” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ “(256 /البقرة)   .  

في هذه الآية يمنح الله حرية المعتقد دون تدخل أو إلزام أو جبر ، غير أنه سبحانه صرحَ مُحَذِّراً الناسَ مِنْ إختيار عقيدةَ الكفرِ بِهِ سبحانه بقوله تعالى :” وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (البقرة/108) . وقال أيضاً سبحانه ” وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ “(106/النحل).

هذا حكم الله في الآخرة . وأما في هذه الدنيا ، فكل فرد من ذرية آدم له حق اختيار العقيدة التي يريدها ، وقد سمح الإسلام لجميع الناس بوذيين وغيرهم مهما اختلفت عقائدهم بممارسة طقوسهم التعبدية . ـ ففي عهد عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء (القدس) نص على حُريتهم الدينية، وحرمة معابدهم وشعائرهم: “هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملَّتها، لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم. ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود . . “( الطبري) . ـ واعتبر النبي صلي الله عليه وسلم السلام مع غير المسلم عبادة نتعبد بها لله تعالي ( فروى عنه: “من آذى ذِمِّياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة” .(  الخطيب بإسناد حسن). وعنه أيضًا: “من آذى ذميًا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله” .(  الطبراني في الأوسط بإسناد حسن). و يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم -: ” من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقًا أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة” .(  أبو داود والبيهقي .). ودماؤهم وأنفسهم معصومة باتفاق المسلمين، وقتلهم حرام بالإجماع ؛ يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم -: “من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا”( البخاري) .

الإسلام لا يجبر الشخص على الدخول فيه قال الله تعالى: “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ “( البقرة256.).  قال ابن كثير رحمه الله: “أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فإنه بيّن واضح جلي في دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يُكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، فأكثر الكفار دخلوا في دين الإسلام بالاقتناع، وليس بالقوة، وكانت الحرب عندما يرفض الكفار تسليم بلدانهم للمسلمين، كان المسلمون يريدون البلدان لإقامة شرع الله فيها، وتحكيم الإسلام فيها، ودعوة الناس بالحسنى، فإذا قام ملك دون ملكه وسلطان دون سلطانه وكفار يمنعون المسلمين من الدخول لتحيكم الإسلام كان القتال يقوم، من أجل أن يُقام الدين،:” وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه “(الأنفال39.) وهكذا كانت راية الإسلام تعلو في البلدان المختلفة، إن دعوة الإسلام إلى المسامحة شيء معروف لكنه ليس ذلاً ولا تنازلاً عن شيء من الدين، والكفار لا يُعاملون في الشريعة معاملة واحدة، لأنها قائمة على العدل، فهم أنواع، فمنهم كفار محاربون وكفار مسالمون، فالكفار المحاربون لا يجوز أن يُفعل لهم معروف، ولا نوع من البر، ولا الصلة، ما داموا قائمين بالحرب، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ“) الممتحنة9.). إذاً هؤلاء لا يمكن عمل المعروف معهم، ما داموا قد حملوا السلاح على المسلمين، يريدون أن يطفئوا نور الله، وكفار آخرون مسالمون، يقولون للمسلمين هذه بلادنا ادخلوها وأقيموا فيها دينكم ونحن لا نريد حرباً ولا قتالاً ولا أن نرفع عليكم سلاحاً، هؤلاء الذين يرغبون في التعامل مع المسلمين على أساس السلم والاحترام المتبادل وأن تكون الهيمنة للإسلام والحكم للإسلام، والشريعة المطبقة في البلد الإسلام لا يجوز الاعتداء عليهم بأي نوع من الاعتداء البتة.

أمثلة من تعامل النبي صلي الله عليه وسلم ، والسلف مع غير المسلمين

عباد الله: كان النبي صلي الله عليه وسلم  يقوم بدعوة أهل الكتاب ويزور مرضاهم طاعة لله، ولا ينهى البنت المسلمة أن تبر أمها المشركة ما دامت جاءت راغبة في الصلة غير رافعة للسلاح على المسلمين، والكافر إذا كان معاهداً أو ذمياً فلا يجوز خرق عهد الأمان معه ولا الاعتداء عليه، وقال النبي صلي الله عليه وسلم  :”ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة”( أبو داود ). النبي صلي الله عليه وسلم  قال :” من قتل معاهداً له ذمة الله، وذمة رسوله؛ حرّم الله عليه ريح الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة سبعين خريفا”(البخاري).*وكان صلي الله عليه وسلم  يغشى مخالفيه في دورهم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينا نحن في المسجد إذ خرج إلينا رسول الله صلي الله عليه وسلم  فقال :” انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئناهم فقام رسول الله صلي الله عليه وسلم  فناداهم فقال : ” يا معشر يهود أسلموا تسلموا ” فقالوا : قد بلغت يا أبا القاسم . . الحديث . وعاد صلي الله عليه وسلم  يهودياً ، كما في البخاري عن أنس رضى الله عنه أن غلاما ليهود كان يخدم النبي صلي الله عليه وسلم  فمرض فأتاه النبي صلي الله عليه وسلم  يعوده فقال : ( أسلم ) فأسلم .وكان صلي الله عليه وسلم  يعامل مخالفيه من غير المسلمين في البيع والشراء والأخذ والعطاء ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت :” توفي النبي صلي الله عليه وسلم  ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين . يعني : صاعا من شعير .وكان صلي الله عليه وسلم  يأمر بصلة القريب وإن كان غير مسلم فقال لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما : صلي أمك .وفي المدينة حيث تأسس المجتمع الإسلامي الأول وعاش في كنفه اليهود بعهد مع المسلمين وكان صلي الله عليه وسلم  غاية في الحلم معهم والسماحة في معاملتهم حتى نقضوا العهد وخانوا رسول الله صلي الله عليه وسلم  ، أما من يعيشون بين المسلمين يحترمون قيمهم ومجتمعهم فلهم الضمان النبوي ، فقد ضمن صلى الله عليه وسلم لمن عاش بين ظهراني المسلمين بعهد وبقي على عهده أن يحظى بمحاجة النبي صلي الله عليه وسلم  لمن ظلمه فقال صلي الله عليه وسلم  : ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة . تلك صور من سماحة النبي صلي الله عليه وسلم  مع غير المسلمين وهو ما سار عليه الصحابة رضي الله عنهم والتابعون من بعدهم ..

وكان عمر رضي الله عنه يسأل الوافدين عليه من الأقاليم عن حال أهل الذمة، خشية أن يكون أحد من المسلمين قد أفضى إليهم بأذى، فيقولون له: ” ما نعلم إلا وفاءً” وعليٌّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: “إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا” وما روي أن عليًّا أُتي برجل من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة، فقامت عليه البيِّنة، فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت، قال: فلعلهم هددوك وفرقوك، قال: لا، ولكن قتله لا يرد علَيَّ أخي، وعوَّضوا لي ورضيتُ . قال: أنت أعلم؛ من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا. ( الطبراني والبيهقي) . وقد صح عن عمر بن عبد العزيز: أنه كتب إلى بعض أمرائه في مسلم قتل ذميًّا، فأمره أن يدفعه إلى وليه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه . . فدُفِعَ إليه فضرب عنقه . ــ ولقد بلغ سلام الإسلام مع غير المسلمين بأن أمنهم عند العجز والشيخوخة وضمن لهم في ظل دولته، كفالة المعيشة الملائمة لهم ولمن يعولونه، لأنهم رعية للدولة المسلمة وهي مسئولة عن كل رعاياها، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:”كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته” . (متفق عليه  ) وهذا ما مضت به سُنَّة الراشدين ومَن بعدهم. ـ فقد رأى عمر بن الخطاب شيخًا يهوديًا يسأل الناس، فسأله عن ذلك، فعرف أن الشيخوخة والحاجة ألجأتاه إلى ذلك، فأخذه وذهب به إلى خازن بيت مال المسلمين، وأمره أن يفرض له ولأمثاله من بيت المال ما يكفيهم ويصلح شأنهم، وقال في ذلك: ما أنصفناه إذ أخذنا منه الجزية شابًا، ثم نخذله عند الهرم! وفي عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق، وكانوا من النصارى: “وجعلت لهم، أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعِيل من بيت مال المسلمين هو وعياله” . وكان هذا في عهد أبي بكر الصِّدِّيق، وبحضرة عدد كبير من الصحابة، وقد كتب خالد به إلى الصِّدِّيق ولم ينكر عليه أحد، ومثل هذا يُعَد إجماعًا. والفضل ما شهدت به الأعداء :ــ شهد بذلك رجال الفكر الغربي عن كَسَبٍ..

**   صيانة الوطن  من الفتن والقلاقل:

فقد أسس الرسول صلي عليه وسلم للوطن بصيانته من الفتن والقلاقل والمظاهرات عملاً بقول المولي عزوجل:“وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”(الأنفال/25).

كما أمر بالتصدي لها فقال تعالي :” وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ “(الأنفال /39).

كما حذر من كفر هذه النعمة وجحودها والتفريط فيها فقال تعالي :”وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ”(النحل/112).وورد عن أنس رضي الله عنه “الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها.( السيوطي).

وعن حذيفة قال كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني قال قلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال نعم قلت وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال نعم وفيه دخن . قلت وما دخنه ؟ قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر . قلت فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها . قلت يا رسول الله صفهم لنا . قال هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا . قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم . قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك “(متفق عليه ). وفي رواية لمسلم قال يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس . قال حذيفة قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال تسمع وتطيع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع”.(متفق عليه ).

وعن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله أبي يغترون أم علي يجترؤون ؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران.( الترمذي) .

وذلك لأن الفتن خطرها عظيم وشرها مستطير,فهي تزعزع الأمن وتقوض الاستقرار والذي يسير فيها تؤدي به إلي الهلاك والدمار إلا من عصمه الله عزوجل وتمسك بهدي نبيه صلي الله عليه وسلم  حيث يقول:”إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي قيل أفرأيت إن دخل علي بيتي قال كن كابن آدم”(صحيح الجامع).‌

وعن أهبان بن صيفي قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:” إنه ستكون فرقة واختلاف فإذا كان كذلك فاكسر سيفك واتخذ سيفا من خشب واقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية “(أحمد والترمذي).. ‌

وأكثر من الدعاء وسأل الله النجاة والسلامة فكان رسول الله صلي الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الفتنة  دائماَ ” اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من عذاب النار وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات .”(أحمد).

وعمل علي إخماد نار الفتنة والبعد عن كل ما يشعلها سواء بالقول أو الفعل ..وسارع بالتوبة إلي الله وتلاوة كتابه ففيه الهدي والأمن والأمان قال تعالي:” فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى”(طه/123).

وعن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إنها ستكون فتن ” قال : فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : ” كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه جبارا قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا تنقضي عجائبه ولا تشبع منه العلماء من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم”.(الترمذي).

وكما شدد الإسلام علي تجنب الفتنة لأن خطرها شديد علي استقرار الأمن في البلاد وكفي أن قال المولي عز وجل فيها “وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ”(البقرة/191).  وقال تعالي:”وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ”(البقرة/217).

وحتي لا تكن فتنة تجر خلفها دمار وفساد حذر الرسول صلي الله عليه وسلم من دواعيها ومقدماتها فروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم :”إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض . ‌”(الترمذي وابن ماجة والحاكم).

بناء الأوطان علي العدل والحق :

وقد أسس الرسول صلي الله عليه وسلم لبناء الوطن علي العدل والحق بين الجميع لأن الظلم هو أساس كل بلية فما من مجتمع يقوم علي الظلم والقهر إلا قوض الظلم أمنه واستقراره وكان سبباَ في التعجيل بهلاكه قال تعالي :”وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا “.(الكهف/59).

وقال بعض العلماء: فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى :” اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً ” .

  وقد حذرا لمولي عز وجل الظلمة وأنذرهم بأنه سبحانه وتعالي لا يغفل عنهم وسوف يعاقبهم عاجلاَ أم أجلاَ فقال تعالي :”وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ “.(إبراهيم/42).   

  عن أبي بردة عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته ثم قرأ “وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة”.(صحيح).

   ومن منطلق التنديد بالظلم بين الله عزوجل أنه حرم الظلم علي نفسه وجعله بين الناس محرماَ:”قال الله تعالى :”يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا”.(مسلم).

  وعن أبي ذر عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:”اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم وحملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم .(أحمد و غيره). ‌  

  كما حذر من دعوة المظلوم فهي مستجابة علي الفور ولو كان المظلوم كافراَ فعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم :”إياكم ودعوة المظلوم وإن كانت من كافر فإنه ليس لها حجاب دون الله عز وجل .”(حسن  ). ‌  

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراَ       فالظلم ترجع عقباه إلي الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه       يدعو عليك وعين الله لم تنم .

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي المبعوث رحمة للعالمين ..وبعد:

فقد بني الرسول الدولة الإسلامية علي الحب والإخاء والمساواة فأول بيان أعلنها لتأسيس الوطن وجهه للناس جميعاً وليس للمسلمين فقط :” ” يا أيها الناس ! أفشوا السلام و أطعموا الطعام و صلوا الأرحام و صلوا بالليل و الناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ” (الترمذي وغيره).

فالإسلام سلام للبشرية :ـ من منطلق مبدأ السلام الذي يحتوي على أمن الناس وسعادتهم ، فإنه عمم أمره بين الإنسانية قاطبة لينشروه  و الخطاب للناس كافة ، ثم فضَّلَ من سبق غيره في إقامة السلام ، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ الَّذِي بَدَأَهُمْ بِالسَّلامِ “(أبو داود) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ، يلتقيان : فيعرض هذا ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام “(البخاري ).

ودعي إلي الأمن والأمان حتي يشعر الفرد بكرامته فقال صلي الله عليه وسلم :” من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ” . لذلك وقف بحزم تجاه هؤلاء الذين يروعون الآمنين ويخربون في الأرض”إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ  لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  (المائدة/33).وقال صلي الله عليه وسلم :”من روع مؤمنا لم يؤمن الله روعته يوم القيامة ومن سعى بمؤمن أقامه الله مقام ذل وخزي يوم القيامة .”(السيوطي).

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”من سود مع قوم فهو منهم ومن روع مسلما برضاء سلطان جيء به معه يوم القيامة”

وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا يحل لمسلم أن يروع مسلما (   أبو داود).

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  من أشار على أخيه بحديدة لعنته الملائكة”(الترمذي ).

بناء الأوطان بعيداً عن التعصب والعصبية “

 وقد راعي الرسول صلي الله عليه نزعة العرب في الجاهلية وتعصبهم وعصبيتهم لأتفه الأسباب ..  فأراد أن يحمي الوطن بسياج من الحب والوئام  بعيداً عن  التعصب للجماعة أو الطائفة ، فلا يقبل من الدين والعلم والرأي إلا ما جاء عن طريقهم ، ولا يصدر إلا عن رأيهم ، ومثل هذا التعصب: “من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله ”  وهو من فعل أهل الجاهلية .

والتعصب من أعظم الأمور شرًا وفسادًا ، فهو يجر على الأمة المصائب والويلات ، لأنه يمنع من سماع الحق فضلًا عن قبوله ، ويحمل على الانقياد للأهواء ، والمتابعة على غير حجة أو برهان ، قال الشوكاني رحمه الله: ” واعلم أنه كما يتسبب عن التعصب محق بركة العلم ، وذهاب رونقه ، وزوال ما يترتب عليه من الثواب ، كذلك يترتب عليه من الفتن المفضية إلى سفك الدماء ، وهتك الحرم ، وتمزيق الأعراض ، واستحلال ما هو في عصمة الشرع ما لا يخفى على عاقل ، ولا يخلو عصر من العصور ، ولا قطر من الأقطار من وقوع ذلك . . وهذا يعرفه كل من له خبرة بأحوال الناس ” . (أدب الطلب ومنتهى الأرب ، ص92  ).

ومما اتفقت عليه الأمة أن كل فرد من الناس – فردًا أو جماعة – يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما غيره فتعرض أقوالهم على الكتاب والسنة فما وافقهما قبل وما خالفهما رد على قائله .

فالواجب غرس في النفوس تعظيم الحق – والذي منبعه نصوص الكتاب والسنة – والصدور عنه ، والرد إليه عند الاختلاف والتنازع ، كما قال الله تعالى:” فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا “. ( النساء / 59). وأن تربى الأمة على ذلك ، وتنشأ الأجيال عليه ، حتى تكون في منأى من مزالق التعصب المذموم الموجب للضلال والتفرق .

وجاء في صحيح البخاري “أن رجلين من المهاجرين والأنصار تشاجرا فَقَالَ الأنصاري ُّيَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرِى ُّيَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَسَمِعَ ذَاكَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَابَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ  قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ.  فَقَالَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ.

وقال : “يا أيها الناس ألا ‏إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا ‏لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلّغت؟ قالوا: بلّغ رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم”.

وقال رسول الله عليه السلام: “يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالآباء. الناس من آدم وآدم من تراب”.

أخوة الإيمان والإسلام  :ولو أننا تحدثنا في سياق بناء الأوطان وكيف أسس الرسول صلي الله عليه وسلم لبناء الوطن والمحافظة عليه ما كفانا وقت ..

نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة .

 

 

 




خطبة الجمعة القادمة: “مفهوم المواطنة والانتماء وواجبنا تجاه السائحين والزائرين والمقيمين”بتاريخ 27 من شوال 1438هـ الموافق 21 من يوليو 2017م

خطبة الجمعة القادمة: “مفهوم المواطنة والانتماء وواجبنا تجاه السائحين والزائرين والمقيمين“بتاريخ 27 من شوال 1438هـ الموافق 21 من يوليو 2017م .

 

لتحميل الخطبة أضغط هنا.

 
ولقراءة الخطبة كما يلي:
 

 




حمل خطبة الجمعة القادمة “خطبة الوزارة- الدكتور خالد بدير”: “حرمة الاعتداء والتخريب وضرورة البناء والتعمير” بتاريخ 20 من شوال 1438هـ الموافق 14 من يوليو 2017م

حمل خطبة الجمعة القادمة “خطبة الوزارة- الدكتور خالد بدير”: “حرمة الاعتداء والتخريب وضرورة البناء والتعمير” بتاريخ 20 من شوال 1438هـ الموافق 14 من يوليو 2017م.

 

أولاً: خطبة الوزارة: 

لتحميل الخطبة أضغط هنا.

 

ثانيــًا: خطبة الدكتور خالد بدير: 

لتحميل الخطبة بصيغة word  أضغط هنا.

لتحميل الخطبة بصيغة  pdf أضغط هنا.




خطبة الجمعة(سهام الشريعة في حرمة الإفساد والتعدي على الأرواح المعصومة)للشيخ ماهر خضير

لتحميل الخطبة بصيغة word إضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf إضغط هنا

 

الحمد لله رب العالمين نحمده تبارك وتعالى ونسأله التنظيم لأحوالنا والترتيب,ونعوذ بنور وجهه الكريم من الفساد والإفساد والتخريب,

ونرجوه الأمن والأمان والرضا والرضوان في يوم يسقط الجنين فيه والصغير فيه يشيب,وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المهيمن والرقيب,وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المقرب والحبيب,خلقه نعمة، ومبعثه رحمة، وشمس سنته لا تغيبوبعد فأوصى نفسى وإياكم بتقوى الله تعالى فهى النجاة يوم الوعيد …

أما بعد /

فلقد جاء الإسلام بدعوة أتباعه بالمحافظة على ضروريات خمس وهي حفظ الدِّين، والنفس، والعقل، والمال، والنسب؛ وتلك الضروريات لابد منها في قيام مصالح الدِّين والدنيا، ولا يستقيم نظام إلا بوجودها وتحصيلها، فإذا اختلت واحدة منها آلت حالة البلاد والعباد  في الدنيا إلى فسادٍ وتلاشٍ، وفي الآخرة فوات النجاة والنعيم نسأل الله الهداية والتسليم , لذا نجد أن الشريعة الإسلامية عُنيت بالنفس عناية فائقة، فَشرعتْ من الأحكام ما يجلب المصالح لها، ويدفع المفاسد والإضرار عنها، وذلك مبالغة في حفظها وصيانتها، ودرء الاعتداء عليها 

فمن حرص الشريعة أنها قامت بسد الذرائع المؤدِّية إلى قتل النفس.

فحرَّمت حمل السلاح عليهم، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «من حمل علينا السلاح فليس منا»[1]

ولما يلزم من فتن وقتل للمسلمين، وكل سبب أدَّى إلى قتل معصوم بغير حق فهو محرم؛ لما تقرَّر من أن الوسائل لها أحكام المقاصد

 فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه»[2] قال النووي رحمه الله: ((فيه تأكيد حرمة المسلم والنهي الشديد عن ترويعه وتخويفه والتعرُّض له بما قد يؤذيه، وقوله صلى الله عليه وسلم: «وإن كان أخاه لأبيه وأمه» مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد سواء مَنْ يُتهم فيه ومَنْ لا يتهم وسواء كان هذا هزلاً ولعباً أم لا؛ لأن ترويع المسلم حرام بكل حال))[3]
– ومن ذلك ما جاء عن أبي موسى رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل فليمسك على نصالها بكفه؛ أن يصيب أحدًا من المسلمين منها بشيء»[4]
قال ابن بطال: ((هذا من تأكيد حرمة المسلم لئلا يُروَّع بها أو يؤذي؛ لأن المساجد مورودة بالخلق، ولاسيما في أوقات الصلوات، فخشي عليه السلام أن يؤذي بها أحد، وهذا من كريم خلقه، ورأفته بالمؤمنين. والمراد بهذا الحديث: التعظيم لقليل الدم وكثيره))[5]

عباد الله

 تأملوا أوامر الشريعة وما جاءت به وبين ما يصدره بعض المضللين لأتباعهم لتحقيق أهدافهم  ولو على جثث الخلق والعباد فوالله ان القلب ليعتصر حزنا حينما نرى ونقرأ كلاما على صفحات التواصل لشباب ضللهم من ضل سعيهم يصفون طرق كيف تعطل طريقا كيف تحرق محولا للكهرباء كيف تدمر منشئة كيف تعجل قطاراً وانا لله وانا اليه راجعون من هذا الفهم السقيم

 عباد الله لقد جاءت الشريعة لتعلي من مكانة النفس في الإسلام

 فإن الإسلام قد كرم ابن آدم وأنزله منزلة رفيعة بما حباه الله من طاقات عقلية ونفسية، وبما أعطاه من قوام جميل وصورة حسنة لا يماثله فيها أحد من خلق الله عز وجل على وجه الأرض.

فإن الإنسان هو الكائن المفضل الذي كتب الله له أن يتبوأ الصدارة والمكانة الرفيعة بين الخليقة والكائنات جميعا، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]

يقول الفخر الرازي في تعليقه على الآية: “فالنفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في العالم السفلي، وبدنه أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي “

عباد الله أن التشدد والتطرف والغلو اساس كل بلية وفساد لذا نجد ان الشريعة نهت عنه فمن معالم الشريعة

الدعوة إلى الوسطية والاعتدال وعدم الغلو في الدين لأنه هو الطريق إلى التطرف الفكري والاعتقادي . فالفهم الخاطئ للدين يدفع الإنسان إلى محاولة فرض ما يعتقده ويؤمن به بالقوة، وهذا ما أثبته الواقع المشاهد المعاصر فانظروا الى الدواعش ومن نحا نحوهم خربوا الديار والبلاد وقتلوا وسفكوا الدماء المعصومة وانتهكوا أعراض مصونة وأموال محرمة بفهمهم السقيم المبتور  

أما الشريعة فقد نهت عن الغلو في الدين، وحذرت المسلمين منه حتى لا ينجرفوا وينحرفوا، فجعل الله هذه الأمة وسطا؛ لأن دينهم كذلك، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] ، ومثل هذا التوجيه جاء صريحا لأهل الكتاب؛ قال تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77]  فالغلو خلاف الوسطية، فإذ كانت الوسطية تعني الاعتدال والتوازن في الأمور كلها، فإن الغلو يعني الشقة والتضييق على النفس باتباع طريق واحد بعيدا عن الوسط، ووسطية الإسلام توازن بين الأحكام، فلا غلو ولا تشدد، ولا تفلت ولا تسيب، فلا إفراط ولا تفريط في الإسلام، وقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل العملي في ذلك مع بعض الصحابة الذين شددوا على أنفسهم بحثا عن المزيد من الطاعة، فقال أحدهم: أصوم الدهر كله ولا أفطر، وقال الآخر: أقوم الليل كله ولا أنام، وقال الثالث: لا أتزوج النساء. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا درسا عميقا في الوسطية والاعتدال، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» [صحيح البخاري] ، حيث إن ذلك بعيد عن روح الإسلام ومبادئه التي بنيت على التيسير وعدم التنفير  وما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن فيه إثم أو قطيعة رحم، وقد قال سبحانه وتعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] وقال جل شأنه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]

ثم ها هى الشريعة تحرم وتجرم الاعتداء على النفس بوضوح وجلاء ونصوص صريحة لا تقبل التأويل

فلقد حرم الإسلام قتل النفس وسفك الدم المعصوم، وجعل ذلك من كبائر الذنوب؛ قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] ” والقتل ظلما أكبر الكبائر بعد الكفر، وموجب لاستحقاق العقوبة في الدنيا والآخرة “[6].

قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32] [المائدة: 32] ، وفي هذا توجيه إلى كل الناس لمحاربة ما فيه ضررهم وإيقاع القتل فيهم. فالواجب عليهم أن يقفوا صفا واحدا في وجه هذا الفعل الشنيع المخالف لما شرعه الله، وأن يطبقوا على فاعله أقسى عقوبة حتى يكون ذلك رادعا لمن تسول له نفسه الإقدام على هذه الجريمة النكراء، وهذا فيه حياة لآخرين، كما جاء في آية القصاص أنه حياة للناس لما يحققه حكم القصاص من ردع وزجر من ارتكاب هذه الجريمة: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]

 وقال: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93] وجعل من صفات المؤمن عدم القتل؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان: 68] ويقول الإمام القرطبي – رحمه الله- في تفسير هذه الآية: “دلت هذه الآية على أنه ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحق، ثم الزنا” .

ومن السنة ما رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. . .» .

وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» ، وقال ابن عمر رضي الله عنه: “إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله ” ولو اشترك أهل السماء والأرض في قتل رجل واحد، لكان ذلك موجبا لدخولهم النار جميعا، روى الإمام الترمذي: «لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار»
وجاءت الشريعة لتعلاج وتردع كل من سولت له نفسه ان يفسد او يخرب او يعتدى فشرعت حد الحرابة وهى مشتقة من الحرب والمحاربة وقد جاء تبيينها في قول الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33] [المائدة: 33] .

وقد عرفت الحرابة بوصفين عامين؛ هما: محاربة الله ورسوله، والفساد في الأرض

وقد قسم العلماء أحوال المحاربين أربعة أقسام: أخذ المال والقتل، والقتل فقط، وأخذ المال دون القتل، والإخافة دون قتل أو أخذ مال.

وتجتمع في هذه الصور الأربع مظاهر هي: حمل السلاح، وإخافة الناس

فمن أخذ اموال وبيوتهم وهدم مصانعهم وقتلهم بغير حق فهو محارب لله ورسوله , ومن استباح الدماء المعصومة فهو محارب لله ورسوله ومن انتهب أموال الناس فهو محارب لله ورسوله , بل من أخاف الناس وروع الآمنين فهو محارب لله ورسوله ومن المفسدين فى الارض وهو من يطلق عليه مصطلح الارهاب فى وقتنا المعاصر

فالحرابة تتفق مع ما اصطلح على تسميته بالإرهاب في العصر الحديث؛ ذلك أن في الإرهاب حملا للسلاح، وإخافة للناس، وخروجا على القانون. وهذا التقارب في الصفة الظاهرة يقتضي التشابه في كيفية العقاب

وفى تلك الحالة من إشهار السلاح والعصيان والتمرد على القيادة يوجب على القادة والحكام الوقوف في وجه هذه الفتنة، وقد حارب الإسلام هذا النوع من الفساد والتمرد على الولاية، وسن لذلك منهجا في المعالجة، كما جاء في قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق في جماعتكم فاقتلوه»[7]

نعم نحن فى حالة تستوجب المصارحة والكلام الذى لا جمجمة فيه فان محارب التطرف والارهاب ليس مسؤلية الحكومات والجيوش وانما هو مهمة كل فرد من أفراد المجتمع

غفر الله لنا ولكم وحفظ بلادنا من كل سوء ومكروه أقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم فاستغفروه انه غفور رحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين أجمعين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين وبعد

فإن الإسلام يحارب كل أشكال إشاعة الفوضى والتخريب، والانحراف الفكري والعملي، ويحارب كل عمل يقوض الأمن ويروع الآمنين، سواء أكان ذلك يسمى إرهابا أم حرابة أم بغيا أم تعدى، فجميعها صور تشيع الرعب والخوف في المجتمع، وترهب الآمنين فيه، وتحول بينهم وبين الحياة المطمئنة، التي هي وسيلة حسن خلافتهم في الأرض بعمارتها في جو من الأمن والأمان

ولقد حارب الإسلام السلبية في كل مظاهرها وسحب عنها كل مبررات الشرعية؛ فبدَّع الترهب والاعتزال والانسحاب من الحياة العامة، وضاعف الأجر بالعمل، وحث على الضرب في الأرض والمشي في مناكبها، وحذر من الطرق المؤدية إلى تبديد الحضارات وتلاشي عمرانها وهلاك الأمم، كذلك جعلت تشريعات الإسلام إعمار الأرض المهملة سببا مباشرا لتملكها في ما يعرف عند الفقهاء بإحياء المُوات، وحرمت تقطيع الأشجار أو حرقها إلا لضرورة ملحة، وفرع الفقهاء حديثا – استنادا لأصول الشريعة وضوابطها – أنه لا يجوز استخدام الأسلحة الكيمائية والجرثومية والنووية لما تحدثه من دمار شامل على مساحات واسعة تطال آثاره كل إنسان دون تمييز بين مقاتل وغير مقاتل، وتهلك الحيوان، والنبات، وأضرارها تبقى أجيالا عديدة، ولأنها تهلك الحرث والنسل وتفسد في الأرض .

أيها المسلمون عباد الله

كما أن الدين دعوة للتراحم والمودة فإنه كذلك دين وسط يدعو للعمل والإنتاج، ليعمر الكون، ويعيش الإنسان في خير وسعادة عندما يعمر نور الإيمان قلبه، ويحصن نفسه ويهذب أخلاقه، فيحيا في عمله، فالله سبحانه وتعالى يقولوَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) سورة التوبة، ويقول): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) سورة المائدة، وليس أبلغ من هذا موازنة بين المادة والروح وبين الدين والدنيا، فكما أن الالتزام العام بفروض الكفاية يؤدى إلى التضامن بين أبناء الأمة، كذلك فإن الإنسان بالعمل يكون قدوة للآخرين فقد ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) رواه البخاري).

عباد الله

اعتبر الفقهاء تعلم أصول الحراثة والزراعة ونحوها مما تتم به المعايش التي بها قوام الدين والدنيا من فروض الكفاية، لأن كل فرد من الأفراد عاجز عن القيام بكل ما يحتاج إليه. وخصصوا باباً معيناً للكلام عن (إحياء الموات) أو بتعبيرنا (استصلاح الأراضي المتروكة) كما فصلوا في بحث (الزكاة) أحكام المعادن الجامدة والسائلة والركاز، ووضع الإمام أبو يوسف كتابه (الخراج) لهارون الرشيد أبان فيه كيفية استثمار الأرض وطرق الري من الأنهار الكبرى وموارد بيت المال من خراج ونحوه.

عباد الله ديننا دين الرحمة والعمارة والرقى والحياة الطيبة وليس دين تخريب ولا تدمير

انظروا الى سليمان عليه السلام وعمارته وانظروا الى ذو القرنين وعمارته للارض وبناء السد لردع المخربين من يأجوج ومأجوج ويوسف عليه السلام وما تم على يديه من عمارة مصر وغيرهم ممن بنوا وحفروا العيون ومهدوا الطرق وغيرها كلها أمثلة تقول الإسلام دين عمارة وبناء وتشييد

اللهم ارزقنا بصيرة في الدين، وحكمة في القول والعمل، اللهم أصلح شأن المسلمين في كل مكان..

الدعاء ,,,,,,,,,,,,,, وأقم الصلاة

أعدها الفقير الى عفو ربه …… ماهر السيد خضير ….. امام وخطيب أوقاف الاسكندرية



[1] أخرجه البخارى ومسلم

[2] أخرجه مسلم

[3] شرح النووى على صحيح مسلم

[4] أخرجه البخارى ومسلم

[5] شرح صحيح البخارى لابن بطال

[6] نهاية المحتاج الى شرح المنهاج

[7] رواه مسلم




خطبة بعنوان: “دور الإسلام في مواجهة الاعتداء والتخريب”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 20 من شوال 1438هـ الموافق 14 من يوليو 2017م

خطبة بعنوان: “دور الإسلام في مواجهة الاعتداء والتخريب”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 20 من شوال 1438هـ الموافق 14 من يوليو 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word  أضغط هنا.

لتحميل الخطبة بصيغة  pdf أضغط هنا.

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

 

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: النهي عن الإفساد والتخريب في الإسلام

العنصر الثاني: صور وأشكال التخريب والإفساد

العنصر الثالث: الاصطفاف لمواجهة الاعتداء والتخريب

العنصر الرابع: من أنواع الشهداء ( الشهادة في سبيل الدفاع عن الوطن )

     المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: النهي عن الإفساد والتخريب في الإسلام

عباد الله: إن الدين الإسلامي الحنيف حارب الفساد والاعتداء والتخريب منذ اليوم الأول لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم, فالإسلام ذاته ثورة ضد الفساد الذي كان يعيش عليه الناس في الجاهلية, بدءاً من فساد العقيدة؛ فقد جاء ليحرر الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, وجاء ليقضى على الأخلاق الذميمة والعصبيات الجاهلية, وينشر بدلا منها الأخلاق القويمة الحميدة, ويدعو إلى الخير وينهى عن الشرّ والتدمير والتخريب والإفساد؛ جاء ليقضى على كل مظاهر التدمير والتخريب الفساد الاقتصادية والاجتماعية ويؤصل بدلا منها كل ما هو حسن وكل ما من شأنه أن ينهض بالأمة ويجعلها رائدة العالم كله.

أيها المسلمون: إن الاعتداء والتخريب والإفساد في الأرض شِيمَة المجرِمين، وطبيعة المخرِّبين، وعمل المفسِدين، ففيه ضَياعٌ للأملاك، وضِيقٌ في الأرزاق، وسُقُوطٌ للأخلاق، إنَّه إخفاقٌ فوق إخفاق، يُحوِّل المجتمع إلى غابَةٍ يأكُل القوي فيه الضعيف، وينقضُّ الكبير على الصغير، وينتَقِم الغني منَ الفقير، فيزداد الغنيُّ غنًى، ويزداد الفقير فقرًا، ويَقوَى القويُّ على قوَّته، ويضعُف الضعيف على ضعفه!. والتخريب والفسادُ داءٌ مُمتدٌّ لا تحُدُّه حدودٌ، ولا تمنعُه فواصِلُ، يطَالُ المُجتمعات كلَّها مُتقدِّمها ومُتخلِّفها بدرجاتٍ مُتفاوِتة.

أحبتي في الله: إن الشريعة الإسلامية السمحة جاءت لتحقيق مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم، وهذا هو الهدف من بعثة الأنبياء عليهم السلام؛ حيث كان الإصلاح هو سبيل أئمة المصلحين من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وهو منهجهم، فشعيب عليه السلام يقول لقومه: { إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ } [هود: 88]، وأوصى موسى عليه السلام أخاه هارون فقال: { اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } [الأعراف: 142]، فالله عز وجل نهى عن الإفساد فقال سبحانه: { وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا } [الأعراف: 56]، وأخبر جل وعلا أنه لا يحب الفساد ولا يحب المفسدين فقال مبيناً حال بعض الناس: { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } [البقرة: 205]، وأمر بالإحسان ونهى عن الفساد فقال: { وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77]، وبين جل وعلا الفارق العظيم بين أهل الإصلاح وأهل الفساد فقال: { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } [ص: 28].

وأضاف الله الإفساد إلى المنافق فقال:{وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ} (البقرة/ 205) يقول ابن جرير الطّبريّ في تفسيره لهذه الآية:” اختلف أهل التّأويل في معنى الإفساد الّذي أضافه الله- عزّ وجلّ- إلي هذا المنافق: فقال: تأويله ما قلنا فيه من قطعه الطّريق، وإخافته السّبيل كما حدث من الأخنس بن شريق. وقال بعضهم: بل معنى ذلك قطع الرّحم وسفك دماء المسلمين …

وقد يدخل في الإفساد جميع المعاصي، وذلك أنّ العمل بالمعاصي إفساد في الأرض، فلم يخصّص الله وصفه ببعض معاني الإفساد دون بعض.”أ.ه.  ولهذا قاوم الرسول صلى الله عليه وسلم كل من يقوم بالتدمير والتخريب والإفساد ونكل بهم وعاقبهم أشد العقوبة؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:” أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ؛ فَاجْتَوَوْهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا؛ فَفَعَلُوا فَصَحُّوا ؛ ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرُّعَاةِ فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ؛ وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ فِي أَثَرِهِمْ؛ فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا ” [متفق عليه ]. وفي رواية : ( وسمَّر أعينهم) ؛ ومعنى سمل باللام نقاها وأذهب ما فيها ، ومعنى سمر بالراء : كحلها بمسامير محمية ، وقيل : هما بمعنى . ( شرح النووي). هذا في سياق من يقطعون الطريق أمام إعمار الأرض وإصلاحها وازدهارها؛ ويسعون في الأرض فسادا وتخريبا وإرهابا!!

أحبتي في الله: اعلموا أن كل من انتهك الحرمات أو سعى إلى الإفساد أو روج للقتل والإرهاب فإن حسناته مهما عمل إلى زوال؛ فَعَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – أَنَّهُ قَالَ :” لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ ، وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهَكُوهَا.”( الطبراني وابن ماجة بسند صحيح).

عباد الله: لقد أوجب الإسلام على كل مسلم أن يسعى للإصلاح في الأرض لا للإفساد فيها، وجاءت سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- تؤكد ذلك ؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” إِذَا أَتَيْتَ عَلَى رَاعِي إِبِلٍ فَنَادِ يَا رَاعِيَ الْإِبِلِ ثَلَاثًا؛ فَإِنْ أَجَابَكَ وَإِلَّا فَاحْلُبْ وَاشْرَبْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ؛ وَإِذَا أَتَيْتَ عَلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ فَنَادِ يَا صَاحِبَ الْحَائِطِ ثَلَاثًا ؛ فَإِنْ أَجَابَكَ وَإِلَّا فَكُلْ » )( أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه).

لذلك أرشدنا الإسلام إلى الدعاء للمصلحين بالتوفيق والسداد والصلاح ؛ والدعاء على المخربين بالهلاك والدمار؛ فقد كان عمر بن عبد العزيز يقول: اللهم أصلح من كان في صلاحه صلاح لأمة محمد، اللهم أهلك من كان في هلاكه صلاح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.” (رواه أبو نعيم في حلية الأولياء).

العنصر الثاني: صور وأشكال التخريب والإفساد

أيها المسلمون: للاعتداء والتخريب والإفساد في الأرض صور وأشكال وألوان مختلفة ومتعددة:

منها: تخريب وتدمير المنشآت العامة:

فإن من يقوم بذلك من حرق المنشآت العامة وإتلاف الأشجار والحدائق؛ والتعدي على الأموال الخاصّة والعامّة سواء بالسرقة منها أو بإتلافها، كل ذلك يعد من أشد صور الفساد والإفساد في الأرض؛ وقد نكل الله بهؤلاء في قوله:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ( المائدة: 33)

ومنها: قتل النفس التي حرم الله:

 فقتل الأنفس المعصومة من كبائر الذنوب، ومن الإفساد في الأرض،  وزوال هذه الدنيا وما فيها أهون عند الله -عز وجل- من قتل رجل مسلم، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ»( الترمذي).

وفساد القتل ليس قاصراً على قتل نفس المسلم، بل أيضا يشمل ذلك المعاهد، والمستأمن، فإن الله -عز وجل- قد حفظ له حقه، فقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا».

ومنها: زعزعة الأمن:

 فالأمن في الأوطان مطلب كل يريده ويطلبه، فقريش أنعم الله عليها بنعمة الأمن، فأطعمها من جوع وآمنهم من خوف، وأن من يسعى لزعزعة الأمن إنما يريد الإفساد في الأرض، وأن تعم الفوضى والشر بين عباد الله، فما يحصل في بلادنا إنما هو إرادة للتخريب والتدمير والإفساد في الأرض، وإنما حملهم على ذلك الحسد لهذه النعمة نعمة الأمن، ونعمة الاستقرار التي ننعم بها في هذه البلاد.

ومنها: السعي إلى الفرقة وتحزب الناس:

فمن نظر إلى حال الأمة الآن يجدها فرقا وأحزابا وجماعات؛ و{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (الروم: 32)؛ وكل يدعي لنفسه أنه المصلح، ولكن كما قال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ} [ البقرة : 220]، لذلك نهى الله عن الفرقة والتحزب، وأمر الله بالاجتماع، ونهى عن الاختلاف: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال :46]، ويقول -جل وعلا-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، فالله -عز وجل- أمر بالاجتماع ونهى عن الاختلاف، فنشر الفرقة بين الناس بسبب الْحَسَبِ، أو النَّسَبِ، فيه فساد للمجتمع، ومن يسعى إلى نشر الفرقة بين المجتمع ويسعى إلى التخريب والتدمير والإفساد فيهم يجب نصحه، وإلا حذرنا منه لأنه يسعى للإفساد في الأرض.

ومنها: التفجيرات المتكررة التي يقوم بها المخربون والهدامون:

والتي راح ضحيتها أرواح الأبرياء الشهداء هنا وهناك في كل مكان من أرجاء المعمورة؛ فكم نسمع بين الفينة والأخرى عن تفجير في كمين كذا ؛ أو كتيبة كذا ؛ أو كنيسة كذا ؛ وهذا بلا شك من أبشع وأخطر وأسوأ صور الاعتداء والتدمير والتخريب على الفرد والمجتمع!!

ومنها: تخريب وتدمير عقول الشباب:

 وذلك ببث فيهم الأفكار المتطرفة الهدامة؛ وهل كُفِّر الناس وأريقت الدماء وقُتل الأبرياء وخُفرت الذمم بقتل المستأمنين وفُجِّرت البقاع إلا بهذه المفاهيم المنكوسة؛ والأفكار المتطرفة المعكوسة؟!!

العنصر الثالث: الاصطفاف لمواجهة الاعتداء والتخريب

عباد الله: علينا أن نصطف جميعا لمواجهة الاعتداء والتخريب والتدمير والإفساد؛ وذلك بكثرة التوعية والندوات؛ عن طريق الدعاة والإعلام المرئي والمسموع والمقروء ومراكز الشباب والأمسيات الدينية والخطب والدروس والمحاضرات وشبكة المعلومات الدولية؛ وجميع وسائل الاتصال الحديثة؛ بهدف توضيح مخاطر الإفساد والإرهاب والتخريب على المستوى الثقافي والديني والاجتماعي والاقتصادي؛ مع بيان أن جريمة التدمير والتفجير والتخريب إنما هي مخالفة صريحة للأوامر الإلهية ولما جاء بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, وبيان أن ذلك دليل على ضعف الوازع الدينى لدى الفاسد والمفسد, ولهذا فإن الإسلام يعمل على تنمية وتقوية الوازع الدينى لدى كل أفراد المجتمع حتى يكون الوازع الدينى هو الذى يمنع المرء من ممارسة التخريب والإرهاب والفساد وارتكاب جرائمه.

كما يجب على ولاة الأمر فرض عقوبات رادعة للإرهابيين والمفسدين والمخربين والضرب بيد من حديد على أيدي هؤلاء؛ وليكن الهدف من العقاب هو ردع كل مَنْ تُسَوِّل له نفسه أن يفسد أو يقدم على أي نوعٍ من أنواع الفساد والتخريب بكل صوره،؛ لهذا قال عثمان -رضي الله عنه-:” إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، أي: يمنع بالسلطان باقتراف المحارم، أكثر ما يمنع بالقرآن؛ لأن بعض الناس ضعيف الإيمان لا تؤثر فيه زواجر القرآن، ونهي القرآن؛ لكن متى علموا أن هناك عقوبة من السلطان، ارتدعوا، وخافوا من عقوبة السلطان لئلا يفتنهم، أو يضربهم، أو ينفيهم من البلاد، فهم يخافون ذلك!!

كذلك من أهم عوامل مواجهة الاعتداء والتخريب: نشر وسطية الإسلام والفكر الوسطي في الإعلام ووسائل الاتصال؛ لأن آفة الانحراف عن الوسطية أو الشذوذ عنها يقود إلى التطرف والجهل والاستبداد والإفساد والقتل والتخريب والإرهاب، والتقليد الأعمى، والتصرفات المرتجلة دون رؤية وتشاور وتقدير هادئ لعواقب الأمور، ولذلك تعاني بعض المجتمعات الإسلامية من تفشي الغلو والتطرف في الدين بين صفوف المراهقين فكرياً، وذلك من خلال تطبيق ممارسات خاطئة بحجة التمسك بالدين، وفي الواقع هم أبعد ما يكونون عن الدين الإسلامي الحنيف دين الوسطية والاعتدال؛ كما أن المبتعدين عن وسطية الإسلام يسلكون في حياتهم مسالك وعرة، منهجهم القهر والإكراه، وسفك الدماء والتخريب ومصادمة المشاعر، ونشر الذعر والخوف، واستباحة الدماء والأعراض والأموال، لاتصافهم بصفتين شاذتين وخطيرتين هما:

1 – الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية المقررة في القرآن والسنة، ولاسيما الأحكام العامة التي تمس الآخرين .

2 – التورط بتكفير المخالفين لهم لأدنى تهمة أو شبهة، واستباحة دمائهم، وهذا ظلم عظيم .

لذلك كانت المحافظة على عُقول الناس من أهمِّ أسباب حفْظ الأمن؛ لأنَّ الناس لو استقامتْ عقولهم، صاروا يُفكِّرون فيما ينفَعُهم ويبتَعِدون عمَّا يضرُّهم، فلو استقامتْ عُقول الناس لاستقامتْ حياتهم؛ لأنَّهم سوف يبحثون عمَّا يُرضِي الله فيفعلونه، ويتعرَّفون على ما يغضب الله فيبتعدون عنه، إذًا هناك علاقةٌ كبيرة بين المحافظة على عقول الناس وبين استقرار الأمن عندهم؛ لأن مما يذهب بأمن الناس انتشار المفاهيم الخاطئة حيال نصوص القرآن والسنة، وعدم فهمهما بفهم السلف الصالح.

عباد الله: إن حلَّ ظاهرة الاعتداء والإفساد والتخريب والتدمير وعلاجَها لا يقتصر على فئةٍ معينةٍ، وإنما يشمل جميعَ أفراد المجتمع: شباباً وأسرةً ودعاةً ومؤسساتٍ وحكومةً؛ فإذا كان الطبيب يعطى المريض جرعة متكاملة حتى يشفى من سَقمه – إن قصر فى نوع منها لا يتم شفاؤه – فكذلك علاج هذه الظاهرة يكون مع تكاتف المجتمع بجميع فئاته، فكل فئة لها دور ، وباكتمال الأدوار يرتفع البنيان، وإلا كما قيل:

ومتى يبلغ البنيان يوماً تمامَه                إذا كنت تبنى وغيرك يهدم

أيها المسلمون: نحن في سفينة واحدة ؛ ولابد أن نتضامن جميعا من أجل نجاة هذه السفينة ؛ ومن أجل بناء مجتمعنا؛ كما علينا أن نأخذ على أيدي العابثين بهذه السفينة؛ وإلا غرقت بنا جميعا ؛ فعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا ” ( البخاري )

إننا إن فعلنا ذلك وأصبحنا متضامنين متعاونين متكافلين يداً واحدة في الضرب بيد من حديد على كل متربص ببلدنا أو وطننا أو ديننا أو مقدساتنا أو أفراد مجتمعنا أو مؤسساتنا ؛ مع نشر تعاليم الإسلام السمحة ؛ فإننا بحق نستطيع القضاء على الإرهاب والإفساد والتخريب والتدمير بكل صوره وأشكاله؛ ونبني وطننا ؛ ونعيش آمنين مطمئنين متحدين متعاونين متراحمين كما أراد لنا ديننا الحنيف!!!

العنصر الرابع: من أنواع الشهداء ( الشهادة في سبيل الدفاع عن الوطن )

عباد الله: كثير من الناس يعتقد أن الشهادة تقتصر على الموت في محاربة الكفار فقط ، ولكن شهداء أمة محمد – صلى الله عليه وسلم-  كثيرون، ففي الحديث المتفق عليه أن النبي – صلى الله عليه وسلم-  قال: الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ؛ وَالْمَبْطُونُ؛ وَالْغَرِيقُ؛ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ؛ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ “.  وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمًا لأَصْحَابِهِ: مَا تَعُدُّونَ الشُّهَدَاءَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: مَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلا غَيْرَ مُدْبِرٍ شَهِيدٌ، قَالَ: إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذَنْ لَقَلِيلٌ: الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْءُ يَمُوتُ عَلَى فِرَاشِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَاللديغُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَالشريقُ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَفْتَرِسُهُ السَّبُعُ شَهِيدٌ، وَالْخَارُّ عَنْ دَابَّتِهِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالنُّفَسَاءُ يَقْتُلُهَا وَلَدُهَا يَجُرُّهَا بِسَرَرِهِ إِلَى الْجَنَّةِ”.(ابن حبان والطبراني واللفظ له) ؛ والمبطون كما يقول  النووي : ” هو صاحب داء البطن. وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقًا. وقوله: المرأة تموت بجمع شهيد.  أي تموت وفي بطنها ولد، لأنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل وهو الحمل”. (شرح النووي)

هذا وخصال الشهادة أكثر من هذه السبع، قال الحافظ ابن حجر: ” وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة..  وذكر منهم: اللديغ، والشريق، والذي يفترسه السبع، والخار عن دابته، والمائد في البحر الذي يصيبه القيء، ومن تردى من رؤوس الجبال. قال النووي: وإنما كانت هذه الموتات شهادة يتفضل الله تعالى بسبب شدتها وكثرة ألمها. قال ابن التين: هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد – صلى الله عليه وسلم-   بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم وزيادة في أجورهم يبلغهم بها مراتب الشهداء”.( فتح الباري).

ويدخل في ذلك الدفاع عن الأهل والمال والوطن فعن سعيد بن زيد قال– صلى الله عليه وسلم-  : “مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فهوَ شَهيدٌ ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فهوَ شَهيدٌ ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهلِهِ فهوَ شَهيدٌ”( الترمذي وحسنه)؛ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :” جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي ؟ قَالَ : فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي ؟ قَالَ : قَاتِلْهُ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي ؟ قَالَ : فَأَنْتَ شَهِيدٌ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ ؟ قَالَ : هُوَ فِي النَّارِ “. ( مسلم )

ويدخل في ذلك أيضا الجنود المرابطون الذين يسهرون ليلهم في حراسة هذا الوطن والدفاع عنه وحماية منشآته؛ وقد ذكرهم الرَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله:” عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ؛ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ” ( الطبراني والبيهقي والترمذي وحسنه ).

فكل من مات من أجل التضحية والدفاع عن الوطن فهو شهيد؛ وليعلم أن لنيل أجر الشهادة شروطاً، من هذه الشروط: الصبر والاحتساب؛ وعدم وجود الموانع كالغلول، وغصب حقوق الناس؛ أو من فجَّر نفسه.

 وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عن رجل ركب البحر للتجارة فغرق فهل مات شهيدًا؟ أجاب: نعم مات شهيدًا إذا لم يكن عاصيًّا بركوبه، وقال في موضع آخر: ومن أراد سلوك طريق يستوي فيها احتمال السلامة والهلاك وجب عليه الكف عن سلوكها، فإن لم يكف فيكون أعان على نفسه فلا يكون شهيدًا. اهـ

فمن مات مضحيا ومدافعا عن وطنه وهو صابر ومحتسب وموحد فهو من الشهداء عند الله؛ { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } (آل عمران: 169 -170).

نسأل الله أن يتغمد شهداءنا بواسع رحمته؛ وأن يسكنهم الفردوس الأعلى من الجنة ؛ وأن يلهم أهليهم وذويهم الصبر والسلوان .

اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا , اللهم من أراد بلادنا بسوء فأشغله بنفسه ورد كيده في نحره واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء, اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين من شر الأشرار وكيد الفجار وشر طوارق الليل والنهار .

اللهم عليك بكل من قتل جنودنا , ورمل نساءنا , ويتم أطفالنا , وأباح دماءنا , ومزق مجتمعنا , وأهان كريمنا , وأذل عزيزنا, ونجس أرضنا , ونكس علمنا , وأهدر حقوقنا , واستباح مالنا وديارنا, وهتك أعراضنا , وكرم سفهاءنا , وحقر علماءنا , واغتصب حقوقنا , وفرق جمعنا .

الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،    

                   كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

                                                                                                                                               د / خالد بدير بدوي    




خطبة الجمعة القادمة: “حرمة الاعتداء والتخريب وضرورة البناء والتعمير”بتاريخ   20 من شوال 1438هـ، الموافق 14 من يوليو 2017م

خطبة الجمعة القادمة: “حرمة الاعتداء والتخريب وضرورة البناء والتعمير“بتاريخ   20 من شوال 1438هـ، الموافق 14 من يوليو 2017م.

 

لتحميل الخطبة أضغط هنا.

 
ولقراءة الخطبة كما يلي:



خطبة بعنوان صور المال الحرام وأضراره على الفرد والمجتمع للشيخ ماهر خضير

لتحميل الخطبة بصيغة word إضغط هنا

صور المال الحرام وأضراره على الفرد والمجتمع

الحمد لله رب العالمين قدر الأرزاق وفق مشيئته فمن الناس ممنوح ومسلوب شهدت له الكواكب في شروقها والغروب  وأقرت به الأحياء في مطعومها والمشروب ,وأشهد أن لا إله إلا الله ذو العرش رفيع الدرجات المنزه الذات عن الاختصاص بالجهات حكيم خبير أوجد على مراده الكائنات، وما لها من حركات وسكنات , وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله سيد الأسياد سيد الأولين والآخرين من حاضرٍ وبادٍ، خير من دعا وهدى وبالخير العظيم جاد

أما بعد  عباد الله فإن أرزاق العباد كلهم على الله تعالى وحده قال تعالى (وما من دآبة فى الأرض الا على الله رزقها) ولقد عتب على هؤلاء الذين يقتلون أولادهم بغير حق لا لشيء إلا الخوف أن يأكلوا من طعامهم فيقللوا عليهم أرزاقهم، فقال سبحانه: ” وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ” [الإسراء: 31].

وقال تعالى: “وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ “[العنكبوت:60].

وعن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَطَاءٍ فَرَدَّهُ عُمَر، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لِمَ رَدَدْتَهُ))، فَقَالَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ أَخْبَرْتَنَا أَنَّ خَيْرًا لأَحَدِنَا أَنْ لا يَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا”، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّمَا ذَلِكَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ، يَرْزُقُكَهُ اللَّهُ))، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا أَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، وَلَا يَأْتِينِي شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ إِلاَّ أَخَذْتُهُ””

وكان ابن عباس يقول: احْفَظُوا هذا الحديث، وكان يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان يدعو به بين الركنين: ((رب قنِّعْني بما رزقتني وبارك لي فيه، واخلف على كل غائبة لي بخير))

ومما يروى أن إبراهيم بن ادهم رحمه الله جلس يوما ووضع بين يديه بعضا من قطع اللحم المشوي فجاءت قطة فخطفت قطعة من اللحم وهربت،فقام وراءها واخذ يراقبها فوجد القطة قد وضعت قطعة اللحم في مكان مهجور أمام جحر في باطن الأرض وانصرفت فازداد عجبه وظل يراقب الموقف باهتمام وفجأة خرج ثعبان أعمى فقأت عيناه يخرج من الجحر في باطن الأرض ويجر قطعة اللحم إلى داخل الجحر مرة أخرى،فرفع الرجل رأسه إلى السماء وقال سبحانك يا من سخرت الأعداء يرزق بعضهم بعضا.

ولله در سيدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال

لَوْ كَانَ فِي صَخْرَةٍ فِي الْبَحْرِ رَاسِيَةٍ

صمَّاءَ مَلْمُومَةٍ مَلْسٍ نَوَاحِيهَا

رِزْقٌ لِعَبْدٍ يَرَاهُ اللهُ لانْفَلَقَتْ

حَتَّى يُؤَدَّى إِلَيْهِ كُلُّ مَا فِيهَا

أَوْ كَانَ تَحْتَ طِبَاقِ السَّبْعِ مَطْلَبُهَا

لَسَهَّلَ اللهُ فِي الْمَرقَى مَرَاقِيهَا

حَتَّى تُؤَدِّي الَّذِي فِي اللَّوْحِ خُطَّ لَهُ

إِنْ هِيْ أَتَتْهُ وَإِلاَّ سَوْفَ يَأْتِيهَا

عباد الله

 ليس معنى ان الرزق مضمون ان يتواكل المرء ويترك عمله بل على الإنسان أن يسعى في أسباب الزرق لأن الرزق نفسه مقرون بالعمل كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.في حديث ابن مسعود رضى الله عنه: “أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقه مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه واجله وعمله وشقي أم سعيد”[1]

فالإنسان مأمور بالسعي والأخذ بالأسباب لذا قال ابن عيسى: المعيشة طلب أسباب الرزق من المطاعم والمشارب

ايها المسلمون

ان الرزق له أسباب دنيوية وأسباب شرعية يتعلق بهما الاجر والفلاح والبركة فيه فإن احسن العبد فى الأخذ بالأسباب كان الفلاح فى الدنيا والآخرة كما قال الله تعالى (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقول لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ) الأعراف ووعد ربنا تعالى بالمزيد لمن شكر (لإن شكرتم لأزيدنكم) ابراهيم

ولقد جبل الإنسان على حب المال وحب المتاع قال تعالى (وإنه لحب الخير لشديد) [2] وقال تعالى (وتحبون المال حبا جما)[3] ولذا نجد كثير من بنى البشر فتنه المال وكان سبباً فى غوايته فأخذ يجمع المال من حله وحرامه دون خوف من الله تعالى متعجلا بذلك ورحم الله مجاهد حينما قال: لا تستعجلوا أكل الحرام؛ فإن الحلال يأتيكم. 

نعم الحلال آتيك فلا تتعجله فتأخذه فى الحرام لان الحرام مهلكة لذا قال بعض السلف (إن العبد يأكل أكله فيتقلب قلبه فينغل كما ينغل الأديم ولا يعود إلى حاله أبدا )

ورحم الله سهل رضي الله عنه حينما قال (من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى علم أو لم يعلم ومن كانت طعمته حلالا أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات ) فكن حريصا على الا يدخل جوفك الا الحلال الطيب ولا تغتر بيسر الحرام ولا تثتثقل الحلال قال بعض السلف (إن أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه ومن أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر)

ومن العجيب ان هناك أناسٌ يأكلون الحرام ويحلونه لانفسهم بشتى الطرق

ولله در من قال

وَفِي الناسِ مَن ظُلْمُ الوَرَى عَادةٌ لَهُ … وَيَنْشُرُ أَعْذَارًا بهَا يَتَأوَّلُ

جَرِيءٌ عَلَى أَكْلِ الحَرامِ ويَدَّعِي … بأنَّ لَهُ في حِلَّ ذلك مَحمَلُ

فَيَا آكِلَ المَالَ الحرامَ أَبِنْ لَنَا … بأي كتابٍ حِلُّ مَا أَنْتَ تَأْكُلُ

ألَمْ تَدْرِ أنَّ الله يَدْرِي بِمَا جَرَى … وبَينَ البَرايا فِي القَيِامَةِ يَفْصِلُ

حَنَانِيكَ لاَ تَظْلِمْ فإنَّكَ مَيِّتٌ … وبالموتِ عَمَّا قَدْ تَوَلَّيتَ تُسْألُ

وتُوقَفُ لِلْمَظْلُومِ يَأْخُذٌ حَقَّهُ … فَيَأْخُذُ يَومَ العَرْضِ مَا كُنْتَ تَعْمَلُ

فَيَأْخُذُ مِنْكَ اللهُ مَظْلَمَةَ الذِي … ظَلَمْتَ سَرِيعًا عَاجِلاً لا يُؤَجَّلُ

ولقد جاء الشرع الحكيم محرما ومجرما لأكل الحرام بشتى صوره وألوانه فمن صور المال الحرام ما جاء من الخداع فى التجارات والمعاملات بين الناس والغش والتدليس فقال تعالى ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)

ومن صور الحرام خيانة الأمانات  وأكل حقوق الناس عامة واليتامى على وجه الخصوص فقال تعالى ( وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً )  وقال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً )

ومن صور الحرام أكل السحت وهو المال الحرام المذموم فنهى عنه ربنا تبارك وتعالى حيث قال (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )

من صور المال الحرام التسول وسؤال الناس بلا حاجة أو ضرورة ، فالتسول سبب لمحق بركة المال ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ ، فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا ، فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ ”  أخرجه مسلم

ومن صور المال الحرام  بيع سلعة تقليدية أو تجارية على أنها سلعة أصلية ، ولا يخفى على كل مسلم ما لهذا العمل المشين من خيانة للمسلمين

من صور المال الحرام : أخذ الرشوة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الراشي والمرتشي) إسناده حسن.والرشوة: هي ما يعطاه الموظف لكي ينجز العمل، أو لكي ينجز العمل على غير وجهه

ومن صور المال الحرام التعدي واستحلال المال العام وهو ما يسمى الغلول وسرقة المرافق العامة من كهرباء ومياه ومواصلات جاء في صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

( أي على متاعه)رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ فِي النَّارِ فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا)

ومن صور المال الحرام كل ما كان مصدره من شيء محرم مثل الكهانة والسحر والشعوذة والخمر والمسكر والربا وغيرها مما حرمه الله تعالى فى كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم

ومن صور المال الحرام ادعاء ما ليس لك من ارض او عقار سواءا ملكا خاصا او عاما فعن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- في قوله تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ )(البقرة/ 188) قال: هذا في الرّجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بيّنة فيجحد المال ويخاصمهم إلى الحكّام، وهو يعرف أنّ الحقّ عليه، وقد علم أنّه آثم، آكل حرام) .

وقال قتادة عند قوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ.. اعلم يا بن آدم أنّ قضاء القاضي لا يحلّ لك حراما، ولا يحقّ لك باطلا، وإنّما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشّهود، والقاضي بشر يخطىء ويصيب، واعلموا أنّ من قضي له بباطل أنّ خصومته لم تنقض حتّى يجمع الله بينهما يوم القيامة فيقضي على المبطل للمحقّ بأجود ممّا قضى به للمبطل على المحقّ في الدّنيا .

عباد الله

إن المال الحرام له مضاره على الفرد وعلى المجتمع عامة

فعن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام

وقال ابن رجب- رحمه الله-: «أكل الحرام وشربه ولبسه والتّغذّي به سبب موجب لعدم إجابة الدّعاء»  .

وإياك اخى الكريم ان تأكل الحرام ثم يغريك الشيطان بأنك لو تصدقت أو أنفقت أو حججت كفر عنك فهذا سفيان الثوري رضي الله عنه يقول : من أنفق من الحرام في طاعة كان كمن طهر الثوب النجس بالبول، و النجس لا يطهره إلا الماء، والذنب لا يكفره إلا الحلال، وقال الإمام علي كرم الله وجهه: إن الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب وشبهتها عتاب

 وقال عمر: كنا ندع أربعين بابًا من الحلال مخافة الوقوع في الشبهة من الحرام، وإنما الورع في الحلال، وأما الحرام فتركه واجب  قال ابن رجب: (قال بعض السلف: ترك دانق مما يكرهه الله أحب إلى من خمسمائة حجة)

الدانق: سدس الدرهم. ومن مضار أكل المال الحرام أنه

1- حرمان إجابة الدّعاء.

2- دليل على خسّة النّفس ودناءتها.

3- طريق مؤدّ إلى النّار وغضب الجبّار.

4- يورث البعد عن الله، والمقت من النّاس.

5- أكل الحرام يحبط ثواب العمل الصّالح والكلم الطّيّب.

6- دليل على ضعف الدّين وعدم اليقين.

7- يدمر اقتصاد الأمم ويوجد طبقات معدمة وطبقة من اللصوص والسارقين

8- أكل الحرام يقضى على الانتماء للوطن والمجتمع ويوجد طبقة من المنتفعين اصحاب المصالح الشخصية

عباد الله احذروا فكم من الناس حرموا لذة الأكلة الحلال، وحرموا بركة المال، وحرموا صلاح العيال بسبب أكل الحرام من رباً وغش وخداع وسرقة وحلف كاذب، وربما أنك تركع وتسجد وترفع يديك بالدعاء، فأنى يستجاب لك ؟! اسمع لقول الله عز وجل: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30]

عباد الله لنراقب أموالنا، ولنحرص على أكلنا وشربنا ولبسنا، وربما دخلنا من إهمالنا في أعمالنا ووظائفنا.

أيها الإخوة يقول وهب بن الورد: لو قمت في العبادة مقام هذه السارية لن ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك: حلالٌ هو أم حرام”.

وقيل لـ سفيان رحمه الله: لو دعوت الله؟ فقال: إن ترك الذنوب هو الدعاء.

ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [بالورع عما حرم الله يقبل الدعاء والتسبيح]

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام الاولين والآخرين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أجمعين وبعد

أيها المسلمون

أعلموا أن المرء مسؤول يوم القيامة، عن مصدر أمواله وموردها، بل لا تزول قدماه حتى يسأل، من أين آلت إليه هذه الأموال، وفي وجوه الحلال أم في وجوه الحرام أنفقها ؟

عن ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس : عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم) أخرجه الترمذي

عبدالله لن تهزم عدوك الا بأكل الحلال والبعد عن الحرام

فهذا يوسف بن أسباط يقول:” إذا تعبد الشاب يقول إبليس: انظروا من أين مطعمه؟ فإن كان مطعمه مطعم سوء قال: دعوه لا تشتغلوا به، دعوه يجتهد وينصب، فقد كفاكم نفسه”

وقال يحيى بن معاذ:” الطاعة خزانة من خزائن الله إلا أن مفتاحها الدعاء، وأسنانه لقم الحلال”

عبدالله احذر المال واللقمة الحرام وكن طيب المطعم والمشرب والملبس وكن كما كان الصالحون فلقد كانوا رحمة الله عليهم يؤكدون على هذا المعنى كثيراً حتى أن الفضيل رحمه الله لما أراد أن يعرف أهل السنة قال: أهل السنة من عرف ما يدخل بطنه من حلال”

 

الدعاء ……………. وأقم الصلاة

أعدها الفقير الى عفو ربه لقد كانوا رحمة الله عليهم يؤكدون على هذا المعنى كثيراً حتى أن الفضيل رحمه الله لما أراد أن يعرف أهل السنة قال: أهل السنة من عرف ما يدخل بطنه من حلال”. / ماهر السيد خضير

امام وخطيب وزارة الاوقاف

[1] رواه البخارى كتاب بدأ الخلق والامام مسلم كتاب القدر

[2] العاديات

[3] الفجر




خطبة بعنوان: “صور المال الحرام وآثارها على الفرد والمجتمع”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 13 من شوال 1438هـ الموافق 7 من يوليو 2017م

خطبة بعنوان: “صور المال الحرام وآثارها على الفرد والمجتمع”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 13 من شوال 1438هـ الموافق 7 من يوليو 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word  أضغط هنا.

لتحميل الخطبة بصيغة  pdf أضغط هنا.

 

ولقراءة الخطبة كما يلي:

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: الحث على طلب الحلال

العنصر الثاني: تحرى أكل الحلال

العنصر الثالث: صور وأشكال المال الحرام

العنصر الرابع: أسباب الكسب الحرام

العنصر الخامس: آثار أكل الحرام على الفرد والمجتمع

     المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: الحث على طلب الحلال

عباد الله: إن طلب الحلال واجب على كل مسلم , وقد جاء الشرع الحنيف بالحث على السعي في تحصيل المال واكتسابه من طريق الحلال على أنه وسيلة لغايات محمودة ومقاصد مشروعة، وجعـل للحصول عليه ضوابط وقواعـد واضحة المعالم، لا يجوز تجاوزها ولا التعدي لحدودها كي تتحقق منه المصالح للفرد وللجماعة.

ولقد تضافرت النصوص من القرآن والسنة تحث على أكل الحلال الطيب؛ قال تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الأنفال: 69). وقال : {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (النحل: 114). وقال: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ }(البقرة: 168).

قال الإمام ابن كثير:” أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالا من الله طيبًا، أي: مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان.” (تفسير بن كثير).

أيها المسلمون: كلنا نعرف الحلال والحرام؛ لأن الشرع الحكيم قد بينهما؛ فعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:”إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ؛ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ؛ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ؛ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ؛ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى؛ أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ؛ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ”. (متفق عليه).

قال الإمام ابن حجر:” فيه تقسيم الأحكام إلى ثلاثة أشياء. فالأول: الحلال البين ، والثاني: الحرام البين . فمعنى قوله ” الحلال بين ” أي لا يحتاج إلى بيانه ويشترك في معرفته كل أحد ، والثالث مشتبه لخفائه فلا يدرى هل هو حلال أو حرام ، وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه لأنه إن كان في نفس الأمر حراما فقد برئ من تبعتها؛ وإن كان حلالا فقد أجر على تركها بهذا القصد؛ لأن الأصل في الأشياء مختلف فيه حظرا وإباحة ، والأولان قد يردان جميعا فإن علم المتأخر منهما وإلا فهو من حيز القسم الثالث.”أ.هـ بتصرف. (فتح الباري).

فينبغي على الإنسان أن يتقي الشبهات براءة لدينه وعرضه؛ وأخذا بالأحوط؛ حتى يسعد بالحلال في دنياه؛ وينجو من النيران في أخراه.

ولهذا كان الصحابة والصالحون من سلفنا الصالح يتورعون عن هذه الشبهات؛ بل يتورعون عن بعض الحلال خشية أن يكون حراما!! ” فهذا عمر رضي الله عنه يقول:  كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام.. وقال أبو الدرداء: إن من تمام التقوى أن يتقي العبد في مثقال ذرة حتى يدرك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً حتى يكون حجاباً بينه وبين النار، ولهذا كان لبعضهم مائة درهم على إنسان، فحملها إليه، فأخذ تسعة وتسعين وتورع عن استيفاء الكل خيفة الزيادة. وكان ما يستوفيه يأخذه بنقصان حبة وما يعطيه يوفيه بزيادة حبة، ليكون ذلك حاجزاً من النار.”(إحياء علوم الدين).

أيها المسلمون: حديث الحلال والحرام هذا أحد أعمدة الدين الأربعة؛ ” قال أبو داود : مدار السنَّةِ على أربعة أحاديث؛ حديث: ” الأعمال بالنية “. وحديث : ” من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه “. وحديث : ” الحلال بين والحرام بين “. وحديث: ” إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا “.(فيض القدير).

واعلم – يا عبدالله- أن كل ما تدخله بطنك من الحرام هو أول ما ينتن؛ قال صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنْ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ .” (البخاري).

أحبتي في الله: إن أعداء الإسلام يتربصون بكم ليوقعوكم في طرق الحرام؛ فهذا أحد عباقرة أعداء الإسلام يقول: إن ما يهمنى هو أن يظل المسلمون يأكلون حراما !! فسأله أحد تلامذته الذين يربيهم ليتسلموا راية العداء لهذه الأمة: ولماذا تريد للمسلمين أن يأكلوا حراما؟! فقال: لأن المسلم حينما نطعمه حراما فلا بد وأن ينحرف ويعوج عن منهج الله ومنهج محمد (صلى الله عليه وسلم)!!

العنصر الثاني: تحرى أكل الحلال

 عباد الله: يجب عليكم تحري الحلال في مأكلكم ومشربكم وجميع شئون حياتكم؛ ولتكن لكم القدوة في سلفنا الصالح في تحري الحلال، فقد ورد أن الصديق رضي الله عنه شرب لبناً من كسب عبده ثم سأل عبده فقال: تكهنت لقوم فأعطوني، فأدخل أصابعه في فيه وجعل يقيء حتى ظنَّ أن نفسه ستخرج، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء.

وروى عبد الرحمن بن نجيح قال: نزلت على عمر ، فكانت له ناقة يحلبها، فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبناً أنكره، فقال: ويحك من أين هذا اللبن لك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشربها، فخليت لك ناقة من مال الله، فقال: ويحك تسقينى نارًا، واستحل ذلك اللبن من بعض الناس، فقيل: هو لك حلال يا أمير المؤمنين ولحمها. فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر ، حيث خشي من عذاب الله جل وعلا لما شرب ذلك اللبن مع أنه لم يتعمد ذلك، ولم تطمئن نفسه إلا بعد أن استحل ذلك من بعض كبار الصحابة الذين يمثلون المسلمين في ذلك الأمر، بل انظر كيف فرَّق- بحلاوة إيمانه ومذاقه- بين طعم الحلال وبين ما فيه شبهة.

وروي عن على بن معبد أنه قال: كنت ساكناً في بيت بكراء، فكتبت كتاباً وأردت أن آخذ من تراب الحائط لأتربه وأجففه، ثم قلت: الحائط ليس لي، فقالت لي نفسي: وما قدر تراب من الحائط؛ فأخذت من التراب حاجتي، فلما نمت فإذا أنا بشخص واقف يقول: يا علي بن معبد، سيعلم غداً الذي يقول: وما قدر تراب من حائط!!. (إحياء علوم الدين).

 انظر إلى ذلك وإلى حالنا ؛ فكثير من الناس يهتم بجمع المال دون النظر إلى مصدره أمن حلال أم حرام؟!! فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنْ الْحَرَامِ” ( البخاري ).

عباد الله: حق عليكم تحري الحلال والبعد عن المتشابه والحرم، والرشاوى والوساطة والمحسوبيات، احفظوا حقوق الناس؛ أنجزوا أعمالهم أوفوا بالعقود والعهود، اجتنبوا الغش والتدريس والمماطلة والتأخير واتقوا الله جميعاً في أنفسكم وفي أولادكم لا تطعموهم الحرام فإنهم يصبرون على الجوع ولا يصبرون على حر النار، فكل جسد نبت من سحت فالنار أولى به .

إن طلب الحلال وتحريه أمر واجب، فلن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟! فعَنْ مُعَاذِ بن جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا تَزُولُ قَدِمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: عَنْ عُمُرُهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاهُ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ عَلِمهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ؟”. [ الطبراني والبيهقي والترمذي وصححه ]

أختم هذا العنصر بهذه القصة الجميلة – في تحرى أكل الحلال – جاء رجل إلى الإمام الشافعي يشكو له ضيق حاله وأخبره أنه يعمل أجيرا بخمسة دراهم؛ وأن أجره لا يكفيه؛ فما كان من الشافعي إلا أن أمره أن يذهب إلى صاحب العمل ويطالبه بإنقاص أجره إلى أربعة دراهم بدلا من خمسة؛ وامتثل الرجل لأمر الشافعي رغم أنه لم يفهم سببه!! وبعد فترة عاد الرجل إلى الشافعي وقال :لم يتحسن وضعي إنما مازالت المشكلة قائمة؛ فأمره الشافعي بالعودة إلى صاحب العمل وطلب إنقاص أجره إلى ثلاثة دراهم بدلا من أربعة دراهم.؛ ذهب الرجل ونفذ ما طلب منه الإمام الشافعي مندهشاً!!! وبعد فتره عاد الرجل إلى الشافعي وشكره على نصيحته؛ وأخبره أن الثلاثة دراهم أصبحت تغطي كل حوائجه وتفيض؛ بعدها سأله عن تفسير هذا الذي حدث معه؛ فأخبره الإمام الشافعي: أنه كان من البداية يعمل عملا لا يستحق عليه إلا ثلاثة دراهم وبالتالي الدرهمان الباقيان لم يكونا من حقه؛ وقد نزعا البركة عن بقية ماله عندما اختلط به. وأنشد:                  جمع الحرام على الحلال ليكثره ……. دخل الحرام على الحلال فبعثره

فيا من همك التوقيع في سجل الحضور والانصراف!! ويا من همك الدراهم والدنانير دون النظر إلى مصدرها!! ويا من تطعم أولادك حرام!! ويا من تراشي وتحابي رئيسك ومديرك من أجل هروبك من العمل وتقصيرك فيه؛ أو من أجل الوصول إلى وظيفة أو منصب أو جاه!! اتقوا الله ولا تطعموا أولادكم وأهليكم حراما.

أيها المسلمون: ألا فليسارع كل منا إلى تحرى الحلال؛ وأعدوا لما ستسألون عنه جوابا، ولا تنظروا إلى من تخوَّضوا في المال الحرام كم جمعوا؛ فإنهم زائلون، وأموالهم تثقل يوم القيامة ظهورهم، ومن اغتصب شبرا من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين فاحذروا ثم احذروا.

وبعد: فهذه رسالة أوجهها إلى جميع آبائي وإخواني وأحبابي؛ وكل أفراد المجتمع؛ حبا لهم وإشفاقا عليهم من عذاب الله؛ اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد يا رب العالمين. 

العنصر الثالث: صور وأشكال المال الحرام

عباد الله: للمال الحرام صور كثيرة وأشكالٌ متنوعة منها:

أكل أموال الناس بالباطل: سواء بالنصب أو الغصب أو الغلبة والقوة؛ أو عن طريق القضاء في المحاكم بشهادة مزورة أو خلافه!! قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } (النساء: 29) . وقال:{ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 188)؛ ” عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: هذا في الرّجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بيّنة فيجحد المال ويخاصمهم إلى الحكّام، وهو يعرف أنّ الحقّ عليه، وقد علم أنّه آثم، آكل حرام.” (الدر المنثور)؛ ” وقال قتادة : اعلم يا بن آدم أنّ قضاء القاضي لا يحلّ لك حراما، ولا يحقّ لك باطلا، وإنّما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشّهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب، واعلموا أنّ من قضي له بباطل أنّ خصومته لم تنقض حتّى يجمع الله بينهما يوم القيامة فيقضي على المبطل للمحقّ بأجود ممّا قضى به للمبطل على المحقّ في الدّنيا”.(تفسير ابن كثير)؛ ويدخل في أكل أموال الناس بالباطل بيع سلعة تقليدية أو تجارية على أنها سلعة أصلية ، ولا يخفى على كل مسلم ما لهذا العمل المشين من خيانة للمسلمين ، وأكل أموالهم بالباطل ، وهذا لا شك أنه يأكل هذا المال ظلماً وعدواناً ، إنما يأكل في بطنه ناراً ، فليتق الله ويسلم ، أو ليعصه فيندم .

ومنها: أكل مال اليتيم: قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (النساء: 10)؛ فأعلمهم الله أن من أكل مال يتيم ظلما فإنما يأكل في بطنه نارًا؛ يقول الإمام ابن كثير:” أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب، فإنما يأكلون نارًا تَأجَّج في بطونهم يوم القيامة. وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اجْتَنبوا السَّبْعَ الموبقات” قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: “الشِّرْكُ بالله، والسِّحْر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزَّحْفِ، وقَذْفُ المحصنات المؤمنات الغافلات”. ( تفسير ابن كثير).

ومنها: سرقة المال العام: فالمال العام أعظم خطراً من المال الخاص الذي يمتلكه أفراد أو هيئات محددة، فالسارق له سارق للأمة لا لفرد بعينه، فإذا كان سارق فرد محدد مجرماً تقطع يده إن كان المسروق من حرز وبلغ ربع دينار فصاعداً، فكيف بمن يسرق الأمة ويبدد ثرواتها أو ينهبها ؟! كيف تكون صورته في الدنيا وعقوبته في الآخرة ؟!

ومنها: الغش والتدليس: ومن صور أكل المال الحرام ، غش الناس والتدليس عليهم في المعاملات ، من أجل أكل أموالهم بالباطل ، كمن يجعل طيب الطعام في الأعلى ، والرديء في الأسفل ، أو الجديد في الأعلى والقديم في الأسفل ، أو الكبير في الأعلى والصغير في الأسفل ، وهذا أمر لا يجوز شرعاً ولا عرفاً ، وهو من الغش المتداول بين الناس اليوم ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا ، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا ، فَقَالَ مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ؟ قَالَ : أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ” أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ ، كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي ” [مسلم ] ، ألا فليتق الله أناس عرف الحق فلم يتبعوه ، وعلموا الحلال فتجاوزوه ، فاتقوا الله أيها التجار وبينوا عيوب السلع للناس قبل بيعها ، والله هو الرزاق ذو القوة المتين.

ومنها: أخذ الرشوة : ولقد لُعن أهلها والمتعاملين بها ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي ” [ أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وصححه] ، وكم من الموظفين اليوم من لا يخاف الله ولا يخشاه ، فتراه آكلاً للمال الحرام ، متعاط للرشوة ، ولقد علم سلف هذه الأمة خطورة الرشوة ، وشديد أمرها ، وأنها سبب لزعزعة الأمن ، ومجلبة للضعف والخور ، وهلاك ودمار ، فتركوا طريقها ، وابتعدوا عن سبيلها ، فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى خَيْبَرَ ، فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ قَالَ : فَجَمَعُوا لَهُ حَلْيًا مِنْ حَلْيِ نِسَائِهِمْ ، فَقَالُوا لَهُ : هَذَا لَكَ وَخَفِّفْ عَنَّا وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ! وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ ، وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ ، فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنَ الرَّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ ، وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا ، فَقَالُوا : بِهَذَا قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ” [ أخرجه مالك ] . فالرشوة فساد للمجتمعات ، تدمير للحقوق ، أذانٌ بالهلاك من الله جل وعلا ، فعَنْ عَمْرِو ابْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” مَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرِّبَا ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ ـ القحط والجدب ـ وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرُّشَا ـ الرشوة ـ إِلَّا أُخِذُوا بِالرُّعْبِ ” [أحمد ] ، وهاهي الأمة اليوم تعاني تبعات أكل المال الحرام ، من حروب مدمرة ، وويلات مهلكة ، وقحط وجدب ، فقد أمسكت السماء ماءها ، ومنعت الأرض خيراتها ، ولفحت الشمس بحرارتها ، واشتدت الطقوس ببرودتها ، فاتقوا الله عباد الله ، واحذروا أسباب سخطه ، وموارد عقوبته .

ومنها:  التسول وسؤال الناس بلا حاجة أو ضرورة : فالتسول سبب لمحق بركة المال ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ ، فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا ، فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ ” [مسلم ] ، فالتسول تعتيم لصورة الإسلام المضيئة ، وتشويه لحقيقته الوضاءة ، فكم سعى الأعداء للنيل من الإسلام بشتى الطرق والوسائل ، ومنها تغيير منهج المساجد وملؤها بأولئك المتسولين والمتسولات ، حتى تفاقم الوضع وانتشر ، وزاد المكر والخطر ، ينهبون الناس بكلمات رقيقة جذابة ، صنعها لهم صُناع الكلمة من العصابات ، والمؤسسات المنحرفة ، قال صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ ” [مسلم ] ، وكم من الناس اليوم من يعاني الفقر ، ويصارع الجوع ، ويدفع الفاقة ، ومع ذلك تراه عفيف النفس ، شامخ الأخلاق ، فلا يمد يديه إلا لله ، ولا يُنزل حاجته إلا بالله ، ومع فقره وشدة حاجته فهو كما قال الله تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}( البقرة: 273) .

أحبتي في الله: التسول حرام ، ونارٌ يأكله صاحبه في جوفه ، فاتقوا النار وذروا المال الحرام ، فقد قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ ـ قوي صحيح ـ إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ ، أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ ، وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ بِهِ مَالَهُ ، كَانَ خُمُوشًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَرَضْفًا ـ حجارة محمية ـ يَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ ” [ أخرجه الترمذي ] .

ومنها: المماطلة في سداد الدين: ومن صور المال الحرام أخذ أموال الناس بقصد السلف والدين ، مع إضمار النية بعدم رده وسداده ، أو التهاون في ذلك ، فهذا هو الظلم والعدوان ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنْ أَخَذَها يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ” [البخاري ] ، ثم اعلموا أيها الناس أن أكل المال بمثل هذه الصورة من صور المال الحرام هو ظلم وتعد على الأموال المعصومة ، فمن كانت لديه أموال لأناس أسدوا له معروفاً ، وقدموا له إحساناً فعليه أن يرد المال لأصحابه ، والإحسان إحساناً ، فاتقوا الله عباد الله ، وردوا الأمانات إلى أهلها ، وتوبوا إليه قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ، وإنما هي الحسنات والسيئات ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ” [ البخاري ] .

أيها المسلمون: هناك صور كثيرة لأكل الحرام لا تسعفها هذه الوريقات في هذه الدقائق المعدودة؛ كالسرقة وأكل الميراث؛ والحرابة ؛ وغير ذلك !!

العنصر الرابع: أسباب الكسب الحرام

عباد الله: هناك أسباب تدفع الناس دفعاً إلى اكتساب الحرام ونحن نذكرها هنا لنتجنبها ومن هذه الأسباب:

أولاً: عدم الخوف والحياء من الله:

فالخوف والحياء من الله تعالى وحسن مراقبته سياجات كلها تقي المسلم وتحميه من الوقوع في الحرام , ولقد عرَّف النبي صلى الله عليه وسلم الحياء الحقيقي تعريفا جامعاً مانعاً , فعنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ، قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ ِللهِ ، قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ ، وَلكِنَّ الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ : أَنْ تَحْفَظَ الرَّاْسَ وَمَا وَعَى ، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى ، وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى ، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا ، فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ ، فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ. ( أحمد والترمذي والحاكم وصححه) ؛ فإذا نزع الحياء من المرء فإنه لا يبالي أكان مكسبه من حلال أم من حرام ؟! .

ثانياً: استعجال المكسب السريع:

فبعض الناس يستعجلون في قضية الرزق؛ فهم يريدون الحصول على المال من أي جهة وبأي طريق حتى لو كان من حرام , فالمكسب السريع عندهم هو الغاية المرجوة والهدف المنشود , وقد يتأخر الرزق عن بعض الناس لحكمة يعلمها مقدر الأرزاق ومقسمها ؛ فيحمله استبطاء الرزق على أن يطلبه بمعصية الله ؛ ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال فيما رواه عنه ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله ، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته” . (الطبراني والبيهقي والحاكم وصححه).

أخي المسلم: إن تعجلك بجمع المال عن طريق الحرام كان سبباً في منع الحلال من الوصول إليك، فمن استعجل الرزقَ بالحرام مُنِع الحلال، وأسوق لكم قصة رائعة تؤيد هذا الكلام: رُوِي عن علي رضي الله عنه أنه دخل مسجد الكوفة فأعطى غلامًا دابته حتى يصلي، فلما فرغ من صلاته أخرج دينارًا ليعطيه الغلام، فوجده قد أخذ خطام الدابة وانصرف، فأرسل رجلا ليشتري له خطامًا بدينار، فاشترى له الخطام، ثم أتى فلما رآه علي رضي الله عنه، قال سبحان الله! إنه خطام دابتي، فقال الرجل: اشتريته من غلام بدينار، فقال علي رضي الله عنه: سبحان الله! أردت أن أعطه إياه حلالا، فأبى إلا أن يأخذه حراما!!

فالسارق رزقه كان سيأتيه عن طريق الحلال ولكنه تعجله بطريق الحرام!! والمرتشي رزقه كان سيأتيه عن طريق الحلال ولكنه تعجله بطريق الحرام!! والذي حصل على وظيفة بالوساطة والمحسوبية رزقه كان سيأتيه عن طريق الحلال ولكنه تعجله بطريق الحرام!! وقس على ذلك كل طرق الكسب المحرمة والمنتشرة في المجتمع!!

ثالثاً: الحرص والطمع وعدم القناعة

خلق الإنسان مجبولا على حب المال والحرص عليه؛ ولا يكل أو يمل من جمعه وتعداده؛ وكلما ازداد وكثر كلما تعلق قلبه به شغفاً؛ بل ويتمنى الزيادة؛ فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ.” (متفق عليه)؛ فالإنسان يدور بين الحرص والطمع؛ ففي الحرص لا يخلو المرء من تعب؛ وفي الطمع لا يخلو من ذل, وقديما قيل ” أذل الحرص أعناق الرجال” . وقال ابن أدهم ” قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع وكثرة الحرص والطمع تورث كثرة الغم والجزع ” والطمع يُعمي الإنسان عن حقائق الأمور ويُخفي عنه معالمها. وأنشد ابن عبد القدوس قائلاً:

لا تَحرِصَنَّ فَالحِرص لَيسَ بِزائِد ‍* * * في الرِزقِ بَل يَشقى الحَريص وَيَتعَب

وَيَظل مَلهوفاً يَروح تحيلا ‍* * * وَالرِزقُ لَيسَ بِحيلَة يُستَجلَب

كَم عاجِز في الناسِ يَأتي رِزقُه * * * رَغداً وَيحرم كيس وَيَخيب

رابعاً: الجهل بخطورة الكسب الحرام وحكمه

كثير من الناس يجهل خطورة الكسب الحرام وحكمه وأثره السيئ عليه , ويتهاون في معرفة ما يحصله من أموال , وما يتناوله من طعام .

لذلك كانت المرأة قديما توصي زوجها حين خروجه من بيته قائلةً: يا هذا، اتق الله في رزقنا ولا تطعمنا حراما، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار!!

العنصر الخامس: آثار أكل الحرام على الفرد والمجتمع

لأكل الحرام آثار سلبية مدمرة وخطيرة على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة ومن هذه الآثار :

أولاً : منع استجابة الدعاء

فقد روي مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!”. وقال ابن كثير عند قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ} (البقرة/ 172):” يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بالأكل من طيّبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبّل الدّعاء والعبادة، كما أنّ الأكل من الحرام يمنع قبول الدّعاء والعبادة “أ.ه وقال ابن رجب- رحمه الله-: «أكل الحرام وشربه ولبسه والتّغذّي به سبب موجب لعدم إجابة الدّعاء» (جامع العلوم والحكم). “وقال يحيى بن معاذ: الطاعة خزانة من خزائن الله إلا أن مفتاحها الدعاء، وأسنانه لقم الحلال.” (إحياء علوم الدين).

ثانياً: عدم قبول العمل:

فالإنسان الذي يأكل حراما لا يقبل منه عمله وعبادته؛ “فعن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: لا يقبل الله صلاة امرىء في جوفه حرام . وقال أبو عبد الله النّاجي الزّاهد- رحمه الله-: خمس خصال بها تمام العمل: الإيمان بمعرفة الله- عزّ وجلّ- ومعرفة الحقّ، وإخلاص العمل لله، والعمل على السّنّة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل، وذلك إذا عرفت الله- عزّ وجلّ- ولم تعرف الحقّ لم تنتفع، وإذا عرفت الحقّ ولم تعرف الله لم تنتفع. وإن عرفت الله وعرفت الحقّ ولم تخلص العمل لم تنتفع، وإن عرفت الله وعرفت الحقّ وأخلصت العمل ولم يكن على السّنّة لم تنتفع، وإن تمّت الأربع ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع. وقال ابن رجب عند قوله تعالى{ يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ..} (الأنبياء/ 51): المراد بهذا أنّ الرّسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطّيّبات الّتي هي الحلال وبالعمل الصّالح، فمتى كان الأكل حلالا فالعمل الصّالح مقبول، فإذا كان الأكل غير حلال فكيف يكون العمل مقبولا؟!”( جامع العلوم والحكم). ” وقال سفيان الثوري رضي الله عنه: من أنفق من الحرام في طاعة الله كان كمن طهر الثوب النجس بالبول والثوب النجس لا يطهره إلا الماء والذنب لا يكفره إلا الحلال.”( إحياء علوم الدين).

ثالثاً: دخول النار:

فالذي تربى على الحرام ونبت جسمه من حرام فالنار أولى به؛ فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من نبت لحمه من السحت فالنار أولى به » (الطبراني والبيهقي والحاكم وصححه). والسحت : الحرام الذي لا يحل كسبه؛ لأنه يسحت البركة : أي يذهبها ، والسحت من الإهلاك والاستئصال. وفي الخبر: أنه مكتوب في التوراة: ” من لم يبالي من أين مطعمه لم يبالي الله من أي أبواب النيران أدخله “. (إحياء علوم الدين)؛ وأخرج البخاري من حديث خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ ـ يتصرفون ـ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. “؛ وعن أبي أمامة الحارثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من اقتطع حق امرئ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبًا من أراك”( مسلم ).

وفي مقابل ذلك أن من أكل حلالا وجبت له الجنة؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ”. (الطبراني والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي) ؛ ويغفر الله لك كل ذنوبه؛ ” قال بعض السلف: إن أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه، ومن أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر. “(إحياء علوم الدين)

رابعاً: ظلمة القلب وكسل الجوارح عن الطاعة.

فالكسب الحرام له آثار وأضرار وخيمة على صاحبه فهو يؤدي إلى ظلمة القلب وكسل الجوارح عن طاعة الرب , ونزع البركة من الرزق والعمر . قال ابن عباس رضي الله عنهما:’إن للحسنة نوراً في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق. وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنا في البدن، ونقصاً في الرزق وبغضاً في قلوب الخلق’ . (الداء والدواء لابن القيم)؛ فأكل الحرام يحول الحلو إلى حامض , والرضا واليقين إلى الشك والسخط .

خامساً: وجوب غضب الجبار والبعد من رحمته

فأكل الحرام يوجب غضب المولى عز وجل وسخطه على العبد؛ ويزداد بأكله الحرام بعداً من رحمة الله تعالى؛ وقد ذكر ابن القيم فى كتابه الداء والدواء قصة لذلك فقال : ” أصاب بني إسرائيل بلاء ، فخرجوا مخرجا ، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم : إنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة ، وترفعون إلي أكفا قد سفكتم بها الدماء ، وملأتم بها بيوتكم من الحرام ، الآن حين اشتد غضبي عليكم ؟ ولن تزدادوا مني إلا بعدا !!!!”

نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا الرزق الحلال وأن يبارك لنا فيه؛؛؛؛؛؛؛؛

الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،،

كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

                                                                                                                                               د / خالد بدير بدوي