الثلاثاء , 17 يناير 2017
أخر الأخبار
الرئيسية / أخبار مهمة / خطبة بعنوان: “خطورة الرشوة ووسائل القضاء عليها”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 8 ربيع الآخر 1438هـ – 6 يناير 2017م
خطبة بعنوان: “خطورة الرشوة ووسائل القضاء عليها”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 8 ربيع الآخر 1438هـ – 6 يناير 2017م

خطبة بعنوان: “خطورة الرشوة ووسائل القضاء عليها”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 8 ربيع الآخر 1438هـ – 6 يناير 2017م

22165 عدد الزيارات

خطبة بعنوان: “خطورة الرشوة ووسائل القضاء عليها”، للدكتور خالد بدير، بتاريخ 8 ربيع الآخر 1438هـ – 6 يناير 2017م.

لتحميل الخطبة بصيغة word أضغط هنا

لتحميل الخطبة بصيغة pdf أضغط هنا

 

 

ولقراءة الخطبة كما يلي: 

خطبة بعنوان: خطورة الرشوة ووسائل القضاء عليها

 8 ربيع الثاني 1438هـ –  6 يناير 2017م

عناصر الخطبة:

العنصر الأول: خطورة الرشوة في الإسلام

العنصر الثاني: آثار الرشوة على الفرد والمجتمع

العنصر الثالث: الرشوة مواقف وقصص وعبر

العنصر الرابع: وسائل القضاء على الرشوة

 المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: خطورة الرشوة في الإسلام

عباد الله: إن من أشد الأمراض التي ابتلى بها المجتمعات مرض الرشوة.

  والرشوة هي: ما يعطى لإبطال حق، أو إحقاق باطل؛ أما إذا كان المال المدفوع، لأجل الحصول على حق حجب عنه أو لدفع باطل وظلم سيحيق به أو أحاق به فجائز ؛ كأن تدافع عن دينك ودمـك ومالك فليس بحـرام؛ فالحرام أن تدفع مالاً لتحصل ما ليس لك أو لتتهرب من أداء حقٍ يلزمك أداؤه.

أيها المسلمون: إن داءَ الرشوة داءٌ عضال، أمرٌ محرَّم شرعًا بكتاب ربنا وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وإجماع المسلمين، والله يقول في كتابه العزيز: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْولَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَـاطِلِ} [النساء:29]، فالرشوة أخذُ مال بالباطل، وأخذ مالٍ بلا سبب، وأخذ مالٍ بلا موجب، وإنما هو ظلمٌ وعدوان وإساءةٌ ودناءة وسوءُ فعل، وهو سحتٌ كما قال الله في حق اليهود: {سَمَّـاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة:42]، وقد فسَّر الصحابة السحت بأنه الرشوة، كما فسّره عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، وأن قوله: { أَكَّـالُونَ لِلسُّحْتِ} أن اليهود من أخلاقهم تعاطي الرشوة والسعي فيها، فالرشوة سحتٌ، والسحتُ خبيث، وكلّ جلد نبت من سحت فالنار أولى به. لذلك: “لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الراشي والمرتشي”. ( أبو داود والترمذي )؛ فالراشي والمرتشي والرائش ملعونون عند الله على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، مطرودون من رحمة الله ممحوق كسبهم، زائلة بركتهم، خسروا دينهم وأضاعوا أمانتهم، استسلموا للمطامع، واستعبدتهم الأهواء، وأغضبوا الرب، وخانوا إخوانهم، وغشوا الأمة، نفوسهم خسيسة وهممهم دنيئة.

ولخطورة الرشوة في الإسلام عدها الإمام الذهبي من الكبائر وسطر لها بابا خاصا وذلك من خلال الكبيرة الثانية والثلاثين.

أحبتي في الله: إن الرشوة من الجرائم الفاسدة والمفسدة ، وهي إن تمكنت من السريان والانتشار في جسد المجتمع أفسدت ذلك الجسد حتى يغدو جماداً بلا روح ، وكلما تمكنت واستفحلت كانت كمعاول الهدم والتخريب لا تنفك تطرق في أركان الدولة حتى تزعزعها .

ولقد استهان كثير من الناس بهذا الباب الخطير، وهو سبب فساد الذمم، وشراء الضمائر، والمماطلة في الحقوق، والتقاعس عن أداء الواجبات إلا برشوة أو هدية أو خدمة يبذلها صاحب الحق، بصور عديدة؛ وأغراض خسيسة. 

ومن تلك الصور تعاطى الرشوة محاباة ومجاملة لإحقاق باطل أو إبطال حق كما هو شائع في المصالح الحكومية، فقد أخْرَج الشيخان من حديث أبي حميد الساعدي – رضي الله عنه – قال: “استعمَلَ النبي – صلى الله عليه وسلم – رجلاً من الأزد يُقال له: ابْن اللُّتْبِيَّة على الصَّدَقة، فلمَّا قَدِم، قال: هذا لكم وهذا أُهْدِي إليّ، قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: “فهلاَّ جَلَس في بيت أبيه أو بيت أُمِّه، فينظر يُهْدَى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحدٌ منه شيئًا إلاَّ جاء به يومَ القيامة يَحمله على رَقَبته؛ إن كان بعيرًا له رُغَاء، أو بقرة لها خُوَار، أو شاة تَيْعَر”، ثم رفَعَ يدَه؛ حتى رأْينا عُفْرَة إبطَيْه: “اللهمَّ هل بلَّغْت، اللهم هل بلَّغْت ثلاثًا”

، قال الخطابي رحمه الله: “في هذا بيان أن هدايا العمال سُحت، وأنه ليس سبيلها سبيل الهدايا المباحة، وإنما يُهدى إليه للمحاباة، وليخفِّف عن المُهدي، ويُسوِّغ له بعض الواجب عليه، وهو خيانة منه، وبخس للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله” انتهى، وقال الشوكاني رحمه الله: “إن الهدايا التي تُهدى للقضاة ونحوهم هي نوعٌ من الرشوة؛ لأن المُهدي إذا لم يكن معتاداً للإهداء إلى القاضي قبل ولايته لا يهدي إليه إلا لغرض، وهو إما التقوِّي به على باطله، أو التوصل بهديته إلى حقه، والكل حرام”.

لهذا كله حذر صلى الله عليه وسلم من الرشوة أيما تحذير ؛ فعَنْ مُعَاذِ بن جَبَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ:”خُذُوا الْعَطَاءَ مَا دَامَ عَطَاءً، فَإِذَا صَارَ رِشْوَةً فِي الدِّينِ فَلا تَأْخُذُوهُ، وَلَسْتُمْ بِتَارِكِيهِ، يَمْنَعْكُمُ الْفَقْرَ وَالْحَاجَةَ، أَلا إِنَّ رَحَى الإِسْلامِ دَائِرَةٌ، فَدُورُوا مَعَ الْكِتَابِ حَيْثُ دَارَ، أَلا إِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّلْطَانَ سَيَفْتَرِقَانِ، فَلا تُفَارِقُوا الْكِتَابَ، أَلا إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَقْضُونَ لأَنْفُسِهِمْ مَا لا يَقْضُونَ لَكُمْ، إِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ قَتَلُوكُمْ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ أَضَلُّوكُمْ”، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ:”كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، نُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرَ، وَحُمِلُوا عَلَى الْخَشَبِ، مَوْتٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ”. (الطبراني بسند ضعيف)

عباد الله: إن الغرب – مع أنه غير مسلم – ينهى عن الرشوة؛ وذلك لآثارها على جميع الأصعدة، وإذا انتشرت دمرت بقاع الأرض، وقد وقع نظري على نداءات وصرخات من بعض ساسة العالم ممن لا يدينون بالإسلام، ينددون ويحذرون من هذه الجريمة ويصفونها بأنها الفساد والدمار الاقتصادي، ولعلي أذكر بعضًا من أقوالهم: يقول ستيوارت -وهو وكيل وزارة الخارجية للشؤون الاقتصادية والتجارية والزراعية الأمريكية -: “إن فساد الرشوة يلحق ضررًا بالتنمية الاقتصادية والإصلاح”.  ويقول إيليانور روبرتس لويس -رئيس قسم المستشارين لشؤون التجارة الدولية في وزارة التجارة الأمريكية-: “إن الرشوة والمحسوبية كانا عاملين مهمين في الأزمة الاقتصادية الآسيوية”. ويقول دونالد سترومبوم: “إن الرشوة في عقود المشتريات الحكومية تشكل لب الفساد”.

فإذا كان هؤلاء – مع أنهم غير مسلمين – ينادون بالحفاظ على النظام الاقتصادي لديهم، فإن أمة الإسلام أولى بالاستجابة لنداء ربها ودعوة رسولها بأكل الطيب والبعد عن أكل السحت وهجر آكليه وعدم ملاقاتهم ومؤاكلتهم؛ حتى يرعووا عن إفكهم وما كانوا يأكلون!!

العنصر الثاني: آثار الرشوة على الفرد والمجتمع

عباد الله: للرشوة آثار جسيمة وعواقب وخيمة وأضرار جسيمة على الفرد والمجتمع؛ وهذه الآثار منها الاقتصادية ومنها الاجتماعية ومنها الأخلاقية وهاك البيان:

فأما أضرارها الاقتصادية: فالرشوة تعمل على هدم الاقتصاد وانهياره؛ كما حدث منذ سنوات وتم هدم محصول القطن طويل التيلة بفعل فاعل؛ وتهريب البذرة لدولة معادية؛ ودخول سلالات مهجنة ضيعت هيبة وسمعة القطن المصري؛ الذي كان الثروة الكبري في المرتبة الأولي للاقتصاد المصري؛ والذي كان يدر دخلا كبيرا من العملة الصعبة التي نعاني منها الأمرين اليوم؛ وهذا كله بارتكاب جريمة الرشوة.

ومن أخطر آثار الرشوة الاقتصادية: إهدار الأموال وتعريض الأنفس للخطر؛ فلو تخيلت أن الرشوة قد سادت في مجتمع حتى وصلت إلى قطاع الصحة وإنتاج الدواء، فكيف ستكون أحوال الناس الصحية حين يستعملون أدوية رديئة أُجيز استعمالها عن طريق الرشوة؟ ثم تخيل أنك تسير على طرق وكباري بها عيوب جسيمة تجعل منها خطرًا على أرواح الناس وممتلكاتهم، وقد حصل المقاول على شهادات إتمام العمل والبناء عن طريق الرشوة، كم سيترتب على انهيار هذه الطرق والكباري من خسائر في الأرواح والأموال؟ وقس على ذلك جميع المجالات؛ لهذا كانت الرشوة إهدارًا للأموال وتعريضًا للأنفس للخطر !!

ومنها: توسيد الأمر لغير أهله: فالإنسان حين يدفع رشوة للحصول على وظيفة معينة لا تتوافر فيه مقوماتها وشروطها فهو ليس أهلاً لهذه الوظيفة، أصبح المجتمع تسوده الصبية والأغبياء الذين وصلوا للمنصب بدون وجه حق؛ وضاع النابغة الذي تفوق ووصل إلى قمة العلم والإدارة؛ ولكن هناك الغبي الذي دفع الرشوة وحرمه حقه ونزع منه منصبه.. وكذلك الرّشوة في أمور الجند تجعل الكفاءة فيهم غير معتبرة؛ ويؤول الأمر إلى أن يتولّى الدّفاع عن البلاد من هم غير أهل لذلك فتحيق بهم الهزيمة، ويلحق العار البلاد بأسرها؛ فيتوسد الأمر إلى غير أهله..مما يترتب عليه قصور في العمل والإنتاج، وإهدار للموارد.

ومنها تضييع الأمانة: فعن الحسن قال : إذا دخلت الرشوة من الباب خرجت الأمانة من الكوة . فالرشوة تعين على خيانة الأمانة والوظيفة، حيث لا يقوم الموظف بتأدية عمله على الوجه الأكمل إلا إذا أخذ الرشوة.

ومنها: الأزمات الاقتصادية:  فعَنْ عَمْرِو ابْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” مَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرِّبَا، إِلَّا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ ـ القحط والجدب ـ وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرُّشَا ـ الرشوة ـ إِلَّا أُخِذُوا بِالرُّعْبِ ” [ أخرجه أحمد ] ، وها هي الأمة اليوم تعاني تبعات أكل المال الحرام، من حروب مدمرة، وويلات مهلكة، وقحط وجدب، فقد أمسكت السماء ماءها، ومنعت الأرض خيراتها، ولفحت الشمس بحرارتها، واشتدت الطقوس ببرودتها، فاتقوا الله عباد الله، واحذروا أسباب سخطه، وموارد عقوبته.

أما آثارها الأخلاقية: فهي تُفسد الأخلاق، وتُثبت في نفس المرتشي والراشي النظرة النفعية المادية البحتة، فبالرشوة تنعدم الرحمة وينتفي التعاون ويكثر الجشع والطمع؛ بالرشوة يفلت المجرم، ويدان البريء، بها يفسد ميزان العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وقام عليه عمران المجتمع، هي المعول الهدام للدين والفضيلة والخلق؛ فانتشار ظاهرة الرشوة في مجتمع من المجتمعات يعني تدمير أخلاق أبناء هذا المجتمع وفقدان الثقة بين أبنائه، وانتشار الأخلاقيات السيئة كالتسيب واللامبالاة، وفقدان الشعور بالولاء والانتماء، وسيطرة روح الإحباط؛ لأن قوام الأمم بالأخلاق وضياعها بفقدانها لأخلاقها، قال الشاعر أحمد شوقي:

إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت …………فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وقال:                   وَإِذا أُصـــيــبَ الـــقَــومُ فـــــي أَخــلاقِــهِـم………. فَـــــأَقِـــــم عَـــلَـــيــهِــم مَــــأتَـــمـــاً وَعَـــــويــــلا.

وقال:                     صَـلاحُ أَمْـرِكَ لِلأَخْـلاقِ مَرْجِعُـهُ…………… فَقَـوِّمِ النَّفْـسَ بِالأَخْـلاقِ تَسْتَقِـمِ

ويكون حال المجتمع كما صوره الشاعر الذي أدخله عمر بن الخطاب السجن حينما قال:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها …….واقعد فأنت الطاعم الكاسي

 فأدخله عمر بن الخطاب السجن بسبب هذا البيت المثبط للهمم والذي يدعو للفجور والعهر؛ فحينما لا تطلب مكارم الأخلاق وصالح الأخلاق التي بعث الرسول صلي الله عليه وسلم من أجلها كما قال :” إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمَّمَ صالحَ  الأخلاقِ” [البخاري في الأدب المفرد وأحمد والبيهقي والحاكم وصححه ووافق الذهبي ]. فماذا يكون حال المجتمع وقد صار إلي ما صرنا إليه والي الله المشتكى؟!!

أما آثارها الاجتماعية:

فمنها: زعزعة الأمن في المجتمع: فتخيل لو أن بينك وبين أحد خصومة ما؛ ووصل الأمر للشرطة وللقضاء؛ وأنت رجل عندك مباديء ولست من أرباب المشاكل .. فسوف يدفع الخصم مبلغا من المال لعمل تقريرٍ طبيٍّ مزورٍ كما يحدث في هذه الأيام .. وسوف يترتب علي هذا الأمر أن يتم حبك المحضر حبكا محكما …حتي يصل إلي آخر مراحله ليلة الحكم ضدك بالسجن؛ وبناء عليه .. فهل ستنام أو تشعر بالراحة؟!! كلا لأنك فقدت أهم عناصر الأمن والاستقرار : آمنا في سربه… فالرشوة تدمر المجتمع وتجعل أعزة رجاله أذلة؛ وأحقر رجاله يتوسدون مقاليد الأمور إلا من رحم ربي؛ والرشوة تحول المجرم إلي بريء والبريء إلي مجرم ..وتعين الفاسد علي فساده فيزداد فسادا ..وهذا ما يقوض قدرات المجتمع وشله..ودفع الجميع إلي الهاوية واستحقاق اللعنة من الله _الراشي والمرتشي والرائش -.

أيها المسلمون: هذه هي آثار الرشوة على المجالات الاقتصادية والأخلاقية والاجتماعية؛ ناهيك عن آثارها عند الله؛ فإن الراشي والمرتشي والرائش ملعونون ومطرودون من رحمة الله؛ فالمرتشي تشدّ يساره إلى يمينه ثمّ يرمى به في جهنّم وساءت مصيرا. فعن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- مرفوعا، أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: « من وَلِي عشرةً فحكم بينهم بما أحبُّوا أو بما كرِهوا جِيء به مغلولةً يدُه؛ فإن عدَل ولم يرْتشِ ولم يحِفْ فكَّ اللهُ عنه؛ وإن حكم بغيرِ ما أنزل اللهُ وارتشَى وحابَى فيه شُدَّت يسارُه إلى يمينِه ثمَّ رُمِي به في جهنَّمَ؛ فلم يبلُغْ قعرَها خمسَمائةِ عامٍ ». ( الحاكم والطبراني بسند ضعيف)

العنصر الثالث: الرشوة مواقف وقصص وعبر

عباد الله: تعالوا بنا لنقف مع حضراتكم في هذا العنصر مع مواقف وصور وقصص للرشوة؛ جمعتها لكم من هنا وهناك؛ ومن واقعنا المعاصر؛ لنأخذ منها العبرة والعظة؛ وهذه المواقف منها الإيجابي الذي أبى وحرم على نفسه أخذ الرشوة؛ ومنها السلبي الذي لا يتعامل إلا بالرشوة وكيف كانت نهايته ؟!!

أولاً: المواقف والصور الإيجابية:

نبي الله سليمان يرد هدية ملكة سبأ: وذلك لأن القصد منها أن يتركهم على شركهم؛ قال تعالى على لسانها: { وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ *  فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} (النمل: 35 ؛ 36). قال ابن كثير: ” أي: سأبعث إليه بهدية تليق به وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك؟! فلعله يقبل ذلك ويكف عنا، أو يضرب علينا خَرَاجا نحمله إليه في كل عام، ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا. قال قتادة: ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها!! علمت أن الهدية تقع موقعًا من الناس. وقال ابن عباس وغير واحد: قالت لقومها: إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه.”.أ.ه ” وعن قتادة أيضا: إنّي باعثة إليهم بهديّة، فمصانعتهم بها عن ملكي، إن كانوا أهل دنيا، فبعثت إليهم بلبنة من ذهب في حرير وديباج، فبلغ ذلك سليمان فأمر بلبنة من ذهب فصنعت، ثمّ قذفت تحت أرجل الدّوابّ على طريقهم تبول عليها وتروث، فلمّا جاء رسولها، واللّبنة تحت أرجل الدّوابّ، صغر في أعينهم الّذي جاءوا به”. (الدر المنثور)

عمر الفاروق – رضي الله عنه – يرفض الهدية لكونها طريق الرشوة. فقد ذكر ابنُ كثيرٍ في تاريخه أن جيشَ المسلمين لما ظفَروا بالنصرِ على إقليمِ تركستان وغنِموا شيئًا عظيمًا أرسَلوا معَ البُشرى بالفَتح هدايا لعُمر -رضي الله عنه-، فأبَى أن يقبَلَها، وأمر ببَيعها وجعلها في بيت مال المسلمين. وقد صادر عمر ثروة كبيرة من عماله ، ولم يقبل دفاعهم واحتجاجهم بأنهم إنما استثمروا أموالهم فى التجارة قائلا لهم : إنما جئت بكم ولاة لا تجارا .( مسند الفاروق لابن كثير ). “وعن أبي حريز أن رجلا كان يهدى إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه كل سنة فخذ جزور. قال: فجاء يخاصم إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين اقض بيننا قضاء فصلا كما تفصل الفخذ من الجزور. قال: فكتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى عماله: لا تقبلوا الهدى فإنها رشوة .” ( السنن الكبرى للبيهقي).

 عبدالله بن رواحه –رضي الله عنه-  يرفض قبول الرشوة : فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ ” يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى خَيْبَرَ , فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودَ , قَالَ : فَجَمَعُوا حُلِيًّا مِنْ حُلِيِّ نِسَائِهِمْ , فَقَالُوا : هَذَا لَكَ , وَخَفِّفْ عَنَّا , وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ , فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : ” يَا مَعْشَرَ يَهُودَ وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ , وَمَا ذَلِكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ , وَأَمَّا الَّذِي عَرَضْتُمْ عَلَيَّ مِنَ الرِّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ , وَإِنَّا لا نَأْكُلُهَا ، قَالُوا : بِهَذَا قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ .( مالك في الموطأ والبيهقي والطبراني وقال الهيثمي في المجمع : رجاله رجال الصحيح)

عمر بن عبد العزيز يرفض الهدية خشية أن تجره للرشوة: ففي مُعلَّقاتِ البخاري الموصُولة عند غيره: أنَّ عمر بنَ عبد العزيز -رحمه الله- اشتَهى التفاحَ، فلم يجِدوا في بيتِه ولا ما يشترِي به، فخرَج وهو الخليفةُ آنذاك، فتلَقَّاه غلمانٌ بأطباق التفّاح، فتناوَل واحدةً فشَمَّها ثم ردَّها إلى الأطبَاق، فقيل له في ذلك، فقال: لا حاجة لي فيها، فقيل له: ألم يكن رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمَر يقبَلون الهديّة، فقال: “إنها لأولئك هديّة، وإنها للعُمَّال بعدهم رِشْوة”.

ثانياً: المواقف السلبية:

يأكل الرشوة فيمرض ولده: رجل يعمل بإحدى مؤسسات الدولة؛ لكن ما أن تقع يده على مهمة ما أو مصلحة لأحد المواطنين حتى يحاول أن يضرب له بسهم منها ويأخذ عن ذلك رشوة وكأنه حقه الشرعي, فيجمع المال الحرام, لكنه المسكين كان له طفل كثير المرض ما أن يعافى من مرض حتى يسقط طريح الفراش مرة أخرى, وكأن الله يرسل إليه إنذارا لعله يقلع عن أكل الحرام, استمر هذا الرجل على هذه الحال يأخذ من هنا ويمرض له ولده من هناك, حتى اشتكى حالة ابنه هذه لصديق له فكان خير صديق؛ فنصحه بأن يقلع عن أخذ الرشوة كي يشافى ابنه, قبل هذه النصيحة وأصر على ألا يدخل على بيته فلسا من حرام, فاشترى لحما من خالص عمله وأدخله على بيته وحين تناوله ابنه تلفظ قائلا: يا أبي أول مرة في حياتي أتذوق لذة اللحم!!! ازدادت قناعته وإيمانه فتاب إلى الله توبة نصوحا فشفى الله ابنه من مرضه؛ وهذا ليس قاصرا على ذلك الموظف؛ ولكن قس على ذلك كل وزارات ومؤسسات الدولة؛ إلا من رحم الله!!

الجزاء من جنس العمل: قصة سمعتها من أحد العلماء في وسائل الإعلام _ والعهدة عليه – يقول: كان هناك رجل مصري مرتشٍ يجمع بالرشوة أموالا طائلة؛ حتى أصبح من أغنى أغنياء العالم؛ فخاف على أمواله أن تصادر من قبل الدولة؛ فذهب إلى سويسرا ليضع أمواله هناك؛ فقال لهم: أريد أن أضع مالي في مكان لا يستطيع أن يفتحه غيري مهما كان الأمر؛ فقالوا له : نضعه في خزينة تغلق وتفتح ببصمة صوتك ( افتحي يا خزنة ؛ اقفلي يا خزنة ) !! ففعلوا ؛  فلما عاد إلى مصر بوقت ليس بطويل أصيب بسرطان في حنجرته فاقتلعها الأطباء ؛ فلم يصبح له صوت؛ فضاعت عليه أمواله ؛ والجزاء من جنس العمل !!

أيها المسلمون: قارنوا بين هذه المواقف الإيجابية والسلبية وبين ما يحدث في واقعنا المعاصر ( أترك لكم التعليق )

العنصر الرابع: وسائل القضاء على الرشوة

عباد الله: هناك عدة وسائل وطرق لمواجهة الرشوة والقضاء عليها واقتلاعها من جذورها ؛ ويمكن القضاء على جريمة الرشوة بطريقتين: الأولى: الطريقة الوقائية. والثانية: الطريقة العلاجية؛ وهاك البيان:

أولاً: الطريقة الوقائية: هناك عدة طرق للوقاية من مرض الرشوة؛ وكما قيل (الوقاية خير من العلاج)؛ وهذه الطرق الوقائية تتمثل فيما يلي:

1- تقوية الوازع الديني لدى الأفراد: حيث يعتبر الوازع الديني هو الرادع الأقوى والأجدى من جميع العقوبات الوضعية، فهو يمثل رقابة ذاتية على سلوك الفرد ويوجهه نحو الخلق الحسن والسلوك القويم؛ ويكون ذلك بترسيخ عقيدة التوحيد وأن الله وحده هو الرزاق في قلوب الناس، قال تعالى: {  وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}.(هود: 6). وقد رسَّخ النبي صلى الله عليه وسلم هذه العقيدة في قلوب أصحابه، فكان لها أثر كبير على سلوكهم، وذلك من خلال الكثير من أحاديثه الشريفة. فقد روى الترمذي عن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا”. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله ، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته” (الطبراني والبيهقي والحاكم وصححه)؛ فعلى الأئمة والوعاظ أن يكثروا من تذكير الناس بفناء الدنيا وما فيها من أموال وبيوم الحساب، وسرد الوعيد الوارد في أكل المال الحرام والظلم عموما، والوارد في الرشوة خصوصا .

أخي المسلم: إن تعجلك بجمع المال عن طريق الرشوة الحرام كان سبباً في منع الحلال من الوصول إليك، فمن استعجل الرزقَ بالحرام مُنِع الحلال، وأسوق لكم قصة رائعة تؤيد هذا الكلام: رُوِي عن علي رضي الله عنه أنه دخل مسجد الكوفة فأعطى غلامًا دابته حتى يصلي، فلما فرغ من صلاته أخرج دينارًا ليعطيه الغلام، فوجده قد أخذ خطام الدابة وانصرف، فأرسل رجلا ليشتري له خطامًا بدينار، فاشترى له الخطام، ثم أتى فلما رآه علي رضي الله عنه، قال سبحان الله! إنه خطام دابتي، فقال الرجل: اشتريته من غلام بدينار، فقال علي رضي الله عنه: سبحان الله! أردت أن أعطه إياه حلالا، فأبى إلا أن يأخذه حراما!!

فالسارق رزقه كان سيأتيه عن طريق الحلال ولكنه تعجله بطريق الحرام!! والمرتشي رزقه كان سيأتيه عن طريق الحلال ولكنه تعجله بطريق الحرام!! وقس على ذلك كل طرق الكسب المحرمة والمنتشرة في المجتمع!!

2- نشر الوعي الثقافي بين أفراد المجتمع: وذلك بأن نجعل في البرامج التعليمية في مختلف المستويات دروسا نشرح فيها مفاسد الرّشوة على الفرد والمجتمع وعاقبة أهلها في الدنيا والآخرة، وأخرى لبيان خطر أكل المال الحرام على المستوى الفردي والجماعي.

3 – تحسين الوضع الاقتصادي للموظفين: حيث إن أهم أسباب الرشوة هي المرتبات المتدنية التي لا تتناسب مع متطلبات المعيشة وغلاء الأسعار؛ لذلك لا بد من زيادة الرواتب للموظفين بشكل مستمر وتحسين مستوى المعيشة بحيث يتم توفير متطلبات عيش كريم لمنع مبررات الرشوة ؛ لأنه إذا أردنا لموظفينا أن تعف نفوسهم عن قبول الرشوة ، كان لزاماً على أولي الأمر أن يدرسوا واقع القوة الشرائية لمرتبات الموظفين ، بحيث تؤمن لأدناهم معيشة كريمة تغنيه عن الارتشاء ؛ فإذا ما ارتكب الموظف بعد ذلك جريمة الرشوة ، فإنه عندئذ يكون مجرماً ومستحقاً للعقاب ، لأنه لم يرتش لحاجة أو فقر ، إنما لدناءته وجشعه .

4- تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص وتقديم الكفاءات: وذلك بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب؛ لذلك شدد صلى الله عليه وسلم في أمر تقديم الكفاءات أيما تشديد؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَعْمَلَ رَجُلا مِنْ عِصَابَةٍ وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وخانَ رَسُولَهُ وخانَ الْمُؤْمِنِينَ» ( الحاكم وصححه )؛ وقَالَ أيضا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَحَدًا مُحَابَاةً ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا ، حَتَّى يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ” ( أحمد والحاكم). فالاختيار والتعيين للوظيفة يكون على أساس الكفاءة والمقدرة، وليس على أساس الوساطة والمحسوبية والرشاوى.

ثانيًا: الطرق العلاجية:

فقد سلك الإسلام في علاجه للرشوة طرقًا علاجية أدت إلى القضاء على جريمة الرشوة، تتمثل فيما يلي:

1- التعزير بالمال: ومن المعلوم أن المال حبب إلى النفس، والمرتشي لم يرتكب هذه الجريمة إلا من أجل المال، فإذا انتزع منه هذا المال، ووضع عليه ولاة الأمور عقوبة مالية أخرى، كان هذا من أفضل الطرق العلاجية للقضاء على الرشوة.

2- الحبس: فإذا رأى ولي الأمر أن الحبس عقوبة مناسبة للمرتشي فله ذلك ولا حرج، فإذا علم المرتشي أن هذه الرشوة سوف تحرمه من الحرية، حاسب نفسه وتوقف عن الرشوة.

3- العزلُ من الوظيفة: فيمكن لولي الأمر أن يعزل المرتشي عن وظيفته إذا أساء استخدامها بالحصول على الرشوة، وهذا العزل فيه تشهيرُ لكل من تسول له نفسه بقبول الرشوة، ويكون عبرة لغيره ممن يتولون المناصب ويأكلون أموال الناس بالباطل.

4– تفعيل دور الرقابة والمتابعة: وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب، وتطبيق مبدأ من أين لك هذا؛ حيث يتم محاسبة كافة المرتشين والفاسدين وصرفهم من الخدمة، أما من تثبت كفاءته ونزاهته يتم مكافئته ورفعته وترقيته إلى منصبٍ أعلى؛ وهذا فيه تحفيزٌ لغيره أن يحذو حذوه.

أيها المسلمون: علينا جميعا مكافحة هذا الداء من خلال تربية أفراد المجتمع تربية أخلاقية ودينية وتحسين الوضع الاقتصادي للمواطنين، إضافة إلى إيجاد الرقابة الفعالة والعقوبات الرادعة؛ كما يجب أن تستنهض كل همم الصالحين والمصلحين، وكل العلماء وأهل الحكم للوقوف بوجه هذا الوباء بحزم ، واتخاذ كافة سبل الوقاية والعلاج حتى يشفى المجتمع من هذا الداء الخطير، وينعم الناس بالأمن والعدل والاستقرار .

نسأل الله أن يرزقنا الرزق الحلال وأن يبارك لنا فيه؛ وأن يباعد بيننا وبين الحرام كما باعد بين المشرق والمغرب ؛؛؛؛؛؛

الدعاء،،،،                                                        وأقم الصلاة،،،،                               

   كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

                                                                                                                                  د / خالد بدير بدوي   

image_pdfimage_print
Print Friendly

عن admin

مجلس إدارة المجلة الدكتور أحمد رمضان الشيخ محمد القطاوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

WordPress spam blocked by CleanTalk.